عندما ننام... بماذا يُفكر الدماغ؟

محاولات لفهم آليات دمج والتصاق المعلومات في الذاكرة

عندما ننام... بماذا يُفكر الدماغ؟
TT

عندما ننام... بماذا يُفكر الدماغ؟

عندما ننام... بماذا يُفكر الدماغ؟

تمكن باحثون سويسريون من تقديم معلومات متقدمة عمّا يُفكّر فيه الدماغ عندما نكون نائمين، بما يفتح نافذة أوسع على نوعية نشاط عقل الإنسان أثناء النوم. وباستخدام نهج في نظم الذكاء الصناعي، يجمع بين التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي fMRI ومخطط كهرباء الدماغ EEG، تمكن الباحثون من فك تشفير نشاط الدماغ أثناء النوم.

الدماغ أثناء النوم
لم يقدّم باحثو جامعة جنيف فقط دليلاً على أن الدماغ يعمل بطاقة عالية أثناء النوم العميق في فرز مئات الآلاف من المعلومات التي تم تلقيها والتعامل معها ومعالجتها خلال اليوم، بل أفادوا أيضاً أنه عندما تُتاح للإنسان فرصة النوم العميق في الليل، يتمكن دماغه من تقييم كل هذه المعلومات والذكريات، ثم إجراء حوار بين مناطقه الدماغية المختلفة، والعمل على الاحتفاظ فقط بالأكثر فائدة منها للمرء، والتخلص من جميع المعلومات والذكريات التي لا جدوى منها لاحقاً.
ووفق ما تم نشره ضمن عدد 6 يوليو (تموز) الماضي من مجلة «نتشر كومينيكنشنس Nature Communications»، قال الباحثون ما ملخصه: «يساعد النوم على إعادة تنشيط عملية دمج المعلومات والذكريات المكتسبة حديثاً. ومع ذلك، فإن الطريقة التي يختار بها دماغنا المعلومات الجديرة بالملاحظة والاهتمام وإعادة المعالجة والحفظ أثناء فترة النوم، دون غيرها من المعلومات، لا تزال غير معروفة إلى حد كبير». وهذا كان موضوع الدراسة. وقالوا ما مفاده: «إن ثمة معلومات يجدر بالمرء الاحتفاظ بها، لأنها ذات مردود ومكافأة إيجابية Rewarded Information في تعزيز البقاء وتجنب المخاطر والحصول على المال والمديح والطعام، وأخرى لا مكافأة Non - Rewarded Information من ورائها أو حفظها في الذاكرة. وتكشف دراستنا عن حصول آلية عصبية يتم من خلالها تعامل الدماغ أثناء النوم بشكل تفضيلي مع المعلومات والذكريات ذات المردود والمكافأة الإيجابية بغية تعزيز حفظها».

عمل الذاكرة
الذاكرة تعني ببساطة تحويل المعلومات الخارجية التي تم الإحساس بها (بإحدى الحواس كالنظر والسمع واللمس والشم والتذوق)، أو المعلومات الداخلية الناشئة عن التفكير والأحلام، إلى ذاكرة مختزنة يسهل إعادة معرفتها والإحساس بها (مرات ومرات ولسنوات طويلة) في داخل الدماغ والنفس. وبهذا تخدمنا الذاكرة بعدة طرق معقدة، في تمكين الإنسان من العيش في بيئته بسلام وتجنب المخاطر المحتملة وتطوير قدراته وتحسين سلوكه وإعطاء معنى لحياته وتعلّم أشياء كثيرة وغيره من الفوائد.
وتفيد مصادر طب الأعصاب أنه لكي تعمل الذاكرة بشكل صحيح، يجب أن تحدث ثلاث عمليات حيوية:
- الاكتساب Acquisition: تعلّم أو تجربة أو مشاهدة أو سماع أو شمّ شيء جديد باستخدام إحدى الحواس.
- الدمج والالتصاق Consolidation: دمج المعلومات الجديدة في الدماغ، وجعلها تلتصق في مناطق حفظ الذاكرة.
- الاستدعاء Recall: الوصول إلى المعلومات بعد تخزينها وتذكر تفاصيلها.
ويحدث الاكتساب والاستدعاء عندما يكون المرء مستيقظاً. ولكن دمج والتصاق المعلومات وترسيخها في الدماغ، يحصل أثناء النوم. وللتوضيح، وعند اليقظة فإن الدماغ يتفاعل مع المُحفزات الخارجية ويُرمّز المعلومات الجديدة، التي تكون في تلك المرحلة غير مستقرة في الذاكرة وعُرضة للنسيان بسهولة. ويوفّر النوم للدماغ، عند انخفاض التعرّض لأي مُشوشات خارجية، الظروف المثالية لدمج والتصاق المعلومات وترسيخها في الدماغ، مما يقوي الذاكرة الجديدة ويدمجها في شبكات المعرفة الحالية والسابقة الأخرى.
وضمن تفاصيل الدراسة السويسرية الحديثة، شرحت البروفسورة صوفي شوارتز، المشرفة على الدراسة وأستاذة علم الأعصاب بجامعة جنيف، ذلك بقول ما ملخصه: «وبجمع الذكاء الصناعي بين التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي وتخطيط كهربية الدماغ، تم تسجيل نشاط الدماغ أثناء اليقظة وأثناء النوم للمشمولين في الدراسة عند معايشة أحداث ذات مردود إيجابي وأحداث أخرى ذات مردود خاسر. وفي الليلة الأولى، تمت مقارنة صور وتخطيط نشاط مناطق الدماغ المختلفة التي تم رصدها في فترة اليقظة (عند معايشة تلك الأحداث)، بتلك التي تم رصدها في فترة النوم (عند استرجاع ذكرياتها)».
وأضافت الدكتورة فيرجيني ستيربينيتش، الباحثة الرئيسية في الدراسة من قسم علوم الأعصاب الأساسية بجامعة جنيف، ما ملخصه: «في بداية النوم، بدأ الدماغ في التفكير في جميع الأحداث (ذات المردود الإيجابي والأخرى الخاسرة)، لكنه بعد ذلك وبشكل حصري تقريباً، أعاد إحياء الذكريات التي فاز فيها (وأهمل التي خسرها)، من خلال إعادة تنشيط نفس المناطق الدماغية المستخدمة فيها أثناء اليقظة. ثم بعد يومين، تم إجراء اختبار للذاكرة حول جوانب عدة من المعلومات المتعلقة بتلك الأحداث (ذات المردود الإيجابي وذات المردود الخاسر). وهنا مرة أخرى، تم أثناء النوم تنشيط المزيد من مناطق الدماغ المتعلقة بالأحداث ذات المردود الإيجابي، وكان أداء الذاكرة أفضل. ومن خلال هذا العمل، يفتح فريق جامعة جنيف منظوراً جديداً في دراسة الدماغ النائم والعمل المذهل الذي يقوم به كل ليلة».
ويوضح الدكتور مارك وو، طبيب الأعصاب المتخصص في النوم بجامعة جونز هوبكنز، أن النوم يؤثر بشكل كبير على وظائف الدماغ. ويُعد الحصول على قسط صحي من النوم أمراً حيوياً لمرونة الدماغ أو قدرة الدماغ على التكيف مع الكمّ الهائل من المعلومات التي تدخل إلى الدماغ خلال اليوم، وإنشاء الذاكرة حولها. وإذا كنا ننام قليلاً جداً، فلن نتمكن من معالجة ما تعلمناه خلال النهار، وسنواجه صعوبة أكبر في تذكره في المستقبل. وأضاف أن العلماء يعتقدون أيضاً أن النوم قد يعزز إزالة الفضلات (المعلومات التي لا جدوى مستقبلية منها للمرء) من خلايا الدماغ، وهو أمر يبدو أنه يحدث بشكل أقل كفاءة عندما يكون الدماغ مستيقظاً.

