التاريخ قد يعيد نفسه... كيف عادت «طالبان» لطرق أبواب كابل؟

دورية مقاتلي «طالبان» بعد السيطرة على منزل الحاكم ومدينة غزنة (إ.ب.أ)
دورية مقاتلي «طالبان» بعد السيطرة على منزل الحاكم ومدينة غزنة (إ.ب.أ)
TT

التاريخ قد يعيد نفسه... كيف عادت «طالبان» لطرق أبواب كابل؟

دورية مقاتلي «طالبان» بعد السيطرة على منزل الحاكم ومدينة غزنة (إ.ب.أ)
دورية مقاتلي «طالبان» بعد السيطرة على منزل الحاكم ومدينة غزنة (إ.ب.أ)

مع تقدم وتيرة سيطرة حركة «طالبان» المتطرفة على مدن أفغانية، حيث أحكمت قبضتها حتى الآن على 10 من أصل 34 عاصمة ولاية أفغانية، سبع منها في شمال البلاد، تهدد الحركة حالياً العاصمة كابل وقد تعيد إلى المشهد ما حدث مسبقاً في سبتمبر (أيلول) 1996 حين سقطت العاصمة كابل في يد الحركة المتطرفة، معلنةً فصلاً كابوسياً من السياسة الدولية.
وكان مسؤول دفاعي أميركي قد صرح أمس (الأربعاء)، لوكالة «رويترز»، مستشهداً بتقييم للاستخبارات، إن حركة «طالبان» قد تعزل العاصمة الأفغانية كابل عن بقية أنحاء البلاد خلال 30 يوماً وإنها قد تسيطر عليها في غضون 90 يوماً.
فهل يخيّم كابوس «طالبان» مجدداً على أفغانستان بحلول سبتمبر؟

تفاقم الوضع الأمني في أفغانستان على نحو مأساوي منذ بدء سحب القوات الدولية من هناك وشن «طالبان» هجوماً بدايةً من مايو (أيار) الماضي. وسحبت واشنطن بشكل أساسي جميع القوات من أفغانستان، باستثناء التي ستبقى لحماية السفارة الأميركية ومطار في كابل، على أن تنتهي المهمة العسكرية يوم 31 أغسطس (آب) الحالي.
https://www.facebook.com/asharqalawsat.a/videos/333189365127688/
نشأة الحركة
تكونت «طالبان» في أوائل تسعينات القرن الماضي، شمالي باكستان، بعد الحرب الأهلية التي أعقبت انسحاب القوات السوفياتية في عام 1989 وكانت توجد بشكل أساسي في الجنوب الغربي لأفغانستان ومناطق الحدود الباكستانية. وبرزت على السطح داخل البلاد عام 1994 وتولى الملا عمر زعامتها، وتعهدت الحركة في البداية بمحاربة الفساد وإحلال الأمن، لكن عناصرها اتبعوا نمطاً متشدداً صارماً شهد على مدى عشرين عاماً فصولاً من العنف والإرهاب. حيث أُمر الرجال بإطلاق لحاهم والنساء بارتداء النقاب. وحظرت مشاهدة التلفزيون والاستماع إلى الموسيقى وارتياد دور السينما، ورفضت ذهاب الفتيات من سن العاشرة إلى المدارس. طبّقت «طالبان» عقوبات وفقاً للشريعة الإسلامية مثل الإعدامات العلنية للمدانين بجرائم القتل أو مرتكبي الزنى أو بتر أيدي من تثبت إدانتهم بالسرقة.

وصرح الناطق باسم المخابرات الأفغانية حسيب صديقي في يوليو (تموز) 2015 بأن «الملا عمر توفي في مستشفى بكراتشي في أبريل (نيسان) 2013 في ظروف غامضة». وفي أغسطس من نفس العام صرحت الحركة بأنها أخفت لمدة عامين خبر وفاة الملا عمر. وبعدها بشهر أعلنت أنها توحدت تحت قيادة الملا منصور الذي كان نائباً للملا عمر لفترة طويلة.
ولقي منصور حتفه في غارة لطائرة أميركية بدون طيار في مايو 2016 ليحل نائبه المولوي هيبة الله أخنوزاده، وهو رجل دين متشدد، محله. وقُتل على الأقل ثلاثة من أبرز قادة «طالبان» باكستان في غارات شنتها طائرات أميركية من دون طيار، من بينهم الملا نظير وولي الرحمن.

