«مبعوث تركي» يكشف أسرار الحرب السورية... وخيباتها

السفير عمر أونهون يصدر كتاباً عن عمله في دمشق وأنقرة... ويروي لـ«الشرق الأوسط» مآلات «أكبر مأساة في العصر الحديث»

السفير التركي عمر أونهون  -  غلاف كتاب «سوريا بعيون سفير» للمبعوث التركي عمر أونهون
السفير التركي عمر أونهون - غلاف كتاب «سوريا بعيون سفير» للمبعوث التركي عمر أونهون
TT

«مبعوث تركي» يكشف أسرار الحرب السورية... وخيباتها

السفير التركي عمر أونهون  -  غلاف كتاب «سوريا بعيون سفير» للمبعوث التركي عمر أونهون
السفير التركي عمر أونهون - غلاف كتاب «سوريا بعيون سفير» للمبعوث التركي عمر أونهون

القتال توقف في سوريا، لكن الأزمة مستمرة لسنوات طويلة، مع زيادة عوامل انبعاث «داعش» والمتطرفين. لذلك، فإن الحل يتطلب تنفيذ جميع عناصر القرار الدولي (2254)، وبسط السلطة المركزية في دمشق سيادتها على كل الأراضي السورية، وقيادة سورية تجمع السوريين والأراضي.
لكن جيوش الدول الخمس وميليشياتها، وهي أميركا وتركيا وروسيا وإيران وإسرائيل، لن تخرج ما لم تحصل على تأكيدات بحماية مصالحها الاستراتيجية. وبالإمكان تلبية مصالح معظم الدول، بما فيها روسيا، لكن «العقدة» هي إيران، ذلك أنها جعلت من سوريا «جبهة متقدمة وحجراً أساسياً في نظامها الإقليمي، وباتت تشكل صداعاً لبعض قادة الجيش والأمن والنظام».
هذه هي الخلاصة التي وصل إليها السفير التركي عمر أونهون الذي تنقل في اهتمامه السوري من عمله مستشاراً سياسياً في السفارة التركية في دمشق في عام 1998 إلى تعيينه سفيراً في 2009، ثم مبعوثاً خاصاً للملف السوري في 2014، ومديراً لشؤون الأمن في الخارجية. وبعد تقاعده، وضع خلاصة تجربته في كتاب بعنوان «سوريا في عيون السفير» صدر باللغة التركية قبل أيام.
ويغطي الكتاب تفاصيل الاجتماعات السرية، ولقاءات مع ووزير الخارجية الراحل وليد المعلم، والمحادثات بين الرئيسين رجب طيب إردوغان وبشار الأسد، وهجمات متظاهرين على السفارة التركية، و«ملاحقات رجال الاستخبارات لي أينما ذهبت»، وعندما يلاحظهم كانوا يقولون: «كان ذلك من أجل حمايتك، وليس بسوء نية».
- من الازدهار إلى الانحدار
يقول أونهون لـ«الشرق الأوسط» إنه عاين بنفسه لحظات مفصلية في تاريخ العلاقات بين البلدين، من الأزمة حول زعيم «حزب العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان الذي أبعدته دمشق في 1998 بعد تهديدات عسكرية، مروراً بزيارة الرئيس التركي أحمد نجدت سيزر إلى دمشق لتقديم التعازي للرئيس بشار الأسد في وفاة الرئيس حافظ الأسد، إذ «كانت زيارة سيزر البداية الحقيقية لمرحلة جديدة في العلاقات» التي راحت «تزدهر عندما كنت سفيراً، وكانت تركيا في طريقها لتصبح الدولة الأكثر تفضيلاً في سوريا». وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2009، التقى إردوغان والأسد في إسطنبول، وأعلنا رفع التأشيرات بين البلدين، فـ«تحولت هذه الحركة إلى جوهرة التاج» في العلاقات.
وعندما اندلعت الاحتجاجات في ربيع 2011 «قامت تركيا بين مارس (آذار) وأغسطس (آب) 2011 بكثير من العمل الدبلوماسي لإقناع الأسد بتقديم بعض التنازلات، وتلبية المطالب القابلة للتنفيذ للمتظاهرين، ليصبح بهذه الطريقة الزعيم الإصلاحي المستنير في المنطقة، وبالتالي يستطيع توطيد سلطته».
وعد أونهون اجتماع وزير الخارجية أحمد داود أوغلو، في أغسطس (آب) 2011، مع الأسد «الذي استمر 7 ساعات أحد المعالم البارزة في تلك الجهود، حيث كنت طرفاً في هذا الاجتماع. وكما تم الاتفاق، ذهبت في اليوم التالي إلى حماة للتحقق مما إذا كان هناك التزام بالوعود».
