كواليس الحياة اليومية للروائي الراحل جبور الدويهي

مارس التمثيل والتصوير الفوتوغرافي وأخذ عن أمه مهارة الحكواتي

كواليس الحياة اليومية للروائي الراحل جبور الدويهي
TT

كواليس الحياة اليومية للروائي الراحل جبور الدويهي

كواليس الحياة اليومية للروائي الراحل جبور الدويهي

شخصية الروائي الراحل جبور الدويهي البعيدة عن الاستعراضية، أبقت حميمياته متوارية عن عيون القراء، ممارسته الكتابة بخفر من دون كثير جلبة، جعلت رواياته هي المتداولة فيما بقيت المقابلات معه قليلة، وبوحه شحيح. لكن لجبور شخصية تستحق أن تروى، هو في حياته كما في كتاباته له مسار متشعب ومركّب يشبه لبنان نفسه. مما لا نعرفه عن جبور حبه للسينما وعلاقته بالمسرح وتعلقه بالتصوير الفوتوغرافي، قبل أن يصبح روائياً، ثم لجوئه للصور كمصدر بحثي في كتابة رواياته، وأشياء كثيرة أخرى تكشف للمرة الأولى.
هذا ما أتاحه لنا الشاعر والأستاذ الجامعي فوزي يمين، الذي التقى بجبور الدويهي وهو في عشريناته، وربطته به صداقة، حيث تعرّف معه على المسرح والسينما والحياة الثقافية في بيروت، ثم صاهره وبقي قريباً منه بحكم الرباط العائلي.
نبدأ مع د. يمين من الرواية الأخيرة لجبور الدويهي «سمّ في الهواء» التي تزامنت كتابتها مع مرضه، وصدرت قبل فترة قصيرة من وفاته. يروي لنا «كيف كان جبور يستعجل صدورها، ويحثّ الناشر على الإسراع. وحين كان لا يتمكن من الاتصال به بسبب الإنهاك، يطلب إلى أحد أفراد العائلة أن يفعل ذلك. أحب أن يراها قبل أن يغادر. وهذا ما حدث. فقد تسلم نسخاً منها وأرسلها إلى الأصدقاء، ثم رحل».
قبل سنتين بدأ جبور يشعر أن ثمة ما هو غريب. يصاب بالهزال رغم أنه يأكل كالمعتاد. «كان قد بدأ في كتابة (سمّ في الهواء). يذهب إلى المقهى في إهدن ليكتب ويحدثنا عنها. لم يوقفه القلق، حين عرف أنه يعاني من مشاكل في الدم، واصل بإصرار متخطياً كل الظروف، مستفيداً من هدنة يأخذها من الألم بين فترة وأخرى، إلى أن وضع النقطة الأخيرة». الشخصية الرئيسية في رواية «سمّ في الهواء» تتنقل بين طرابلس وزغرتا وبيروت. حكاية رجل يحب الأدب، ويعيش مع أهله، ويختار في آخر الرواية العزلة والاختفاء. «جبور أيضاً في السنتين الأخيرتين كان قد عزله المرض، وداهمت (كورونا) العالم، وفرضت عليه حجراً على حجر. كان ماركسياً هو الآخر كما بطله، ومن جيل تحطمت أحلامه الكبيرة، ووصل كما راوي الحكاية وبطلها إلى خاتمة عبثية».
جبور كان يكتب يومياً من التاسعة صباحاً وحتى الواحدة ظهراً، ثم يتوقف. هذه هي أوقات العمل الفعلية لديه. كل أعماله أنجزت صباحاً، أما بعد الظهر، فلا يكلّ من سماع الأخبار. «التلفزيون مفتوح طوال الوقت. يريد أن يعرف تفاصيل التفاصيل عما يحدث خاصة في لبنان وفرنسا. كان متابعاً حثيثاً لما يحدث هناك، ومعني أحياناً بدقائق مواضيع لا تخطر على بال. حين يكتب يفضل أن يكون محاطاً بالناس. يؤلف وهو يجالسنا، وصوت التلفزيون يلعلع، لا مشكلة لديه في ذلك. لا نعرف عنه أبداً أنه أغلق غرفته وعزل نفسه ليكتب. هو بحاجة إلى خلفية حية كي تأتيه الأفكار، خلفية فيها حرارة الحياة. في نفس الوقت هو رجل طقوس. يحب أن يكون لأيامه إيقاع ينظمها. فبعد الكتابة الصباحية وسماع الأخبار وقيلولة بعد الظهر، لا بد من لعب الورق، ذاك موعد ثابت لا يمكن تجاوزه ولا تأجيله، ومن بعده قد يلبي دعوة عشاء أو لقاء مسائي مع الأصدقاء».
