إشارات طهران توحي بأن رئيسي مرتاح للتصعيد مع الغرب

رغم أجواء المحاكمة الجارية في السويد

الضغوط الابتزازية المتزايدة من قِبل إيران على الدول الغربية، قد تؤدي إلى اقتناع الطرفين الأميركي والأوروبي بضرورة العودة لسياسة الضغوط القصوى على إيران
الضغوط الابتزازية المتزايدة من قِبل إيران على الدول الغربية، قد تؤدي إلى اقتناع الطرفين الأميركي والأوروبي بضرورة العودة لسياسة الضغوط القصوى على إيران
TT

إشارات طهران توحي بأن رئيسي مرتاح للتصعيد مع الغرب

الضغوط الابتزازية المتزايدة من قِبل إيران على الدول الغربية، قد تؤدي إلى اقتناع الطرفين الأميركي والأوروبي بضرورة العودة لسياسة الضغوط القصوى على إيران
الضغوط الابتزازية المتزايدة من قِبل إيران على الدول الغربية، قد تؤدي إلى اقتناع الطرفين الأميركي والأوروبي بضرورة العودة لسياسة الضغوط القصوى على إيران

عندما أُعلن فوز إبراهيم رئيسي بالانتخابات الرئاسية الإيرانية يوم 19 يونيو (حزيران) الماضي، كان دبلوماسيون أوروبيون في العاصمة النمساوية فيينا يتهامسون سراً حول تأثير فوزه على مستقبل العلاقات مع الغرب. إذ إن الرجل موضوع على لائحة العقوبات الأميركية لدوره في إعدامات عام 1988 في إيران. ومع أن الاتحاد الأوروبي لم يصنفه بالشكل نفسه، فإن الدبلوماسيين هؤلاء كانوا يعرفون أن التعامل معه لن يكون سهلاً أو مقبولاً، على الأقل من الناحية الأخلاقية. غير أنهم، سرعان ما أدركوا بعد ذلك، بأنه سيكون عليهم التعامل معه ومع حكومته، على الرغم من إصرارهم آنذاك على الإحجام عن تهنئته بشكل مباشر له؛ نظراً لرفضهم الاعتراف بشرعية الانتخابات التي أوصلته إلى السلطة.
من ناحية أخرى، كانت المباحثات النووية مع الوفد الذي كانت أرسلته حكومة حسن روحاني إلى فيينا، قد انتهت بعد يوم على إعلان فوز رئيسي، أو قل دخلت في غيبوبة ما زالت مستمرة حتى اليوم بانتظار اتخاذ رئيسي قراراً باستئنافها. ومع استمرار هذه الغيبوبة، واستغلال إيران غياب مراقبة الوكالة الدولية للطاقة الذرية لبرنامج النووي للتقدم به، بدت الدول الغربية وكأنها قرّرت التغاضي عن تاريخ رئيسي الدموي، وبالتالي، مدّ يدها له. وفعلاً، بعث الاتحاد الأوروبي، الوسيط في المفاوضات النووية بين طهران وواشنطن، بأنريكي مورا الذي يقود المفاوضات النووية، إلى طهران للمشاركة بحفل تنصيب الرئيس الجديد؛ عله يعود بوعود ثابتة لاستئناف المباحثات. ومع أن مورا عاد بوعد على ما يبدو باستئنافها في سبتمبر (أيلول) المقبل، فإن الصورة التي خرجت من حفل تنصيب روحاني قالت الكثير. فالمبعوث الأوروبي، وهو نائب مفوض الشؤون الخارجية في الاتحاد، كان يجلس في الصف الثاني وعلى الطرف. وأمامه، في وسط ومقدمة القاعة، جلس ممثلا حركة «حماس» و«حزب الله»، التنظيمان الموضوعان على لائحة الإرهاب الأوروبية («حزب الله» بذراعه العسكرية فقط). ولذا؛ تساءل عدد من المعلقين على الصورة، وما إذا كانت العلاقة بين الغرب وإيران في ظل حكم رئيسي ستكون شبيهة بتلك الصورة.
قد لا يكون من المبكر جداً الحكم على ما إذا كانت الدول الغربية ستسمح لإيران بالتحكم بشكل العلاقة أو وديناميكيتها بينهما. فحقيقة الأمر، أنه لم يمض على تنصيب إبراهيم رئيسي رئيساً جديداً لإيران بعد إلا أيام قليلة، ولكن، مع ذلك تشير تشكيلته الحكومية التي قدمها إلى البرلمان هذا الأسبوع للموافقة عليها، وبوضوح تام إلى الاتجاه المتشدد الذي يبدو أن إدارة رئيسي ستسير فيه.
حقاً، من الواضح بأن التشكيلة التي اختارها رئيسي لفريق عمله تحمل شيئاً من التحدي للغرب. ذلك أن نصف الوجوه في التشكيلة المقترحة وزراء سبق لهم أن خدموا في حكومة محمود أحمدي نجاد المتشددة. ومعلوم أن بين الوزراء المقترحة أسماؤهم، أحمد وحيدي الذي رشحه رئيسي لتولي منصب وزارة الداخلية مع أنه مطلوب على لائحة «الإنتربول» الحمراء لدوره في تفجيرات بوينس آيرس عاصمة الأرجنتين عام 1994، ثم إنه كان رئيساً سابقاً لـ«فيلق القدس» في «الحرس الثوري». كذلك، اختار رئيسي لمنصب وزير الخارجية متشدداً آخر هو حسين أمير عبد اللهيان، الدبلوماسي المحافظ المدعوم من «الحرس الثوري»، والذي يتكلم العربية بطلاقة، وهو معروف بعلاقته الوثيقة من «حزب الله» اللبناني. وكان أمير عبد اللهيان قد خدم في وزارة الخارجية إبان فترة أحمد جواد ظريف... غير أنه ابتعد عن الوزارة في العامين الأخيرين إثر خلافات مع فريق ظريف.
- لا نية للتفاهم
بهنام بن طالبلو، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات» في العاصمة الأميركية واشنطن، يصف أمير عبد اللهيان في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» بأنه «أكثر تشدداً بكثير» من وزير الخارجية السابق طريف. ويرى بن طالبلو أن اختياره يشير إلى أن رئيسي «لا يشعر بالحاجة إلى إرضاء الغرب كما كان يفعل سلفه (الرئيس السابق حسن روحاني) عبر اختياره وزيراً للخارجية (ظريف) يتقن اللغة الإنجليزية ويستطيع التفاهم مع الغرب». ويعتقد ويرى الباحث الأميركي - الإيراني الأصل، أن اختيار أمير عبد اللهيان يثبّت الاعتقاد بأن إدارة رئيسي «مرتاحة مع فكرة التصعيد» مع الغرب بدرجة أكبر بكثير من إدارة روحاني.
