هل هو الانقراض الجماعي السادس؟

تراجع خطير في التنوع الحيوي

الجفاف في أحد أقنية المياه في ولاية كاليفورنيا الأميركية (أ.ب)
الجفاف في أحد أقنية المياه في ولاية كاليفورنيا الأميركية (أ.ب)
TT

هل هو الانقراض الجماعي السادس؟

الجفاف في أحد أقنية المياه في ولاية كاليفورنيا الأميركية (أ.ب)
الجفاف في أحد أقنية المياه في ولاية كاليفورنيا الأميركية (أ.ب)

شمل تغيير استخدامات الأراضي بفعل النشاط البشري نحو ثلاثة أرباع سطح اليابسة، ما أدى إلى تقييد الحياة البرية ضمن مساحة ضيقة للغاية. وتسبب تدمير الموائل وتغيُّر المناخ والصيد غير الشرعي وتسلل الأنواع الغازية في دفع نحو مليون نوع من الحيوانات والنباتات إلى حافة الانقراض، حتى إن العلماء أخذوا يصفون ما يجري على أنه في سياق انقراض جماعي عالمي سادس. وهو يتميّز عن الانقراضات السابقة في أنه ناجم عن نشاطات بشربة يمكن التحكم بها، بينما كانت عوامل الطبيعة وراء أحداث كبرى كهذه في التاريخ السحيق للأرض.
- ربع الأنواع الحية مهددة بالانقراض
يشير تقرير «الكوكب الحي»، الذي صدر عن «الصندوق العالمي للطبيعة»، إلى انخفاض عدد الحيوانات البرية حول العالم بأكثر من الثلثين في أقل من 50 سنة. ويصف التقرير الحياة البرية بأنها «في حالة من (السقوط الحر)» نتيجة الضرر الذي ألحقه البشر بالموائل الطبيعية للأنواع الحية.
ومنذ سنة 2000، خسرت النُظم الإيكولوجية البرية نحو 1.9 مليون كيلومتر مربع من موائلها الطبيعية، أي ما يزيد على 180 مرة مساحة بلد مثل لبنان. وفي البحر، وجد تقييم أممي أن 3 في المائة فقط من مساحة محيطات العالم لم تتعرض بعد للضغط البشري. وفي المحصّلة، فإن نوعاً واحداً من كل أربعة أنواع حيّة على كوكب الأرض أصبح مهدداً، ويواجه خطر الانقراض خلال عقود.
ويعدّ التنوع الحيوي أمراً بالغ الأهمية للتنمية ورفاهية الإنسان، إذ يعتمد أكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي العالمي، أي نحو 44 تريليون دولار أميركي، على موارد الطبيعة. وترتبط معيشة 70 في المائة من فقراء العالم بما ينتجه الكوكب الحي، سواء كان ذلك عبر الزراعة أو من خلال صيد الأسماك وجمع منتجات الغابات وغيرها من الأنشطة ذات الصلة.
وتتحول هذه الأنشطة إلى صيد جائر وتجارة غير شرعية بالأنواع المهددة بالانقراض في المناطق الهشة، حيث تكون التعديات على الموائل الطبيعية خارج سلطة القانون. في سوريا، تسببت الحرب في إبادة قطعان غزال الرمل والمها العربية وتراجع أعداد الذئاب الرمادية والضباع المخططة والثعالب، كما شمل الضرر التحطيب الجائر لأنواع الأشجار المحمية. وفي العراق، يمثل الاتجار غير المشروع بالطيور المهاجرة، مثل الفلامنغو، شريان حياة لكثير من العائلات الفقيرة بمنطقة الأهوار.