إذا كان جبور الدويهي حكواتياً بارعاً، فذلك بفضل والدته ماريا، التي فارقت الحياة قبله بعشرة أشهر، عن عمر ناهز المائة عام. «بقيت المرأة فتية وحكّاءة، تروي دون كلل، وعنها أخذ مهارة القصّ. هي خزّان إرثه الشفهي النابض بالحكايات. وقد اشتغل جيداً على هذا الجانب، ونحته بوع تام منه. جلساته مع الأصدقاء، قربه من الناس وتفاصيلهم، كانت كلها غذاء لرواياته. اجتماعي حتى الثمالة، يجالس أشخاصاً من مختلف الأجيال والطبقات، لأنه كان بحاجة للاستماع»، يقول يمين. «ثم أي ذاكرة كانت له! إذا ما سمع قصة، يرويها لك بكامل تفاصيلها، ولو بعد مضي سنين. هذه مقدرة رهيبة. ذهنه مكتنز بالقصص والذكريات العفيّة، وله قدرة على التنقل بينها، ومزجها والخروج من قصة للدخول في أخرى. هذا سره ومفتاحه. له مقدرة فائقة على التخزين وإعادة الإنتاج على طريقته الروائية». ذاكرة جبور ليست سمعية فقط، بل بصرية كذلك. هو ابن المسرح والسينما. لهذا يضيف يمين: «جبور كان بالفعل كاتب الحياة اليومية اللبنانية، لأن أدبه مطعم بشعبية المجتمع، بالعادات والتقاليد. علاقته متينة بجذوره، وعلى دراية بالتاريخ، يتعامل معه بليونة وبقدر عالٍ من التخييل، ليأتي بفسيفساء، ليست بعيدة عن الفسيفساء اللبنانية. كأنه يدخل ما يعرفه في قناة، ويخرجه من جهة ثانية بعد أن يغربله ويصفيه ويضيف إليه نكهته الخاصة». عشقه كان ماركيز «أعجب بمهارته في المزج بين الواقع والخيال، وتحركه بين هذين العالمين بسلاسة مغرية».
قيل الكثير عن دور المكان في روايات جبور الدويهي. في «ريا النهر» كتب عن نهر المرداشية الذي يعرفه جيداً، حيث كان يرتاد مقاهي تلك المنطقة ويكتب هناك. وقبل أن يشرع في «حي الأميركان» وهو حي موجود في منطقة القبة في طرابلس، ويعرفه بدرجة أقل، استعان بأحد أصدقائه الطرابلسيين، وزاره بصحبته أكثر من مرة، كي يتعرف إليه عن كثب. أما «عين وردة» يقول يمين، فهي «حكاية بيت لفت جبور يوم كان طفلاً في الخمسينات، موجود على (تلة الخازن) قرب زغرتا، كانت تسكنه عائلة برجوازية تأتي من بيروت، وتقيم الحفلات الراقية التي تفتن الأهالي. لكن سرعان ما هجرت العائلة البيت».
قال جبور مرة: «المكان هو البطل، الأمكنة أساس، وكل أقدار العالم تدور حولها». وهي دائماً عند جبور موجودة على مفترق. في رواياته يتقاطع الريف مع المدينة، ويتقاطع المهاجر مع المقيم. «كان يفعل ذلك واعياً، ومدركاً، وليس صدفة. فهو من الذين اشتغلوا بشكل كبير على المجاز»، يشرح د. يمين.
ما لا يعلمه كثيرون أن هذا الروائي المغروم بالتاريخ كان عاشقاً للصور القديمة، يجمعها، يؤرشفها، يعود إليها ليتأملها وهو يعيد ترتيب عوالمه الروائية. «هي جزء من مصادر الوحي التي كان يركن إليها. بل هي أرشيف معلومات يستند إليه، ويجد فيها الكادر الزمني الذي تدور الأحداث ضمنه». يكمل دكتور يمين: «التصوير الفوتوغرافي أساساً هو هواية قديمة لجبور. مارسها باكراً وأحبها. الصورة بالنسبة له، شديدة الأهمية. سواء التقطها، أو اقتناها وأضافها إلى مجموعته. هذا غير البحث في الكتب القديمة التي تعني بتاريخ الأمكنة، وكان أيضاً يقتنيها ويعود إليها لتغذية الرواية. على أي حال، عمله على تاريخ الأمكنة جاء امتداداً لاهتمام مبكر، منذ كان يحضّر الدكتوراه عن أدب المستشرقين الذين اهتموا بجبل لبنان».