الانضمام هربا من ويلات الحرب
بعد انتهاء الحرب السوفياتية في أفغانستان، انقسمت البلاد بين الجماعات والفرق المتصارعة، وأصبحت وحدة البلاد مهددة نتيجة لذلك، فإبان ظهور الحركة كانت حكومة الرئيس برهان الدين رباني، ووزير دفاعه أحمد شاه مسعود، تسيطر على سبع ولايات فقط في شمال ووسط أفغانستان، بينما يسيطر القائد الشيوعي السابق رشيد دوستم على ست ولايات في الشمال، وكانت «شورى ننجرهار» تحكم ثلاث ولايات في الشرق، وإدارة إسماعيل خان تتحكم في غرب أفغانستان، إضافةً إلى الكثير من الولايات التي كانت دون أي نوع من الإدارة، فكانت حركة «طالبان» أملاً للشعب الأفغاني في المحافظة على وحدة البلاد ومنع انشطارها الداخلي.

وكانت للحروب الأهلية الطاحنة التي نشبت بين فصائل المعارضة الأفغانية بسبب الصراع على السلطة، عامل لإقبال قطاعات عريضة من الأفغان على الانضمام إلى الحركة كوسيلة للهروب من ويلات الحرب والبحث عن الاستقرار، حيث أوقعت الصراعات أكثر من 40 ألف ضحية وخسائر مادية جسيمة للبلاد وسط فشل الوسطاء الدوليين لوضع حد لهذا الصراع على السلطة.
وبحلول عام 1998، كانت «طالبان» قد سيطرت على نحو 90% من أفغانستان.

الملا منصور وإيران
كان الملا منصور في طريقه إلى منزله قادماً من زيارة سرّية إلى إيران في مايو عام 2016، وكان يقود سيارته عبر منطقة نائية من جنوب غربي باكستان، عندما اتصل بشقيقه وأقاربه لإخبارهم بقرب وفاته. وكان يعتزم توسيع مصادر الدعم حال استعداده لشن هجوم طموح عبر ثمانية أقاليم داخل أفغانستان، ولقد اعتمد على الاستخبارات العسكرية الباكستانية والمانحين من كبار مهربي المخدرات الأفغان، من أجل تأمين التمويل الرئيسي لحركة «طالبان»، لكنه كان يسعى في الوقت نفسه للحصول على أسلحة وغير ذلك من أشكال الدعم من إيران، وربما من روسيا كذلك. ولقد التقى مسؤولين من كلا البلدين خلال زيارته الأخيرة لإيران، وذلك وفقاً لما ذكرته صحيفة «نيويورك تايمز».
كان تواصل الملا منصور مع إيران يهدف كذلك إلى إخراج حركة «طالبان» من تحت العباءة الباكستانية، وفقاً لمساعده الأسبق وبعض المسؤولين الأفغان؛ وبذلك يمكنه المناورة لإدارة دفة الحرب بحرية أكبر، ويتمكن في الوقت نفسه من التفاوض بشأن عملية السلام، وفق شروطه الخاصة. ومن هنا نشأت الخلافات بينه وبين الجانب الباكستاني وازدادت حدة بمرور الوقت.
وذكرت الصحيفة أن الملا منصور قاوم الأوامر الصادرة من جهاز الاستخبارات الباكستاني بتدمير البنية التحتية –أي المدارس، والجسور، والطرق– بهدف زيادة تكاليف الحرب على الحكومة الأفغانية. كما اعترض على تعيين رجل باكستان المقرب والصقر المتشدد سراج الدين حقاني ليكون نائباً له على الحركة، كما راوغ كثيراً في تنفيذ مطالب باكستان بدفع أجندتها السياسية على جدول أعمال المفاوضات.