ومع تعمق الخيبات قياساً للتوقعات والمطالب والوعود من دمشق «تعرضت تركيا لضغوط، خاصة من الولايات المتحدة وحلفاء غربيين آخرين، لقطع العلاقات مع الأسد، وكانت حجتهم: إن دعمكم يشجعه، ولذلك يتجاهلنا». وبالفعل، قطعت أنقرة وعواصم كبيرة العلاقات في ربيع 2012، واتجه الدعم إلى المعارضة المنقسمة «فمجموعة أصدقاء سوريا، الداعمة للمعارضة، لم تتمكن من الاتحاد، وهو ما انعكس على المعارضة». وذات مرة، احتج رئيس «الائتلاف الوطني السوري» جورج صبرا في اجتماع، قائلاً: «يلقون بنا في البحر، ويطلبون منا ألا نبتل».
- خطوط إيران الأمامية
على الجانب الآخر، حسب أونهون، كان تصرف طهران وموسكو سريعاً، و«أنشأت إيران خط دفاعها في سوريا، حيث تدفق إلى خطوط القتال الأمامية المسلحون الشيعة و(حزب الله) والجماعات العراقية، ثم الميليشيات الشيعية الأفغانية والباكستانية». لكن روسيا هي التي «لعبت الدور الأكبر في قلب موازين الحرب» لدى تدخلها في 2015 «إذ طبقت استراتيجية حرب مشابهة كانت قد تبنتها في القوقاز في القرن التاسع عشر، ثم في الشيشان في القرن العشرين. هذه الاستراتيجية، باختصار، هي أن كل شخص وكل شيء مستهدف. فالأضرار الجانبية والخسائر المدنية لا مكان لها في العقيدة العسكرية الروسية، إذ إن العسكريين ليسوا مسؤولين عن سلوكهم. وكان هذا النهج هو الذي أحدث فرقاً كبيراً»، حسب المبعوث التركي.
وأضاف أونهون: «العنصر الرئيسي الآخر الذي أثر في مصير الأزمة كان دخول عناصر متطرفة إلى سوريا؛ لم يكن النظام مستاءً من ذلك، بل عمد إلى إطلاق سراحهم من سجن صيدنايا سيئ السمعة، وجعلهم يشكلون مجموعات مسلحة لمحاربة النظام. لكن من المؤسف أن هذه الاستراتيجية قد أدت الغرض المقصود منها. فبعد ظهور (داعش) الإرهابي وأساليبه الوحشية، وجه العالم اهتمامه بالكامل إليه»، حسب ملخص باللغة الإنجليزية لكتاب أونهون.
وبعد تردد متكرر إزاء سوريا، فإن «المرة الوحيدة التي كانت فيها أميركا حاسمة هي عندما اختارت (وحدات حماية الشعب) شريكاً محلياً، فتفاقمت العلاقات المضطربة مع تركيا».
ويتحدث الكتاب عن «مثلث مضطرب» يجمع تركيا و«وحدات حماية الشعب» الكردية وأميركا، إضافة إلى أزمة «اللاجئين السوريين الأسوأ منذ الحرب العالمية الثانية»، بحيث «أصبحت القضية السورية متشابكة مع السياسة الداخلية التركية التي تشهد انقسامات حادة عميقة».
- ماذا عن إدلب؟
بعدما خسرت مناطق كثيرة، استعادت القوات الحكومية، بدعم عسكري مباشر من حليفتيها إيران وروسيا، مساحات واسعة. وجرت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في مناطق سيطرة قوات الأسد، المقدرة بأقل من ثلثي مساحة البلاد، فيما غابت عن المناطق الخارجة عن سيطرتها، وأبرزها مناطق نفوذ الإدارة الذاتية الكردية (شمال شرقي البلاد) ومناطق تحت سيطرة هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) وفصائل موالية لأنقرة في شمال وشمال غربي البلاد.
وجدد الأسد في خطاب القسم تأكيد عزمه على استعادة المناطق الخارجة عن سيطرته، وقال: «تبقى قضية تحرير ما تبقى من أرضنا نصب أعيننا، تحريرها من الإرهابيين، ومن رعاتهم الأتراك والأميركيين».
ومن جهته، يقول أونهون: «تركيا لا تستطيع أن تدير ظهرها للأحداث الجارية في سوريا، ويبقى لزاماً عليها أن تحمي نفسها، وأن تفعل في الوقت نفسه ما بوسعها لإنهاء الحرب. ولكن في الأثناء ذاتها لا أحد يستطيع أن ينكر أن تركيا، مثلها في ذلك مثل أي دولة أخرى، ربما ارتكبت أيضاً بعض الأخطاء».
وتعد إدلب التي تضم 4 ملايين، نصفهم من النازحين، بمثابة «القنبلة الموقوتة، وهي تتعرض لهجمات مستمرة، ويتمثل مصدر القلق الرئيسي فيما سيحدث للآلاف من مقاتلي (هيئة تحرير الشام) والسكان، في حال الهجوم الكبير من النظام وروسيا وإيران. والمكان الوحيد الذي يمكنهم الفرار إليه هو تركيا، فهي الطريق الوحيد إلى أوروبا».