لم يتوقف صاحب «مطر حزيران» عن شراء الكتب، كانت في غالبيتها فرنسية. فهو من النوع الذي يقرأ بسرعة كبيرة. ومن ملاحظته بعد قراءة عشرات الروايات أنه وجد غالبيتها، إلا ما ندر تختتم بنهايات بائسة. هذه الخلاصة قد تفسر الحزن الشفيف الذي يغلف نصوصه كلها.
في مطلع شبابه، في ستينات القرن الماضي، انضم جبور الدويهي إلى «حركة الشباب الزغرتاوي»، حركة يسارية شيوعية ملتزمة بالنضال الفلسطيني، تطالب بحقوق اجتماعية. ثم ذهب طالباً جامعياً إلى بيروت كما بقية رفاقه في الحركة، انضم إلى الحزب الشيوعي اللبناني، وحلم كما أبناء جيله بالعدالة والتغيير. ثم سافر إلى فرنسا ونال شهادة الدكتوراه، وحين عاد كانت الحرب الأهلية في انتظاره.
ذلك لم يمنعه من الانخراط في المسرح. أسس مع سيمون قندلفت وجان هاشم، ومثقفين آخرين «فرقة الديوان» المسرحية في زغرتا. قدموا أربع مسرحيات «مهاجر بريسبان» و«حكاية فاسكو» لجورج شحاده، «عرس الدم» للوركا و«الملك يموت» ليوجين يونيسكو. شارك جبور بحرارة في هذه التجربة مترجماً من الفرنسية إلى العامية اللبنانية وممثل عرف تجربة الوقوف على الخشبة. وقعت «مجزرة البحصاص» في طرابلس عام 1983 التي راح ضحيتها عدد من الشبان الزغرتاويين، بينهم الدينامو الفني للفرقة بيار فرشخ، لينتهي الحلم المسرحي. «هذا ما يفسر وجود شيء من روح المسرح في روايات جبور، بقي المسرح حاضراً في أعماله، ولم يغب أبداً»، يعقب فوزي يمين.
إلى جانب المسرح شارك جبور في تأسيس نادٍ للسينما عرض أفلاماً منتقاة من جنسيات مختلفة، وفتح المجال للحوار حول ما يعرض. يذكر د. يمين أنه كان لا يزال في العشرين حين حضر فيلماً يابانياً لأول مرة في حياته في هذا النادي، الذي كان لجبور فضل في تأسيسه.
كانت زغرتا، في تلك الفترة من الحرب الأهلية، التي نشط فيها جبور، مزدهرة اقتصادياً وثقافياً. فبسبب مجزرة إهدن التي وقعت عام 1978. خشي الزغرتاويون في كل من طرابلس وبيروت على حياتهم، وعادوا إلى بلدتهم طلباً للأمان وبينهم تجار وأدباء وفنانون، وأطلقوا المبادرات في منطقتهم.
بدأ جبور الدويهي الكتابة بالفرنسية، وبقي يكتب بها مقالاته الصحافية التي ثابر عليها. لكنه لحظ أن مواضيع روايته، يعبر عنها أفضل باللغة العربية، لأنها تحكي قصصاً محلية. تطورت جملته، واشتغل على أسلوبه. بدأ بـ«اعتدال الخريف»، التي تنقل جانباً من نشأته الأولى. هي أشبه بأوتوبورتريه. «مطر حزيران» جاءت أطول، وفيها نفس ملحمي. لم تكن عربية جبور ضعيفة يوماً. كان في الأصل قادراً على الكتابة باللغتين. حين يعرض نصوصه على أصدقائه قبل النشر، على جري عادته، يأخذ عليه بعضهم تلك التراكيب اللغوية التي تسربت إلى أسلوبه من الفرنسية. يعلّق د. يمين: «لكنني أرى هذا التطعيم قد تحول إلى ميزة في أسلوبه الروائي».
لم يندم أنه كتب الرواية متأخراً، ذلك سمح له ألا يأسف على كتاب نشره. يضيف يمين: «كان قد كتب أشياء مبكره، ولم ينشرها. ربما لم يجد الوقت لذلك. بعد تقاعده من التعليم الجامعي، صارت الفسحة أكبر. فهو من الصنف الذي يأخذه اللهو ويركن إلى الكسل. لعله لم يكن يأخذ نفسه كروائي على محمل الجد. تصرف كهاوٍ لفترة طويلة، إنما لحسن الحظ، وثق بعد ذلك أكثر بأهمية ما يفعل. وكان ذلك مفيداً جداً لتطوره الأدبي».
جبور الدويهي



رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات
TT

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

قبل أسبوعين من إقامة معرضها الاستعادي الأول بلندن، توفيت الفنانة الكولومبية بياتريس غونزاليس عن عمر ناهز الثالثة والتسعين. وكانت الفنانة التي ولدت عام 1932، قد أشرفت بنفسها على اختيار أعمالها التي تُمثل تجربتها الغاصة بالتحولات عبر 6 عقود، بدءاً من ستينات القرن الماضي وحتى الآن. وليس غريباً على الفنانة أن تلعب ذلك الدور المزدوج، وذلك لأنها عُرفت باعتبارها منسقة معارض، إضافة إلى كونها كاتبة. وهي إذ تحتفي بصنيعها الفني الذي يشمل، إلى جانب اللوحات، المنحوتات والإنشاءات الضخمة التي غالباً ما تُعيد الحياة عن طريق الإيحاء إلى مفردات الأثاث المنزلي الجاهزة كالكراسي والطاولات والأسرة والصناديق والخزائن، فإنها تضعنا في مواجهة رؤيتها الفنية التي لم تكتفِ بالموقف من السلطة وتحليل آليات عملها القمعي، بل وضعت إلى جواره ما ترسّب في الذاكرة الجمعية من مشاهد مؤلمة تُمثل الموتى الأقرباء والغرباء، المعروفين ومجهولي الهوية ممن كانوا يقفون على الجانب الآخر. وإذا ما كانت أعمال غونزاليس تتميز بحيوية داخلية تُعبر عنها الألوان الزاهية، فإنها في الوقت نفسه تستمد قدرتها على التأثير من الحزن الذي يُقيم بين ثنيات تاريخ كولومبيا السياسي المعاصر.

لم يكن مفاجئاً أن يضم المعرض لوحات استنسخت الفنانة من خلالها لوحات صارت جزءاً من التاريخ الفني العالمي، كما هي الحال مع «فينوس» لفنان عصر النهضة ساندرو بوتيتشيلي و«غداء على العشب» للانطباعي الفرنسي إدوارد مانيه و«غورنيكا» للإسباني بابلو بيكاسو. تلك مفارقة تتسلى الفنانة من خلال الالتفات إليها في استعراض تاريخ علاقتها الشخصية بالرسم، يوم كانت تتعلَّم الرسم، من خلال استنساخ لوحات فنان عصر الباروك الهولندي فيرمير. ذلك ولعٌ لم تتخلص منه الفنانة حتى بعد أن صاروا في كولومبيا يطلقون عليها لقب المعلمة. يشير ذلك اللقب إلى عمق تأثير تجربتها الفريدة من نوعها في أجيال من الفنانين الذين وجدوا فيها تجسيداً لإرادة البقاء في مواجهة سلطة المحو التي مثلها الوضع البشري الذي توزع بين الموت والفقدان. والأكثر تأثيراً في المعرض أن الفنانة أقامت على جدران إحدى غرفه مقبرة لضحايا السلطة.

سيدة الرسم في مواجهة العنف

يضم معرض بياتريس غونزاليس، المُقام حالياً في مركز باربيكان للفن بلندن، 150 عملاً فنياً يجمع بينها خيط سري هو العنف الذي حاولت الفنانة أن تغطيه بغلالة تجمع بين السخرية والرقة والتحدي، في رغبة منها في القول بأن الحياة مستمرة، وإن اخترقتها مشاهد الجثث. وهي في عودتها إلى لوحات الفن الغربي التي أعجبتها عبر سني حياتها لم تسعَ إلى الهروب من الآثار النفسية لذلك العنف بقدر ما سعت بطريقة مخاتلة إلى بلورة رؤية خاصة، تكون من خلالها تلك اللوحات شهادات معاصرة. هي فكرة عن إصرار الفنانة على التمسك بثقتها بالفن. كانت هناك «غورنيكا»، وهي تجسيد لمجزرة ارتكبها النازيون في حق بلدة إسبانية مسالمة، وفي المقابل كان هناك غداء هادئ ومريح على العشب أربك من خلاله مانيه السلطة الثقافية في زمانه.