والأهم من ذلك، أنه أراد نقل مزيد من السلطات إلى قادة «طالبان» الإقليميين، والسماح لهم بجمع الأموال الخاصة والحرية في اتخاذ القرارات، حتى يتسنى لهم بسط السيطرة على القضية الوطنية الأفغانية وتخفيف قبضة باكستان الحاكمة على الحركة في البلاد.
وقال آخرون من المطلعين على شؤون حركة «طالبان»، بما في ذلك وزير المالية الأسبق للحركة ووسيط السلام أغا جان معتصم، الذي قال إن الملا منصور كان على استعداد للتفاوض بشأن السلام، ولقد أرسل كبار ممثليه عن الحركة لحضور الاجتماعات المتتالية لذلك الغرض في باكستان.
وفي أثناء رحلته الأخيرة لإيران، كان الملا منصور قد توقف في مخيم «غابة غير» للاجئين، وهو أحد مراكز حركة «طالبان» في باكستان، ودعا هناك قادة «طالبان» وشيوخهم إلى عقد اجتماع.
وفي عام 2017 صرح الجنرال عبد الرازق، مدير الأمن في قندهار وأحد أبرز المعارضين لحركة «طالبان» والذي يعرف الحركة تمام المعرفة: «قبل عشرة أيام من مقتله، بعث برسائل إلى القرى وإلى القادة يطلب منهم تبادل وجهات نظرهم بشأن محادثات السلام».
وقال إن الملا منصور كان يبحث عن مصادر جديدة للحماية مع تصاعد خلافاته الكبيرة مع الجانب الباكستاني. مشيراً إلى أن هناك تقارير أفادت بأنه كان يفكر في الهرب، وأنه خشي الاغتيال من جانب باكستان. ولقد أخبر أقاربه بأن العلاقات مع باكستان سيئة للغاية، وأنهم قد يحاولون اغتياله. ولقد كان الملا منصور بمفرده تماماً في يوم مقتله.

الحادي عشر من سبتمبر 2001
بعد الهجمات على مركز التجارة العالمي بالولايات المتحدة في الحادي عشر من سبتمبر 2001 دخلت حركة «طالبان» بؤرة اهتمام العالم، واتهمت بتوفير ملاذ آمن في أفغانستان لزعيم تنظيم «القاعدة» الراحل أسامة بن لادن وأعضاء التنظيم الذين اتُّهموا بالمسؤولية عن هذه الهجمات وقامت واشنطن بغزو أفغانستان في أكتوبر (تشرين الأول) لإطاحة «طالبان»، ومع حلول نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2001 سقطت العاصمة كابل في يد تحالف قوات الشمال. ولم ينتهِ هذا الشهر حتى سقطت مدن أفغانستان من يد حركة «طالبان». وقد وقع كثير من عناصر «طالبان» في الأسر.
ولاذ الملا عمر ومساعدوه بالفرار. ويُعتقد بوجه عام أنهم لجأوا إلى مدينة كويتا الباكستانية التي كانوا يوجهون منها حركة «طالبان»، لكن إسلام آباد نفت.

وانضم إلى واشنطن، تحالف دولي وتمت الإطاحة سريعاً بحكومة «طالبان» التي كانت تحكم أفغانستان. فتحولت «طالبان» إلى حركة تمرد وشنت هجمات دامية بشكل مستمر على البلاد.
وأنهى التحالف الدولي مهمته القتالية في 2014 لكنه أبقى آلاف العناصر تحت بند تدريب القوات الأفغانية. لكن واشنطن تابعت عملياتها القتالية الخاصة بعد تقليصها في أوقات سابقة، بما فيها الغارات الجوية.
وبين عامي 2010 و 2012، عندما كان لدى الولايات المتحدة أكثر من 100 ألف جندي في البلاد، ارتفعت تكلفة الحرب إلى ما يقرب من 100 مليار دولار سنويا، وفقاً لأرقام الحكومة الأميركية.

