عقبات إضافية تعوق التوصل إلى اتفاق في مفاوضات فيينا

ماكرون شدد خلال أول مكالمة هاتفية مع رئيسي على إحياء الدبلوماسية النووية وأمن الملاحة

الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي في مايو الماضي (غيتي)
الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي في مايو الماضي (غيتي)
TT

عقبات إضافية تعوق التوصل إلى اتفاق في مفاوضات فيينا

الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي في مايو الماضي (غيتي)
الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي في مايو الماضي (غيتي)

رغم وصول رئيس متشدد بشخص إبراهيم رئيسي إلى رئاسة الجمهورية الإسلامية، فإن قناعة المسؤولين الغربيين المعنيين بالملف النووي الإيراني (الولايات المتحدة والدول الأوروبية الثلاث: فرنسا وبريطانيا وألمانيا) عازمة على العودة إلى المفاوضات المجمدة في فيينا ولكن «من موقع قوة»؛ الأمر الذي أكدته زيارة المسؤول الأوروبي إنريكي مورا إلى طهران بمناسبة مشاركته ممثلاً لـ«وزير» الخارجية الأوروبي جوزيب بوريل في تنصيب رئيسي رسمياً في منصبه. ومورا الذي اجتمع بعدة مسؤولين إيرانيين هو الأكثر اطلاعاً على ما آلت إليه جولات فيينا الست بصفته يدير المفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة. ولكن العودة المرتقبة إلى فيينا الشهر المقبل، لا تعني بالضرورة، وفق المصادر الأوروبية، أن «المسائل الخلافية قد حُلت»؛ لا بل إنها تعدّ أن المفاوضات اليوم «أصبحت أكثر صعوبة»، وهي في هذا السياق، تتوقف عند 4 عناصر رئيسية:
يتمثل العنصر الأول في القناعة المترسخة بأن ما لم تعطه الإدارة الأميركية للرئيس السابق حسن روحاني، لن تعطيه للرئيس الجديد، وهي التي كانت تسعى لإنهاء المفاوضات خلال الأشهر الأخيرة من ولايته ولكن دون طائل. والسبب الرئيسي في ذلك، رفضها التجاوب مع المطالب التي تمسك بها الوفد الإيراني المفاوض برئاسة عباس عراقجي. وكشف المرشد الإيراني علي خامنئي، في الكلمة التي ألقاها بمناسبة انتهاء ولاية روحاني الثانية، عن المطالب الإيرانية المرفوضة أميركياً؛ وأولها توفير الضمانات القانونية التي تحتاجها طهران بحيث تمتنع واشنطن، في ظل إدارة لاحقة، عن الخروج مجدداً، مثلما فعل الرئيس السابق دونالد ترمب، من الاتفاق النووي المعدل الذي يجري التفاوض حوله.
والعقبة الثانية؛ رفض طهران القاطع شرطاً تتمسك به واشنطن للسير في الاتفاق النووي؛ إذ ينص على قبول الجانب الإيراني فتح باب التفاوض «لاحقاً» بخصوص برنامج طهران الباليستي - الصاروخي، وسياستها الإقليمية المثيرة لقلق للغرب ولبلدان الإقليم. يضاف إلى ذلك، أن إيران رفضت العرض الأميركي الذي يعطيها مهلة قصيرة للغاية للتأكد من رفع العقوبات الأميركية، قبل أن تبدأ التراجع عن انتهاكاتها لاتفاق 2015.