وعلى الرغم من أنها قالت ذات مرة: «لم أكن أرغب في أن أكون سيدة ترسم»، فهي لم تبدأ مسيرتها رسّامة إلا في الثلاثينات من عمرها؛ حين قامت بنسخ لوحة الإسباني دييغو فيلاسكيز «استسلام بريدا» التي تعود إلى عام 1635، غير أن معرضها الاستعادي الحالي يؤكد أن الرسم أصبح وسيلتها المثالية في التصدي للفوضى السياسية التي شهدتها بلادها، وما نتج عنها من عنف، وصولاً إلى استلهام الثقافة الشعبية في السخرية من الجنرالات الذين صورتهم بأسلوب كاريكاتوري على هيئة ببغاوات. حتى في اللوحات التي تُمثل مشاهد حياة عادية هناك شيء من الحزن الدفين، والغضب الذي لا يتناسب مع المناسبة. فعلى سبيل المثال هناك ثلاث لوحات تُمثل رجلاً وامرأة في مقتبل العمر كما لو أنهما في حفلة عرس. في التفاصيل تعرَّض الشابان في ليلة عرسهما للاختطاف، ومن ثم قُتلا. سيكون جارحاً أن يتسلل الألم من بين طبقات ذلك الجمال المترف.

لم تبدأ بياتريس غونزاليس بتسطيح صورها إلا بعد أن صار واضحاً بالنسبة لها أن عمق المأساة في موضوعاتها يغني عن التفاصيل التي شغف بها الرسم التشخيصي الأوروبي. تلك خطوة جريئة منها، خصوصاً أنها لم تكن تميل إلى الرسم التجريدي الذي استفادت من بعض تقنياته.

حين يكون الألم ملهماً

معرض الفنانة التي دأبت في وقت مبكر من حياتها على جمع الصور ساحرٌ بفتنة مشاهده الملونة، غير أنه لا يُحتمل بسبب كثافة الألم الذي ينسل مثل خيط ليجمع من حوله خرائط واقع لا يمكن نسيانه، فهو التاريخ الذي لم يكتبه المنتصرون. في خزانات زجاجية أُلحقت بالمعرض نرى محتويات متحفها الشخصي من الصور الفوتوغرافية، أبرزها: «مصارعون ملثمون، ولاعبو كمال أجسام، وملكات جمال، وحالات انتحار شنقاً، ونسخٌ من أعمال فنانين قدامى، وكهنة كاثوليك يرتدون أغطية رأس مزينة بالريش على الطراز التقليدي، وجاكي أوناسيس على ظهر جمل، والملكة إليزابيث الثانية الشابة تشهد انهيار الإمبراطورية، وقديسون في صلواتهم، وتحف دينية مبتذلة، ومنشورات معارض كانت قد شاهدتها».

الفكرة الأذكى في هذا المعرض أنه لا يلمح إلى الالتزام السياسي. ذلك ما يُحسب للفنانة التي احتفظت بحقها في تأويل ما شهدته خارج المنظور السياسي لتضعه في سياقه الإنساني. وبذلك فقد أنقذت الفنانة فنها من التأطير التبسيطي الجاهز. فهي على الرغم من تشددها في موقفها المعارض للسلطة أنتجت فناً أنصفت من خلاله الضحايا من غير أن تستعرض تاريخهم السياسي، ومن غير أن يكون فنها نوعاً من الدعاية السياسية. سيكون علينا الثناء على ما تخلل فنها من بهجة تستمد فتنتها من الحكايات الشعبية.

«ما لا يقوله التاريخ يقوله الرسم»، هذا ما كانت بياتريس غونزاليس تردده وهي على يقين بأن جنازات الموتى وصور المفقودين وصرخات المعذبين لن تقلق حبر المؤرخين وهم يؤلفون كتباً عما حدث. كانت وظيفة الرسم من وجهة نظرها تضعه في مواجهة التاريخ الرسمي. وهو الدافع لتصوير مسرح الجريمة الذي هو عبارة عن دولة استباحها العسكر وصارت سجناً لشعبها. غابرييل ماركيز، الحاصل على جائزة نوبل، وصاحب رواية مائة عام من العزلة، كان واحداً من الناجين من ذلك السجن في تلك المرحلة.