مقالات ذات صلة

أخطاء مطبعية تُحوّل نسخة نادرة من «هاري بوتر» إلى «كنز»

يوميات الشرق ما أخطأته المطبعة قبل 29 عاماً أصابته سوق المزادات اليوم (دار مزادات «هيريتيج»)

أخطاء مطبعية تُحوّل نسخة نادرة من «هاري بوتر» إلى «كنز»

بيعت نسخة نادرة من الطبعة الأولى لكتاب «هاري بوتر وحجر الفيلسوف» مقابل 302 ألف جنيه إسترليني، في مزاد أقيم بمدينة دالاس الأميركية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب «أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

لم يعد الجدل الأكثر إثارة في موضوع الذكاء الاصطناعي متعلقاً بمدى قدرة الآلة على الكتابة مثل الإنسان؛ إذ تجاوزت النماذج اللغويّة الحديثة جانباً مهماً من...

ندى حطيط
كتب «طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

صدرت حديثاً للكاتبة والإعلامية اللبنانية ثناء عطوي، «نوفيلا» جديدة بعنوان «طيران على مستوى منخفض»، عن «محترف أوكسجين للنشر».

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب «عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

عن «مؤسسة شمس للنشر والإعلام»، بالقاهرة؛ صدر كتاب «عصر التزييف... هندسة الوعي وإعادة بناء الحقيقة»، للكاتب والمفكر العراقي «عباس النوري»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

صدر عن «منشورات رامينا» بلندن كتاب «محمود مختار والمراهنة على تحويل الآثار إلى تراث حيّ» للدكتور محمد بن حمودة

«الشرق الأوسط» (لندن)

اليمن يرفض تقديم إيران نفسها وسيطاً وهي تسلّح الحوثيين

الزوبة دعت العالم الإسلامي إلى تجفيف تمويل الحوثيين وتسليحهم (سبأ)
الزوبة دعت العالم الإسلامي إلى تجفيف تمويل الحوثيين وتسليحهم (سبأ)
TT