ويتأثر الأمن الغذائي العالمي بفقدان التنوع البيولوجي والتصحر والصدمات الناجمة عن تغيُّر المناخ، حيث يعاني 821 مليون شخص من نقص حاد في الغذاء، ويواجه مليارا شخص سوء التغذية. وفيما تعتمد ثلاثة أرباع محاصيل العالم على الحشرات من أجل تلقيح الأزهار، فإن أعداد هذه الحشرات، التي تشكّل أساس الأمن الغذائي العالمي، تنهار بسرعة.
ولمواجهة هذه التحديات المزدادة، أعلنت أمانة «اتفاقية الأمم المتحدة بشأن التنوع الحيوي» مؤخراً عن إطار عمل لتوجيه الإجراءات من أجل الحفاظ على الطبيعة وحماية خدماتها الأساسية التي تقدمها للناس في جميع أنحاء العالم. وتتضمن الخطة الجديدة 21 هدفاً لعام 2030، تدعو، من بين أمور أخرى، إلى الحفاظ على ما لا يقل عن 30 في المائة من المناطق البرية والبحرية العالمية من خلال أنظمة محمية بفاعلية، ومُدارة على نحو منصف، وممثلة إيكولوجياً، ومتواصلة فيما بينها.
ويوجد حالياً 22 مليون كيلومتر مربع (16.6 في المائة) من النُظم البيئية للأراضي والمياه الداخلية، و28.1 مليون كيلومتر مربع (7.7 في المائة) من المياه الساحلية والمحيطات، ضمن المناطق الموثّقة المحمية والمحافظ عليها. وهي مساحات تزيد بمقدار 21 مليون كيلومتر مربع على مساحات المناطق المحمية في سنة 2010.
ورغم التقدم الحاصل، يعد برنامج الأمم المتحدة للبيئة (يونيب) أن العالم فشل في الوفاء بالالتزامات المتعلقة بجودة هذه المناطق المحمية، ذلك أن ثلث مناطق التنوع الحيوي الرئيسية على الأرض أو المياه الداخلية أو المحيط ليست محمية على الإطلاق. كما أن أقل من 8 في المائة من الأراضي المحمية متصلة تتيح للأنواع الحية التحرك بشكل طبيعي وتسهم في صون العمليات البيئية.
وتقترح خطة «اتفاقية الأمم المتحدة بشأن التنوع الحيوي» خفض معدلات إدخال الأنواع الغريبة الغازية إلى النصف، ووضع ضوابط لانتقال وتفشي هذه الأنواع للقضاء على آثارها أو التقليل منها. وتهدف الخطة أيضاً إلى إنقاص المغذيات، بما فيها الأسمدة، التي تتسرب إلى البيئة بمقدار النصف على الأقل، وإقلال استهلاك مبيدات الآفات بنسبة الثلثين على الأقل، وحل مشكلة النفايات البلاستيكية.
كما تدعو الخطة إلى إعادة توجيه الحوافز الاقتصادية الضارة بالتنوع الحيوي بطريقة عادلة ومنصفة، بحيث يتم إنقاصها على الأقل بمقدار 500 مليار دولار سنوياً، على أن تُلحظ زيادة في التدفقات المالية الدولية من جميع المصادر إلى البلدان النامية بنحو 200 مليار دولار سنوياً. وتدعم الخطة أيضاً تعزيز المساهمات التي تعتمد على الطبيعة في جهود التخفيف من آثار تغيُّر المناخ العالمي لتجنّب مخاطره على التنوع الحيوي.
- الحفاظ على المناخ والأحياء معاً
تلعب النُظم البيئية دوراً مهماً في تخفيف وطأة التغيُّر المناخي عبر التقاط وتخزين غازات الدفيئة. ويمكن للنُظم البيئية السليمة والمعافاة أن تسهم بنحو 37 في المائة من التخفيف المطلوب للحدّ من ارتفاع درجة الحرارة العالمية. وفي المقابل، يؤدي تلف النُظم البيئية، كأراضي الخثّ التي تحتوي كميات كبيرة من المواد العضوية وأشجار المنغروف الشاطئية والغابات المطيرة الاستوائية، إلى إطلاق الكربون بدلاً من تخزينه.