على صعيد آخر، مع أن الرئيس في إيران ليس السلطة الأقوى في هرم السلطة، ولا يعود له القرار الأخير في القضايا الكبرى، فهو ما زال يحمل تأثيراً معيناً. وهنا يقول علي واعظ، الباحث في «مجموعة الأزمات الدولية» - وهو مقرّب من الدكتور روبرت مالي، المبعوث الأميركي إلى إيران، الذي يقود المفاوضات النووية في فيينا - شارحاً «... رغم ذلك، فإن الرئيس ووزراءه يلعبون دوراً كبيراً في إدارة المفاوضات وتمثيل إيران على الساحة الدولية». ويضيف فايز خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» بأن وصول «رئيسي المتشدد إلى الحكم يدعو للقلق» فيما يتعلق باتجاه السياسة الداخلية والخارجية لإيران. ويرى فائز «أن ماضي رئيسي وخطابه إبان الحملة الانتخابية وبعدها، ومن ثم تسلم المتشددين مقاليد السلطة في إيران، قد تكون كلها إشارات إلى مقاربة أكثر آيديولوجية وأقل براغماتية خاصة تجاه الغرب».
- ماضي رئيسي
وبالفعل، لا يظهر أن ماضي إبراهيم رئيسي ليس في وارد مفارقته. فهذا الماضي يطارده الآن في المحاكم الأوروبية، حيث افتتحت محكمة سويدية في استوكهولم مطلع الأسبوع محاكمة ضد مسؤول إيراني يدعى حميد نوري، كان قاضياً عندما ألقي القبض عليه في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019. وهو يحاكم اليوم بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، والتورّط بعمليات قتل جماعي، وتعذيب سجناء في إيران عام 1988. وترتبط هذه القضية بشكل مباشر بإبراهيم رئيسي الذي عرضت حتى صورته داخل قاعة المحكمة أمام قضاة سويديين، وعرّف عنه الادعاء الذي عرض صورته بأنه كان خلال عام 1988 أحد القضاة الأربعة في «لجنة الموت». وكانت هذه «اللجنة» - حسب تعريف الادعاء - قد أصدرت آنذاك «أوامر تعسفية بقتل مئات السجناء السياسيين من دون محاكمات وخلال بضع دقائق». ووفق كلام المدعي العام، فإن المتهم حميد نوري - الذي عمل آنذاك مساعد آمر سجن غوهرداشت، في ضواحي طهران - كان يصطحب السجناء إلى «لجنة الموت» ثم يقودهم إلى المشانق.
وعلى الرغم من أن رئيسي ليس هو من يخضع للمحاكمة، فإن توريط الادعاء السويدي إياه بجرائم القتل الجماعية تلك قد يكون له تأثير كبير على رئاسته. ولكن حول هذه النقطة يلفت علي واعظ إلى أن رئيسي «يتمتع بالحصانة الدبلوماسية؛ كونه رئيس دولة»، وهذا ما قد يمنع محاسبته في محاكم غربية تعتمد مبدأ الولاية القضائية العالمية، التي تسمح لها بمقاضاة أي شخص متورّط بجرائم ضد الإنسانية ارتكبت في أي مكان بالعالم. غير أن فائز يعتقد بأن هذه الحصانة لن توقف عنه تأثيرات أخرى. ويشير إلى أن دوره في الإعدامات الجماعية التي نفّذت عام 1988 (يعتقد أنها أدت إلى قتل قرابة 5 آلاف سجين سياسي) «ستزيد بشكل كبير بالنسبة للحكومات الغربية التكلفة السياسية للانخراط الدبلوماسي مع حكومته».
من جهتها، تصف سنام وكيل، الباحثة في معهد تشاتام هاوس بالعاصمة البريطانية لندن، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، محاكمة السويد وما قد يخرج منها عن دور رئيسي بأنها «شديدة الإحراج بالنسبة إليه». وتضيف «ستكشف الرئيس الإيراني بطريقة خطرة للغاية، وهذا ما سيحد من قدرته على التعامل بشكل مباشر مع الدول الأوروبية». وتستطرد قائلة إنها «لا تتوقع» من رئيسي السفر إلى أوروبا أو أماكن معينة من العالم؛ تفادياً لأي إحراج أو حتى تفادياً لخطر القبض عليه. والجدير بالذكر، أن الشرطة السويدية كانت قد ألقت القبض على نوري عندما جاء إلى السويد عبر مطار ستوكهولم - أرلاندا الدولي في أكتوبر (تشرين الأول) 2019، من دون أن يكون على علم بأن ثمة قضية مرفوعة ضده، وبأنه مطلوب في السويد. ولذا؛ فور خروجه من الطائرة أوقف وأدخل السجن، حيث يقبع منذ ذلك الحين.
ولكن التفاوض مستمر!
مع هذا، فإن أوروبا ما زالت حريصة على استقبال الوفد الإيراني المفاوض الذي لم يحدّده رئيسي بعد، لاستكمال المفاوضات النووية مع واشنطن في فيينا بهدف إعادة العمل بالاتفاق النووي كاملاً. ومعلوم، أن إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب كانت قد أخرجت الولايات المتحدة من الاتفاق عام 2018.
وعلى ما يبدو، فإن الرئيس الإيراني أبلغ الاتحاد الأوروبي بأنه سيرسل الوفد في سبتمبر المقبل بعد تسميته لاستئناف المفاوضات غير المباشرة مع واشنطن. لكن عودة الوفد الإيراني المفاوض إلى فيينا، وهو سيكون وفداً جديداً من دون شك، لا تعني بالضرورة إكمال التفاوض بهدف التوصل لاتفاق. وهنا يقول فائز «مع وصول المتشددين إلى السلطة، فإن مناورة شفير الهاوية قد تحصد تأييداً في طهران كطريقة لسحب المزيد من التنازلات من واشنطن». ويتابع «غير أن هذا التقدير خاطئ للغاية»، ويمكن أن يؤدي إلى إعادة فرض كامل العقوبات على إيران. ويستبعد الباحث الأميركي - الإيراني أن يؤدي التشدد الإيراني إلى ليونة أميركية أكبر في المفاوضات، ويقول إن أي ليونة أميركية «سيُنظر إليها في طهران على أنها دليل بأن مقاربتهم الأكثر تشدداً تجبر الولايات المتحدة للتراجع، وتشجع بالتالي على المزيد من التعنت الإيراني».
مع هذا، أظهرت الولايات المتحدة حتى الآن ليونة غير قليلة في محاولاتها إقناع إيران بالعودة لالتزاماتها النووية. ويرى بن طالبلو أن «واشنطن حريصة على تقديم تنازلات لإيران... وهذا كان ظاهراً في الأشهر الماضية من خلال رفع الحوثيين عن لائحة الإرهاب مثلاً»، وتطرق أيضاً إلى الخطوات التي اتخذتها أو لم تتخذها واشنطن، مثل تفادي الرد على استفزاز واستهداف قواتها في العراق من قبل ميليشيات عراقية مدعومة من إيران، والامتناع عن الرد على اعتداء إيران على سفن في البحر الأحمر.