اليمن يرفض تقديم إيران نفسها وسيطاً وهي تسلّح الحوثيين

الزوبة دعت العالم الإسلامي إلى تجفيف تمويل الحوثيين وتسليحهم (سبأ)
الزوبة دعت العالم الإسلامي إلى تجفيف تمويل الحوثيين وتسليحهم (سبأ)

رفضت الحكومة اليمنية محاولات إيران تقديم نفسها وسيطاً في الحرب اليمنية، ومحمّلةً إياها مسؤولية دعم انقلاب الجماعة الحوثية وإطالة أمد الصراع عبر التسليح والتمويل والتدريب والإمداد بالصواريخ والطائرات المسيّرة والخبراء العسكريين.

وقالت وزيرة الخارجية أفراح الزوبة، إن إيران جعلت من نفسها طرفاً في الحرب على اليمنيين، وإن عليها، بدلاً من عرض الوساطة، أن توقف دعمها العسكري للحوثيين وتحترم سيادة الدول ومبادئ حسن الجوار، في موقف يعكس سعي الحكومة إلى نقل المواجهة مع طهران من الاتهامات السياسية إلى المطالبة بإجراءات دولية ضد مصادر تسليح الجماعة.

وأضافت الزوبة، في تصريحات تزامنت مع مشاركتها في الدورة الـ52 لمجلس وزراء خارجية الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي بالعاصمة العراقية بغداد، أن طهران لا تستطيع تسليح أحد أطراف النزاع، ثم تقديم نفسها وسيطاً لإنهائه، عادةً أن محاولاتها تصوير الحرب على أنها نزاع بين اليمن والسعودية تتجاهل حقيقة ما جرى من انقلاب جماعة مسلحة على الدولة اليمنية.

وزيرة الخارجية اليمنية تقود جهوداً دبلوماسية مكثفة لحشد الدعم الدولي ضد الحوثيين (سبأ)

واتهمت الوزيرة النظام الإيراني باستخدام اليمن ورقةً تفاوضية، وتحويل الضغوط الموجَّهة إليه إلى اعتداءات تتحمَّل تكلفتها شعوب المنطقة والتجارة والأسواق العالمية، مشيرةً إلى أن الحوثيين رفضوا الاستجابة لجهود التسوية الإقليمية والدولية، بما فيها خريطة الطريق التي قدَّمتها السعودية، واستغلوا فترات التهدئة لإعادة تنظيم صفوفهم وتعزيز قدراتهم العسكرية.

مسؤولية طهران

إلى ذلك رفضت الزوبة محاولات إيران إضفاء صفة تمثيل اليمن على الحوثيين، أو تقديمهم بوصفهم «القوات المسلحة اليمنية»، مؤكدةً أن تعامل طهران مع الجماعة لا يمنحها شرعية تمثيل الدولة ولا يخول النظام الإيراني الوصاية على القرار الوطني اليمني.

كما رفضت تصوير معركة استعادة الدولة على أنها نزاع بين اليمن والسعودية، وقالت إن ادعاءات الحوثيين التصرف وفق مصالحهم وتقديراتهم الخاصة لا تعفي إيران من تبعات تسليحهم وتمكينهم من مواصلة هجماتهم.

وفي هذا السياق، استحضرت الوزيرة سلسلة من الممارسات الإيرانية التي عدّتها انتهاكاً للسيادة اليمنية، بينها تسليم المقار الدبلوماسية اليمنية في طهران لممثل عن الحوثيين في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، وتهريب أحد ضباط «الحرس الثوري» إلى صنعاء في أكتوبر (تشرين الأول) 2020 وتنصيبه سفيراً لدى الجماعة، وصولاً إلى تسيير رحلات إلى مطار صنعاء في يوليو (تموز) 2026 من دون موافقة الحكومة الشرعية، وفق ما أوردته في تصريحاتها.

وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة خلال لقائها رئيس الوزراء العراقي (سبأ)

واتهمت طهران بمواصلة تدخلاتها رغم قطع العلاقات معها في أكتوبر 2015، عادةً تلك الممارسات مخالفةً لقواعد التعامل بين الدول وانتهاكاً للسيادة اليمنية واتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية.

ولم تفصل الزوبة هذه الاتهامات عن التصعيد العسكري الذي تشهده البلاد، مشيرةً إلى استهداف الحوثيين قصر معاشيق، مقر الرئاسة والحكومة في العاصمة المؤقتة عدن، بالصواريخ الباليستية، واستمرار حصار تعز وقصف الأحياء السكنية، إلى جانب الهجمات التي تستهدف السعودية وتهدد الملاحة الدولية.

دعوة لتحرك إسلامي

في مواجهة ما وصفتها بـ«التهديدات المتزايدة»، دعت الوزيرة اليمنية الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي إلى اتخاذ موقف حازم من الحوثيين، وتصنيفهم «منظمةً إرهابيةً»، وتجفيف مصادر تمويلهم ووقف تدفق الأسلحة والخبرات العسكرية إليهم.

وأكدت أن استمرار الحرب لا يمكن فصله عن الدعم العسكري والتقني الإيراني، محذرةً من تحويل الأراضي اليمنية إلى منصة لتهديد أمن المنطقة. وشدَّدت على ضرورة تحويل التضامن الإسلامي من الشعارات إلى خطوات عملية تحمي الدول الأعضاء ومقدراتها، وتواجه التدخلات الخارجية التي تغذي الصراعات.

كما دعت المجتمع الدولي إلى إنفاذ حظر تسليح الحوثيين بموجب قرارَي مجلس الأمن 2216 و2624، ومحاسبة ممولي الجماعة، ودعم الحكومة اليمنية في استعادة مؤسسات الدولة وبسط سلطتها على كامل أراضي البلاد.

وزيرة الخارجية اليمنية خلال لقائها مسؤولة أممية (سبأ)

وشدَّدت الزوبة على أن أمن اليمن مرتبط بأمن جيرانه، وأن مواجهة التدخلات الإيرانية تتطلب وقف دعم الأذرع المسلحة وصون سيادة الدول، مؤكدةً أن السعودية ظلت سنداً لليمن من خلال دعمها الاقتصادي والإغاثي والتنموي.

وعلى صعيد التسوية السياسية، أكدت الوزيرة أن الحكومة اليمنية، التي تمسَّكت بخيار السلام طوال 12 عاماً، لن تقبل بأن يتحول المسار السياسي إلى غطاء يشرعن الانقلاب أو يبقي السلاح خارج مؤسسات الدولة.

وقالت إن السلام العادل والمستدام يتطلب احترام سيادة اليمن ووحدته وسلامة أراضيه واستعادة مؤسساته، والالتزام بمرجعيات الحل المتفق عليها، وفي مقدمتها قرار مجلس الأمن 2216.

وتزامن هذا الموقف مع استمرار عملية «فجر اليمن»، التي أطلقها رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي؛ لاستعادة مؤسسات الدولة وبسط سلطتها على كامل التراب الوطني، وفق ما أعلنته الحكومة.


نزف الجبهات يدفع الحوثيين لتوسيع حملات التعبئة والتجنيد

مئات المقاتلين تدفع بهم الجماعة الحوثية لاقتحام مدينة تعز وسط نزف بشري متواصل (إ.ب.أ)
مئات المقاتلين تدفع بهم الجماعة الحوثية لاقتحام مدينة تعز وسط نزف بشري متواصل (إ.ب.أ)
TT

نزف الجبهات يدفع الحوثيين لتوسيع حملات التعبئة والتجنيد

مئات المقاتلين تدفع بهم الجماعة الحوثية لاقتحام مدينة تعز وسط نزف بشري متواصل (إ.ب.أ)
مئات المقاتلين تدفع بهم الجماعة الحوثية لاقتحام مدينة تعز وسط نزف بشري متواصل (إ.ب.أ)

تكثف الجماعة الحوثية حملات التعبئة لاستقطاب مقاتلين جدد في مناطق سيطرتها؛ لرفد جبهاتها التي تشهد خسائر كبيرة خلال المواجهات مع الجيش اليمني، وتمارس ضغوطاً على مشايخ القبائل ومسؤولي الحارات لتجنيد السكان، الذين يبدون تحفظات كبيرة تعرقل جهود الحشد والتعبئة.