خطوات وعمليات معقدة لتكوين الذاكرة
> عندما نحصل على معلومات من العالم حولنا، يتم الاحتفاظ بهذه المواد في الدماغ كتصوير عقلي، ويمكن استرجاعها لاستخدامها في المستقبل. وتُؤثر عدة عوامل على الطريقة التي يستعيد بها الدماغ الذاكرة.
ويمتلك الدماغ ثلاثة أنواع من عمليات الذاكرة:
- السجل الحسي Sensory Register
- الذاكرة قصيرة المدى Short - Term Memory
- الذاكرة طويلة المدى Long - Term Memory
ويتكون «السجل الحسي» من المعلومات التي يحصل عليها الدماغ طوال الوقت ودون قصد وبكمية كبيرة، من البيئة المحيطة بنا. وعمر هذه الذاكرة قصير جداً، وأحياناً يصل إلى بضع ثوان فقط. ومن أمثلتها سماع أصوات السيارات أثناء الطريق أو مشاهدة السيارات المجاورة، والتي في الغالب تزول ذاكرتها من الدماغ سريعاً عندما لا تعني للمرء أي شيء سوى لحظة الإحساس بها. وقريب منها ما يُعرف بـ«الانتباه» Attention، الذي هو مرحلة بين السجل الحسي والذاكرة قصيرة المدى، لبعض المعلومات المنتقاة من السجل الحسي والتي ربما سيهملها الدماغ لاحقاً أو سيحتفظ بها، وفق مدى درجة اهتمام الشخص بها.
وتتكون الذاكرة قصيرة المدى في جزأين: ذاكرة قصيرة المدى وذاكرة وظيفية عاملة Working Memory. والذاكرة قصيرة المدى هي معلومات تُحفظ بشكل «مؤقت»، بحيث يمكن تكرارها لفترة قصيرة ولا حاجة للمرء بها لاحقاً، مثل تذكر رقم هاتف تراه على التلفزيون. والذاكرة الوظيفية العملية تشير إلى تخزين الدماغ للمعلومات بغرض معالجتها، مثل تذكر تفاصيل مجموعة من الأرقام أثناء العمل على مسألة حسابية، ثم يُهملها المرء ولا يتذكرها لاحقاً لأنه لا حاجة له بها. ولذا عندما يتحدث علماء الأعصاب عن تحسين الذاكرة، فإنهم يركزون بشكل شائع على الذاكرة الوظيفية العملية، لأن للمرء قدرة أكبر على التحكّم فيها ويمكنه تحسينها بفاعلية إذا شاء.
وبالنسبة للذاكرة طويلة المدى، يعتقد البعض أنها تُحفظ بشكل دائم وبشكل كامل وإلى أجل غير مسمى، في «بنك» داخل الدماغ. ولكن في الحقيقة، هذا ليس هو الحال. إذْ رغم أن المعلومات المُخزّنة في الذاكرة طويلة المدى قد تبقى في الدماغ لفترة قصيرة (ليوم، لأسبوع) أو تدوم طوال العمر، إلاّ أنها عُرضة للتلف. وللتوضيح، عندما تتشكل الذكريات طويلة المدى، تسترجع منطقة الحُصين Hippocampus الدماغية المعلومات من الذاكرة العاملة، وتبدأ في تغيير التوصيلات العصبية Neural Wiring المادية للدماغ بين الخلايا العصبية ونقاط تواصلها. وهذه الروابط العصبية الجديدة (حول هذه المعلومات للذاكرة الطويلة الأمد) تبقى في الدماغ ما دام أن تلك المعلومات قيد الاستخدام. ويُقسّم العلماء الذاكرة طويلة المدى إلى نوعين من الطول: حديثة وبعيدة. ومن أمثلتها المعلومات الصحية والتاريخية وكيفية قيادة السيارة وتشغيل الكومبيوتر والكتابة والقصائد وغيره.