وزاد عدد القوات الأميركية في أفغانستان مع ضخ واشنطن مليارات الدولارات لمحاربة تمرد «طالبان»، فضلاً عن تمويل إعادة الإعمار. وقد انخفض هذا العدد إلى 4 آلاف جندي بحلول ديسمبر (كانون الأول) 2020.
ويُعتقد أن الحرب أودت بحياة أكثر من 47 ألف مدني أفغاني ونحو 70 ألف جندي أفغاني، إضافة إلى 2442 جندياً أميركياً وأكثر من 3800 متعاقد أمني خاص أميركي و1144 جندياً من دول التحالف الأخرى.

التفجيرات والهجمات
بعد مقتل الملا منصور تم اختيار مولوي هبة الله أخوند زاده، رجل الدين عديم الخبرة العسكرية ليتزعم حركة «طالبان». ورغم ذلك، لم تنل أفغانستان الكثير من الراحة منذ مقتل الملا منصور، حيث استولى الصقور بين صفوف الحركة على مقاليد الأمور وضاعفوا من الهجمات والعمليات بغية الاستيلاء على السلطة.

خلال السنوات الماضية، زاد اعتماد «طالبان» كذلك على تفجير عبوات ناسفة على جوانب الطرق كسبيل لمحاربة «ناتو» والقوات الأفغانية، ويشير بعض التقارير إلى قول وزارة الداخلية الأفغانية إن «طالبان» مسؤولة عن قتل ما يزيد على 1800 فرد من قوات الشرطة الوطنية الأفغانية عام 2012، ونحو 800 فرد من جنود الجيش الوطني الأفغاني في تفجير قنابل على جوانب الطرق خلال الفترة نفسها.

وفي ظل تلك الحياة غير المستقرة، نزاح الآلاف من الأفغان، وشكّلوا 10.6% من طالبي اللجوء في الاتحاد الأوروبي عام 2020 (ما يزيد قليلاً على 44 ألفاً من أصل 416600 طلب)، وهم ثاني أكبر مجموعة بعد السوريين (15.2%)، وفق وكالة «يوروستات» الأوروبية للإحصاء.

خريطة طريق للسلام
بدأت المحادثات منذ عام 2011 حين استضافت قطر قادة «طالبان» الذين انتقلوا إليها لبحث السلام في أفغانستان. ولكن كان مسار المحادثات متأرجحاً. وافتتحت «طالبان» مكتباً سياسياً في الدوحة عام 2013 ثم أُقفل في السنة نفسها وسط خلافات بشأن رفع أعلام التنظيم.
وفي ديسمبر عام 2018، أعلن قادة «طالبان» أنهم سيلتقون مسؤولين أميركيين لمحاولة إيجاد «خريطة طريق للسلام». لكن الحركة المتشددة استمرت في رفضها إجراء محادثات رسمية مع الحكومة الأفغانية، التي وصفتها بأنها مجموعة «دمى» أميركية، وفقاً لما ذكرته هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي».

وبعد تسع جولات من المحادثات بين الولايات المتحدة وحركة «طالبان» في قطر توصل الجانبان إلى اتفاق. وأعلن كبير مفاوضي الجانب الأميركي في سبتمبر أن الولايات المتحدة ستسحب 5400 جندي من أفغانستان خلال 20 أسبوعاً كجزء من اتفاق تم التوصل إليه «مبدئياً» مع مقاتلي «طالبان».
وفي فبراير (شباط) من العام الجاري، وقّعت واشنطن اتفاقاً مع حركة «طالبان» في الدوحة، لسحب الجنود الأميركيين من أفغانستان ضمن فترة 14 شهراً، ووقّع الاتفاق المفاوض الأميركي زلماي خليل زاد، ورئيس المكتب السياسي لـ«طالبان» ونائب زعيمها الملا عبد الغني برادر، بحضور وزير الخارجية الأميركي الأسبق مارك بومبيو وممثلين لعشرات الدول.