ولا تتوقف الأمور عند هذا الحد؛ إذ إن الطرف الأميركي يتخوف، في حال العودة إلى طاولة المفاوضات، من أن يأتي الوفد الإيراني بمطالب أكثر تشدداً. وعبر روب مالي، المفاوض الأميركي الرئيسي، عن ذلك بمناسبة حديث لصحيفة «نيويورك تايمز» بقوله إن ثمة «خطراً حقيقياً هو أن يعود الإيرانيون (الى المفاوضات) بمطالب غير واقعية لجهة ما يمكن أن يحصلوا عليه من خلالها». وكلام مالي يتقاطع مع «اللهجة» المتشددة الإيرانية الجديدة التي صدرت عن رئيسي الذي يريد «اقتصاداً مقاوماً»، والاتجاه شرقاً نحو الصين وروسيا، أو دعوة خامنئي إلى «عدم الوثوق بالغرب». وأخيرا، فإن التصعيد الإيراني الأخير في مياه الخليج لا يصب في اتجاه التهدئة، وكذلك تهديدات وزير الدفاع الإسرائيلي الأخيرة باستهداف إيران مباشرة.
هذه العناصر كافة لا تدفع إلى التفاؤل لجهة استئناف مفاوضات فيينا، ولا لجهة إمكانية نجاحها. والثابت، بحسب الأوروبيين، أن هناك «خيبة إيرانية» من الرئيس الأميركي جو بايدن؛ إذ كان رهان طهران أنه سيعود إلى الاتفاق سريعاً، وأن العقوبات سترفع من غير تأخير، وأن أوراق الضغط الإيرانية مثل تسريع إنتاج اليورانيوم عالي التخصيب، والبدء بإنتاج معدن اليورانيوم، ونشر أجهزة الطرد المركزي المتقدمة، والاقتراب من حافة الأسلحة النووية، ستعجل كلها من عودة واشنطن إلى الاتفاق. بيد أن أمراً كهذا لم يحدث رغم تخوف الغربيين من التقدم السريع للبرنامج النووي الإيراني، وعدّهم أن أي تأخير في إعادة فرض الرقابة عليه سيعني أن اتفاق 2015 لم يعد ذا معنى.
السؤال المطروح اليوم: ما العمل؟ الواضح أن الغربيين يريدون معاودة التواصل مع إيران على أعلى المستويات رغم بيانات الإدانة التي نشرت عقب استهداف ناقلة النفط «ميرسير ستريت»، التي تشغلها شركة إسرائيلية؛ إنْ فردياً أو على مستوى «حلف الأطلسي» و«مجموعة السبع».
واللافت أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عمد أمس إلى الاتصال بنظيره الإيراني الجديد إبراهيم رئيسي، ونقلت الرئاسة الإيرانية أن الاتصال استمر ساعة كاملة. وجاء في بيان صادر عن قصر الإليزيه أن ماكرون دعا إلى «عودة سريعة إلى مفاوضات فيينا من أجل التوصل إلى اتفاق ووضع حد لكل الأنشطة النووية (الإيرانية) التي تنتهك اتفاق 2015»، معرباً عن استعداد بلاده «للانخراط» أكثر فأكثر في البحث عن حل. إضافة إلى ذلك، شدد ماكرون؛ الذي كان أول رئيس دولة غربية رئيسية يتصل بنظيره الإيراني، على أهمية إطلاق مناقشات من أجل الاستقرار والأمن في الإقليم والمحافظة على حرية الملاحة والأمن البحري؛ في إشارة خفية إلى حادثة «ميرسير ستريت».
في المقابل، نقل عن الرئاسة الإيرانية تأكيدها أن رئيسي شدد على أنه في «أي تفاوض، يجب أن يتم حفظ حقوق الشعب الإيراني ومصالح أمتنا»، بالتوازي مع احترام الولايات المتحدة والدول الأوروبية تعهداتها المنصوص عليها في الاتفاق. وقال رئيسي إن بلاده «المتهمة بانتهاك قوانين البحار، جادة جداً بشأن تأمين السلامة والحفاظ على الردع في منطقة الخليج (...) وبحر عمان ومواجهة العوامل التي تحرم المنطقة من الأمن».