من أين يأتي النسيان وضعف الذاكرة؟
> لا تزال أوساط البحث الطبي تحاول معرفة كيفية حصول النسيان، ليس مع التقدم في العمر، بل في مراحل أخرى من الحياة. ولا تزال قوة الذاكرة إحدى الأدوات التي يتمنى المرء امتلاكها. ورغم الاعتقاد أن ضعف الذاكرة دليل على بداية الخرف أو ألزهايمر، فإنهما لا يُشكلان إلاّ نسبة قليلة ضمن الأسباب الشائعة لضعف الذاكرة.
وتشير الأبحاث إلى نظريتين رئيسيتين حول سبب نسيان الذكريات:
- نظرية التحللDecaying Theory، التي تفيد بأنه إذا لم يُكرر المرء ذاكرة معينة (طريقة قيادة السيارة، قصيدة شعر)، فسوف تتدهور في النهاية.
- نظرية التداخلInterference Theory، والتي تفيد بأن المعلومات الجديدة التي يتلقاها الدماغ تحل محل المعلومات القديمة لحاجة الإنسان أكثر لتلك المعلومات الجديدة (مثل عدم القدرة على تذكر كلمة مرور قديمة بعد إنشاء كلمة مرور جديدة أو نسيان كيفية تشغيل آلة معمل النسيج بعد العمل في ميكانيكا السيارات مثلاً).
ولكن أياً كانت هي النظرية الصحيحة، فإن هناك عدة مظاهر لعملية النسيان، بعضها دائم والآخر مؤقت. ومنها:
- صعوبة الوصول Transience: وذلك بسبب عملية الشيخوخة الطبيعية أو تلف الحُصين والفص الصدغي في الجلطات الدماغية أو نتيجة أمراض في الدماغ.
- شرود الذهن Absent - Mindedness: وذلك بسبب إخفاق الانتباه أو نسيان المهام المطلوبة. ولهذا كثير من الأسباب اليومية.
- الحجب الذهني Blocking: وذلك عندما يتعذر الوصول إلى الذكريات مؤقتاً. والبعض يصفها بحالة «متلازمة طرف اللسان» Tip - Of - The - Tongue Syndrome.
- تأثير الإيحاء Suggestibility: عندما يتم دمج خاطئ للمعلومات في الذاكرة بفعل تلقي سؤال موجّه Leading Question يحتاج إلى مهارة في الإجابة وذاكرة ذكية، لا يمتلكها المرء طوال الوقت. مثل عندما يُسأل الطالب في الاختبار سؤالاً يتطلب الإجابة بنعم أو لا، أو سؤالاً يفرض طريقة محددة في الإجابة لا يتمكن الطالب من الإجابة عليه بسهولة باسترجاع الذاكرة.
وإضافة إلى عدم تكرار استخدامها أو انشغال الذهن بأشياء أخرى أو عدم التركيز بالأصل لحفظ المعلومة عند تلقيها لأول مرة، يُلخص الباحثون من جامعة هارفارد ومن غيرها من المراكز الطبية، الأسباب الشائعة للنسيان عند عموم الناس ضمن العناصر التالية:
- قلة النوم: ربما يكون عدم الحصول على قسط كافٍ من النوم هو أكبر سبب غير مُقدَر للنسيان. ويمكن أن تُؤدي قلة النوم المريح أيضاً إلى تغيرات المزاج والقلق، مما يساهم بدوره في حدوث مشكلات في الذاكرة.
- الأدوية: يمكن أن تؤثر على الذاكرة كل من: المُهدئات ومُضادات الاكتئاب وبعض أدوية ضغط الدم ومعالجة نزلات البرد ومُضادات الحساسية وعدد آخر من الأدوية، بما يجعل من الصعب الانتباه عن كثب إلى الأشياء الجديدة. وهو ما يُمكن سؤال الطبيب أو الصيدلي عنه.
- كسل الغدة الدرقية: يؤثر ضعف الغدة الدرقية على الذاكرة، بالإضافة إلى اضطراب النوم والتسبب في الاكتئاب.
- التوتر والقلق والاكتئاب: أي شيء يجعل من الصعب التركيز وحبس المعلومات والمهارات الجديدة يمكن أن يؤدي إلى مشاكل في الذاكرة. والتوتر والقلق والاكتئاب أحد أمثلة ذلك.
- الكسل البدني وعدم ممارسة الرياضة اليومية.
- الإصابة بأمراض مزمنة: إما نتيجة تسببها بالألم من آن لآخر، أو بالإعاقة البدنية، أو تشغل الذهن طوال الوقت للعناية بالنفس.



فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب

فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب
TT

فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب

فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب

ثمة عدة عناصر في دمك تُساعد في تشخيص أي مشكلات قلبية كامنة قد تكون لديك، أو التنبؤ بمدى احتمالات خطر إصابتك بأمراض القلب. ولذا تُعدّ هذه العناصر في دمك بمثابة مؤشر على صحة قلبك.