وبالتالي، يعتبر بن طالبلو أن السؤال المطروح الآن هو إلى أي مدى ستواصل إدارة بايدن منح إيران الفرصة تلو الفرصة والتغاضي عن التصعيد؟ وحول هذا الأمر يقول «الخطيئة الأولى لإدارة (الرئيس جو) بايدن أنها قبلت بأن تأتي المفاوضات للعودة للاتفاق النووي في المقام الأول، وكل شيء آخر يحل ثانياً». ويتابع، أن «هذا المبدأ يجعل من الصعب على الإدارة الأميركية الحالية أن تتراجع عن سياسة اليد إلى إيران لأنها بنت خطابها حول إيران حول انعدام جدوى سياسة الضغوط القصوى التي اعتمدتها إدارة ترمب».
- اجتماع فيينا المقبل
قد يكون الاجتماع المقبل لمجلس المحافظين في الوكالة الدولية للطاقة الذرية، الاختبار الأول لـ«مدى طول صبر» إدارة بايدن مع إيران. فالاجتماع الدوري الذي سيعقد في منتصف سبتمبر المقبل في مقر الوكالة بفيينا، سيناقش الالتزامات الإيرانية النووية وخروق طهران المتزايدة لها، وتخصيبها اليورانيوم لدرجة تصل إلى 60 في المائة، علماً بأن الاتفاق النووي لا يسمح لها بالتخصيب بمستوى أعلى من 3.75 في المائة. ويزيد من كل ذلك، أن مفتشي الوكالة لم يعد لهم وصول كبير إلى المواقع النووية منذ فبراير (شباط) الماضي، كما لم تسلّم إيران أشرطة الفيديو من كاميرات المراقبة التي نصبتها الوكالة في المواقع النووية أيضا منذ ذلك الحين.
قبل أكثر من شهر، قال أمين عام الوكالة رافائيل غروسي بأنه ما عاد بإمكان الوكالة أن تعرف بالضبط ما الذي يحصل في برنامج إيران النووي، وأنها تعمل على التقديرات فقط من خلال الوصول المحدود المسموح لها الآن. وفي الاجتماع الأخير لمجلس المحافظين في يونيو الماضي، تفادى المجلس إصدار أي إدانة لإيران لأن الجولة السادسة كانت منعقدة آنذاك في فيينا.
بناءً عليه؛ يصف بن طالبلو اجتماع المجلس المقبل بأنه «سيكون حاسماً؛ لأن الجميع كان يظن أن تخصيب إيران اليورانيوم بمستوى 20 في المائة كان هو الحد الأقصى، ولكن إيران الآن وصلت لتخصيب اليورانيوم بمستوى 60 في المائة ولم يصدر أي رد فعل». وعندما أعلنت حكومة روحاني رفع التخصيب لهذا المستوى المرتفع في يونيو الماضي، اكتفت الدول الأوروبية بإصدار بيان يدعوها فيه للتراجع رغم إشارتها المهمة بأنه «ليس هناك سبب سلمي وجيه» يدعو لتخصيب اليورانيوم بهذا المستوى. وهنا يعتقد بن طالبلو، أن على الدول الأوروبية والولايات المتحدة اعتماد «سياسة الضغط المشتركة» لحث إيران على التراجع عن تصعيدها النووي.
هذه الضغوط الابتزازية المتزايدة من قِبل إيران على الدول الغربية، قد تؤدي إلى اقتناع الطرفين الأميركي والأوروبي بضرورة العودة لسياسة الضغوط القصوى على إيران. وحسب الباحث علي واعظ «في حال لم يعد العمل بالاتفاق النووي في نهاية العام الحالي، فإنه سيصبح عديم الفائدة على الأرجح... ويؤدي إلى عودة العقوبات الأممية والأوروبية على إيران؛ لأن خبراء أميركيين يقدرون أن نقطة اللاعودة عن التقدم في البرنامج النووي الإيراني باتت على بعد أسابيع أو أشهر قليلة».
- شهر مقبل حاسم بين إيران والقوى الغربية
> خلال الأشهر الماضية اكتسبت إيران من دون شك تكنولوجيا نووية يصعب عكسها، وهي نقطة كانت تقلق المفاوضين الأوروبيين والأميركيين في فيينا.
لقد نجحت إيران في تحقيق هذا التقدم بعدما أعلنت في فبراير (شباط) الماضي وقف التعاون بالبروتوكول الإضافي للاتفاق النووي؛ وهو ما كان يكفل للمفتشين الدوليين وصولاً واسعاً وغير محدد إلى المواقع النووية الإيرانية. وحينذاك، أوقفت طهران أيضاً تسليم الوكالة الدولية أشرطة الفيديو من المواقع النووية، وقالت إنها ستسلمها إياها فقط في حال حصل اتفاق سياسي مع واشنطن لرفع العقوبات عنها، وإلا فستتلف الأشرطة؛ ما يعني بأن الوكالة الذرية ستبقى في الظلمة حول تقدم برنامج إيران النووي. ثم زاد الوضع تعقيداً رفض إيران في منتصف يونيو (حزيران) الماضي، تمديد اتفاق مؤقت كانت توصلت إليه مع رافائيل غروسي (أمين عام الوكالة) إثر تعليقها العمل بالبروتوكول الإضافي، بعدما مددته مرة واحدة. وحتى الآن من غير المعروف ما إذا كانت إيران قد أطفأت كاميرات المراقبة الخاصة بالوكالة وأتلفت أشرطة الفيديو التي تسجل النشاطات داخل المفاعل النووية منذ قرابة سبعة أشهر، أم أنها ما زالت تبقي عليها بانتظار التوصل لاتفاق.
هذا التصعيد الإيراني في مواجهة الغرب قد يكون اقترب من «الانفجار». فالشهر المقبل سيكون حاسماً في تحديد العلاقة بين الطرفين، سواءً كان في المفاوضات النووية التي يعتقد مسؤولون أميركيون بأن التوصل لاتفاق فيها بات أبعد، أو في اجتماع مجلس المحافظين التابع للوكالة الذي قد يشهد تبنيه قراراً يدين تصرفات إيران النووية ورفضها التعاون مع الوكالة. وبغض النظر عن أي طريق ستختارها إدارة إبراهيم رئيسي في التعاطي مع الغرب، فإن العلاقة بين الطرفين ستكون «وعرة» بأقل تقدير – حسب تعبير الخبير بهنام بن طالبلو - الذي يرى أن لدى رئيسي «كل الحوافز للتصعيد مع الغرب بهدف تقوية موقفه». ويضيف، أن إيران «ستصل إلى نقطة ترى فيها أن سلطة الولايات المتحدة بدأت تتضاءل» في حال استمرت بتقديم تنازلات لها، وفي حال رفض الغربيون الالتزام عملياً بتعهدهم بمحاسبة إيران فيما يتعلق بحقوق الإنسان، خاصة، في ظل المحاكمة الجارية في السويد.