وكان تقرير جديد صدر عن «الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيُّر المناخ» و«المنبر الحكومي الدولي للعلوم والسياسات في مجال التنوع البيولوجي وخدمات النُظم الإيكولوجية»، خلُص إلى أن تغيُّر المناخ العالمي والخسارة غير المسبوقة في الأنواع الحية ناتجان عن مجموعة متماثلة من الأسباب التي يحركها النشاط البشري، ولذلك فإن الحلول التي تأخذ كلتا القضيتين بالاعتبار لديها فرصة أفضل للنجاح.
ويورد التقرير أنه رغم اتفاقية باريس 2015 لإبقاء درجات الحرارة العالمية دون درجتين مئويتين فوق مستويات ما قبل النهضة الصناعية، وأهداف «أيشي» 2010 التي وضعت لحماية الأنواع النباتية والحيوانية المهددة عالمياً، فإن انبعاثات الكربون تتصاعد حتى اليوم بمعدلات تنذر بالخطر، بينما وصلت خسارة التنوع الحيوي إلى حالة مؤسفة مع اقتراب مليون نوع حي من الانقراض. و«أيشي» هي المدينة اليابانية التي استضافت مؤتمراً دولياً عام 2010 تمخض عن استراتيجية عالمية للحفاظ على التنوع الحيوي تتضمن 12 هدفاً.
وفيما يُنظر إلى الحلول القائمة على الطبيعة على أنها وسيلة مهمة لإخراج الكربون من الغلاف الجوي وتوفير موائل مهمة للأنواع الحية المهددة بالانقراض، فإن بعض الحلول التي يجري تسويقها لا تحقق المطلوب. فعلى سبيل المثال، ربما تساعد زراعة نوع واحد من الأشجار في غير موطنه على إنقاص الكربون في الغلاف الجوي، ولكن هذه الممارسة لن تكون ذات أثر معتبر في مساعدة الأنواع المهددة، وقد تمثل عائقاً أمام حمايتها.
خلال السنوات العشر الماضية، أحرز المجتمع الدولي تقدماً في تحقيق عدد من أهداف «أيشي»، بما في ذلك تحسين القدرات العالمية على تقييم اتجاهات التنوع الحيوي، ومضاعفة تمويل حماية الأنواع إلى نحو 90 مليار دولار سنوياً. ويوجد الآن بروتوكول دولي يحكم التقاسم العادل للموارد الجينية المكتشفة في الطبيعة، بحيث يصعب على شركات البلدان الغنية نهبها، ما يعطي البلدان النامية حوافز إضافية لحماية تنوعها الحيوي.
ولكن ما تحقق حتى الآن يصنّف ضمن «المكاسب السهلة»، فيما لا تزال التحديات الأصعب قائمة وتتطلب وقف الأنشطة التي هي أصل فقدان التنوع الحيوي. العالم بحاجة إلى تنظيم أفضل للمواد الكيميائية الخطرة التي تلوث البيئة، وهناك ضرورة لوضع سياسات حازمة تمنع تدمير الغابات المطيرة لصالح إنتاج زيت النخيل وفول الصويا. والأهم من ذلك كله، لا بد من اتخاذ إجراء جذري بشأن تغيُّر المناخ، الذي قد يصبح السبب الأول لفقدان التنوع الحيوي في السنوات المقبلة.
هذه التغييرات المنهجية تتطلب إجراءات فاعلة من الحكومات والصناعات، وكذلك من المواطنين والمستهلكين. وإذا فشل قادة العالم في ضمان استدامة الأسواق لحماية التنوع الحيوي، فإن الخيارات الفردية حول ما يمكن شراؤه وما يجب تفاديه قد تساعد في تحديد ما إذا كانت الأنواع الحية ستزدهر في جميع أنحاء العالم أو تشهد مصيراً مشؤوماً.