ووفق بيان مشترك لواشنطن وكابل، ستقوم الولايات المتحدة وحلفاؤها بسحب جميع القوات من أفغانستان خلال 14 شهراً إذا التزمت حركة «طالبان» بضمانات أمنية ينص عليها اتفاق الدوحة.
ومنذ توقيع اتفاق الدوحة، امتنع متمردو «طالبان» عن مهاجمة القوات الأجنبية بشكل مباشر. إلا أنهم بدوا بلا رحمة مع القوات الحكومية التي لم يتوقفوا عن مهاجمتها في الأرياف مع بثّ الرعب في المدن الكبيرة من خلال تنفيذ هجمات موجّهة.

بدء الانسحاب الأميركي
حققت حركة «طالبان» مكاسب إقليمية هائلة، منذ بدء انسحاب القوات الدولية في أوائل مايو، وتحديد الرئيس الأميركي جو بايدن، أن 31 أغسطس الجاري الموعد النهائي للانسحاب الأميركي الكامل من أفغانستان، والذي أعلن أنه غير نادم على إصداره أمر سحب القوات الأميركية، وناشد بايدن القيادة السياسية الأفغانية أن تتماسك. ووعد بأن تواصل الولايات المتحدة تقديم الدعم المالي والعسكري لقوات الأمن الأفغانية، وقال إنه سيتم إطلاعه على الوضع بشكل يومي.

سيطرت «طالبان» على مدينة غزنة الواقعة على بُعد 150 كلم فقط عن كابل، وفق ما قال نائب محلي بارز لوكالة الصحافة الفرنسية اليوم (الخميس)، لتصبح بذلك عاشر عاصمة ولاية أفغانية تسقط في أيدي المتمرّدين خلال أسبوع.
وغزنة هي أقرب عاصمة ولاية من كابل يحتلها المتمردون منذ أن شنوا هجومهم في مايو مع بدء انسحاب القوات الأجنبية الذي من المقرر أن يُستكمل بحلول نهاية الشهر الحالي.
ومساء الثلاثاء احتل المتمردون بول الخمري عاصمة ولاية بغلان على بُعد 200 كيلومتر شمال كابل، وبالتالي باتوا يقتربون من العاصمة من الشمال والجنوب في آن.

وغزنة التي سقطت لفترة وجيزة في 2018 هي أكبر مكسب لـ«طالبان» حتى الآن مع قندوز، المحور الاستراتيجي في شمال شرقي البلاد، بين كابل على بُعد 300 كيلومتر إلى الجنوب وطاجيكستان.
حتى إذا كانت «طالبان» موجودة منذ فترة في ورداك ولوغار على بُعد عشرات الكيلومترات من كابل، فإن سقوط غزنة إشارة مقلقة للغاية للعاصمة.
هذه المدينة هي أيضاً نقطة مهمة على المحور الرئيسي الذي يربط كابل بقندهار، ثاني كبرى مدن أفغانستان إلى الجنوب. ويسمح الاستيلاء عليها للمتمردين بقطع خطوط الإمداد البرية للجيش إلى الجنوب.



صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
TT

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)

لطالما ساد اعتقاد بأن الحرب العالمية الثالثة، إن وقعت، ستندلع نتيجة شرارة واحدة تقسم العالم بين معسكرين متقابلين خلال أيام. غير أن هذا التصور لا يتطابق مع طبيعة الصراع الدولي الراهن. فبدلاً من «الانفجار الكبير» المفاجئ، يتشكل اليوم نمط جديد من النزاعات، أكثر تعقيداً وتداخلاً، بحيث يبدو العالم كأنه ينزلق تدريجاً نحو حرب نشهد، بل يعيش بعضنا فصولها الأولى، وإن لم يُعترف بها رسمياً بعد.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن الأزمات الدولية لم تعد أحداثاً منفصلة، بل تحولت إلى حلقات مترابطة ضمن شبكة صراعات أوسع. من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا، وصولاً إلى تايوان وأميركا اللاتينية، تتقاطع مصالح القوى الكبرى وتتشابك أدواتها العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية، الأمر الذي يجعل أي تصعيد في منطقة معينة قابلاً للتمدّد إلى مناطق أخرى. ويترافق هذا الترابط مع تراجع واضح في فاعلية النظام الدولي القائم على قواعد «مثالية»، الأمر الذي يدفع بعض المراقبين إلى التأكيد أن العالم دخل فعلياً المرحلة التمهيدية لحرب عالمية ثالثة.