ما يفهم من هذا التواصل أن باريس؛ ومعها برلين ولندن، «تستعجل» دفع طهران إلى التفاوض مجدداً. لكن هذه العواصم تكتفي، مع المبعوث الأوروبي إنريكي مورا، بلعب دور ساعي البريد؛ ما يعوزها حقيقة هي المقترحات «الجديدة» التي من شأنها أن تخرج المفاوضات من الطريق المسدودة. بيد أن الجميع يعي أن مفتاح الحل موجود في واشنطن التي تفيد التسريبات الصادرة عن بعض مسؤوليها أنها ربما تتحضر لطرح مقترحات جديدة. فقد نقلت وكالة «بلومبرغ»، أمس، عن مصادر لم تسمها في واشنطن أن السلطات الأميركية بصدد دراسة «خيارات بديلة» في ظل صعوبة التوصل إلى اتفاق جديد مع إيران، وذلك رغم 4 أشهر و6 جولات من المفاوضات.
وتربط الوكالة الأميركية بين البحث عن مخرج والمخاوف الأميركية من تطور البرنامج النووي الإيراني. وإذ تشير «بلومبرغ» إلى أن الطرف الأميركي ما زال راغباً في التوصل إلى اتفاق «أطول وأقوى»، إلا إنه في صدد دراسة خيار يقوم على إبرام اتفاق «مؤقت» أو مرحلي يقضي برفع محدود للعقوبات الأميركية المفروضة على طهران مقابل أن تعمد الأخيرة إلى تجميد «غالبية» أنشطتها النووية المنتهكة للاتفاق والتي انطلقت بها طهران منذ ربيع عام 2019. ولا تأتي «بلومبرغ» على تفاصيل العقوبات التي سيأتي عليها الاقتراح الجديد الذي ما زال قيد الدراسة. كذلك أشارت الوكالة المذكورة إلى أن «التحدي الذي يواجهه المفاوضون الأميركيون هو أن إدارة بايدن فشلت في استخدام العقوبات لمنع انتهاك (إضافي) لبنود الاتفاق النووي الإيراني»، و«أنهم، مع الأوروبيين، يشعرون بالقلق من أن الوقت سيمضي بسرعة، وأن المعارف والمهارات النووية الإيرانية ستزداد إلى الحد الذي تصبح فيه أي عودة إلى الاتفاق النووي بلا معنى ويجب عندها التوصل إلى اتفاق جديد تماماً».
ما تشير إليه الوكالة المذكورة ليس سوى مجرد «اقتراح» سيكون قيد الدرس إلى جانب مقترحات أخرى مناقضة؛ منها ما نقلته صحيفة «وول ستريت جورنال» مؤخراً، وقوامه أن إدارة بايدن تدرس فرض عقوبات جديدة على مبيعات النفط الإيرانية إلى الصين التي أبرمت معها إيران اتفاقاً «استراتيجياً» مدته 25 عاماً. ولا شك في أن «الخيار» الجديد، في حال تحوله إلى «اقتراح» مطروح على طاولة المفاوضات، سوف يثير موجة واسعة من الانتقادات؛ لأنه سيظهر الإدارة الأميركية ضعيفة ومستعجلة بوجه إيران «متصلبة» وقادرة على الانتظار. وأمس، دعا سعيد خطيب زاده، الناطق باسم الخارجية الإيرانية، إدارة بايدن إلى التوقف عن التعامل «مع إيران» بعقلية الرئيس السابق ترمب، مؤكداً أنها «لن تستطيع التوصل إلى نتيجة» من خلالها، وأن عليها «تغيير هذه العقلية والتعامل مع الواقع الموجود على الأرض». ونفى خطيب زاده أن تكون طهران قد تركت المفاوضات؛ بل إن الانقطاع سببه «انتقال السلطة في طهران؛ ما يستدعي إجراء تغييرات في الفريق المفاوض».