وذكرت مصادر محلية في صنعاء لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة نفّذت، الجمعة الماضي، حملة تعبئة بعنوان «جمعة النفير»، وشكلت لجاناً لجمع بيانات المصلين من الشباب والأطفال، وحتى من رجال في أعمار متقدمة، في عدد من مساجد العاصمة المختطفة، بعد أن خصصت الخطبة للدعوة إلى النفير والالتحاق بدورات عسكرية.

وطبقاً للمصادر، فإن اللجان وقفت على أبواب المساجد، وأجبرت كثيراً من المصلين على تقديم بياناتهم والتعهد بالاستجابة لدعوة النفير والمشاركة في دورات تدريبية على استخدام السلاح والقتال، ووعدتهم بحوافز مالية.

وتتزامن هذه التحركات مع تصاعد العمليات العسكرية في تعز وباب المندب ومأرب والجوف، في وقت تتحدث فيه مصادر ميدانية عن خسائر بشرية في صفوف الجماعة بلغت آلاف القتلى والجرحى.

الجماعة الحوثية تنوع وسائل التعبئة في المناطق التي سيطرت عليها أخيراً (إ.ب.أ)

ولا تقتصر جهود التعبئة على الدعوات العامة؛ إذ تشير معلومات من صنعاء إلى تكليف «عقال الحارات» بإعداد قوائم بأسماء مقاتلين محتملين، في إطار مساعٍ لتوسيع قاعدة التجنيد.

وتحدثت مصادر مطلعة عن إلزام مسؤولي الأحياء، ويعرفون بـ«عقال الحارات»، بتوفير 10 أشخاص على الأقل من كل حارة.

وكانت «الشرق الأوسط» كشفت، قبل نحو شهرين، عن أن الجماعة اعتقلت أكثر من 30 عاقل حارة وأقصت 23 آخرين، بتهمة فشلهم في تحقيق حصص التجنيد والتبرعات المطلوبة.

وتشير المعلومات التي حصلت عليها مصادر «الشرق الأوسط» إلى صعوبات واجهت تنفيذ التكليفات الأخيرة؛ إذ لم يتمكن بعض عقال الحارات من تسجيل أي مقاتل جديد، بينما حصل آخرون على موافقات محدودة.

مشاهد تشييع قتلى الحوثيين تضاعف مخاوف السكان على أبنائهم من المشاركة في القتال (الشرق الأوسط)

ويعزو عقال الحارات تعثرهم في تلك المهام إلى رفض غالبية الأهالي إرسال أبنائهم إلى الجبهات، وإلى خلافات مع أسر تُحمّلهم مسؤولية فقدان أبنائهم في المعارك.

تعثر الحشد

على الرغم من أن كثيراً من المعلومات والوقائع تشير إلى اتساع التحفظات الاجتماعية التي تعوق قدرة الجماعة الحوثية على مواصلة التحشيد والتجنيد وتعرقل جهودها في التعبئة، فإنها لم تعدم الوسائل التي تستطيع من خلالها الحصول على مقاتلين جدد.

وفي خطاب بمناسبة الذكرى الثالثة لـ«هجمات 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023»، دعا زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي إلى مواصلة دعم الجبهات بالمال والرجال، ضمن ما تصفها الجماعة بـ«التعبئة العامة»، مشيداً بما قال إنها تحركات قبلية لتقديم الدعم للمقاتلين.

وتتحدث مصادر متنوعة عن تكثيف اتصالات القيادات الحوثية بمشايخ في المناطق الريفية؛ بهدف رفع مستوى التحشيد القبلي وتوفير دفعات جديدة من المقاتلين.