«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

فتح ملف إعادة إعمار المناطق المتضرّرة في لبنان سجالاً سياسياً حول الجهة التي يفترض أن تتحمّل التكلفة، بعدما حمّل «حزب الله» الحكومة مسؤولية أساسية عن الإيواء وإعادة الإعمار ودعم النازحين. وفي حين أكد الحزب أنه «يعمل على برنامج خاص بهذا الملف متى توافرت الإمكانات المالية»، برزت في المقابل مواقف نيابية معارضة رأت في هذا الطرح إقراراً بعجز الحزب عن تحمّل الأعباء، وربطت أي معالجة مستدامة بإعادة الملف كاملاً إلى الدولة وحصر السلاح بيدها. يأتي هذا السجال في ظل استمرار معاناة متضررين ونازحين من الحرب، وفي وقت لم تتبلور فيه بعد آلية شاملة لتمويل إعادة الإعمار، وسط نقاش سياسي يتجاوز مسألة تأمين الأموال إلى تحديد المسؤوليات وشروط مساهمة الدولة والجهات المانحة.

النائب عن «حزب الله» حسن فضل الله يغادر البرلمان اللبناني وسط بيروت 14 يونيو 2023 (رويترز)

تكشف أرقام جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» عن أن ملف إعادة الإعمار والإيواء في لبنان لا يرتبط بأضرار حرب 2026 وحدها، بل يأتي فوق خسائر حرب 2024 التي لم يكن لبنان قد انتهى من معالجتها. ففي عام 2024، بلغت الأضرار المادية المباشرة نحو 6.8 مليار دولار أميركي، بينها 4.6 مليار دولار في قطاع السكن، في حين قُدِّرت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 11 مليار دولار، قبل أن تضيف الحرب الجديدة أضراراً واسعة إلى المباني والمساكن والبنى التحتية.

في الواقع، لا تتوافر حتى الآن حصيلة وطنية نهائية لتكلفة أضرار حرب 2026 أو احتياجات إعادة الإعمار، في ظل استمرار العمليات وتأخر اكتمال التقييمات. غير أن الأرقام المرحلية التي جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» تُظهِر أن الأضرار المباشرة في المباني تجاوزت، حتى شهر أبريل (نيسان) 2026، نحو 1.745 مليار دولار في جنوب لبنان وبيروت وجبل لبنان، بينها أكثر من 1.38 مليار دولار في الجنوب وحده، وأكثر من 365 مليون دولار في بيروت وجبل لبنان. وهذه أرقام جزئية لا تمثل التكلفة النهائية للحرب، ومن ثم، لا يمكن مقارنتها مباشرة بالتقييم الوطني الشامل لأضرار 2024.

أكثر من 21 ألف وحدة سكنية مُدمَّرة

تتبيّن خطورة الأزمة بصورة أوضح في القطاع السكني. إذ بلغ عدد المباني المدمّرة بالكامل 11 ألفاً و95 مبنى في المنطقة جنوبي نهر الليطاني، إضافة إلى 146 مبنى في بيروت وجبل لبنان. كذلك أظهرت التقييمات تدمير 17 ألفاً و891 وحدة سكنية بالكامل في جنوب لبنان، و3168 وحدة في بيروت وجبل لبنان، بما يزيد على 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن المناطق التي شملتها التقييمات حتى تلك المرحلة.

وتترافق هذه الخسائر مع كمّيات ضخمة من الرّكام، بلغت نحو 3.1 مليون متر مكعب في جنوب لبنان ونحو 649 ألف متر مكعب في بيروت وجبل لبنان. ويعني ذلك أن العودة لا ترتبط بإعادة بناء المنازل فحسب؛ إذ ستحتاج مناطق واسعة أولاً إلى إزالة الركام وتأهيل الطرق وشبكات المياه والكهرباء والخدمات الأساسية، قبل أن يصبح من الممكن إعادة السكان إليها بصورة مستقرة.

النزوح يوسّع أزمة الإيواء

ويتقاطع الدمار السكني هذا مع أزمة إيواء ونزوح واسعة. إذ وفق البيانات الدولية، نزح نحو مليون شخص داخلياً في بداية التصعيد، في حين عبر نحو 100 ألف شخص إلى سوريا. وحتى الأول من شهر سبتمبر (أيلول) 2026، بقي 329 ألفاً و240 شخصاً في حالة نزوح داخلي؛ الأمر الذي يعكس استمرار الحاجة إلى حلول إيواء مؤقتة ومتوسطة الأجل، ولا سيما للعائلات التي دمّرت منازلها أو باتت بلداتها تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات العودة.

بلغ عدد المباني المُدمّرة بالكامل

11 ألفاً و95 مبنى

في المنطقة جنوبي نهر الليطاني

عودة إلى الأصل أي... الدولة

في هذا السياق، طرح الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم التزام الحزب بالمساهمة في تأمين الإيواء والإعمار للمتضرّرين في الجنوب، إلى جانب حثّ الدولة على القيام بدورها، وقال إن الحزب «سيعلن قريباً عن مساهمته في مشروع للإيواء».

إلا أن النائب إبراهيم منيمنة قال في لقاء مع «الشرق الأوسط» معلّقاً إن «(حزب الله)، على مدى سنوات، كان يأخذ رصيد الحكومة ويجيّره لنفسه». وأشار إلى أنه «في عام 2006 كانت الدول العربية تؤمّن القسم الأكبر من التمويل، لكن (حزب الله) استغل بعض الثغرات في أداء الدولة وحاول أن يحوّل هذا الرصيد لنفسه». وأردف منيمنة: «أما الآن، فيعود إلى الأصل، وهو الدولة. الدولة هي التي ستقوم بإعادة الإعمار... وهذا اعتراف من الحزب بأنه لن يقدر على الاستغلال».