نهج استباقي

ويُعتبر إجراء فحوصات الدم لفهم خطر إصابتك بمرض الشريان التاجي نهجاً استباقياً للحفاظ على صحة قلبك. ولذا من المفيد جداً التعاون مع طبيبك لفهم نتائجك وتحديد الخطوات التالية الأنسب.

ونقدم إليك هنا مزيداً من التوضيحات حول تلك الفحوصات القلبية التي يتم التعرُّف عليها من خلال تحاليل الدم:

1. التروبونين: وهو الاختبار الأكثر شيوعاً لتشخيص الإصابة بنوبة الجلطة القلبية. التروبونين Troponin مادة تُفرزها أنسجة القلب عند تعرضها للتلف، وهو ما يحدث في أثناء النوبة القلبية وحالات أخرى تتعرض فيها أنسجة عضلة القلب للتلف بفعل الالتهابات العضلية. والتروبونين مركب بروتيني موجود في عضلة القلب والعضلات الهيكلية، وهو يُنظم انقباضها.

وعند تلف عضلة القلب، تُفرز أنواع محددة من التروبونين القلبي في مجرى الدم، ما يجعل فحص الدم أداة تشخيصية أساسية للنوبات القلبية والإصابات والإجهاد. وترتفع مستويات التروبونين عادة خلال 3-4 ساعات من الإصابة، تبلغ ذروتها خلال 12- 48 ساعة، وقد تبقى مرتفعة لمدة أسبوع إلى أسبوعين. ولذا فإن الغرض من إجراء تحليل التروبونين هو قياس مدى حصول تلف في أنسجة عضلة القلب، وخصوصاً في قسم الطوارئ لتشخيص سبب الشكوى من ألم الصدر، الذي من أسبابه القلبية كل من: احتشاء عضلة القلب (نوبة الجلطة القلبية Myocardial Infarction)، والذبحة الصدرية غير المستقرة Unstable Angina، والتهاب عضلة القلب Myocarditis.

ولذا، فإن الأعراض التي تستدعي إجراء الفحص تشمل ألماً في الصدر، وضيقاً في التنفس، ودواراً، وغثياناً، وألماً ينتشر إلى الذراعين أو الظهر أو الرقبة. ويقوم الطبيب بتفسير النتيجة وفق حالة المريض. وفي حين أن المستويات المرتفعة جداً غالباً ما تشير إلى نوبة قلبية، فإن الارتفاعات المتوسطة قد تنتج عن انسداد الجلطة في الشرايين الرئوية Pulmonary Embolism، أو أمراض الكلى المزمنة، أو تسمم الدم بالالتهابات الميكروبية (الإنتان)، أو إنها نتيجة ممارسة التمارين الرياضية الشاقة. ولذا يتطلب ارتفاع التروبونين إجراء مزيد من التقييم لشرايين القلب، لتحديد ما إذا كان الضرر ناتجاً عن متلازمة الشريان التاجي الحادة Acute Coronary Syndrome أو عوامل أخرى.

2. تحليل الدم دي-دايمر D-DIMAR: ودي-دايمر هي بالأساس بروتينات معينة في الدم يتم فحص مستواها لاستبعاد حصول بعض اضطرابات التخثر الدموي، أي استبعاد وجود جلطة دموية خطيرة. وهي بالأساس شظايا من المركَّبات الكيميائية التي ترتفع نسبتها في الدم عند تحلل خثرة الجلطة الدموية. ولذا قد ترتفع مستويات دي-دايمر في الدم إذا كنت تعاني من جلطة كبيرة داخل أحد الأوعية الدموية الكبيرة في «داخل» الجسم، مثل تخثر جلطة الأوردة العميقة، وهي جلطة في الأوردة العميقة التي في الساقين أو الفخذين، ويمكن أن تؤدي إلى مشكلات خطيرة في الرئة إذا انتقلت مع الدم إلى الأوعية الدموية في الرئة (جلطة الانسداد الرئوي).

وحينما يستقبل الطبيب حالة تتضمن تورماً وألماً واحمراراً في إحدى الساقين أو الفخذين (يشتبه بجلطة أوردة عميقة)، أو حالة من الشكوى من صعوبة في التنفس مع سرعة نبضات القلب وألم في الصدر وسعال وانخفاض في نسبة الأكسجين في الدم (يشتبه بجلطة الانسداد الرئوي)، فإن الطبيب ضمن الفحوصات التي يطلبها آنذاك، قد يطلب تحليل الدم لمعرفة مستوى دي-دايمر. وإذا كانت النتيجة منخفضة أو طبيعية، فهذا يعني أن دمك يحتوي على مستويات منخفضة من بروتين دي-دايمر. ولذا فمن «غير المُرجح» أن تكون مصاباً باضطراب تخثر في مكان ما من جسمك. وإذا كانت النتيجة مرتفعة أو إيجابية، فهذا يعني وجود مستويات عالية من بروتين دي-دايمر في دمك. وسيحتاج الطبيب حينئذ إلى إجراء مزيد من الفحوصات والتصوير لمعرفة ما إذا كانت ثمة جلطة دموية، ومكانها، وسببها.

ومع ذلك سيُراعي الطبيب احتمالات وجود حالات وعوامل قد تؤثر على نتائج اختبار دي-دايمر؛ حيث من الممكن أن يكون مستوى دي-دايمر مرتفعاً دون وجود جلطة دموية. أو قد تكون النتيجة المرتفعة أيضاً نتيجة التقدم في السن، أو الحمل، أو وجود عدوى ميكروبية في الجسم، أو أمراض مزمنة في الكبد، أو ارتفاع مستوى الكوليسترول والدهون في الدم، أو تناول أدوية ترفع من نسبته في الدم، مثل الأدوية المضادة للصفيحات مثل الأسبرين، وكلوبيدوغريل (بلافيكس)، وبراسوغريل (إفيينت)، وتيكاجريلور (بريلينتا).

