«طالبان» تطرق أبواب كابل

«البنتاغون» يرسل 3000 جندي لحماية السفارة وتأمين إجلاء المواطنين... وبريطانيا تنتقد الانسحاب الأميركي

مقاتل من حركة «طالبان» يحرس عناصر من قوات الأمن الأفغانية استسلموا في مدينة غزنة جنوب شرقي كابل أمس (أ.ب)
مقاتل من حركة «طالبان» يحرس عناصر من قوات الأمن الأفغانية استسلموا في مدينة غزنة جنوب شرقي كابل أمس (أ.ب)
TT

«طالبان» تطرق أبواب كابل

مقاتل من حركة «طالبان» يحرس عناصر من قوات الأمن الأفغانية استسلموا في مدينة غزنة جنوب شرقي كابل أمس (أ.ب)
مقاتل من حركة «طالبان» يحرس عناصر من قوات الأمن الأفغانية استسلموا في مدينة غزنة جنوب شرقي كابل أمس (أ.ب)

أصاب التقدم العسكري السريع لحركة «طالبان» وسيطرتها على عواصم ولايات رئيسية في أفغانستان الإدارة الأميركية بالصدمة وسط مخاوف من السقوط الكامل للبلاد في أيدي الحركة التي باتت على أبواب كابل، في وقت انتقد وزير الدفاع البريطاني بن والاس، الانسحاب الأميركي محذراً من حرب أهلية في أفغانستان.
واستولت «طالبان» أمس (الجمعة)، على مدينة بولي علم عاصمة ولاية لوغار الواقعة على بعد 50 كيلومتراً فقط جنوب كابل، بعد يوم واحد من سيطرتها على غزنة جنوب شرقي العاصمة الأفغانية. وباتت الحركة تسيطر على نحو نصف عواصم الولايات الأفغانية. وقد سقطت جميعها في أقل من ثمانية أيام، حسبما ذكرت وكالة الصحافة الفرنسية. وأتى ذلك بعدما سيطر المتمردون (الجمعة) على لشكرجاه عاصمة ولاية هلمند في جنوب البلاد، بعد ساعات قليلة على سقوط قندهار ثانية مدن البلاد على بُعد 150 كيلومتراً إلى الشرق منها. وصرح مسؤول أمني كبير لوكالة الصحافة الفرنسية «تم إخلاء لشكرجاه. قرروا وقف إطلاق النار لمدة 48 ساعة لإتاحة خروج» عناصر الجيش والمسؤولين الإداريين.
وسيطرت «طالبان» كذلك من دون أن تواجه مقاومة (الجمعة) على شغشران عاصمة ولاية غور في الوسط. وأصبح الجزء الأكبر من شمال البلاد وغربها وجنوبها تحت سيطرة مقاتلي الحركة. وكابل ومزار شريف كبرى مدن الشمال، وجلال آباد (شرق) هي المدن الكبرى الثلاث الوحيدة التي لا تزال تحت سيطرة الحكومة.
وأعلنت الولايات المتحدة (الخميس) نشر قوات جديدة للمساعدة في إجلاء المواطنين الأميركيين والمقيمين الآخرين في العاصمة الأفغانية، يوم الخميس. وقال المتحدث باسم البنتاغون جون كيربي، إن الولايات المتحدة سترسل 3000 جندي لتأمين مطار كابل الدولي وبذل جهود إجلاء لموظفي السفارة الأميركية إلى جانب الأفغان الذين لديهم تأشيرة دخول خاصة. وأشار مسؤولون في البنتاغون إلى تحرك كتيبتين من مشاة البحرية الأميركية وكتيبة مشاة بالجيش متمركزة بالفعل في الشرق الأوسط، حيث يجري إرسال 1000 جندي من فريق دعم مشترك بين الجيش الأميركي والقوات الجوية في قطر إضافةً إلى فريق قتالي من لواء مشاة قاعدة «فورت براغ» في الكويت، إلى العاصمة الأفغانية. ووصف كيربي مهمة هذه القوات بأنها «لتوفير السلامة والحركة الآمنة للمدنيين في السفارة الأميركية» والوجود في وضع الاستعداد إذا لزم الأمر لتوفير الأمن في مطار كابل.
ورفض كيربي فكرة إعادة الأعداد السابقة من القوات الأميركية التي كان عددها يتراوح بين 2500 و3500 جندي قبل أن يأمر بايدن بالانسحاب، وقال إن «هذه مهمة مؤقتة للغاية ولغرض محدد للغاية. هناك فارق كبير بين القول بنشر قوات لمدة ثمانية أو تسعة أشهر لتحقيق الاستقرار وتأمين أفغانستان وهو ما كنا نقوم به طوال الأعوام العشرين الماضية، وبين هذا المهمة المحددة بشكل ضيق للغاية وموقف للغاية».