منيمنة، وهو من نواب بيروت، توقّف أيضاً عند كلام النائب حسن فضل الله - أحد نواب «حزب الله» ومنطقة الجنوب - عن أن الدولة لديها الأموال، فقال: «المفارقة عندما يقول (فضل الله) إن الدولة لديها المال، وكأنه يحاول أن يتّهم هذه الدولة بأنها لا تقوم بواجباتها في هذا الموضوع، فيما هو يعلم أن هذا الكلام ليس صحيحاً، وهم أي الحزب ممثلون في الحكومة، وبالتالي فإن كلام الحزب غير دقيق وشعبوي».

وتابع منيمنة: «مَن يريد اليوم أن يضع ملف إعادة الإعمار، فعليه أن يدخل أولاً إلى الحكومة ويناقشه فيها، وأن ينفّذ قرارات الحكومة، أو الدولة، المتعلّقة بحصر السلاح. هذه أول خطوة حتى تكون مدخلاً إلى إعادة الإعمار».

جدير بالذكر، أن النائب فضل الله، كان في وقت سابق قد شدّد على أنه «عندما يكون هناك حكومة في لبنان، فهي المسؤولة عن شعبها وعن كل مواطن على أرضها مهما كانت أسباب الحرب، سواء كنّا معها أو معارضة لها، علماً أن لديها الإمكانات والقدرات المالية والاقتصادية».

وأضاف: «وبدل أن تصرف هذه الإمكانات في مواضع في غير أماكنها، يمكنها أن تُسخّر جزءاً من الإمكانات لموضوع إعادة الإعمار والإيواء ولدعم النازحين. وهذه مسؤولية أساسية على الحكومة، ومهما كان الخلاف معها، سنحمّلها المسؤولية، ونحن نعمل من خلالها والمجلس النيابي، لتوفير ما أمكن من موارد مالية لأجل هذا الملف».

في المقابل، أوضح منيمنة أن «التردّد في إعادة الإعمار ليس لأن الدولة لا تقوم بواجباتها»، واستطرد: «أولاً، الدول المانحة التي ستساعد على الإعمار ليست مستعدة لأن تضع أموالاً ثم تحصل حرب جديدة. ومن ناحية ثانية، النقاش حول حصر السلاح لم ينتهِ ولم يُحسم هذا الموضوع... بالتالي، هذا الكلام، ولو أن فيه اعترافاً ضمنياً بدور الدولة، فهو في الدرجة الأساسية كلام منقوص»، موضحاً أن «هناك مسؤولية على (حزب الله) بأن يدخل فعلاً إلى الدولة من خلال ملف حصر السلاح».

وعن مسؤولية «حزب الله» تجاه تعويض المتضررين، قال منيمنة: «برأيي، هو أساساً في هذا المجال لم يفِ بوعوده، والناس في حالة تذمّر لأنه لا يوجد تمويل، حتى لأعمال الإيواء، خصوصاً للناس الذين ما زالوا مهجرين... وواضح أن (حزب الله) غير قادر اليوم على القيام بهذا الملف، وبما أنه لم يعد قادراً، فقد تخلّى عنه».

الحكومة مسؤولة عن شعبها

وفي موازاة ذلك، يتردد في أوساط داخل بيئة «حزب الله» أن الحزب يعد خلال الفترة القريبة المقبلة لتقديم مساعدة نقدية للمتضرّرين، تُطرح على أنها «هدية تعويض»، من دون أن يصدر حتى الآن إعلان رسمي يحدد قيمتها أو الفئات التي ستشملها أو موعد بدء توزيعها.

وكان واضحاً في تصريح نعيم قاسم الأخير أن الحزب «سيسهِم»؛ ما يعني أنه لن يكون المموّل، بل ينتظر الدولة التي قاله إنه لن يتوقّف عن حثّها على إعادة الإعمار.

في سياق متصل، يتقاطع موقف النائب مارك ضو، النائب عن جبل لبنان، مع قراءة منيمنة لانتقال الحزب إلى التعويل على الدولة؛ إذ قال لـ«الشرق الأوسط» إن تحميل «حزب الله» الحكومة مسؤولية ملف إعادة الإعمار «يشكّل تأكيداً على عجزه»، معتبراً أن انتقاله إلى التعويل الكامل على الدولة يعكس عجزه عن تحمّل تبعات ما حصل.

وأضاف ضو: «عندما يصبح كل الاتكال على الحكومة، ويقال إن الاعتماد الآن عليها، فهذا تأكيد واضح على العجز». وتابع: «هو (أي حزب الله) يطالب الدولة والحكومة بتحمّل مسؤولية إعادة الإعمار، في حين أنه لا يتعامل معهما على هذا الأساس في ممارسته السياسية... والنتيجة، أنه يريد من الدولة أن تتولّى إعادة إعمار ما نتج عن أخطائه وأفعاله».

مسارات أخرى قبل تحميل الخزينة التكلفة

بدوره، قال النائب أديب عبد المسيح لـ«الشرق الأوسط» إن «(حزب الله) يتنصّل من مسؤوليته في ملف إعادة الإعمار، ويحاول تحميل الدولة واللبنانيين تبعات حرب كان هو سببا أساسياً في اندلاعها»، معتبراً أن أمام الحزب أكثر من مسار لمعالجة هذا الملف بدلاً من مطالبة الدولة بتحمل التكلفة كاملة.

وقال عبد المسيح، وهو من نواب شمال لبنان: «(حزب الله) ممثل في الحكومة بوزيرين، فليتفضّل وزيراه ويطالبا بقرار حكومي لإعادة الإعمار، وليحاولا تأمين إجماع حكومي على هذا الموضوع. إذا كانا قادرين على ذلك، فليفعلا».

ثم أضاف: «إذا لم يتمكّن الحزب من تأمين إجماع الحكومة على إعادة الإعمار، فهناك مسارات أخرى. أولاً، عليه أن يتحمّل مسؤوليته؛ لأنه هو من ورّط لبنان وفتح النار على إسرائيل وتسبب بهذه الحرب. وثانياً، لديه الإيرانيون، ويمكن لوزير الخارجية أن يتحرّك للمطالبة بتعويضات من الدولة الإيرانية عن الأضرار، باعتبار أن (الحرس الثوري) الإيراني حاضر على الأراضي اللبنانية عبر دعمه للحزب».

وتابع عبد المسيح: «هناك أيضاً إسرائيل، وهي المسبّب المباشر للدمار. يمكن اللجوء إلى المسارات والمحاكم الدولية للمطالبة بالحقوق والتعويضات، وعند تحصيلها تُستخدم في إعادة إعمار الجنوب. هذه حلول عملية يمكن العمل عليها».