استجواب رئيس القضاء الإيراني لمحتجين يثير مخاوف من «اعترافات قسرية»

احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في طهران (أ.ب)
احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في طهران (أ.ب)
TT

استجواب رئيس القضاء الإيراني لمحتجين يثير مخاوف من «اعترافات قسرية»

احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في طهران (أ.ب)
احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في طهران (أ.ب)

ظهر رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي وهو يستجوب بشكل مباشر موقوفين على هامش الاحتجاجات الأخيرة في إيران، ما يعزّز مخاوف منظمات حقوقية من استخدام سلطات طهران «الاعترافات القسرية».

وعرض التلفزيون الرسمي، الخميس، لقطات تظهر غلام حسين محسني إجئي، صاحب المسيرة الطويلة في الجهاز القضائي، والذي صدرت في حقه عقوبات من الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، مستجوباً عدداً من الأشخاص الذين تتهمهم السلطات بأنهم «مثيرو شغب».

بثّ التلفزيون مشاهد تبيّن إجئي، وهو وزير سابق للاستخبارات وكبير المدعين العامين في طهران، مستجوباً امرأتين محتجزتين جرى إخفاء وجهيهما، وقد انهارتا بالبكاء أثناء الاستجواب، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

في اليوم السابق، أمضى إجئي خمس ساعات داخل أحد سجون طهران لتفحّص قضايا سجناء جرى توقيفهم خلال الاحتجاجات، وفق ما ذكر التلفزيون الرسمي الذي عرض لقطات له وهو يستجوب بعض المحتجزين.

وبحسب منظمات حقوقية، بثّ التلفزيون الرسمي العشرات من هذه «الاعترافات» لأفراد متهمين بالاعتداء على قوات الأمن، وأعمال عنف أخرى خلال المظاهرات.

وقالت منظمة «حقوق الإنسان في إيران» (إيران هيومن رايتس) ومقرها النرويج إن «وسائل الإعلام الحكومية بدأت ببثّ اعترافات قسرية للمتظاهرين في غضون أيام من اندلاع الاحتجاجات».

وأضافت: «إنّ بثّ اعترافات انتُزعت تحت الإكراه، والتعذيب قبل بدء الإجراءات القانونية يُعدّ انتهاكاً لحقّ المتهمين في مبدأ قرينة البراءة»، أي إن المتهم بريء حتى تثبت إدانته.

في مثال آخر، ذكرت منظمة «هرانا» (HRANA) الحقوقية، ومقرها في الولايات المتحدة أن فتاتين مراهقتين اعتُقلتا في مدينة أصفهان بوسط البلاد ظهرتا في «اعترافات قسرية» قالتا فيهما إنهما تلقّتا أموالاً من أحد الأشخاص للمشاركة في الاحتجاجات.

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يؤدي القسم إلى جانب رئيس القضاء غلام حسين محسني إجئي (التلفزيون الرسمي)

ويأتي استخدام هذه الاعترافات في ظلّ حملة قمع الاحتجاجات التي تقول منظمات حقوقية إنها خلّفت آلاف القتلى في مسيرات بدأت احتجاجاً على الوضع المعيشي، وتحوّلت لترفع شعارات سياسية مناهضة للنظام والمرشد الإيراني علي خامنئي.

التحرك «بسرعة»

في أحدث اللقطات، ظهر إجئي جالساً في غرفة محاطاً بمسؤولين آخرين وخلفهم صورة لخامنئي، والمرشد الإيراني الأول الخميني، فيما كانت المعتقلة جالسة على كرسي مقابل.

يتواصل مشهد الاعترافات المصوّرة بعرض لقطات تظهر هذه المرأة المتهمة بتوجيه رسالة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وهي تقول: «لقد فعلتُ شيئاً لا أستطيع أن أغفره لنفسي». يسألها إجئي بصوت خافت وهو يضم يديه: «لماذا... ومن أجل من؟».

كذلك تظهر الاعترافات امرأة أخرى متهمة بإلقاء كتل خرسانية على قوات الأمن في طهران من شرفة منزلها.

ورداً على إلحاح إجئي بالسؤال عن «اليوم» الذي قامت فيه بالفعلة المنسوبة إليها، و«كيف عرفت أنهم ضباط؟»، تجيب المرأة: «لا أعرف ما حدث، لماذا فعلتُ هذه الحماقة؟». ولم يُقدَّم أي دليل إضافي على تورطهما بالأفعال المفترضة المنسوبة إليهما.

في العام 2024، وصفت منظمة «متحدون ضد إيران النووية» التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً، إجئي الذي تعهّد بـ«محاكمات سريعة» للمعتقلين، بأنه «منفذ قاسٍ لأحكام إيران، ولا يكترث لحقوق الإنسان».

كما تتهمه جماعات معارضة بالتورط في الإعدام الجماعي للسجناء السياسيين في إيران عام 1988.

وقالت منظمة «مراسلون بلا حدود» غير الحكومية المعنية بحرية الإعلام، إن إجئي «لطخ يديه بدماء الصحافيين»، مشيرة إلى أنه في عام 2004 عضّ صحافياً من كتفه أثناء مناظرة.