مقالات ذات صلة

السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

بيئة الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)

السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

تستضيف السعودية خلال الربع الأخير من العام الحالي أعمال «القمة العالمية الأولى للشعب المرجانية»؛ تأكيداً لريادتها الدولية في مجال حماية النظم البيئية البحرية.

«الشرق الأوسط» (دافوس)
بيئة أقدام الديناصورات التي اكتشفها علماء حفريات إيطاليون (أ.ب)

العثور على آثار أقدام ديناصورات بجبال الألب في إيطاليا

اكتشف علماء حفريات إيطاليون الآلاف من آثار أقدام الديناصورات على صخرة شبه عمودية على ارتفاع أكثر من ألفي متر فوق مستوى سطح البحر في متنزه ستلفيو الوطني.

«الشرق الأوسط» (ميلانو)
الاقتصاد وزيرة التنمية المحلية القائمة بأعمال وزير البيئة المصرية خلال اجتماعها مع أحد المستثمرين (رئاسة مجلس الوزراء)

مصر تبحث فرص تعزيز الاستثمار البيئي داخل المحميات الطبيعية

عقدت وزيرة التنمية المحلية القائمة بأعمال وزير البيئة المصرية اجتماعاً مع أحد المستثمرين لبحث فرص تعزيز الاستثمار البيئي داخل المحميات الطبيعية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
علوم يؤكد الباحثون أن الصدوع التي تقع على أعماق سحيقة في باطن الأرض يمكن أن تلتحم من جديد بعد انكسارها نتيجة الهزات الأرضية (بيكسباي)

الأرض «تضمد جروحها» بعد الزلازل القوية

توصل فريق من علماء الجيولوجيا في الولايات المتحدة إلى أن الصدوع الزلزالية العميقة في باطن الأرض يمكن أن تلتئم في غضون ساعات بعد حدوث الهزات الأرضية القوية.

«الشرق الأوسط» (سان فرنسيسكو)
صحتك الأشخاص الذين مارسوا ما لا يقل عن ساعتين ونصف من التمارين الرياضية أسبوعياً انخفض لديهم خطر الوفاة (رويترز)

المشكلة الشائعة التي تُقلّل من فوائد التمارين الرياضية

معروف أن ممارسة الرياضة بانتظام تُحسّن الصحة النفسية، وتُقلل من خطر الإصابة بأمراض القلب، وتُحسّن محيط الخصر.

«الشرق الأوسط» (لندن)

السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)
الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)
TT

السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)
الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)

تستضيف السعودية خلال الربع الأخير من العام الحالي أعمال «القمة العالمية الأولى للشعب المرجانية»؛ تأكيداً لريادتها الدولية في مجال حماية النظم البيئية البحرية، وإبراز مكانتها المتقدمة في قيادة الجهود الدولية لمواجهة التحديات البيئية حول العالم.

وأعلنت عن استضافة القمة الأميرة ريما بنت بندر بن سلطان السفيرة السعودية لدى الولايات المتحدة، خلال فعاليات «البيت السعودي» المنعقدة على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس.

من جانبه، أكّد المهندس عبد الرحمن الفضلي وزير البيئة والمياه والزراعة السعودي، أن هذه الاستضافة تُجسّد جهود بلاده محلياً ودولياً في حماية وحفظ النظم البيئية البحرية، عبر تبنّي أفضل البرامج والتقنيات المبتكرة، والممارسات العالمية؛ للإسهام في تحقيق مستهدفات التنمية المُستدامة، من خلال إعادة تأهيل الشُعب المرجانية، واستعادة التوازن البيئي، وتحسين جودة الحياة.

بدوره، أوضح الدكتور خالد الأصفهاني، الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة المحافظة على الشعب المرجانية والسلاحف في البحر الأحمر»، أن أعمال القمة ستركز على 3 محاور رئيسية، هي السياسات، والبحث العلمي، والتمويل، منوهاً بأنها تسعى لطرح إطار عملي وموجّه للسياسات والتشريعات، يُمكّن من تحقيق الاستدامة المالية للشعب المرجانية والأنظمة البحرية المرتبطة بها، مع رسم مسار واضح للانتقال من الحوار إلى التنفيذ.