وشدّد النائب عبد المسيح على رفضه أن تتحمّل الخزينة اللبنانية وحدها تكلفة إعادة الإعمار، قائلاً: «أما أن تتحمّل الدولة اللبنانية المسؤولية في النهاية، وأن تأخذ الضرائب من الناس، فأنا أدفع وأنت لإعادة إعمار الجنوب، فهذا لن يحدث أبداً».

ورأى أن الحزب «يتنصّل» من مسؤوليته؛ إذ «يبدأ اليوم بالمطالبات والتحركات، وقد تتحول غداً تحركات في الشارع ضد الحكومة أو ضد الجيش، بحيث يحاول، بدلاً من أن يتحمل المسؤولية، أن يحملها لغيره... هذا أمر واضح مائة في المائة. يبدأ الأمر بهذه المطالبات، ثم يجري تنظيم التحرّكات على الموجة نفسها، في محاولة للظهور كجزء من المعارضة والمطالبة بحقوق شبيهة بحقوق موظفي الدولة أو سائر اللبنانيين، في حين كان الحزب أساسياً في هذه الحرب، وليس مجرد طرف عادي فيها».

الحرب تقوّض الاقتصاد اللبناني

ختاماً، يأتي اتساع حاجات الإيواء والإعمار في وقت تراجعت قدرة الاقتصاد اللبناني والدولة على تحمل أعباء إضافية. إذ تشير الأرقام إلى توقع انكماش الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 6.4 في المائة خلال 2026، في حين تضاف احتياجات الحرب الحالية إلى فاتورة إعادة إعمار 2024 المقدرة أصلاً بنحو 11 مليار دولار.بناءً عليه؛ لم يعد الملف مقتصراً على تعويض أصحاب المنازل المتضررة، بل صار يشمل تأمين الإيواء للنازحين، وإزالة ملايين الأمتار المكعبة من الركام، وإعادة تأهيل الخدمات والبنى التحتية، ثم إعادة بناء آلاف المباني وأكثر من 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن نطاق التقييمات المُنجزة حتى الآن.


سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
TT

سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.

بعد أقل من ثلاثة أسابيع، تواجه السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز معركة الفوز بولاية سادسة في مجلس الشيوخ عن ولاين ماين، بأقصى شمال شرقي الولايات المتحدة، أمام منافسها الديمقراطي تروي جاكسون. بعد نحو ثلاثة عقود في المجلس، تدافع كولينز (73 سنة) عن سجل طويل من الخدمات والتسويات، في حين يتساءل ناخبون اعتادوا تأييدها إن كان إخراج الجمهوريين من قيادة المجلس الطريق الأجدى لتقييد الرئيس دونالد ترمب؟ وبين الحسابين، تتجاوز المعركة مستقبلها الشخصي لتطرح سؤالاً أوسع: هل تكفي الثقة بالسياسي حين يفقد الناخب ثقته بالحزب الذي ينتمي إليه؟

كولينز المولودة في السابع من ديسمبر (كانون الأول) 1952 في كاريبو، أقصى شمال ماين، واحدة من ستة أبناء لعائلة ارتبط اسمها بتجارة الأخشاب والخدمة العامة. تولّى والدها ووالدتها رئاسة بلدية المدينة، وخدم الأب في المجلس التشريعي للولاية. هناك، قرب الحدود الكندية، تشكلت صلتها بمجتمع صغير يعرف ممثليه بأسمائهم ويحاسبهم على ما يقدمونه لحياته اليومية. لكن هذه الصلة تواجه اليوم اختباراً صعباً، مع تحول مقعدها ساحة صراع على الأغلبية، وعلى مكان الوسطيين في سياسة أميركية قد تصبح فيها هوية الحزب أهم من شخصية ممثله.

من بلدة كاريبو ...إلى واشنطن

تخرجت كولينز في جامعة سانت لورانس الصغيرة الراقية بريف ولاية نيويورك عام 1975، وبدأت العمل مع النائب الجمهوري وليام كوهين (وزير الدفاع فيما بعد)، ثم انتقلت معه إلى مجلس الشيوخ.

ولاحقاً، تولت كولينز مسؤولية التنظيم المهني والمالي في حكومة ماين، ثم إدارة المكتب الإقليمي لوكالة المشاريع الصغيرة بتعيين من الرئيس جورج بوش الأب. ثم عام 1996، انتُخبت لخلافة كوهين في مجلس الشيوخ، لتبدأ مسيرة جُددت أربع مرات. وهي متزوجة من توماس دافرون، وتقيم في مدينة بانغور بولاية ماين.

بيد أن هذه التفاصيل ليست مجرد محطات في سيرة ذاتية؛ إذ تكونت سياسياً داخل «التيار التقليدي» في الحزب الجمهوري، الذي يعوّل على الخبرة التشريعية واحترام المؤسسات والتفاوض مع الديمقراطيين لإنجاز التسويات. ولم تبنِ حضورها على الخطب الصاخبة أو «التعبئة» ضد واشنطن، بل على معرفة طرقها: كيف تُكتب التشريعات، وتُجمع الأصوات، وتُنتزع المخصّصات لولاية صغيرة.

وحقاً، تلخص كولينز خلال لقاء مع الـ«واشنطن بوست»، هذه النظرة بقولها: «هناك من يعملون، وهناك من يستعرضون»، واضعة نفسها في الفئة الأولى. ثم تقول إن خطاباً نارياً يرفع شعبية صاحبه على وسائل التواصل الاجتماعي لا يغير بالضرورة النتيجة. وهذه حجة شخصية عامة مخضرمة في زمن يكافئ المواجهة العلنية، وأحياناً يعتبر التفاوض والمساومة بعيداً عن الكاميرات ضعفاً.

غير أن تداخل الأسرة والمهنة والمؤسسة، الذي منحها جذوراً وثباتاً، يسمح لخصومها أيضاً بتصويرها ممثلة لطبقة سياسية استقرت طويلاً في السلطة. فالأقدمية في حملتها رصيد يحمي مصالح ولايتها، لكنها في حملة منافسها جاكسون تطرح سؤالاً عمّا إذا كانت الخبرة ما زالت تنتج تغييراً يشعر به الناس.