مؤشرات خطر

3. الكوليسترول والدهون الثلاثية: توصي النصائح الطبية ببدء إجراء تحليل الدم لفحص الكوليسترول بين سن 20 و35 عاماً، وذلك اعتماداً على عوامل الخطر الخاصة بك للإصابة بأمراض القلب. ولذا يجب إجراء اختبار الكوليسترول المتكرر أو إجراء مراقبة إضافية أخرى:

- إجراء الاختبار مرة كل 5 سنوات للرجال الذين لديهم مستويات كوليسترول طبيعية.

- إجراء الاختبار بشكل متكرر إذا حدثت تغييرات في نمط الحياة (بما في ذلك زيادة الوزن والنظام الغذائي).

- إجراء الاختبار بشكل متكرر إذا كنت تعاني من مرض السكري، أو ارتفاع ضغط الدم، أو أمراض القلب، أو السكتة الدماغية، أو مشكلات تدفق الدم في الساقين أو القدمين أو بعض الحالات الأخرى.

- إجراء الاختبار بشكل متكرر إذا كنت تتناول أدوية للتحكم في ارتفاع الكوليسترول.

ويقدم تحليل الدم المعتاد للكوليسترول والدهون، نتائج 4 عناصر، هي:

- الكوليسترول الثقيل HDL: وهو الكوليسترول الحميد؛ لأنه كلما ارتفع في الدم انخفضت احتمالات الإصابة بأمراض الشرايين القلبية.

- الكوليسترول الخفيف LDL: وهو الكوليسترول الضار؛ لأنه كلما ارتفع في الدم، ارتفعت احتمالات الإصابة بأمراض الشرايين القلبية.

- الدهون الثلاثية TG: وعند ارتفاعها مع ارتفاع الكوليسترول الخفيف أو انخفاض الكوليسترول الثقيل، ترتفع احتمالات تراكم الكوليسترول والدهون في جدران الشرايين.

- الكوليسترول الكلي TC: وهو محصلة قياس تلك العناصر الثلاثة في نتائج تحليل الكوليسترول.

وفي تقييم عموم الناس، يُجرى تحليل الدم للكوليسترول دون الحاجة للصوم Non-Fasting. ولكن في متابعة مرضى الشرايين القلبية، والمرضى الذين يعانون من متلازمة التمثيل الغذائي Metabolic Syndrome (عند وجود 3 من المؤشرات التالية: زيادة محيط البطن- ارتفاع الدهون الثلاثية- انخفاض الكوليسترول الثقيل- ارتفاع ضغط الدم- ارتفاع السكر A=في الدم) أو مرض السكري، أو مرضى اضطرابات الكوليسترول، يجب أخذ عينة الدم للتحليل بعد الصوم (لمدة تتراوح ما بين 9 و12 ساعة).

4. الببتيد الدماغي المدر للصوديوم BNP: وهذا نوع من البروتينات التي ينتجها القلب والأوعية الدموية، ويُعرف أيضاً بـ«النوع (بي) من الببتيدات الدماغية المدرة للصوديوم». والأساس في عمله أنه يساعد الجسم على التخلص من السوائل المتراكمة فيه، وكذلك على إرخاء الأوعية الدموية، وتسهيل نقل الصوديوم إلى البول (كي يسحب معه مزيداً من الماء الخارج في سائل البول).

وفي حال تضرر القلب -وخصوصاً ضعف قوة القلب- يفرز الجسم نِسَباً عالية من النوع «بي» من الببتيدات الدماغية المدرة للصوديوم في مجرى الدم، وذلك في محاولة لتخفيف الضغط على القلب. ويتمثل أحد أهم استخدامات فحص النوع «بي» من الببتيدات الدماغية المدرة للصوديوم في محاولة تحديد ما إذا كان ضيق النَّفَس ناجماً عن فشل القلب أم لا.

تختلف مستويات النوع «بي» من الببتيدات الدماغية المدرة للصوديوم حسب السن ونوع الجنس والوزن. وبالنسبة للأشخاص المصابين بفشل القلب، يمكن أن يكون إرساء قيمة قاعدية للنوع «بي» من الببتيدات الدماغية المدرة للصوديوم نافعاً جداً. وبالتالي، يمكن للاختبارات المستقبلية أن تساعد على تقدير مدى نجاح العلاج، أو مدى الانتكاس في التحكم في تداعيات حالة ضعف القلب. وأهم تلك التداعيات هو تراكم كثير من السوائل في الجسم، وخصوصاً الرئتين والساقين.

أدوات تشخيصية أساسية للنوبات القلبية أو وجود جلطة دموية خطيرة

رصد الالتهابات

5. البروتين المتفاعل «سي» عالي الحساسية us-CRP: وهو بروتين يفرزه الكبد ضمن استجابة الجسم للإصابة أو العدوى. وتؤدي هذه الاستجابة إلى حدوث تورُّم داخل الجسم يُطلق عليه الالتهاب. ويؤدي الالتهاب دوراً رئيسياً في تراكم اللويحات (المحتوية على الكوليسترول والدهون) في الشرايين القلبية، مسبباً ما يُطلق عليه مرض تصلب الشرايين الذي من مظاهره تضيقات الشرايين القلبية وتداعياتها. ويساعد اختبار تحديد معدل البروتين المتفاعل «سي» عالي الحساسية في تحديد مدى خطر الإصابة بأمراض القلب، قبل ظهور الأعراض بشكل واضح لدى المريض.