3 مقاتلات «إف 18 سوبر هورنيت» انطلقت من حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

* مؤشرات ميدانية وسياسية

من يظنّ أن هذا الاستنتاج متسرّع عليه أن ينظر إلى مؤشرات ميدانية وسياسية لا يمكن تجاهلها؛ ففي الشرق الأوسط، تشكّل المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إحدى أخطر بؤر التوتر. ويتخوف خبراء عسكريون من أن ترى الصين، مثلاً، في ذلك فرصة سانحة للتحرك عسكرياً تجاه تايوان، وهو سيناريو قد يفتح الباب أمام مواجهة دولية شاملة.

وفي هذا السياق، أجرت الصين تدريبات عسكرية واسعة النطاق، شملت محاكاة فرض حصار بحري على الجزيرة التي تدخل استعادتها في صلب العقيدة السياسية لبكين، إلى جانب تطوير قدرات تكنولوجية متقدمة؛ مثل أدوات تعطيل البنية التحتية الرقمية للدول المستهدَفة.

ولا يقل الوضع تعقيداً في شبه الجزيرة الكورية، حيث تواصل كوريا الشمالية تطوير قدراتها العسكرية، بما في ذلك الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية. وقد كثف زعيم البلاد كيم جونغ أون زياراته للمصانع العسكرية و«استعراضات» إشرافه على تجارب صاروخية، فيما تتراجع فرص استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لإزالة أسباب التوتر.

إطفائيان يكافحان حريقاً في مدينة أوديسا الأوكرانية اندلع بعد هجوم بمسيّرة روسية (رويترز)

الأخطر من ذلك هو التقارب المتزايد بين بيونغ يانغ وموسكو، فقد أرسلت كوريا الشمالية قوات وأسلحة لدعم روسيا في حرب أوكرانيا، مقابل كلام عن حصولها على تكنولوجيا عسكرية متقدمة. ويعزز هذا التعاون ترابط ساحات الصراع المختلفة، ويزيد احتمال اتساع نطاق المواجهة.

وفيما يخص حرب أوكرانيا، لم يعد أحد يستخدم تسمية «عملية عسكرية خاصة» التي أطلقها فلاديمير بوتين في فبراير (شباط) 2022، فالحرب تجاوزت عامها الرابع ولا يُعلم متى وكيف تنتهي... ويرى بعض دول أوروبا في الحملة العسكرية الروسية مجرد محطة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة رسم التوازنات في القارة. لذا؛ تتزايد التحذيرات الغربية من احتمال توسع النزاع، خصوصاً في مناطق حساسة مثل بحر البلطيق (شمال) أو منطقة البلقان (جنوب). كما أن الاختبارات الروسية المتكررة لقدرات حلف شمال الأطلسي، عبر اختراقات المجال الجوي أو تحركات عسكرية قرب الحدود، تعكس رغبة في تلمّس حدود الردع الغربي.

وقد دفع هذا التوتر المتصاعد عدة دول أوروبية إلى إعادة النظر في سياساتها الدفاعية، بما في ذلك رفع الموازنات العسكرية وتعزيز التحصينات الحدودية والانسحاب من اتفاقات تحدّ من استخدام بعض الأسلحة. ويعكس ذلك إدراكاً متزايداً لكون احتمالات المواجهة المباشرة، وإن لم تكن وشيكة، لم تعد مستبعدة كما كانت في السابق.

وفي المحصلة، يبدو أن العالم لا يتجه نحو حرب عالمية تقليدية؛ بل ينخرط في صراع متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الجبهات وتتعدد أدواته بين العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية. وتقف الولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى الأبرز، في قلب هذا المشهد، سواء على أنها قائدة لتحالفات دولية أو طرف مباشر في النزاعات.