كما نظمت الجماعة فعاليات تعبئة في مناطق سيطرت عليها أخيراً في الساحل الغربي ومحافظة تعز (جنوبي غرب)، وادّعت أنها جاءت بمبادرات من أعيان محليين.

قادة أمنيون حوثيون وقعوا بقبضة الجيش اليمني في تعز (الجيش اليمني)

وكشفت مصادر محلية في مديريتي الشمايتين والمواسط التابعتين لمحافظة تعز، لـ«الشرق الأوسط»، عن أن مشرفي الجماعة طلبوا من الأعيان والمشائخ مساعدتهم في تجنيد المقاتلين، بالتزامن مع السعي لجمع معلومات بشأن من انضموا في فترات سابقة إلى الجيش اليمني وتلقوا تدريبات عسكرية للاستفادة من خبراتهم.

ودفعت هذه الممارسات بكثير من الشباب الذين كانوا ضمن قوام القوات الحكومية في فترات سابقة إلى النزوح باتجاه محافظتي عدن ولحج خوفاً من إجبارهم على القتال في صفوف الجماعة.

ووفق المصادر، فإن المشرفين الحوثيين طلبوا من الأعيان مساعدتهم في تجنيد المقاتلين والحصول على تبرعات، بوصف ذلك نوعاً من رد الجميل بعد سيطرة الجماعة على مناطقهم، حيث تزعم الجماعة أنها حررتهم من الأعداء.

خسائر ميدانية

تتزامن أنشطة التحشيد والتجنيد الحوثية مع تقارير عن خسائر كبيرة في صفوف الجماعة خلال المواجهات الأخيرة في تعز ومأرب والجوف.

وأعلن الجيش اليمني القبض على 5 من القيادات الأمنية للجماعة في الجبهة الغربية لتعز، بينهم أكرم عامر المتوكل ومحمد سعيد الجنيد، إضافة إلى أكثر من 60 مسلحاً في كمائن خلال 24 ساعة، وفقاً لبيانه، وبث الجيش تسجيلاً مصوراً يظهر 5 أشخاص يعرّفون بأنفسهم.

فردان من القوات الحكومية اليمنية في باب المندب حيث لحقت بالحوثيين خسائر بشرية كبيرة (إ.ب.أ)

كما تحدثت مصادر ميدانية عن مقتل القيادي الحوثي مجاهد أحمد علي مع نحو 25 من المسلحين في منطقة الضباب غرب تعز، وعن مقتل عبد الرحمن المقدمي قائد ما يعرف بـ«اللواء 127 حرس حدود» بغارة بمنطقة الجوبة في مأرب.

وأفادت مصادر أخرى بسقوط نحو 50 عنصراً بين قتيل وجريح ومحتجز في كمين غرب تعز، ونقلت وسائل إعلام دولية عن القوات الحكومية إعلان مقتل وإصابة نحو 50 حوثياً في مواجهات بالمنطقة ذاتها، كما أعلن الجيش اليمني، الجمعة، مقتل 16 حوثياً خلال التصدي لهجوم جنوب تعز.


تعز تواجه القصف والحصار وحرمان السكان من المياه

منظر عام لمدينة تعز المحاصرة من قبل الحوثيين (رويترز)
منظر عام لمدينة تعز المحاصرة من قبل الحوثيين (رويترز)
TT

تعز تواجه القصف والحصار وحرمان السكان من المياه

منظر عام لمدينة تعز المحاصرة من قبل الحوثيين (رويترز)
منظر عام لمدينة تعز المحاصرة من قبل الحوثيين (رويترز)

تتفاقم الضغوط الإنسانية على مدينة تعز اليمنية مع اتساع الانتهاكات الحوثية لتشمل استهداف الأحياء السكنية، وفرض قيود على إمدادات مياه الشرب، بالتزامن مع استمرار الحصار وإغلاق الطرق، في وقت وثقت فيه الشبكة اليمنية للحقوق والحريات مقتل 29 مدنياً وإصابة 36 آخرين خلال 48 ساعة.