وتحاول الإدارة الأميركية دعم الحكومة الأفغانية، حيث تحدث وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، ووزير الدفاع لويد أوستن، مع الرئيس الأفغاني أشرف غني، وأخبراه بأن الولايات المتحدة لا تزال «ملتزمة بالحفاظ على علاقة دبلوماسية وأمنية قوية» مع الحكومة الأفغانية. ونفت وزارة الخارجية التكهنات بأن المسؤولَين نصحا غني بالتنحي. فيما ذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» أن زلماي خليل زاد، المبعوث الأميركي لمحادثات السلام الأفغانية، طلب من «طالبان» تجنيب السفارة الأميركية في أي هجوم أو المخاطرة بمصادرة تمويل المساعدات الدولية لأي حكومة أفغانية مستقبلية.
وقال المتحدث باسم الخارجية الأميركية نيد برايس: «كما قلنا طوال الوقت فإن الإيقاع المتزايد للاشتباكات العسكرية لحركة (طالبان) وما ينتج عن ذلك من زيادة العنف وعدم الاستقرار في جميع أنحاء أفغانستان يشكّل مصدر قلق بالغ وبناءً عليه فإننا نزيد من تقليص بصمتنا المدنية في كابل، وفي ضوء الوضع الأمني المتطور، فإننا نتوقع تقليص وجودنا الدبلوماسي الأساسي في أفغانستان في الأسابيع المقبلة».
ويعقد كبار مستشاري مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض اجتماعات مكثفة منذ الأربعاء الماضي لمتابعة الوضع المتدهور في ساحة المعركة في أفغانستان والخطط لإجلاء الأميركيين والمترجمين الأفغان فيما أجرى فريق بايدن الدبلوماسي في العاصمة القطرية الدوحة محادثات مع قادة حركة «طالبان». ولا يبدو أن هناك تحركات للتراجع عن قرار الانسحاب من أفغانستان داخل أروقة الإدارة الأميركية حيث تعتمد الإدارة على أن الرأي العام الأميركي والأغلبية الساحقة من الأميركيين تدعم قرار الانسحاب من أفغانستان.
وكان الرئيس الأميركي قد أعلن (الثلاثاء) أن الولايات المتحدة أنفقت أكثر من ألف مليار دولار على مدى عشرين عاماً على تدريب وتجهيز أكثر من 300 ألف جندي أفغاني. وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض جين ساكي، إن وجهة نظر الرئيس بايدن هي أن يتولى الأفغان استغلال هذا التدريب الذي تم توفيره لهم للدفاع عن بلادهم. وشددت على أن الإدارة الأميركية لا تشعر بخيبة الأمل من نتائج العمل العسكري الذي يقوم به الجيش الأفغاني.
في غضون ذلك، حذرت الأمم المتحدة من كارثة إنسانية في أفغانستان مع فرار المدنيين من الأقاليم التي كانت مسرحاً لبعض أعنف المعارك. وتدرس دولتان من أعضاء مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة إصدار بيان لإدانة «طالبان». وأعدت كل من النرويج وإستونيا بياناً جاء فيه أن «مجلس الأمن يدين بأشد العبارات الممكنة الهجمات المسلحة التي تشنها قوات (طالبان) على مدن وبلدات في أنحاء أفغانستان تسفر عن سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين». ينص البيان على أن مجلس الأمن «يؤكد بشدة أن إمارة أفغانستان الإسلامية غير معترف بها في الأمم المتحدة، ويعلن أنه لا ولن يدعم إقامة أي حكومة في أفغانستان تفرض بالقوة العسكرية أو استعادة إمارة أفغانستان الإسلامية لأفغانستان».