وأضاف الأصفهاني أن القمة تهدف أيضاً إلى إبراز الشعب المرجانية كأصول اقتصادية ضمن استراتيجيات الاقتصاد الأزرق، واستحداث آليات تمويل مستدامة وقابلة للتوسع، كذلك إشراك القادة وصنّاع ومتخذي القرار؛ لتطوير نماذج استثمارية قابلة للتنفيذ عبر السياسات والتشريعات، وإنشاء مسار تعبئة دولي منظم يقود إلى مخرجات ملموسة وقابلة للقياس.

وتتولى السعودية تنظيم هذه القمة العالمية، من خلال المؤسسة، وذلك بصفتها رئيساً للمبادرة الدولية للشعاب المرجانية (ICRI)، التي تضم في عضويتها 45 دولة، ما يعكس الثقة الدولية في دور المملكة القيادي في حماية الشعب المرجانية حول العالم.


2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
TT

2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)

أعلن مرصد «كوبرنيكوس» الأوروبي ومعهد «بيركلي إيرث» الأميركي، الأربعاء، أن 2025 كان ثالث أحرّ الأعوام المسجلة على مستوى العالم، متوقعاً أن يبقى 2026 عند مستويات مرتفعة تاريخياً.

وأشار مرصد «كوبرنيكوس» في تقريره السنوي إلى أن درجات الحرارة العالمية لا تزال منذ ثلاث سنوات عند مستويات لم يسبق لها مثيل في التاريخ البشري، إذ تجاوز معدل درجات الحرارة خلال هذه الفترة مستويات ما قبل الثورة الصناعية (1850-1900) بمقدار 1,5 درجة مئوية، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وفي سياق منفصل، قال علماء من معهد «بيركلي إيرث» في الولايات المتحدة إن «الارتفاع الحاد المسجل بين عامي 2023 و2025 كان استثنائياً، ويشير إلى تسارع وتيرة الاحترار المناخي».

وأقرّ العديد من علماء المناخ والقادة السياسيين، بالإضافة إلى الأمم المتحدة، علناً منذ العام الماضي بأن الاحترار سيتواصل بمعدل 1,5 درجة مئوية، وهو الحد الذي طمحت اتفاقية باريس الموقعة عام 2015 إلى عدم تجاوزه.

ومع بلوغ هذه العتبة منذ ثلاث سنوات، يرجّح برنامج «كوبرنيكوس» أن يتم الإعلان رسمياً عن تجاوز الحد المستدام بحلول نهاية هذا العقد، أي قبل أكثر من عقد من الموعد المتوقع أساساً.

ويثير هذا التسارع قلقاً متزايداً نظراً لأن الولايات المتحدة، ثاني أكبر مصدر لانبعاثات غازات الدفيئة، تتخلى عن التعاون المناخي العالمي في عهد رئيسها دونالد ترمب.

صورة أرشيفية من طوكيو عاصمة اليابان لأشخاص يحملون الشماسي للوقاية من حرارة الشمس (أ.ف.ب)

منحى مشابه في 2026

في الوقت نفسه، تفقد الجهود المبذولة للجم انبعاثات غازات الدفيئة زخمها في الدول الغنية. ففي فرنسا وألمانيا، تراجعت جهود خفض الانبعاثات مجدداً في عام 2025، وفي الولايات المتحدة، تسبب التوسع الكبير في محطات توليد الطاقة التي تعمل بالفحم في زيادة البصمة الكربونية للبلاد مرة أخرى، ما بدّد سنوات من التقدم.

وقال رئيس وحدة «كوبرنيكوس»، ماورو فاكيني، في مؤتمر صحافي: «الحاجة إلى العمل المناخي باتت ملحّة أكثر من أي وقت مضى».

ولا توجد أي مؤشرات على أن عام 2026 سيخالف الاتجاه المسجل في السنوات الأخيرة.

وتوقعت نائبة مدير قسم تغير المناخ في «كوبرنيكوس»، سامانثا بورغيس، أن يكون عام 2026 من بين أحرّ خمسة أعوام مسجلة على الإطلاق، وقد يكون مماثلاً لعام 2025.