وفي أحدث الهجمات، قُتلت امرأة وأصيب ثلاثة مدنيين، جراء قصف حوثي استهدف أحياء سكنية في مدينة تعز. وقال مصدر حقوقي إن القصف أدى إلى مقتل نادية علي بن علي عبده حسن (40 عاماً) في حي عقاقه، وإصابة ثلاثة آخرين في مناطق المطار القديم وشارع الثلاثين وحي الدمينة، بينهم مصابون بشظايا في الصدر والظهر، نقلوا إلى المستشفى لتلقي العلاج.

وفي تطور يفاقم معاناة السكان، منعت الجماعة الحوثية دخول صهاريج مياه الشرب القادمة من آبار الضباب غرباً إلى المدينة عبر نقاطها العسكرية، وفقاً للسلطة المحلية في تعز، التي عدّت الخطوة تصعيداً يهدد بحرمان مئات الآلاف من السكان من أحد أبسط احتياجاتهم الأساسية.

آلاف النازحين المحاصرين في مدينة تعز يفتقدون الخدمات الأساسية (رويترز)

وطالبت السلطة المحلية الأمم المتحدة ومجلس الأمن والمنظمات الدولية بالضغط لرفع القيود المفروضة على دخول المياه، وفتح الطرق، وضمان تدفق الغذاء والدواء والمساعدات دون عوائق. وقالت إن تعمد حرمان المدنيين من احتياجاتهم الأساسية يمثل عقاباً جماعياً محظوراً بموجب القانون الدولي الإنساني، داعية إلى اتخاذ إجراءات عملية لحماية السكان.

جرائم مستمرة

في تقرير منفصل، قالت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات إنها وثقت 170 جريمة وانتهاكاً حوثياً خلال اليومين الماضيين في تعز وعدن وصنعاء والحديدة والجوف ولحج والضالع وإب وعمران، إضافة إلى إطلاق نحو 432 مقذوفاً بصورة عشوائية.

وبحسب التقرير، أسفرت الانتهاكات عن مقتل 29 مدنياً، بينهم أربع نساء وثلاثة أطفال، وإصابة 36 آخرين، بينهم خمس نساء وأربعة أطفال، فضلاً عن اختطاف 16 شخصاً ومداهمة نحو 61 منزلاً واستهداف 23 منزلاً بالقصف. كما شملت الاعتداءات مرفقين صحيين ومسجدين ومطار عدن الدولي وقصر معاشيق.

آلاف المرضى في مدينة تعز معرضون للخطر بسبب الهجمات الحوثية ونقص الأدوية (رويترز)

ووثقت الشبكة كذلك مقتل مسافرين اثنين وإصابة آخرين جراء انفجار لغم حوثي على طريق اليتمة في محافظة الجوف، بينما أشارت إلى استمرار الحصار المفروض على تعز ومنع دخول المواد الغذائية والسلع الأساسية والوقود والأدوية، بما يحد من وصول السكان إلى العلاج والخدمات ويزيد مخاطر الجوع والمرض، خصوصاً بين الأطفال والمرضى والفئات الأكثر احتياجاً.

وحذرت الشبكة الحقوقية من معلومات تلقتها بشأن الضغط على عقال الحارات في صنعاء لإعداد كشوفات لتسجيل مقاتلين جدد، إلى جانب معلومات عن الدفع نحو تجنيد الأطفال قسراً.

ودعت الشبكة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي إلى إدانة الانتهاكات والتحرك لحماية المدنيين ورفع الحصار وفتح الطرق، وضمان وصول الغذاء والمياه والوقود والأدوية والمساعدات الإنسانية بصورة آمنة ومنتظمة، مطالبة بإعلان تعز مدينة منكوبة وتوسيع الاستجابة الإنسانية بما يتناسب مع حجم الاحتياجات.