وقال إجئي، الأربعاء، «إذا قام أحد بحرق شخص أو قطع رأسه ثم حرق جسده، علينا أن نقوم بعملنا بسرعة». وأضاف: «مع أي تأخير، لن يكون للأمر التأثير نفسه».


عراقجي يقود تحركاً دبلوماسياً متعدد المسارات في مواجهة الضغوط الغربية

صورة نشرها حساب عراقجي على شبكة «تلغرام» من حضوره في مراسم تشييع عناصر قوات الأمن في طهران الأربعاء
صورة نشرها حساب عراقجي على شبكة «تلغرام» من حضوره في مراسم تشييع عناصر قوات الأمن في طهران الأربعاء
TT

عراقجي يقود تحركاً دبلوماسياً متعدد المسارات في مواجهة الضغوط الغربية

صورة نشرها حساب عراقجي على شبكة «تلغرام» من حضوره في مراسم تشييع عناصر قوات الأمن في طهران الأربعاء
صورة نشرها حساب عراقجي على شبكة «تلغرام» من حضوره في مراسم تشييع عناصر قوات الأمن في طهران الأربعاء

واصل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي تحركاته الدبلوماسية على أكثر من مسار، مكثفاً الاتصالات مع نظرائه الإقليميين والدوليين لشرح موقف طهران من التطورات الداخلية والتوترات المحيطة بها، والتأكيد على التزام طهران بـ«ضمان أمن مواطنيها ورفض أي تدخل خارجي»، في وقت تتسع فيه التحذيرات الدولية من انعكاسات إقليمية للأزمة.

وفي هذا السياق، بحث عراقجي في اتصال هاتفي مع وزير الخارجية الصيني وانغ يي، آخر التطورات في إيران، مشيراً إلى أن طهران «ملتزمة بحماية أمن مواطنيها» في مواجهة ما وصفه بـ«تصاعد العنف المرتبط بالاحتجاجات»، وفق بيان للخارجية الإيرانية.

وقال إن طهران ستواصل التعامل بحزم مع «الإرهاب الداعشي المدعوم من النظام الإسرائيلي والولايات المتحدة»، معرباً عن تقديره لموقف بكين الداعم لإدانة الإرهاب، ورفض التدخلات الخارجية في الشؤون الإيرانية.

كما انتقد عراقجي، خلال الاتصال، استخدام الولايات المتحدة للأدوات الاقتصادية والتعريفات التجارية للضغط على الدول النامية، داعياً إلى تعزيز التعاون بين دول «الجنوب - الجنوب» لحماية مصالح شعوبها في مواجهة الضغوط الغربية.

من جانبه، أكد وانغ يي أن الصين، «بوصفها دولة صديقة لإيران»، تدعم سيادتها الوطنية وأمنها، وستواصل الدفاع عن «المواقف المشروعة والمنطقية لإيران» في المحافل الدولية، بما في ذلك مجلس الأمن.

وعلى المسار الإقليمي، أجرى عراقجي اتصالاً هاتفياً مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، شدد خلاله على أن إيران «ستدافع بقوة عن سيادتها الوطنية في مواجهة أي تدخل خارجي»، وأدان ما وصفه بـ«التصريحات الاستفزازية والتدخلية للمسؤولين الأميركيين».

وفي موقف إقليمي آخر، أعلنت تركيا معارضتها لأي عمل عسكري ضد إيران. وقال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إن أنقرة «تعارض أي عملية عسكرية على الإطلاق»، معتبراً أن الاحتجاجات في إيران «ليست انتفاضة ضد النظام» بل مظاهرات مرتبطة بالأزمة الاقتصادية، ومحذراً من أن زعزعة استقرار إيران «ستؤثر على المنطقة بأسرها».

وأكد فيدان، في مؤتمر صحافي، استمرار الجهود الدبلوماسية لحث واشنطن وطهران على حل الخلافات عبر الحوار أو الوساطة.