ويرتبط ارتفاع مستويات البروتين المتفاعل «سي» عالي الحساسية بزيادة خطر الإصابة بالنوبات القلبية والسكتة الدماغية والأمراض القلبية.

ولكن قد تُسبب أشياء عدة (مثل الإصابة بنزلة زكام، أو الركض لمسافة طويلة) ارتفاع مستويات البروتين المتفاعل «سي» لفترة وجيزة. ولذا، ينبغي إجراء الاختبار مرتين، على أن يفصل بينهما أسبوعان. ويُشير ارتفاع مستوى البروتين المتفاعل «سي» عالي الحساسية عن 2.0 ملِّيغرام لكل لتر (ملغم/ لتر) إلى زيادة خطر الإصابة بأمراض القلب.

6. تحاليل أخرى: في حالات معينة، قد يطلب الطبيب إجراء تحليل الدم لوظائف الغدة الدرقية TSH، عند الشكوى من الخفقان أو تراكم السوائل حول القلب.

كما قد يطلب تحليل تراكم السكر في الهيموغلوبين HbA1c، لمعرفة مدى انضباط مستويات سكر الدم لدى مرضى السكري.

وقد يطلب الطبيب قياس مستويات السيراميد Homocysteine في الدم الذي قد يرتبط ارتفاعه بتصلب الشرايين. وأيضاً يتابع طبيب القلب نتائج تحليل وظائف الكلى؛ خصوصاً عند وصفه للمريض أدوية إدرار البول.

وفي حالات المرضى الذين يتلقون دواء منع تجلط الدم، مثل الوارفارين، يتابع الطبيب نتائج تحليل نسبة التخثر الدولية INR لتحديد الجرعة المناسبة من هذا الدواء.وأيضاً إجراء تحليل الدم CBC لمعرفة نسبة الهيموغلوبين ومدى وجود فقر الدم.

وينظم فيتامين «دي» مستويات الكالسيوم والفوسفات في الجسم. ولكن ترتبط المستويات المنخفضة من فيتامين «دي» بمخاطر متنوعة على صحة القلب. كما قد تشير المستويات المنخفضة إلى صعوبة تحمل أدوية الستاتين (أدوية خفض الكوليسترول) وإلى احتمال ارتفاع ضغط الدم.


لماذا يجد بعض الأطفال صعوبة في تعلم الرياضيات؟

لماذا يجد بعض الأطفال صعوبة في تعلم الرياضيات؟
TT

لماذا يجد بعض الأطفال صعوبة في تعلم الرياضيات؟

لماذا يجد بعض الأطفال صعوبة في تعلم الرياضيات؟

كشفت دراسة جديدة لباحثين من كلية الطب بجامعة ستانفورد بالولايات المتحدة، ونُشرت في 9 فبراير (شباط) الحالي في مجلة علم الأعصاب «Journal of Neuroscience»، عن احتمالية أن يكون السبب في صعوبة تعلم الرياضيات math راجعاً إلى أسباب عصبية في الأساس تؤدي إلى اختلاف الطريقة التي يعمل بها المخ في كل طفل.

«عُسر الحساب»: مشكلة شائعة

من المعروف أن صعوبة تعلم الرياضيات تُعد من المشكلات الشائعة في التعليم، وعلى وجه التقريب في معظم المجتمعات، تعاني نسبة من السكان تتراوح بين 3 إلى 7 في المائة من صعوبة تعلم مادة الرياضيات، أو ما يُسمى عسر الحساب dyscalculia، الذي يشمل صعوبات في فهم ومقارنة الكميات، وتعلم العدّ، وفهم رموز الأرقام، وتعلم المهارات الرياضية المختلفة مهما كانت بسيطة.

أوضح الباحثون أن القدرة على حل المسائل الرياضية، والتعامل مع الأرقام يحتاجان إلى مهارات عصبية متعددة، مثل المعالجة البصرية (من خلال إرسال الإشارات إلى المخ لترجمة الأرقام إلى كميات معينة، وأيضاً ترجمة الرموز المختلفة، مثل الجمع، والطرح، والضرب)، والذاكرة قصيرة المدى (للاحتفاظ بتفاصيل المسألة الرياضية أثناء حلها).

قام الباحثون بإجراء الدراسة على 87 طفلاً من أطفال الصفين الثاني والثالث في المدارس الأميركية يتراوح متوسط أعمارهم بين 7 و9 أعوام. ومنهم 34 طفلاً يعانون من صعوبات في تعلم الرياضيات، إذ حصلوا على متوسط درجات أقل من أقرانهم بشكل ملحوظ في اختبار لقياس قدرة الطالب العادي على حل المسائل الرياضية. أما بقية الأطفال الآخرين فقد حصلوا على درجات أعلى، مما يشير إلى قدرة طبيعية على تعلم الرياضيات.

اختار الباحثون مهمة معينة لاختبار القدرة على التعامل مع الأرقام، حيث طُلب من الأطفال إكمال سلسلة من المقارنات البسيطة لحل مسائل حسابية، وفي كل محاولة تتم المقارنة بين كميتين، وكان عليهم تحديد أي الكميتين أكبر، وذلك لتقييم الاختلافات في نشاط المخ أثناء تعاملهم مع الأرقام، وتم عمل أشعة رنين مغناطيسي لكل الأطفال المشاركين، لرصد نشاط المخ أثناء قيام الأطفال بحل المسائل.