لكن ما يميز المرحلة الراهنة هو غياب الخطوط الفاصلة الواضحة بين الحرب والسلم، حيث تتآكل القواعد الدولية تدريجياً، وتُختبر حدود الردع باستمرار. والمؤكد أن العالم يعيش مرحلة انتقالية خطيرة، قد تعيد تشكيل النظام الدولي لعقود مقبلة.

تجربة إطلاق صاروخ فرط صوتيّ في كوريا الشمالية (أرشيفية - رويترز)

ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن الحديث عن حرب عالمية ثالثة بصيغتها التقليدية غير دقيق. فالصراع الدائر اليوم لا يتخذ شكل مواجهة مباشرة واحدة، بل يتمثل في تنافس متشعّب الأضلع وطويل الأمد بين الولايات المتحدة من جهة، ومحور فضفاض يضم الصين وروسيا وإيران من جهة أخرى. وتُخاض هذه المواجهة عبر حرب مباشرة راهناً بين أميركا وإيران، وحروب بالوكالة، وضغوط اقتصادية، وصراع على المواقع الجيوسياسية الحساسة، بدلاً من معارك تقليدية واسعة النطاق.

* رؤى استشرافية

عالم اليوم مليء بالتناقضات، فمقابل التقدم التكنولوجي الهائل الذي استبشر به كثر آملين في القضاء على الفقر والجوع والمرض، ثمة هشاشة بنيوية صادمة: فيروس مجهري شلّ العالم، وعولمة اقتصادية لا تتمتع بالمرونة للتكيّف مع الأزمات، ومؤسسات دولية تعجز عن التعامل مع الطوارئ، وهوّة بين مجتمعات وأفراد يزدادون ثراءً وفقراء يزدادون بؤساً، وإرهاب وتطرف وحروب متنقلة، وتلوّث مستفحل وتدهور مناخي مستمرّ... ووسط كل هذا سباق محموم لامتلاك الأسلحة بما فيها النووية!

ويَصلح هنا أن نعود إلى أدبيات استشرافية حاولت قبل عقود قراءة مستقبل النظام الدولي، ومن أبرزها كتاب صدر عام 1997 بعنوان «سيناريوهات إعادة تشكيل المجتمع الأميركي والعالمي بواسطة العلم والتكنولوجيا» Scenarios of U.S. and Global Society Reshaped by Science and Technology، لجوزيف كوتس، وجون ماهافي، وآندي هاينز. وقد حددوا فيه التحولات الأربعة (تكنولوجيا المعلومات، وعلم الوراثة، وتكنولوجيا المواد، وتكنولوجيا الطاقة) التي ستؤدي دوراً حاسماً في إعادة صياغة التوازنات العالمية. واليوم، مع تصاعد الحروب السيبرانية والتنافس على الذكاء الاصطناعي والطاقة، يتّضح أن بعض تلك السيناريوهات صار جزءاً من الواقع.

وأصاب هذا الكِتاب في تحديد عوامل التحوّل، لكنه أخطأ في افتراض أنها ستقود إلى الاستقرار والسلام.

حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول تغادر مرفأ خليج سودرا في جزيرة كريت اليونانية (رويترز)

وفي المقابل، برعَ رجل الأعمال والمفكّر الأميركي راي داليو - مؤسس صندوق التحوّط «بريدجووتر» - في تبيان أسباب اندلاع حرب عالمية ثالثة في إطار تحليلي واسع يربط بين التاريخ والدورات الاقتصادية والسياسية، خصوصاً في كتابه «النظام العالمي المتغيّر» (The Changing World Order) الصادر عام 2021.

ويرى داليو أن الحروب الكبرى لا تندلع فجأة، بل تكون نتيجة تراكمات ضمن «دورة كبرى» تتكرر عبر التاريخ، وتشمل مجموعة عوامل رئيسية:

- صعود قوة جديدة وتراجع قوة مهيمنة، وهذا ما يُعرف بـ«فخ ثوقيديدس»، حين يؤدي صعود دولة (مثل الصين) إلى تحدّي الدولة المهيمنة (الولايات المتحدة)، مما يولّد توتراً بنيوياً قد ينتهي بصراع عسكري.