وحذرت عدة وكالات من كارثة إنسانية، حيث أدى تقدم «طالبان» إلى نزوح عشرات الآلاف من منازلهم وسط انتشار الجوع. وقال تومسون فيري، من برنامج الأغذية العالمي في إفادة للأمم المتحدة: «ما نخشاه هو أن الأسوأ لم يأتِ بعد... موجة جوع كبرى تقترب بسرعة... الموقف يحمل كل السمات المميزة لكارثة إنسانية»، حسب وكالة «رويترز». فيما أشارت المفوضة السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين شابيا مانتو، إلى أن أكثر من 250 ألف شخص أُجبروا على ترك منازلهم، و80% منهم من النساء والأطفال وينامون في العراء بسبب عدم وجود مأوى لهم.
وفي لندن، أعلن وزير الدفاع البريطاني بن والاس (الخميس)، أن نحو 600 جندي سيساعدون في إجلاء الرعايا البريطانيين من أفغانستان، مع سيطرة «طالبان» على مزيد من الأراضي. لكنه قال لشبكة «سكاي نيوز» إن قرار الولايات المتحدة سحب قواتها «يترك مشكلة كبيرة جداً على الأرض»، ما يعطي زخماً للمتمردين. وتوقع أن ذلك سيكون مفيداً لتنظيم «القاعدة» الذي منحته «طالبان» ملاذاً آمناً قبل هجمات 11 سبتمبر (أيلول) التي نتج عنها تورط الغرب لمدة 20 عاماً في أفغانستان. وأضاف: «أنا قلق للغاية من أن الدول الفاشلة هي أرض خصبة لهذا النوع من الناس». وقال: «بالطبع سيعود (القاعدة) على الأرجح»، محذراً من أن ذلك قد يؤدي إلى «تهديد أمني لنا ولمصالحنا»، حسبما ذكرت وكالة الصحافة الفرنسية.
وأشار والاس إلى اتفاقية الدوحة الموقّعة بين الولايات المتحدة و«طالبان»، بالقول: «شعرت أن فعل هذا بتلك الطريقة كان خطأ، وأننا كمجتمع دولي ربما ندفع عواقب ذلك». وقال إن الاتفاقية، التي تم توقيعها في عهد الرئيس السابق دونالد ترمب العام الماضي، لم تترك لبريطانيا خياراً سوى سحب قواتها.
وقال والاس، أمس، أيضاً لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) إن أفغانستان تتجه لحرب أهلية وعلى الغرب أن يتفهم أن «طالبان» ليست كياناً واحداً، وإنما هي مسمى لعدد كبير من المصالح المتنافسة. وقال: «اكتشفت بريطانيا في ثلاثينات القرن التاسع عشر أنها دولة يقودها أمراء الحرب وتقودها أقاليم وقبائل مختلفة، وما لم تكن حذراً جداً سينتهي بك الأمر إلى حرب أهلية، وأعتقد أننا نتجه نحو حرب أهلية».
وفي أوسلو، أعلنت وزارة الخارجية النروجية أمس (الجمعة)، إغلاقاً مؤقتاً لسفارة النرويج في كابل وإجلاء جميع موظفي السفارة بسبب تدهور الوضع الأمني. وقالت وزيرة الخارجية النرويجية إيني إريكسن سوريدي، في مؤتمر: صحافي «هذا ينطبق أيضاً على الأفغان العاملين محلياً والذين لديهم عائلة قريبة في النرويج ويرغبون» في أن يتم إجلاؤهم، حسب وكالة الصحافة الفرنسية. كذلك قال وزير الخارجية الألماني هايكو ماس، أمس، إن ألمانيا ستقلص عدد موظفي سفارتها في كابل إلى الحد الأدنى وستعزز الإجراءات الأمنية في المجمع، مكرراً مواقف مماثلة أعلنتها الولايات المتحدة وحكومات غربية أخرى.
وفي طهران، دعت وزارة الخارجية الإيرانية أمس، إلى ضمان سلامة بعثتها الدبلوماسية في مدينة هرات الأفغانية. وكتب المتحدث باسم الوزارة سعيد خطيب زاده، عبر «تويتر»، إن «الجمهورية الإسلامية، ومع إبداء قلقها إزاء تصاعد أعمال العنف في أفغانستان ونظراً لسيطرة (طالبان) على مدينة هرات، تدعو لضمان السلامة الكاملة للمقرات الدبلوماسية وحياة الدبلوماسيين».



أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.