في كل محاولة كانت الكميات تُعرض بشكل مختلف، وعلى سبيل المثال تُعرض على صورة أرقام مكتوبة، وفي أحيان أخرى كانت تُعرض على شكل مجموعات من النقاط، ما يتطلب من الطفل تقدير المجموعة التي تحتوي على عدد أكبر من العناصر بسرعة. وكان هدف العلماء من التبديل بين مجموعة الأرقام ومجموعات النقاط تقييم قدرة الطفل على التعامل مع الحسابات، وتوقع الإجابة بمجرد الرؤية.

قام الباحثون بتصميم المسائل بحيث تتضمن مسائل سهلة (التي يوجد بها فارق كبير بين الأرقام، وبالتالي تكون الإجابة واضحة، مثل 7 مقابل 2)، وأخرى صعبة (التي يوجد بها فارق بسيط يفصل بين الأرقام مثل 6 مقابل 7)، وبالتالي تكون الإجابة أكثر صعوبة.

دراسة أداء الأطفال

بدلاً من التركيز فقط على صحة الإجابات، أو خطئها، ركز الفريق البحثي على معرفة الكيفية التي تغير بها أداء كل طفل، في المحاولات المختلفة، عن طريق مراقبة هل يقوم الطفل بتعديل أسلوبه بعد ارتكاب الأخطاء من عدمه؟ ومدى حرصه على تحديد الرقم الأكبر، سواء في المسائل السهلة، أو الصعبة، ومدى سرعة اكتشافه لأخطائه، وإبطاء وتيرة الحل في المسألة التالية بعد ارتكاب الخطأ، وهي كلها أمور أساسية في تعلم الرياضيات، أو التعامل مع الأرقام بشكل عام.

وفي المسائل المتعلقة بالرموز العددية، كان الأطفال من ذوي القدرات الرياضية الطبيعية أكثر تباطؤاً عند إجراء المقارنات الصعبة بين الأرقام المتقاربة، مقارنة بالمقارنات السهلة. وفي المقابل لم يقم الأطفال الذين يعانون من صعوبات في تعلم الرياضيات بتغيير طريقة تفكيرهم بنفس القدر أثناء حل المسائل، بمعنى أنهم لم يحاولوا التباطؤ، أو تغيير سلوكهم في المسائل الصعبة، وبالتالي ساهم ذلك في ارتكابهم للأخطاء.

أظهرت النتائج نمطاً ثابتاً للمجموعتين، حيث كان الأطفال الذين يواجهون صعوبة في الرياضيات أقل ميلاً لتغيير طريقة حلهم بعد الخطأ في حل المسألة، حتى عندما ارتكبوا أنواعاً مختلفة من الأخطاء، ولم يقوموا بتغيير طريقة تفكيرهم استجابة لهذه الأخطاء. وكانت هذه الصعوبة في تعديل السلوك بمرور الوقت فرقاً جوهرياً بين الأطفال ذوي القدرات الرياضية الطبيعية، والذين يواجهون صعوبات في تعلم الرياضيات.

وأوضحت فحوصات أشعة الرنين المغناطيسي أن الأطفال الذين واجهوا صعوبة أكبر في تعلم مادة الرياضيات أظهروا نشاطاً أضعف في المناطق المسؤولة عن مراقبة الأداء، وتعديل السلوك في القشرة المخية، وفي الأغلب ترتبط هذه المناطق العصبية بالتحكم المعرفي، ما يعني القدرة على تقييم الأخطاء، وتغيير طرق التفكير، والمساعدة في اتخاذ القرارات، والتحكم في الاندفاع، والتكيف مع المعلومات الجديدة.

تشير النتائج إلى أن صعوبات الرياضيات قد لا تنبع فقط من مشكلات في مجرد التعامل مع الأرقام، بل قد يواجه بعض الأطفال صعوبة في مراجعة عمليات تفكيرهم أثناء حلّهم للمسائل، لأن القدرة على إدراك الخطأ وتجربة أسلوب جديد تُعد أمراً أساسياً في حل المسائل الرياضية.

في النهاية، أكد الباحثون على ضرورة الاهتمام بمشكلة صعوبة تعلم الرياضيات على وجه التحديد، وعدم التعامل معها كما لو كانت مجرد تراخٍ، وإهمال دراسي، خاصة في الطفولة المبكرة، لأن مخ الأطفال لا يزال في طور النمو، ما يُتيح لهؤلاء الأطفال اكتساب المهارات، وتطوير القدرات اللازمة للتكيف مع هذه الحالة من خلال برامج تعليمية فردية.

• استشاري طب الأطفال


حين يكتشف الذكاء الاصطناعي تسوّس الأسنان

حين يفحص الذكاء الاصطناعي ما تعجز العين عن رؤيته
حين يفحص الذكاء الاصطناعي ما تعجز العين عن رؤيته
TT

حين يكتشف الذكاء الاصطناعي تسوّس الأسنان

حين يفحص الذكاء الاصطناعي ما تعجز العين عن رؤيته
حين يفحص الذكاء الاصطناعي ما تعجز العين عن رؤيته

في عيادة أسنان رقمية حديثة، تظهر صورة أشعة جانبية للأسنان الخلفية على الشاشة. وخلال ثوانٍ، يحدد النظام المدعوم بالذكاء الاصطناعي منطقة مظللة ويعرض تقديراً رقمياً: «احتمال تسوّس 87 في المائة». وفي تلك اللحظة القصيرة، يتحول الرقم من نتيجة تحليل بصري إلى عنصر مؤثر في القرار العلاجي.

لم يعد التشخيص قائماً على قراءة الطبيب وحده، بل أصبح نتيجة تفاعل بين الخوارزمية والخبرة السريرية والسياق الصحي للمريض. وهنا لا نتعامل مع أداة تشخيصية إضافية فحسب، بل مع تحول هادئ في بنية اتخاذ القرار داخل العيادة.