استقلالية قيد المحاكمة

والواقع، أنه يصعب اعتبار كولينز «تابعاً» لترمب؛ إذ تقول حملتها إنها لم تصوّت له قط، بل كانت ضمن الجمهوريين الذين أيّدوا محاولة عزله الثانية عام 2021. كذلك خالفت إدارته في تصويتات مهمة، بينها رفض تعيين بيت هيغسيث وزيراً للحرب، ورفض النسخة النهائية من تشريع الضرائب والإنفاق الكبير عام 2025. ولها أيضاً سجلٌ يتجاوز الاعتراض؛ فقد قادت مع السيناتور جو مانشين - الذي كان آنذاك من أبرز الديمقراطيين اليمينيين قبل مغادرته الحزب -، مساراً مشتركاً لتعديل قانون فرز الأصوات الانتخابية. وأقرّ التعديل عام 2022 لمعالجة ثغرات كشفت عنها أزمة انتقال السلطة، إثر رفض ترمب الإقرار بهزيمته أمام جو بايدن وترويجه ادعاءات بتزوير انتخابات 2020. وهذه وظيفة مؤسساتية للوسط: تحويل الخلاف إلى قواعد يمكن أن يقبلها الطرفان.

لكن منتقديها يميّزون بين مخالفة الرئيس ومنعه. ووفق تحليل في الـ«نيويورك تايمز»، فإنها تعارض سياساته في التصويت أكثر من سائر الجمهوريين، لكن معارضتها نادراً ما تبدّل النتيجة. وهنا تنتقل المحاكمة من النيات إلى الفعل... فما معنى الاستقلالية إذا بقيت الإدارة قادرة على تنفيذ ما تعترض عليه؟

وتظل قضية الإجهاض الجرح الأعمق في تقييمها. فكولينز تؤيد حقوق الإجهاض، لكنها دعمت تثبيت القاضي المحافظ بريت كافانو عام 2018، قبل أن يشارك في قرار المحكمة العليا الذي ألغى الحماية الدستورية الفيدرالية لهذا الحق عام 2022. ودفاعها المستمر عن ذلك التصويت يعيد فتح مسألة الثقة لدى ناخبين يرون أن تطميناتها لم تصمد أمام النتائج.

مع ذلك، ليس كل تصويت خاسر مسرحية سياسية، كما أن ليس كل اعتراض دليلاً كافياً على المقاومة. فالشيخ لا يملك منفرداً غالبية المجلس. أما السؤال المشروع، فهو ما إذا كانت كولينز تستخدم كامل نفوذها لفرض حدود على الإدارة، أم تكتفي بمسافة محسوبة تسمح لها بالبقاء داخل ائتلافها؟ حسب المنتقدين.

ترمب على مائدة الناخب

وبالفعل، تبدو هذه المناقشة أقل تجريداً في ماين، حيث تتقاطع السياسات الرئاسية مع فواتير التدفئة والتجارة والسياحة عبر الحدود. فالحرب مع إيران رفعت تكلفة الوقود، في حين وضعت الرسوم على كندا مصالح محلية أمام ضغوط إضافية. وباتت كولينز مطالبة بمعالجة أزمات تخلقها الإدارة التي ينتمي حزبها إليها.

وفي حين ضغطت لتسريع مساعدات التدفئة للأسر محدودة الدخل، وسعت إلى استثناء الملح الذي يُرش على الطرق في فصل الشتاء من الرسوم الجمركية، حوّل منافسها جاكسون، الحطّاب والرئيس السابق لمجلس شيوخ الولاية، إنجازها إلى عبارة هجومية مؤداها أن «سكان ماين لا يستطيعون أكل ملح الطرق»، في حرصه على نقل النقاش من الاستثناءات التي تنتزعها إلى السياسات التي تجعلها ضرورية.

وفي مناظرتهما الثالثة مساء الثلاثاء، برز مجدداً ملف الهجرة بعد مقتل مهاجر برصاص أحد عناصر إنفاذ قوانين الهجرة (أيس) في بلدة بيدفورد خلال يوليو (تموز). وأقرّت كولينز بأن الإدارة نشرت أعداداً كبيرة من العناصر من دون تدقيق مناسب في اختيارهم، في حين حمّلها جاكسون مسؤولية سياسية عن التمويل.

وفي ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها مسافة عن إدارته. لكن انتقالها من تأييد الحرب في البداية إلى دعم تقييد صلاحياته العسكرية يمنح خصمها فرصة للسؤال عن توقيت الاعتراض، لا عن وجوده وحده.

في المقابل، تهاجم كولينز سجلّ جاكسون التشريعي وتحمّله مسؤولية سياسات تقول إنها رفعت تكاليف الطاقة والسكن. وبالتالي، ما عادت المواجهة بين مرشحة بلا إنجازات وخصم بلا سجل، بل بين تفسيرين للغلاء وللجهة الأقدر على تخفيفه: نفوذ جمهوري داخل الإدارة، أم غالبية ديمقراطية تراقبها وتواجهها.

غالبية أم جسر؟

عام 2020، فازت كولينز بفارق نحو 9 نقاط مئوية، في حين خسر ترمب ولاية ماين بفارق مماثل. يومها استطاع الناخب أن يرفض الرئيس ويحتفظ بالسيناتورة على ورقة الاقتراع نفسها. أما الآن، فلا انتخابات رئاسية تتيح الفصل ذاته، بل أصبح مقعدها إحدى الأدوات المباشرة لمعاقبة البيت الأبيض.

وفي تحقيقات للـ«نيويورك تايمز» والـ«واشنطن بوست»، تلتقط شهادات الناخبين هذه النقلة، حيث لا ينكرون خدماتها ولا يشككون في كفاءتها، لكنهم يريدون ببساطة مجلساً يضع قيوداً على ترمب. في المقابل، لا يزال ديمقراطيون ومستقلون يعدّونها ممثلة موثوقة، ويرفضون التضحية بها لمجرد انتمائها الحزبي. من هنا، يرى البعض أن خسارتها قد تبدو ربحاً واضحاً للديمقراطيين في حساب المقاعد، لكنها تحمل احتمال خسارة شريكة تفاوض داخل الحزب الآخر. ولا تناقض حتمياً بين الأمرين: يستطيع الديمقراطي أن يقدّر دورها، ثم يرى أن تغيير الأغلبية أرجح كفة من الاحتفاظ بذلك الدور.

وبالمثل، لن يكون فوزها هزيمة صافية لترمب؛ فهو يحتفظ للجمهوريين بمقعد بالغ الأهمية، وربما يساعدهم على حماية الغالبية. لكنه سيبرهن أيضاً على أن الفوز في بعض الولايات يتطلب الابتعاد عن الرئيس، وأن الصيغة الجمهورية القابلة للتسويق وطنياً ليست بالضرورة الصيغة الأكثر ولاءً له.

وتزداد المفارقة مع رئاسة كولينز لجنة المخصصات في مجلس الشيوخ. فهي تطلب من الناخب حماية نفوذ يصعب تعويضه سريعاً، في حين يردّ خصومها بأن النفوذ يقاس بما يمنعه أيضاً. وإذا استطاعت الإدارة تعطيل إنفاق أقره الكونغرس أو الالتفاف على أولوياته، تغدو قدرة كولينز على حماية صلاحيات الكونغرس في إقرار الإنفاق جزءاً من تقييم نفوذها نفسه.