ويتوقع علماء المناخ في «بيركلي إيرث» أيضاً أن يكون 2026 «على الأرجح مشابهاً لعام 2025، مع ترجيح أن يكون رابع أحرّ عام منذ عام 1850».

وفي حال حدوث ظاهرة «إل نينيو» وما يصاحبها من ارتفاع في درجات الحرارة، «قد يجعل ذلك 2026 عاماً قياسياً»، وفق ما أوضح مدير قسم تغير المناخ في المرصد، كارلو بونتيمبو، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

لكن «سواء كان ذلك في عام 2026 أو 2027 أو 2028، فالأمر لا يهم حقاً. المسار واضح جداً»، حسب بونتيمو.

سكان يراقبون حريقاً كبيراً يقترب من كونغوستا بإسبانيا (رويترز - أرشيفية)

معدلات قياسية في آسيا وأنتركتيكا

عام 2025، فاق معدل درجات حرارة سطح الأرض والمحيطات بـ1,47 درجة مئوية مستويات ما قبل الثورة الصناعية، بعد أن سجل معدل حرارة قياسياً تخطى تلك المستويات بـ1,60 درجة مئوية عام 2024.

ويخفي هذا المتوسط العالمي درجات حرارة قياسية في مناطق معينة، لا سيما في آسيا الوسطى والقارة القطبية الجنوبية ومنطقة الساحل، وفق تحليلات أجرتها «وكالة الصحافة الفرنسية» باستخدام بيانات يومية من الخدمة الأوروبية.

وبذلك، شهد 770 مليون شخص موجات حر قياسية في بلدانهم، حسب حسابات معهد «بيركلي إيرث».

والأربعاء، أفادت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، وهي وكالة تابعة للأمم المتحدة، بأنّ اثنتين من مجموعات البيانات الثماني التي حلّلتها أظهرتا أنّ عام 2025 كان ثاني أكثر السنوات حراً، ولكن المجموعات الأخرى صنّفته في المرتبة الثالثة.

وقدّرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية متوسط الاحترار للفترة 2023-2025 عند 1,48 درجة مئوية، مع هامش خطأ يبلغ زائد أو ناقص 0,13 درجة.

وقالت الأمينة العامة للمنظمة، سيليست سولو، في بيان، إنّه على الرغم من ظاهرة التبريد المناخي «لا نينيا»، فإنّ عام 2025 «يبقى أكثر الأعوام حراً على الإطلاق على مستوى العالم بسبب تراكم الغازات الدفيئة في غلافنا الجوي».

في الوقت نفسه، لم تُسجل أي درجات حرارة منخفضة قياسية في عام 2025، وفق المعهد الأميركي.

شهد عام 2025 العديد من الظواهر الجوية المتطرفة، من موجات حرّ وأعاصير وعواصف عاتية في أوروبا وآسيا وأميركا الشمالية، إلى حرائق غابات مدمرة في إسبانيا وكندا وكاليفورنيا، تفاقمت حدتها أو تواترها بفعل الاحترار العالمي.

وتلعب التقلبات الطبيعية دوراً في الاحترار؛ فعلى سبيل المثال، كانت ظاهرة التبريد المعروفة باسم «لا نينيا» ضعيفة نسبياً في العام الماضي.

لكن كبير العلماء في مركز «بيركلي إيرث»، روبرت رود، يُبدي قلقه إزاء عوامل أخرى غير متوقعة تُفاقم الاحترار، حتى وإن كان ذلك بمقدار أجزاء من عشرة أو من مائة من الدرجة على المستوى العالمي.

وعلى وجه الخصوص، كان للقواعد الدولية التي خفضت محتوى الكبريت في زيت وقود السفن منذ عام 2020 أثر غير مقصود، تمثل في المساهمة في الاحترار من خلال خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكبريت. ففي السابق، كانت هذه الجسيمات العالقة تتسبب في نشوء سحب صافية تعكس ضوء الشمس، ما يُساهم في تبريد الأرض.