بماذا تخبرنا أبحاث 2026؟

شهدت السنوات الأخيرة تقدماً ملحوظاً في استخدام نماذج التعلم العميق لتحليل الصور الشعاعية للأسنان، ففي دراسة نُشرت عام 2026 في مجلة «المراجعة اليابانية لعلم الأسنان» (Japanese Dental Science Review)، أظهر باحثون أن أنظمة تعتمد على التصوير بالهواتف الذكية المدعوم بالذكاء الاصطناعي استطاعت تحسين معدلات كشف التسوّس، خصوصاً في البيئات محدودة الموارد الصحية.

غير أن الدراسة نفسها أشارت إلى أن الأداء التشخيصي لا يعتمد على الخوارزمية وحدها، بل يتأثر بجودة الصورة، ومستوى الإضاءة، ونوع الجهاز المستخدم، وخبرة من يلتقط الصورة. وهو ما يؤكد أن الدقة المعلنة ليست قيمة ثابتة، بل نتيجة تفاعل معقد بين التقنية والبيئة السريرية.

وفي دراسة حديثة اخرى نُشرت مطلع عام 2026 في مجلة «الطب الرقمي» (npj Digital Medicine) الصادرة عن مجموعة «نيتشر»، حذّر باحثون من «يونيفرسيتي كوليدج لندن» من الاعتماد غير المشروط على نماذج تحليل الصور الطبية دون مراقبة مستمرة لأدائها بعد التطبيق السريري، مؤكدين أن فاعلية الأنظمة قد تتغير مع اختلاف السكان وأنماط المرض.

تحوّل التوزيع: التحدي الصامت

يصف علماء الذكاء الاصطناعي هذه الظاهرة بما يُعرف بتحول التوزيع (Distribution Shift)، حيث يتعلم النموذج من بيانات ذات خصائص محددة، ثم يُستخدم لاحقاً في بيئات تختلف من حيث الأجهزة أو خصائص المرضى أو انتشار الأمراض.

قد يُدرَّب النظام على صور عالية الجودة في مركز أكاديمي متقدم، ثم يُستخدم في عيادة مجتمعية بإمكانات تصوير مختلفة. في هذه الحالة، قد تنخفض الدقة تدريجياً دون ظهور إنذار واضح، مما يجعل الخطأ يتسلل بصمت إلى الممارسة اليومية.

الخطر هنا لا يكمن في الخطأ المفاجئ، بل في الثقة المستمرة بنظام تغيّر أدائه دون أن نلاحظ.

حين تحاط الخوارزميات بسياج الأخلاق

انحياز البيانات وعدالة التشخيص

تناولت مراجعات حديثة في «مجلة طب الأسنان البريطانية المفتوحة» (BDJ Open) قضية انحياز البيانات في أنظمة كشف التسوّس. فالخوارزميات تتعلم مما يُقدَّم لها؛ وإذا جاءت بيانات التدريب من مجموعات سكانية محدودة، فقد لا يكون الأداء متكافئاً عند تطبيقها على مجتمعات مختلفة.

وهنا يظهر سؤال أخلاقي جوهري: هل يحصل جميع المرضى على جودة تشخيص متساوية؟ أم أن الفوارق غير المرئية داخل البيانات قد تعيد إنتاج تفاوتات صحية قائمة؟

الذكاء الاصطناعي يمتلك القدرة على توسيع الوصول إلى الرعاية، لكنه قد يعكس تحيزاتنا البشرية إن لم يُصمم ويُختبر بعناية.

الصندوق الأسود ومسؤولية الطبيب

لا يزال كثير من نماذج التعلم العميق تعمل بوصفها «صناديق سوداء»، تقدم توصيات دون تفسير واضح لمسار القرار. وعندما يشير النظام إلى تسوّس غير موجود أو يفشل في اكتشاف آفة مبكرة، تبقى المسؤولية المهنية والقانونية في نهاية المطاف على عاتق الطبيب.

إن دخول الخوارزمية إلى صلب القرار لا يلغي الحكم السريري، لكنه يعيد توزيع مصادر النفوذ المعرفي داخل العيادة، مما يجعل الحاجة ملحّة لتطوير أنظمة تفسيرية تدعم القرار البشري بدل أن تستبدله.

مَن يتحمل الخطأ عندما تصمت الخوارزمية؟

الخطر ليس في الخطأ... بل في التصميم

الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان ليس منافساً للطبيب، بل أداة قد تعزز دقة التشخيص وتحسن الوصول إلى الرعاية. غير أن الخطر الحقيقي يظهر عندما تُعامل نتائج الدراسات بوصفها ضماناً مطلقاً للأداء في كل سياق سريري.

ما نحتاج إليه ليس خوارزمية معصومة، بل منظومة تجعل الخطأ مرئياً، وحدود الاستخدام واضحة، وآليات المراجعة مستمرة.

إن القرار العلاجي يظل فعلاً إنسانياً يتحمل تبعاته من يتخذه، عندما تصبح التقنية شريكاً وليس بديلاً.

يبقى التسوّس مرضاً بيولوجياً، لكن التعامل معه قرار سريري وأخلاقي في آن واحد. والذكاء الحقيقي لا يتمثل في الثقة العمياء بالخوارزمية، بل في القدرة على استخدامها بوعي نقدي، ومعرفة متى نتفق معها... ومتى نعيد النظر في توصياتها.. في النهاية، قد تقرأ الآلة الصورة بدقة متزايدة، لكن مسؤولية فهم الإنسان الذي خلف الصورة ستبقى مهمة الطبيب.