بل حتى الطرفان اللذان يريدان حسم المعركة يجدان نفسيهما أمام حسابات متعارضة: فالجمهوريون يحتاجون إلى أصوات ناخبين ينفرون من زعيمهم، والديمقراطيون يحتاجون إلى إقناع ناخبين بأن إعجابهم بسيناتورة جمهورية لا ينبغي أن يتقدّم على تغيير اتجاه الحكم.

الوسط يبحث عن جدواه

بالتالي، لا تعني هذه المعركة أن الساحة خلت تماماً من الوسطيين، ولا أن الشعبوية احتكرت الحزبين بالقدر نفسه. كما أن الوسطية ليست مرادفاً دائماً للانتماء إلى المؤسسة. فقد يكون السياسي المخضرم شديد الحزبية، وقد يكون جديداً وقادراً على بناء تسويات. وجاكسون - نفسه الذي ينافس كولينز - يعقّد الثنائية المبسطة. فهو تقدمي طبقي، لكنه صاحب خبرة في قيادة مؤسسة تشريعية. ولذلك؛ لا يكفي وضعه في خانة الشعبوية ثم اعتبار هزيمة كولينز إذا حصلت، دليلاً تلقائياً على انتصار التطرف. فالاختبار الأهم هو ما سيقدمه الفائز من سياسات، وكيف سيتعامل مع حدود السلطة وخصومه.

مع ذلك، تكشف كولينز عن أزمة حقيقية في نموذج الوساطة القديم. فحين يُطالب الناخب بمنع قرار يمس حقوقه أو معيشته، لا تكفيه الإشارة إلى حوار مستمر مع صانعيه. بل يحتاج المعتدل إلى شرح الرابط بين قدرته على الوصول إلى المسؤولين وقدرته على تغيير ما يفعلونه، وإلّا بدت التسوية امتيازاً لأهل السياسة لا منفعة للمواطنين.

وفي صورة ساخرة من الحملة، وصل خطأً إعلان يهاجم جاكسون، موَّلته مجموعة جمهورية، إلى مدينة بورتلاند بولاية أوريغون بدلاً من مدينة بورتلاند في ماين. ثم صحح الخطأ وأعيدت الأموال، لكنه أتاح لخصوم كولينز التشكيك في اتصال حلفائها بالولاية. وهذه واقعة صغيرة في سباق يختبر صدقية القرب من الناس.

الأرجح، أن انتخابات ماين لن تحسم مصير الاعتدال الأميركي، لكنها ستكشف عن الشروط الجديدة لبقائه. فنجاة كولينز ستعني أن الرصيد الشخصي والخدمات والاستقلال النسبي ما زالت قادرة على مقاومة الاستقطاب. وخسارتها ستشير إلى أن ناخبين باتوا يفضّلون تغيير ميزان السلطة على الاحتفاظ بوسيط داخلها.


وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
TT

وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)

لا يواجه جميع المعتدلين نسخة مطابقة لاختبار السيناتورة سوزان كولينز في ولاية ماين؛ إذ بعضهم يحاول النجاة في دوائر تميل إلى الحزب الآخر، وبعضهم الآخر يدافع عن استقلاليته أمام قاعدته. ومن أبرز هؤلاء من دون افتراض أن فرصهم الانتخابية ومواقفهم متساوية، الساسة التالية أسماؤهم:

• النائب الجمهوري براين فيتزباتريك في بنسلفانيا، الذي يمثل الدائرة الأولى ويواجه الديمقراطي بوب هارفي، المفوض في مقاطعة باكس والمدرّس السابق. يبني العضو السابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي صورته على العمل عبر الحزبين ومخالفة ترمب في ملفات محددة. لكن خصمه يسعى إلى تحويل الاقتراع من تقييم لشخص النائب إلى حكم على الغالبية الجمهورية. ومع ذلك، لا يصح افتراض أن مجرد تشابه مأزقه مع كولينز يجعل حظوظهما متطابقة.

• النائب الجمهوري مايك لولر في نيويورك، يخوض مواجهة مع الديمقراطية كيت كونلي، صاحبة الخبرة العسكرية والأمنية، في الدائرة السابعة عشرة التي فازت فيها كامالا هاريس عام 2024. لولر يقدم نفسه جمهورياً براغماتياً قادراً على العمل مع الديمقراطيين، لكنه يحتاج إلى الاحتفاظ بالقاعدة الجمهورية أيضاً. امتحانه هو إقناع الناخب بأن استقلاله يترك أثراً ملموساً، في حين تسعى منافسته إلى جعل العلاقة بترمب محور الاختبار.

• النائبة الديمقراطية ماري غلوسنكامب بيريز في ولاية واشنطن، التي تواجه الجمهوري جون براون في الدائرة الثالثة، وتقدم نموذجاً معكوساً لكولينز؛ فهي ديمقراطية تحاول الاحتفاظ بدائرة أيدت ترمب، وتستند إلى خطاب محلي واهتمام بالمهن والتكاليف اليومية، وتخالف حزبها في بعض القضايا. لكن استمالة المحافظين لا تضمن رضا الديمقراطيين، وقد وثّقت الإذاعة العامة المحلية استياء ناخبين من خيارات السباق. ويكشف اختبارها أن بناء ائتلاف عابر للحزبين يحتاج إلى بقاء قاعدة متحمسة، لا مجرد الوصول إلى الطرف الآخر.

• النائب الديمقراطي دون ديفيس في نورث كارولينا، يواجه الجمهورية لوري باكهاوت في الدائرة الأولى، بعدما جعلت إعادة ترسيم الخريطة الانتخابية التي فرضها الجمهوريون، الفوز فيها أكثر صعوبة على الديمقراطيين. ديفيس يروّج لوسطيته، لكن الخريطة تضع حدوداً لما تستطيع السمعة الشخصية تحقيقه.

توضح هذه الحالات أن بقاء الوسط لا يعتمد فقط على اعتدال الناخبين، بل هو يتأثر بحدود الدوائر، وصورة الرئيس، وتعبئة القواعد، وقدرة المرشح على تحويل المخالفة الحزبية إلى منفعة مفهومة... ثم إن فوز معتدل من حزب قد يعني هزيمة معتدل من الآخر، لا انتصاراً تلقائياً على التطرف. لذلك قد يكون الاختبار الأعمق بعد الانتخابات: هل يملك الناجون استعداداً ونفوذاً لبناء تشريعات مشتركة، أو تفرض معركة الغالبية عليهم العودة إلى الاصطفاف الذي وعدوا ناخبيهم بتجاوزه؟