المحيطات امتصت مستويات قياسية من الحرارة عام 2025

حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)
حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)
TT

المحيطات امتصت مستويات قياسية من الحرارة عام 2025

حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)
حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)

أفاد فريق من العلماء من مختلف أنحاء العالم، الجمعة، بأن المحيطات امتصت كمية قياسية من الحرارة عام 2025، مما زاد من احتمال ارتفاع مستوى البحار وحدوث عواصف عنيفة وموت الشعاب المرجانية.

وقد ارتفعت الحرارة المتراكمة في المحيطات، العام الفائت، بنحو 23 زيتا غول، أي ما يعادل استهلاك الطاقة الأولية العالمية لأربعة عقود تقريباً.

وذكر الباحثون أن هذه النتيجة التي نُشرت في مجلة «أدفانسيس إن أتموسفيريك ساينسز» Advances in Atmospheric Sciences، تُعدّ أعلى قراءة سنوية منذ بدء تسجيل البيانات الحديثة في أوائل خمسينات القرن الماضي.

ولإجراء هذه الحسابات، استخدم أكثر من 50 عالماً من 31 مؤسسة بحثية مصادر متعددة، من بينها مجموعة كبيرة من الروبوتات العائمة التي ترصد تغيرات المحيطات حتى عمق 2000 متر، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

مؤشر أدق

وقالت المشاركة في إعداد الدراسة، كارينا فون شوكمان، إن النظر إلى أعماق المحيطات بدلاً من تقلبات سطحها، يقدّم مؤشراً أدق إلى كيفية استجابة المحيطات للضغط المستمر الناتج من انبعاثات البشر.

تُعدّ المحيطات عاملاً أساسياً في تنظيم مناخ الأرض؛ إذ تمتص 90 في المائة من الحرارة الزائدة في الغلاف الجوي الناتجة عن انبعاثات غازات الدفيئة مثل ثاني أكسيد الكربون.

تحمل هذه الطاقة الإضافية تأثيراً كبيراً، فارتفاع درجة حرارة المحيطات يزيد من رطوبة الغلاف الجوي، مما يُوفّر عوامل للأعاصير المدارية والأمطار الغزيرة.

ويسهم احترار المحيطات بشكل مباشر في ارتفاع مستوى البحار؛ إذ تتمدد المياه عند ارتفاع درجة الحرارة، مما يجعل الظروف صعبة جداً للشعاب المرجانية الاستوائية التي تموت خلال موجات الحر البحرية الطويلة.

وقالت شوكمان: «إذا تواصل تراكم الحرارة في الأرض، فستستمر حرارة المحيطات في الارتفاع، وسيرتفع مستوى البحار، وستُسجَّل أرقام قياسية جديدة».

وتيرة أسرع

وترتفع درجة حرارة المحيطات في بعض المناطق بوتيرة أسرع من غيرها.

وكانت المحيطات الاستوائية، وجنوب المحيط الأطلسي، والبحر الأبيض المتوسط، وشمال المحيط الهندي، والمحيط الجنوبي من بين المسطحات المائية التي امتصت كميات قياسية من الحرارة سنة 2025.

وقد سُجّل ذلك رغم انخفاض متوسط درجات حرارة سطح البحر بشكل طفيف سنة 2025، غير أنه ظل ثالث أعلى رقم مسجّل على الإطلاق.

ويُعزى هذا الانخفاض إلى التحوّل من ظاهرة «إل نينيو» القوية التي أدت إلى ارتفاع درجة الحرارة في 2023 - 2024، إلى ظروف شبيهة بظاهرة «لا نينا» التي عادة ما ترتبط بتبريد مؤقت لسطح المحيطات.

وعلى المدى البعيد، يتسارع معدل ارتفاع درجة حرارة المحيطات نتيجة الزيادة المستمرة في تركيزات غازات الدفيئة في الغلاف الجوي، والتي تُعزى أساساً إلى حرق الوقود الأحفوري.