رسمت غونزاليس الجنرلات كما كان الرسامون الأوروبيون يرسمون الكهنة. في عام 1985 حاصرت جماعة ثورية مسلحة قصر العدل في بوغوتا، واحتجزت جميع من فيه رهائن. أمر الرئيس الكولومبي بيليساريو بيتانكور الذي تولى منصبه حديثاً الجيش باقتحام المبنى، مما أدّى إلى اندلاع حريق أودى بحياة نحو مائة شخص، بينهم مدنيون وقضاة. ردّت بياتريس غونزاليس بلوحة «سيدي الرئيس، يا له من شرف أن أكون معكم في هذه اللحظة التاريخية»، وهي لوحة كبيرة يظهر فيها الرئيس مبتسماً ووزراؤه منهمكين في العمل بينما يرقد جثمان متفحم على الطاولة أمامهم.

من أجل ذلك الجثمان رسمت بياتريس لوحتها.

أما حين قررت بلدية بوغوتا إزالة المقبرة (رفات مئات من ضحايا النزاع) فكان رد الفنانة بعملها «هالات مجهولة»، الذي يعتبر أفضل أعمالها.

استعملت الفنانة التقنية الرقمية في استحضار جثث تعرف أنها ذهبت إلى المجهول. غير أنها من خلال ذلك الاستحضار إنما تكشف عن ثقتها بقدرة الفن على أن يُجبر التاريخ على قول الحقيقة.


غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد
TT

غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد

يرصد كتاب «بشار بن برد - بين الجد والمجون»، الصادر عن دار «أقلام عربية»، للباحث حسين منصور، واحدة من الملامح البارزة في تجربة الشاعر الشهير، وهي الولع بالعشق، باعتباره فضاءً وجودياً في التعبير عن الحياة والنفس البشرية.

عاش بشار في الفترة ما بين نهايات الدولة الأموية وبدايات الدولة العباسية، وحُرم من نعمة البصر وهو صغير لكنه عوضاً عنها امتلك بصيرة خلاقة، قادرة على الذهاب فيما وراء الأشياء، الأمر الذي وسع من عالمه الشعري، وساعده في نظم القصائد المفعمة بالجمال والحكمة.

وحول النساء في حياة بشار، يشير المؤلف إلى أنه أشهر من عشق من النساء امرأة يقال لها «عبدة» لإكثاره من ذكرها في شعره وكانت غانية جميلة من أجمل نساء البصرة وقد تعرف إليها في حجرة من حجرات بيته اسمها «البردان» جعلها نقطة تجمع للنساء اللواتي يحضرن لسماع شعره.

وبينما هو في مجلسه ذات يوم بتلك الحجرة، إذ سمع كلام «عبدة» في المجلس فعشقها من صوتها، كما هي عادته، وقال فيها شعراً ودعا غلامه وقال له: إني علقت هذه المرأة فإذا انقضى المجلس وانصرف أهله فاتبعها وكلمها وأخبرها بحبي وأنشدها شعري، فبلّغها الغلام رسالة مولاه الشفهية وأنشدها أبياته فهشت لها، فصارت تزوره مع نسوة يصحبنها، يأكلن عنده ويشربن وينصرفن بعد أن ينشدها شعراً، ولا طمع فيه في نفسها.

تزوجت عبدة وخرجت مع زوجها من البصرة إلى عمان فقال بشار:

عذيري من العذال إذ يعذلونني

سفاها وما في العاذلين لبيبُ

يقولون لو عزيت قلبك لارعوى

فقلت وهل للعاشقين قلوبُ

إذا نطق القوم الجلوس فإنني

مكب كأني في الجميع غريبُ

وفي واقعة أخرى، دخل إليه نسوة في مجلسه ليسمعن شعره فانجذب لامرأة منهن يقال لها «أمامة»، فقال لغلامه: «عرفها محبتي لها واتبعها إذا انصرفت إلى منزلها»، ففعل الغلام وأخبرها بما أمره فلم تجبه بما يحب، فتبعها إلى منزلها حتى عرفه فكان يتردد إليها حتى ضجرت به فشكته إلى زوجها فقال لها: «أجيبيه وعديه أن يجيء إلى هنا»، ففعلت وجاء بشار تقوده امرأة أنفذتها إليه فدخل وزوجها جالس فجعل يحدثها ساعة ثم قال لها: ما اسمك بأبي أنت؟ فقالت: أمامة فقال:

أمامة قد وُصفت لنا بحسنِ

وإنا لا نراك فالمسينا

فأخذت يده وقد مدها ووضعتها في يد زوجها، ففزع ووثب قائماً وقال:

طلبت غنيمة فوضعت كفي

على شيء أشد من الحديدِ

فأمسك زوجها به وقال: هممت أن أفضحك، فقال كفاني فديتك ما فعلت ولست والله عائداً إليها أبداً فحسبك ما مضى، فتركه.

ويتطرق الكتاب إلى امرأة أخرى وقع في غرامها بشار بن برد تُدعى «خشابة»، شاغلته لفترة ثم تزوجت وسافر بها زوجها من البصرة فقال بشار:

أخشاب حقاً إن دارك تزعجُ

وأن الذي بيني وبينك ينهجُ

فإن جئتها بين النساء فقل لها

عليك سلام مات من يتزوجُ

بكيت وما في الدمع منك خليفة

ولكن أحزاني عليك توهجُ


«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً
TT

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«لا تبدو ثمة مشكلة في حكايات لا تُكتب، بل في تلك التي تضيع قبل أن تجد صاحبها». على هذه المفارقة تبني الكاتبة المصرية زينب عفيفي عالمها السردي في روايتها «السماء لا تمطر حكايات»، حيث يصبح الخيال نفسه بطلاً روائياً يشق طريقه عبر متاهات الكفاف والإحباط، في محاولة دائمة للعثور على حكاية لا تمنحها الحياة بسهولة.

في هذه الرواية، الصادرة عن «الدار المصرية اللبنانية»، تظهر البطلة مُحاصرة داخل مكان مقيّد، وزمن أجوف يتكرر بإيقاع «قصص قصيرة ينقصها الأمان»، تعيش حالة تنازع بين حلمها القديم بأن تصير روائية، وهو الحلم الذي تبتره صدمة سرقة مبكرة لروايتها الأولى، وبين واقع يتسلل إليه الخوف والتردد، من دون أن تنطفئ جذوة الكتابة داخلها تماماً.

تبدو البطلة «الأربعينية» هائمة في حلم يقظة مستمر، وتغدو المخيّلة سحابتَها الخاصة، تسيّرها بصوتها الداخلي، حتى تصبح حواراتها مع المحيطين بها هي المفارقة لا العكس، وتواكب لغة الرواية هذا المنحى، إذ تنحاز إلى صوت البطلة وتأملاتها الطويلة في المكان والزمان، وكثير من النقد الذاتي.

بيع الأفكار

تمتد هذه التأملات لتصل بالبطلة إلى ضفاف حوارٍ خيالي مع كاتبها السويسري المفضل «روبرت فالزر»، وكأنها تقيم معه تقاطعات حياتية موصولة بمشروعه الروائي والشخصي، وفي هذا الأفق التخييلي يأخذها بطل روايته «اللص» إلى مغامرة فانتازية تدفعها إلى تأسيس كيان لبيع الأفكار للروائيين المفلسين، لتتحرى الأفكار الغريبة المغرية كمواد روائية.

وهكذا تجد البطلة «حنان» نفسها أمام حلمها القديم بالكتابة الذي أجهضته سرقة نصها الأول ونشره باسم آخر، فستبدل به محاولة مختلفة لتدبير علاقتها بالأفكار نفسها، وفي هذا المسار يفتح السرد باباً للتناص مع رواية «اللص» لكاتبها المفضل، حيث يتخذ فعل السرقة معنى يتجاوز الجريمة المباشرة ليغدو طريقة مراوغة للوجود داخل العالم، فبطل فالزر لا يسرق الأشياء بقدر ما يسرق الإمكانات، متنقلاً بين الهوامش بحثاً عن كيان، وعلى نحوٍ موازٍ تبدو البطلة هنا وقد دفعتها صدمة السرقة الأدبية التي تعرضت لها إلى إعادة التفكير في علاقة الكاتب بفكرته، لتبدأ الأزمة التي بدت كجُرح شخصي مبكر في التحول تدريجياً إلى تقمّص تخييلي لفكرة السرقة ذاتها.