كما شملت اتصالات عراقجي الجانب المصري؛ إذ بحث مع وزير الخارجية بدر عبد العاطي التطورات الإقليمية والدولية، وأوضح خلال الاتصال أن الاحتجاجات «دفعت نحو العنف بفعل عناصر مرتبطة بالخارج»، وأدان «التصريحات التحريضية الأميركية»، بوصفها تدخلاً في الشؤون الداخلية. وأعرب الجانب المصري عن أسفه للأحداث، مؤكداً أهمية التنسيق الإقليمي لتعزيز الاستقرار، وفق بيان للخارجية الإيرانية، مساء الأربعاء.

وفي موازاة ذلك، تواصلت تحركات دبلوماسية أوسع شملت اتصالاً بين مستشار الأمن القومي السويسري غابرييل لوشينغر ونظيره الإيراني علي لاريجاني، إضافة إلى اتصالات مصرية مكثفة مع أطراف إقليمية ودولية لخفض التصعيد.

وجاءت هذه الجهود فيما دعت دول عدة رعاياها إلى مغادرة إيران، وأوصت سلطات طيران أوروبية بتجنب أجوائها مؤقتاً، وسط أجواء إقليمية مشحونة وعدم يقين بشأن المسار المقبل للأزمة.

وتتواصل الضغوط الأميركية والأوروبية على طهران، وسط مزيج من التلويح بالعقوبات والتحذير من خيارات أشد قسوة إذا استمرت حملة القمع في الداخل. وتؤكد واشنطن أنها تراقب التطورات «عن كثب» مع إبقاء جميع الخيارات مطروحة.

وبالتوازي، كثفت عواصم أوروبية تحركاتها الدبلوماسية، من استدعاء سفراء وإغلاق بعثات مؤقتاً، إلى دعوات صريحة لمواطنيها بمغادرة إيران.

وعكست التحركات الغربية سعياً لزيادة الكلفة السياسية على طهران دولياً، في وقت تحاول فيه الإدارة الأميركية والدول الأوروبية موازنة الضغوط مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة قد تمتد تداعياتها إلى الإقليم بأكمله.


اتصالات مصرية لخفض التصعيد «الأميركي - الإيراني»

القاهرة سبق أن نجحت في التوصل إلى اتفاق بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قبل أن تعدّه طهران لاغياً (الخارجية المصرية)
القاهرة سبق أن نجحت في التوصل إلى اتفاق بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قبل أن تعدّه طهران لاغياً (الخارجية المصرية)
TT

اتصالات مصرية لخفض التصعيد «الأميركي - الإيراني»

القاهرة سبق أن نجحت في التوصل إلى اتفاق بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قبل أن تعدّه طهران لاغياً (الخارجية المصرية)
القاهرة سبق أن نجحت في التوصل إلى اتفاق بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قبل أن تعدّه طهران لاغياً (الخارجية المصرية)

دخلت مصر على خط المساعي الإقليمية لخفض التصعيد «الأميركي - الإيراني»، بعد أن وصل إلى ذروته خلال الأيام الماضية، قبل أن يتحدث الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، عن تبني موقف «الانتظار»، بعد أن كان قد هدد في وقت سابق بالتدخل دعماً للمحتجين، لكن من دون أن يستبعد صراحة خيار العمل العسكري الأميركي.

جاء التدخل المصري عبر اتصالات أجراها وزير الخارجية بدر عبد العاطي مع نظرائه الإيراني عباس عراقجي، والعماني بدر البوسعيدي، والفرنسي جان نويل بارو، والمبعوث الأميركي للشرق الأوسط ستيف ويتكوف لخفض التصعيد في المنطقة.

وذكرت «الخارجية المصرية»، في بيان صدر الخميس، أن هذه الاتصالات جاءت بتوجيهات من الرئيس عبد الفتاح السيسي، وشهدت «تأكيد ضرورة العمل على خفض التصعيد وحدّة التوتر، وتحقيق التهدئة، تفادياً لانزلاق المنطقة إلى حالة من عدم الاستقرار والفوضى».