- تفضي الديون والانهيار الاقتصادي في الدول الكبرى إلى أزمات اقتصادية حادة، تُضعف الاستقرار الداخلي وتزيد احتمالات الصراع الخارجي.

- الانقسامات الداخلية والاستقطاب السياسي والاجتماعي داخل الدول (خصوصاً الكبرى) يمكن أن يتحول كل ذلك إلى صراع داخلي يضعف الدولة، ويجعلها أكثر ميلاً للصدام الخارجي لكي تتجنب التفكك والانهيار.

- تراجع النظام العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى حد الاضمحلال، مع ضعف المؤسسات الدولية وتراجع الثقة بالقواعد التي تنظّم العلاقات بين الدول.

- الصراعات على الموارد الاستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة (كالذكاء الاصطناعي) تزيد حدة المواجهة بين القوى الكبرى.

ويخلص داليو إلى القول إن حرباً عالمية ثالثة لن تكون نتيجة «شرارة واحدة»، بل نتيجة تلاقي هذه العوامل ضمن دورة تاريخية متكررة، شبيهة بما حدث قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية.

ومن الواضح أن هذه العوامل تتلاقى منذ سنوات، وتسلك مساراً تصادمياً إلى درجة تدفع بعض المراقبين إلى القول إن السؤال لم يعد «هل ستندلع حرب عالمية ثالثة؟»؛ بل «كيف ومتى وبأي تكلفة؟».


هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
TT

هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)

قالت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، إن رواد الفضاء الأربعة، أعضاء مهمة «أرتميس 2»، وهم أول بشر يسافرون حول القمر منذ أكثر من 50 عاما، هبطوا بأمان قبالة سواحل ولاية كاليفورنيا بعد مهمة استمرت 10 أيام.

وسيتم استقبال الرواد كريستينا كوتش، وفيكتور غلوفر، وجيريمي هانسن، وريد وايزمان من قبل فرق الإنقاذ قبل نقلهم جوا إلى سفينة عسكرية أميركية لإجراء فحوصات طبية.واجتازت المركبة «أوريون» التي تحمل أربعة رواد فضاء عائدة إلى الغلاف الجوي للأرض، بنجاح اختبار درعها الحراري الذي يحمي الكبسولة التي تضم الطاقم من درجات الحرارة الحارقة.


«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قالت متحدثة باسم حلف شمال الأطلسي (ناتو) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتوقع من حلفائه في «الناتو» التزامات «ملموسة» للمساهمة في تأمين مضيق هرمز، وذلك بعد محادثاته مع الأمين العام للحلف، مارك روته.

وأوضحت المتحدثة أليسون هارت أن روته أطلع الشركاء على ما دار في لقاءاته بواشنطن، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وأضافت: «من الواضح أن واشنطن تنتظر تعهدات وإجراءات ملموسة لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز».

ومن جانبها، نقلت وكالة «بلومبرغ» للأنباء عن مسؤول كبير في «الناتو»، الخميس، أن الولايات المتحدة طلبت من الحلفاء الأوروبيين تقديم خطط عملية خلال أيام، فيما ذكرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية تفاصيل مماثلة.

وطالب ترمب أعضاء «الناتو» مراراً بدعم الجهود الأميركية لتأمين هذا الممر الملاحي الحيوي، لكنه يواجه حتى الآن مقاومة من جانبهم.

وقبل أقل من 24 ساعة من الإعلان عن هدنة هشة في الحرب مع إيران، التقى روته بترمب في واشنطن الأربعاء.

وبعد اللقاء، واصل ترمب التعبير عن إحباطه عبر منصته «تروث سوشيال»، حيث كتب يقول: «لم يكن (الناتو) موجوداً عندما كنا بحاجة إليه، ولن يكون موجوداً إذا احتجنا إليه مجدداً».

وفي منشور منفصل الخميس، اتهم ترمب الحلفاء بالفشل في التحرك دون ضغوط، وذلك دون أن يقدم تفاصيل إضافية.