من خلال هذا التناص يفتح السرد جبهات متعددة للتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً معقداً بين التأثر والتناص والتخييل، في سياقات تخص الكتابة وواقعها المعاصر، حيث تتجاور «خوارزميات» الذكاء الاصطناعي مع «الغباء البشري».

وتتخذ الرواية مسارات ساخرة مشتقة من قاموس الكتابة الأدبية، حيث تنسج الكاتبة فضاءً فانتازياً يقوم على تأسيس كيانٍ لبيع الأفكار للكتّاب المفلسين، وفي هذا الكيان تتداخل أصوات المقبلين على شراء الأفكار عبر أقسام تتراوح بين «الروايات الجاهزة» و«إدارة الكتّاب الأشباح»، وغيرها من الصيغ التي تُحاكي بسخرية لاذعة اقتصاد الإبداع المعاصر.

حضور مُتخيّل

في علاقتها المتخيلة بروبرت فالزر، تبدو البطلة في حالة تماهٍ عاطفي مع هذا «الرجل من ورق»، حتى إنها تحاكي طقسه الشهير في المشي، فتقطع مثله مسافات طويلة كأنها تبحث، عبر الحركة، عن طريق إلى صوتها الداخلي، وعن مخرج من دائرتها المغلقة، فالأفكار كما يهمس لها صاحب هذا الحضور المتخيّل «لا تأتي في غبار الغرف المغلقة».

ومن خلال هذا النسيج التخييلي، تحيك الرواية خلفيات متعددة لفكرة السرقة، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً وتناصاً وتأثراً داخل تاريخ الكتابة نفسه؛ مستعيدة جدل الشاعر الشهير ت. س. إليوت بأن «الشعراء الجيدين يقلدون، أما العظماء فيسرقون».

وفي هذا السوق، يبدو «السِعر» نفسه جزءاً من اللعبة السردية الفانتازية، حيث تُجري مقايضة بين «سِعر» الفكرة و«روح النص»، إذ «الأفكار العظيمة ثمنها أغلى مما يبدو» لتطرح الرواية سؤال القيمة الأدبية في مقابل مواصفات السوق وتوليفات «الأعلى مبيعاً»؛ فالأفكار تُعرض للبيع بلا إخلاص، مثل خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تكتب للجميع بالدرجة نفسها من الحياد، وهكذا لا يعود السؤال عمّن يمتلك الفكرة، بل عمّن يمتلك روح النص، تلك الشرارة الخفية التي لا تُشترى، حتى حين تبدو الأفكار نفسها متاحة بغزارة أمام الجميع.

تدريب على المشي

تعتمد الكاتبة على تضييق حدود المكان السردي لبطلتها؛ فالأحداث تدور في قرية لا تحتفظ بنقائها بعد أن انفتحت على معالم المدينة، وبيت صغير «على مقاسها» تلوذ به البطلة أغلب الوقت، وسيارة «بويك» قديمة ترثها من الجد كما ترث مكتبته، وسجل عاطفي زهيد ومتعثر، ليُفسح ضيق الواقع المجال لاتساع مكان بديل يتشكل عبر شرارة الأفكار وصحبة خيالية، ونزق يقود حياتها في منتصف العمر إلى علاقة مُعقدة بسؤال الكتابة وبذاتها.

في هذا الأفق السردي المتقلب بين السخرية والتأمل، لا تبدو الرواية معنية فقط بحكاية بطلة فقدت إيمانها بنصف حياتها الأول، بقدر ما تنشغل بتفكيك العلاقة الملتبسة بين الكاتب والأفكار وجذوة الكتابة؛ فالأفكار هنا لا تظهر بوصفها ملكية خالصة، بل كيانات هاربة، تتنقل بين العقول، كما لو كانت تبحث عن ملاذ ومُخلّص.

ومن خلال فضاء «بيع الأفكار» الذي تقيمه الرواية يتحول هذا السؤال إلى لعبة سردية متعددة المسارات، تنهض على التناص مع روبرت فالزر وبطله «اللص»، والسخرية من اقتصاد الكتابة المعاصر، والتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً معقداً بين التأثر والتناص والتخييل.

هكذا تضع الرواية قارئها أمام مفارقة الكتابة نفسها؛ حيث قد تكون الأفكار قابلة للبيع، لكنها في الوقت نفسه عصيّة على الامتلاك، في زمن بات «النجاح فيه فخاً»، بينما يتحوّل الخيال إلى تدريب طويل على المشي؛ على غرار فلسفة روبرت فالزر.