وشددت أيضاً على «أهمية تهيئة المناخ الملائم لتغليب الحلول الدبلوماسية، والتوصل إلى تسويات سياسية تدعم الأمن والاستقرار الإقليمي»، كما تناولت الاتصالات التطورات في قطاع غزة، والانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

«كنا خلال الأيام الماضية أمام مشهد شديد التعقيد، كادت فيه المواجهة تقع، ما استلزم إجراء اتصالات رفيعة المستوى قامت بها وزارة الخارجية المصرية بالتنسيق مع عدد من دول المنطقة، أبرزها السعودية وقطر وسلطنة عُمان، إلى جانب اتصالات أخرى أجرتها القيادة السياسية مع الشركاء الدوليين والولايات المتحدة الأميركية، لفرملة مشهد كان قد اقترب من الانفجار خلال الساعات الماضية»، وفق عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية السفير محمد حجازي.

وأضاف، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الدبلوماسية المصرية أمامها عمل طويل خلال الأيام المقبلة لتجنيب المنطقة تداعيات محتملة في حال اندلاع حرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. وأكد أن مصر تركز على ضرورة تفعيل العمل العربي المشترك للحفاظ على أمن وسلامة دول المنطقة، ورفض اللجوء إلى الحلول العسكرية، مع إتاحة الفرصة للحوار واستئناف المفاوضات.

ولا تركز التحركات المصرية على إيجاد سبل نحو استئناف المفاوضات النووية مع إيران، لكن السفير محمد حجازي أشار إلى ضرورة العمل على إيجاد مفاوضات سياسية بدلاً من اللجوء إلى استخدام القوة، مشيراً إلى أن مصر لن تكون منفردة في تحركاتها، وستعمل، من خلال التكاتف مع دول الإقليم، على تشكيل منظومة أمنية يتم فيها التعامل مع كل القضايا الشائكة، بما فيها الملف النووي الإيراني.

وأوضح أن نتائج التصعيد العسكري لن تكون وخيمة فقط على إيران، لكن أيضاً على دول المنطقة، مشيراً إلى أن مصر تُدرك أن قرار توجيه الضربة لإيران أميركي وليس إسرائيلياً، وتسعى لاستثمار علاقاتها الوثيقة مع الولايات المتحدة لتجنب أي تصعيد.

وكانت القاهرة قد أعلنت في 9 سبتمبر (أيلول) الماضي عن توصل إيران والوكالة الدولية إلى اتفاق لاستئناف التعاون بينهما الذي توقف في يونيو (حزيران) 2025، وذلك عقب وساطة مصرية، لكن في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، أعلنت طهران أن «اتفاق القاهرة» أصبح لاغياً بعد قرار مجلس محافظي الوكالة الذي أدان برنامج إيران النووي، وطالبها بإتاحة وصول فوري للمفتشين إلى مواقع متضررة.

وعدّت إيران أن القرار «غير قانوني»، ويُمثل «تشويهاً خبيثاً للحقائق»، كما اتهمت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا بدفع المجلس نحو مزيد من التصعيد.

لقاء سابق بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره الإيراني عباس عراقجي (الخارجية المصرية)

وقال مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير جمال بيومي، إن مصر تُعوّل على الحلول السياسية تجاه التصعيد «الأميركي - الإيراني»، وتعمل مع الدول العربية الصديقة على التوصل إلى تفاهمات من شأنها الوصول إلى نقاط التقاء مشتركة بين الجانبين، وتسعى لتجنب أي تصعيد قد تكون تأثيراته وخيمة على استقرار الأوضاع الإقليمية، وكذلك على الاقتصاد الداخلي، خصوصاً مع احتمال تأثر حركة الملاحة في «قناة السويس» بأي تصعيد.

وأوضح في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن التحالف بين مصر والسعودية في هذا الإطار يكتسب أهمية لضمان أمن الملاحة في البحر الأحمر، وكذلك حماية المنطقة من ارتدادات التصعيد العسكري.

ومساء الأربعاء، أفادت «هيئة البث العبرية» الرسمية بوجود تقديرات في إسرائيل تُشير إلى أن الولايات المتحدة ستشن هجوماً على إيران «خلال الأيام المقبلة»، في حين أعلن الجيش الإسرائيلي عن رفع حالة التأهب تحسباً لهجوم إيراني انتقامي.

وتتصاعد ضغوط من الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل على طهران منذ انطلاق مظاهرات شعبية في إيران في 28 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، احتجاجاً على تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية.