كيف سترد إدارة ترمب على الحوثيين هذه المرة؟

توقعات يمنية بعمل عسكري أوسع وعقوبات اقتصادية أشد ودعم القوات على الأرض

زعيم الحوثيين استغل أحداث غزة لتجنيد آلاف اليمنيين (أ.ف.ب)
زعيم الحوثيين استغل أحداث غزة لتجنيد آلاف اليمنيين (أ.ف.ب)
TT

كيف سترد إدارة ترمب على الحوثيين هذه المرة؟

زعيم الحوثيين استغل أحداث غزة لتجنيد آلاف اليمنيين (أ.ف.ب)
زعيم الحوثيين استغل أحداث غزة لتجنيد آلاف اليمنيين (أ.ف.ب)

غداة التهديد الحوثي الأخير بعودة الهجمات الحوثية المزعومة ضد إسرائيل، تصاعدت التساؤلات اليمنية عن الطريقة التي ستتخذها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضد الجماعة المدعومة من إيران.

ويرى سياسيون يمنيون أن الولايات المتحدة سترد بطريقة أشد ردعاً على هجمات الحوثيين، إذا ما نفَّذت الجماعة تهديدها بالعودة إلى قصف السفن في البحر الأحمر وخليج عدن؛ حيث تزعم أنها في موقف الدفاع عن الفلسطينيين في غزة.

ويبدو أن زعيم الجماعة المدعومة من إيران، عبد الملك الحوثي، يسعى لاختبار ردة الإدارة الأميركية الجديدة؛ إذ هدد، مساء الجمعة، بأن جماعته ستعود لمهاجمة السفن بعد 4 أيام، إذا لم تسمح إسرائيل بإدخال المساعدات إلى قطاع غزة، ضمن ما نصّت عليه المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار.

وكانت إسرائيل وحركة «حماس» توصلتا، بوساطة قطرية ومصرية وأميركية، إلى اتفاق لوقف النار وتبادل الأسرى بدأ سريانه مع عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، في 20 يناير (كانون الثاني) الماضي. ومنذ ذلك الحين، توقف الحوثيون عن هجماتهم ضد السفن وباتجاه إسرائيل، مع تهديدهم بالعودة إليها في حال فشل الاتفاق.

وتقول الحكومة اليمنية إن هجمات الحوثيين البحرية، وباتجاه إسرائيل، تأتي تنفيذاً لتوجيهات إيرانية، وإنها لم تساعد الفلسطينيين في شيء، أكثر من استدعائها لعسكرة البحر الأحمر وإتاحة الفرصة لإسرائيل لتدمير البنية التحتية في مناطق سيطرة الجماعة.

مقاتلة أميركية تتزود بالوقود جواً (الجيش الأميركي)

ومع توقُّع أن تكون إدارة ترمب أكثر حزماً من سابقتها في التعاطي مع التهديدات الحوثية، كان قد أعاد تصنيف الجماعة «منظمة إرهابية أجنبية» ضمن أولى قراراته، إذ بدأ سريان القرار قبل أيام بالتوازي مع إدراج 7 من كبار قادة الجماعة على لائحة العقوبات التي تفرضها وزارة الخزانة.

السيناريوهات المتوقعة

مع تهديد زعيم الجماعة الحوثية بالعودة إلى مهاجمة السفن، يتوقع سياسيون يمنيون أن ردة الفعل الأميركية ستكون أقوى. وقد تصل إلى الدعم العسكري للقوات اليمنية على الأرض. وهذا يعني نهاية المسار السياسي الذي تقوده الأمم المتحدة بناء على خريطة الطريق التي كانت توسطت فيها السعودية وعمان في نهاية 2023، وتعذر تنفيذها بسبب التصعيد الحوثي البحري والإقليمي.

ويتوقع البراء شيبان، وهو زميل في المعهد الملكي البريطاني لدراسات الدفاع، أن واشنطن سترد هذه المرة، وقد تكون بوتيرة ضربات أعلى، كما ستشدد الرقابة على كل الأفراد والكيانات الذين لا يزالون يقومون بأي تعاملات مالية أو لوجستية مع الحوثيين، بما في ذلك دخول النفط الذي يُعتبَر أحد أبرز الموارد الذي استخدمته الجماعة خلال الفترة الماضية.

صاروخ باليستي سماه الحوثيون «فلسطين2» واستخدموه لمهاجمة إسرائيل (إعلام حوثي)

وفي حال حدوث ذلك، يرى شيبان أن ذلك قد يدفع الحوثيين إلى التصعيد العسكري، وهو ما سيكون له تبعات على خريطة الطريق والمشاورات الذي كانت قد دشنتها الرياض مع الحوثيين منذ عام 2022.

من جهته، يتوقع المحلل السياسي اليمني محمود الطاهر، رداً أميركياً على أكثر من مسار، ومن ذلك أن يكون هناك رد عسكري جوي وبحري على الأهداف الحوثية، إلى جانب استهداف البنية التحتية للجماعة، مثل الموانئ والمنشآت العسكرية.

ويضيف: «ربما قد نرى المزيد من العقوبات الاقتصادية على الحوثيين، مثل تجميد الأصول وتحديد التجارة، بهدف تقليل قدرتهم على الحصول على الأسلحة والموارد. إلى جانب اللجوء إلى البحث عن شريك عسكري في اليمن، بهدف دعمه عسكرياً وتعزيز قدرته على مواجهة الجماعة».

ويخلص الطاهر في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى القول إن «رد واشنطن سيكون معتمداً على سياق الحادثة ونتائجها، بالإضافة إلى التطورات السياسية والاستراتيجية في المنطقة».

وفي سياق التوقعات نفسها، لا يستبعد الباحث السياسي والأكاديمي اليمني فارس البيل أن يقود أي هجوم حوثي ضد السفن الإدارة الأميركية إلى خلق تحالف جديد يضم إسرائيل لتوجيه ضربات أكثر فاعلية ضد الجماعة وقادتها، وربما بالتزامن مع استهداف القدرات النووية لطهران.

مجسمات لصواريخ ومسيرات وهمية يعرضها الحوثيون في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

ويجزم البيل في حديثه لـ«الشرق الأوسط» بأن أميركا تبدو الآن أكثر تصميماً على توجيه ضربات قوية ضد الحوثي في حال أعاد هجماته.

وفي اتجاه آخر، يرى الباحث السياسي اليمني رماح الجبري في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبحث عن أي قصف إسرائيلي أو غربي لمناطق سيطرتها؛ كون ذلك يحقق لها أهدافاً كثيرة. من بينها التصوير لأتباعها أن أي تحرك عسكري يمني أو حرب اقتصادية ضدها انتقام إسرائيلي، وأن الصف الوطني الذي يقوده مجلس القيادة الرئاسي يخدم مصالح تل أبيب.

ويبدو أن الجماعة (بحسب الجبري) تريد أن تستعجل اختبارها لرد الإدارة الأميركية الجديدة، مستغلةً الظروف الحالية التي تتجاذب تنفيذ بقية خطوات اتفاق الهدنة في غزة بين حركة حماس وإسرائيل، دون أن تكترث للرد الأميركي المتوقَّع؛ كونها لا تأبه لأي أضرار يتعرض لها السكان في مناطق سيطرتها.

وعيد أميركي

في أحدث التصريحات الأميركية بشأن الموقف من الجماعة الحوثية، كانت القائمة المؤقتة بأعمال الممثل الدائم للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، السفيرة دوروثي شيا، توعدت الحوثيين، خلال إيجاز في مجلس الأمن الدولي بشأن اليمن.

وقالت إنه تماشياً مع الأمر التنفيذي الذي أصدره الرئيس ترمب بشأن إعادة إدراج الحوثيين على قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية، تتخذ الولايات المتحدة خطوات ملموسة للقضاء على قدرات الحوثيين.

وأضافت أن بلادها ستتخذ خطوات لوقف الدعم الإيراني لأنشطة الحوثيين الإرهابية، وذلك بموجب المذكرة الرئاسية الخاصة بالأمن القومي التي أصدرها الرئيس ترمب، وأعاد من خلالها فرض القدر الأقصى من الضغط على إيران.

ضربات إسرائيلية أحدثت حرائق ضخمة في الحديدة اليمنية (رويترز)

وتوعدت السفيرة شيا باتخاذ إجراءات ضد الحوثيين، في حال استأنفوا هجماتهم المتهورة في البحر الأحمر والممرات المائية المحيطة وضد إسرائيل.

وقالت إن كل دولة عضو في مجلس الأمن تتحمل مسؤولية الوفاء بالتزاماتها بموجب القرارات الصادرة عن المجلس، بما في ذلك القرارات التي تتعلق بالحظر المفروض على إمداد الحوثيين بالأسلحة والمواد والتدريبات ذات الصلة أو بالمساعدات المالية.

ودعت القائمة المؤقتة بأعمال المندوب الأميركي في الأمم المتحدة إلى التحرك باتجاه تعزيز آلية الأمم المتحدة للتحقق والتفتيش الخاصة باليمن، وحضت الدول الأعضاء على القيام بدورها وزيادة التمويل للتخطيط طويل الأمد الخاص بالآلية وتوظيفها للأفراد وبنيتها التحتية الحيوية والضرورية لتعزيز القدرة على تفتيش جميع الحاويات غير المكشوفة، وبنسبة مائة في المائة.

ووصفت الحوثيين بأنهم يواصلون سعيهم إلى أخذ مضيق باب المندب والتجارة الدولية كرهينة، ولم يبدوا أي رغبة أو قدرة على التمييز بين أهدافهم، وشددت بالقول: «حري بنا ألا نقبل بأي شكل من الأشكال مزاعمهم بشأن أي أساس مشروع لهجماتهم».

الهجمات والضربات السابقة

يُشار إلى أن الجماعة الحوثية تبنَّت مهاجمة أكثر من 211 سفينة في البحرين الأحمر والعربي، منذ 19 نوفمبر (تشرين الثاني) 2023. وأدت الهجمات إلى غرق سفينتين وقرصنة ثالثة واحتجاز طاقمها لأكثر من عام ومقتل 4 بحارة.

وتلقت الجماعة نحو ألف غارة نفذتها واشنطن بمشاركة بريطانيا في بعض المرات للحد من قدراتها، في حين شنت إسرائيل 5 موجات انتقامية جوية على موانئ الحديدة ومطار صنعاء، ومحطات كهرباء، رداً على إطلاق الجماعة نحو 200 صاروخ وطائرة مسيرة باتجاه إسرائيل خلال 14 شهراً.

السفينة البريطانية «روبيمار» الغارقة في البحر الأحمر إثر قصف صاروخي حوثي (أ.ف.ب)

وباستثناء إسرائيلي واحد قُتِل جراء انفجار مسيرة حوثية في شقة بتل أبيب في يونيو (حزيران) الماضي، لم تكن لهذه الهجمات أي تأثير قتالي باستثناء بعض الإصابات، والتسبُّب في الضغط على الدفاعات الجوية الإسرائيلية.

غير أن الضرر الأكبر لهذه الهجمات الحوثية كان على الصعيد الاقتصادي مع تجنُّب كبرى شركات الملاحة المرور عبر باب المندب وسلوكها مساراً أطول عبر طريق الرجاء الصالح، وهو ما أدى إلى تراجع حركة السفن في البحر الأحمر إلى أكثر من 50 في المائة، وأصبحت مصر أكبر الخاسرين لفقدها نحو 7 مليارات دولار من عائدات قنوات السويس.

ومع عدم نجاح هذه الضربات الغربية والإسرائيلية في الحد من قدرات الجماعة الحوثية على شن الهجمات، كان الموقف الرسمي لمجلس القيادة الرئاسي اليمني والحكومة التابعة له معارضة هذه الضربات، لجهة أنها غير فاعلة في إنهاء التهديد الحوثي، وأن البديل الأنجع دعم القوات اليمنية الشرعية لاستعادة الحديدة وموانئها ومؤسسات الدولة المختطفة، باعتبار ذلك هو الحل العملي.


مقالات ذات صلة

الداخلية اليمنية تطيح بخلية تخريبية في مأرب

الخليج القيادات الأمنية في وزارة الداخلية اليمنية خلال اجتماعهم (الشرق الأوسط)

الداخلية اليمنية تطيح بخلية تخريبية في مأرب

أطاحت وزارة الداخلية اليمنية بعناصر متهمة بالتخطيط لأعمال تخريبية في مأرب، بحسب مسؤول أمني رفيع أكد لـ«الشرق الأوسط» إصابة مساعد القائد والقبض على زعيم الخلية.

سعيد الأبيض (جدة)
العالم العربي صاروخ أطلقه الحوثيون باتجاه ميناء المخا اليمني في وقت سابق (أ.ف.ب)

الحوثيون يقصفون باب المندب بـ5 صواريخ باليستية

أطلق الحوثيون المدعومون من إيران 5 صواريخ باليستية باتجاه باب المندب في جنوب البحر الأحمر، بعد أن أدت هجماتهم الماضية إلى تدمير شبه كلي لميناء المخا.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي الجماعة الحوثية تخصص أغلب الموارد للتعبئة والتجنيد (أ.ف.ب)

إنفاق حوثي مكثف على التجنيد والتعبئة والفعاليات الطائفية

ينفق الحوثيون أموالاً متزايدة على تجنيد المراهقين والفعاليات الطائفية، بينما يواصلون حرمان عشرات الآلاف من الموظفين اليمنيين من رواتبهم للعام العاشر على التوالي

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي الحوثيون يواصلون توجيه الموارد العامة إلى المجهود الحربي (إعلام محلي)

التصعيد الحوثي يفاقم أعباء المعيشة على اليمنيين

تجدد التصعيد الحوثي يفاقم الضغوط المعيشية على أهالي صنعاء ومناطق سيطرة الجماعة مع ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل وتقليص المساعدات، وسط مخاوف من اتساع الاحتياجات.

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي خلال استقباله نظيرته اليمنية الدكتورة أفراح الزوبة في الرياض (واس)

السعودية تؤكد موقفها الثابت في دعم أمن اليمن واستقراره

جدد الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، الأحد، التأكيد على موقف المملكة الثابت في دعم أمن واستقرار اليمن، خلال استقباله وزيرة خارجية اليمن أفراح الزوبة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

هل نجحت مباحثات كوشنر بالقاهرة في حلحلة «اتفاق غزة» المعطل؟

فتاة تحاول ركوب دراجة نارية بالقرب من مبنى متضرر بشدة في مخيم النصيرات للاجئين الفلسطينيين وسط القطاع (أ.ف.ب)
فتاة تحاول ركوب دراجة نارية بالقرب من مبنى متضرر بشدة في مخيم النصيرات للاجئين الفلسطينيين وسط القطاع (أ.ف.ب)
TT

هل نجحت مباحثات كوشنر بالقاهرة في حلحلة «اتفاق غزة» المعطل؟

فتاة تحاول ركوب دراجة نارية بالقرب من مبنى متضرر بشدة في مخيم النصيرات للاجئين الفلسطينيين وسط القطاع (أ.ف.ب)
فتاة تحاول ركوب دراجة نارية بالقرب من مبنى متضرر بشدة في مخيم النصيرات للاجئين الفلسطينيين وسط القطاع (أ.ف.ب)

حراك أميركي جديد يقوده جاريد كوشنر، المبعوث الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترمب، بحثاً عن تنفيذ خريطة الطريق التي تم التوصل لها لتنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق غزة نهاية يوليو (تموز) الماضي وسط تعنت إسرائيلي.

ذلك الحراك الذي بدأ من مصر ثم إسرائيل، وتخلله طلب ترمب من تل أبيب وقف هجماتها على غزة، يشى بحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» بأن جهود الوسطاء نجحت في حلحلة الأزمة، والدفع بها إلى الأمام، لكنهم أشاروا أيضاً إلى أن قدرة كوشنر على انتزاع التزامات إسرائيلية يمكن أن تقابلها التزامات فلسطينية واضحة من حركة «حماس» سيكون المحدد الرئيسي لمدى قدرته على فك جمود «الاتفاق» المعطل.

تواصل الاجتماعات

وخلال اجتماع بتل أبيب، ضغط كوشنر على نتنياهو للمضي قدماً في خطة وقف إطلاق النار في غزة، وطالب بـ«عدم وضع عقبات» أمامها، وفق مصدر إسرائيلي مطلع على المناقشات تحدث لشبكة «سي إن إن» الأميركية.

بينما اعتبر رئيس الوزراء الإسرائيلي أن إحراز تقدم بشأنها «إشكالي» في ظل الانتخابات الإسرائيلية المقرر إجراؤها نهاية أكتوبر (تشرين الأول)، وطالب باتخاذ «حماس» خطوات أولاً.

وقال مصدر سياسي إسرائيلي، في تعميم على وسائل الإعلام الإسرائيلية: «دولة إسرائيل الرسمية لا تعتقد أن (حماس) ستنزع سلاحها، بينما يقول الأميركيون إنهم يعتقدون أن ذلك ممكن».

لقاء العلمين

وجاء اللقاء غداة لقاء كوشنر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بمدينة العلمين، وفي الاجتماع تم التشديد على ضرورة قيام جميع الأطراف بتنفيذ التزاماتها بموجب اتفاق وقف الحرب في قطاع غزة، الذي تم التوصل إليه خلال قمة شرم الشيخ للسلام في أكتوبر (تشرين الأول) 2025»، وفقاً لبيان أصدرته الرئاسة المصرية.

تضييق الفجوات

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية مساعد وزير الخارجية الأسبق السفير محمد حجازي، أن لقاءات كوشنر بين مصر وإسرائيل تعكس محاولة أميركية واضحة لتضييق المسافات بين مواقف الأطراف، ونقل التفاهمات من غرفة المفاوضات إلى دائرة القرارات السياسية.

ويعتقد حجازي أن القاهرة نجحت إلى حد ما في تضييق فجوات الخلاف، وكان الاتصال الأميركي المباشر بـ«حماس» يمثل أحد عناصر هذا النجاح، خصوصاً أن واشنطن تسعى إلى اختبار الموقف الحقيقي للحركة من القضايا الأكثر حساسية، وفي مقدمتها مستقبل السلاح، وترتيبات إدارة قطاع غزة، وطبيعة المرحلة الانتقالية.

ويرى حجازي أن زيارة كوشنر لإسرائيل ليست مجرد زيارة للاستماع إلى الموقف الإسرائيلي، وإنما تبدو أقرب إلى محاولة لنقل ما تم التوصل إليه في القاهرة، واختبار مدى استعداد الحكومة الإسرائيلية للانتقال إلى المرحلة التنفيذية، مؤكداً أن نجاح زيارته إلى إسرائيل لن يقاس فقط بما سيصدر عنها من تصريحات، وإنما بمدى قدرته على انتزاع التزامات إسرائيلية يمكن أن تقابلها التزامات فلسطينية واضحة من حركة «حماس».

نساء فلسطينيات يبكين أقارب لهن قتلوا في غارة جوية إسرائيلية في أثناء جنازتهم في مستشفى ناصر بخان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

وأكد المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، أن وجود كوشنر في مفاوضات مباشرة مع «حماس» في ظل وجود الوسطاء مصر وتركيا وقطر يعزز فرضية الإصرار على إنجاح خطة ترمب للسلام، مشيراً إلى أن الخلاف قد يتراجع بعد زيارة كوشنر لتل أبيب، رغم عدم جدية إسرائيل في الانسحاب على أساس أن ذلك سيؤدي لخسارة نتنياهو في الانتخابات المقبلة في أكتوبر المقبل.

عقبة الانتخابات

وسط ذلك، قال ترمب في حديث لقناة «فوكس نيوز»، الاثنين: «أطالب إسرائيل بوقف هجماتها على غزة»، في ظل عمليات واستهدافات لم تستجب لتفاهمات القاهرة في نهاية يوليو (تموز) بشأن اتفاق غزة.

وسبق أن شهدت القاهرة تفاهمات بشأن استكمال اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بحضور حركة «حماس»، وأعلن «مجلس السلام»، في يوليو الماضي، التوصل إلى «خريطة طريق مفصلة» لتنفيذ المراحل التالية من وقف إطلاق النار، وقال إن «حماس» وافقت عليها، قبل أن يعلن نتنياهو في 9 أغسطس (آب) رفضه لهذه التفاهمات، مشترطاً نزع سلاح «حماس» قبل أي انسحاب إسرائيلي.

ولا يملك كوشنر إلا تنفيذ رؤية ترمب، بحسب اعتقاد نزار نزال، مشدداً على أنه سيكون هناك توافق إسرائيلي أميركي بشأن المضي في خطة ترمب على أن تزداد الضغوط على حركة «حماس» بصورة أكبر لجبرها على التعجيل بتنفيذ تسليم السلاح، مع تعهد محتمل بتنفيذ الانسحابات بعد الانتخابات الإسرائيلية وهو ما سيطيل أمد التنفيذ، ويؤخره قليلاً.

ويعتقد نزال أن مصر والوسطاء سيواصلون تعزيز الاتصالات مع الطرف الأميركي لإجبار إسرائيل على وقف الهجمات بشكل دائم على غزة، والمضي في تنفيذ اتفاق غزة ولو بضخ مزيد من المساعدات لتهدئة الأوضاع، وتحقيق نتائج إيجابية حتى لو تأخر الأمر لما بعد الانتخابات.

وفي ظل ذلك، يرى حجازي أن تحول التحركات الحالية من مجرد إدارة للأزمة إلى اختراق فعلي يمهد لإنهاء الحرب وبدء مرحلة جديدة في غزة يعد نجاحاً للجهود، مستدركاً: «أما إذا بقيت المفاوضات أسيرة لمنطق من يبدأ أولاً، بحيث تطالب إسرائيل بنزع سلاح (حماس) قبل تقديم ضمانات الانسحاب، وتطالب (حماس) بضمانات الانسحاب قبل اتخاذ خطوات جوهرية بشأن السلاح، فإن الاتفاق سيظل يدور في الحلقة نفسها، محكوماً بغياب الثقة والحسابات السياسية الداخلية الإسرائيلية مع قرب الانتخابات ومخاوف (حماس) من فقدان أوراق القوة، وغياب آلية تنفيذ ملزمة».


الحوثيون يقصفون باب المندب بـ5 صواريخ باليستية

صاروخ أطلقه الحوثيون باتجاه ميناء المخا اليمني في وقت سابق (أ.ف.ب)
صاروخ أطلقه الحوثيون باتجاه ميناء المخا اليمني في وقت سابق (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يقصفون باب المندب بـ5 صواريخ باليستية

صاروخ أطلقه الحوثيون باتجاه ميناء المخا اليمني في وقت سابق (أ.ف.ب)
صاروخ أطلقه الحوثيون باتجاه ميناء المخا اليمني في وقت سابق (أ.ف.ب)

ضمن التصعيد البحري والبري المستمر منذ نحو أسبوعين أطلقت الجماعة الحوثية المدعومة من إيران، الاثنين، 5 صواريخ باليستية باتجاه باب المندب في جنوب البحر الأحمر، بعد أن أدت هجماتها الماضية إلى تدمير شبه كلي لميناء المخا وخروجه عن الخدمة، فضلاً عن الخسائر البشرية التي امتدت من الساحل الغربي إلى محافظات مأرب وحضرموت وشبوة.

وأفاد الإعلام العسكري التابع لقوات المقاومة الوطنية الحكومية المرابطة في الساحل الغربي بأن الجماعة الحوثية أطلقت صاروخين باليستيين من محيط معسكر الحمزة في محافظة إب، و3 صواريخ من منطقة الحوبان شرق مدينة تعز، واتجهت جميعها نحو منطقة باب المندب.

وجاء ذلك غداة استهداف الحوثيين مدينة المخا بمحافظة تعز بصاروخين و6 طائرات مسيّرة على دفعات متفرقة، في وقت واصلت فيه القوات الحكومية التعامل مع التحركات الحوثية على جبهات عدة.

وكانت القوات المسلحة اليمنية قد أعلنت، الأحد، تنفيذ 181 عملية عسكرية خلال 24 ساعة ضد مواقع وأهداف ومصادر تهديد تابعة للحوثيين، في واحدة من أوسع موجات العمليات التي تشهدها الجبهات اليمنية خلال الفترة الأخيرة.

وقال المتحدث الرسمي للقوات المسلحة، العقيد الركن ماجد عبد الله النزيلي، إن العمليات نُفذت باستخدام الطيران المسيّر والمدفعية والراجمات، واستهدفت مواقع عسكرية ومصادر نيران وقدرات تستخدمها الجماعة في تنفيذ هجماتها على امتداد خطوط التماس.

وبحسب البيان العسكري، أسفرت العمليات عن مقتل وإصابة عشرات الحوثيين، وتدمير عشرات المعدات والآليات، إضافة إلى تدمير مخازن أسلحة ووسائل عسكرية.

مطالبة بحماية دولية

في غضون ذلك، نفذ عشرات البحارة اليمنيين في مدينة المخا وقفة احتجاجية، الاثنين، للتنديد بالهجمات الحوثية الأخيرة التي طالت الميناء، وتهدد حركة الملاحة في البحر الأحمر، مطالبين المجتمع الدولي بالتدخل العاجل لوقف التهديدات التي قالوا إنها مدعومة من إيران.

وشدد المحتجون على ضرورة توفير حماية فاعلة للممرات المائية، والحفاظ على أرواح العاملين في القطاع البحري والصيادين، في ظل تكرار الهجمات الحوثية على السفن والمنشآت الساحلية.

وكان ميناء المخا قد تعرض خلال الأيام الماضية لهجمات واسعة بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، أدت إلى سقوط قتلى وجرحى وإلحاق أضرار كبيرة بالبنية التحتية للمرفق الحيوي.

بحارة أجانب ويمنيون يحتجون على هجمات الحوثيين على السفن في مضيق باب المندب والبحر الأحمر (أ.ب)

وبحسب مدير الميناء، عبد الملك الشرعبي، أدى القصف إلى مقتل أربعة من أفراد أمن المنشآت وثلاثة من موظفي الميناء، مشيراً إلى أن الجماعة استهدفت المرفق بأكثر من 25 صاروخاً، ما ألحق أضراراً واسعة بالبنية التحتية والمعدات التشغيلية.

كما تضررت 6 سفن خشبية وحفار كان يعمل ضمن مشروع توسعة الميناء، إلى جانب أضرار بالغة لحقت برصيف الميناء والمنشآت الحيوية التابعة له.

وحذر مدير الميناء من التداعيات الإنسانية والاقتصادية الناجمة عن توقف الحركة الملاحية، مشيراً إلى أن نحو 1300 عامل فقدوا أعمالهم ومصادر دخلهم نتيجة تعطيل النشاط التجاري.

ويأتي ذلك فيما تحولت المخا، خلال الأيام الأخيرة، إلى أحد أبرز محاور التصعيد الحوثي على الساحل الغربي، بالتزامن مع استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.

جبهات تعز تحت الضغط

في محافظة تعز (جنوبي غرب) أعلنت القوات الحكومية في الساعات الماضية التصدي لتجمعات وتحشيدات حوثية في الجبهة الشمالية للمدينة، بالتزامن مع قصف الجماعة قرى في مديرية مقبنة واستهداف مدينة المخا.

ونقل الإعلام الرسمي عن مصدر عسكري قوله إن القوات الحكومية تعاملت مع تجمعات وتحشيدات حوثية في الجبهة الشمالية، ما أدى، وفق المصدر، إلى سقوط قتلى وجرحى في صفوف الجماعة، مؤكداً استمرار رصد تحركاتها والتعامل معها.

وفي مديرية مقبنة (شمال غربي تعز) قصفت الجماعة قرى العشملة وحمير والكويحة ومناطق أخرى بـ11 قذيفة مدفعية وهاون، ما تسبب في أضرار مادية من دون تسجيل ضحايا، وفق مصادر عسكرية.

أضرار واسعة لحقت بميناء المخا اليمني جراء الاعتداءات الحوثية الصاروخية (أ.ف.ب)

وردت مدفعية وراجمات صواريخ المقاومة الوطنية بقصف مواقع حوثية، في إطار الرد على الهجمات المستمرة التي تشنها الجماعة على القوات والمناطق المدنية.

ويأتي هذا التصعيد في تعز والساحل الغربي في وقت تشهد فيه خطوط التماس اليمنية نشاطاً عسكرياً متزايداً، مع محاولة الحوثيين تكثيف الضغط على مواقع القوات الحكومية، وفتح مسارات متزامنة للقصف الصاروخي والطائرات المسيّرة.

ضحايا مدنيون

في موازاة التصعيد الميداني، أعلنت الشبكة اليمنية لروابط الضحايا توثيق مقتل وإصابة 18 مدنياً خلال الفترة من 4 إلى 15 أغسطس (آب)، جراء هجمات بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة في محافظات مأرب وتعز والحديدة والضالع.

وقالت الشبكة، خلال مؤتمر صحافي في مأرب بعنوان «المدنيون في مرمى التصعيد»، إن الهجمات الحوثية طالت مناطق سكنية ومنشآت مدنية ومخيمات للنازحين.

رجل مصاب يتلقى العلاج في مستشفى عقب هجوم حوثي استهدف ميناء المخا اليمني (أ.ب)

وأوضحت الشبكة الحقوقية أن قصف مخيم «جو النسيم» للنازحين في مأرب في 7 أغسطس الحالي أدى إلى مقتل مدنيين اثنين وإصابة 14 آخرين، بينهم نساء وأطفال، إضافة إلى أضرار لحقت بمساكن النازحين وشبكات المياه والصرف الصحي وممتلكات خاصة.

كما وثقت الشبكة، في 9 أغسطس، استهداف مدينة وميناء المخا ومدينة الخوخة ومحيط المستشفى السعودي الميداني في الساحل الغربي بالعشرات من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة؛ ما أدى إلى سقوط ضحايا مدنيين، بينهم أطفال.

وفي محافظة تعز، قالت الشبكة إن القصف الحوثي طال مديريات التعزية وصبر الموادم ومقبنة، حيث أصيبت امرأتان وطفلان، أحدهما رضيع، في 8 أغسطس، بينما أدى استهداف آخر في 10 أغسطس إلى مقتل طفلة وإصابة طفل في مديرية صبر الموادم.

كما وثقت استهداف سفينة تجارية في المياه الدولية بمضيق باب المندب في 11 أغسطس، قالت إنه أدى إلى مقتل ثلاثة من أفراد الطاقم، وإصابة آخرين خلال عمليات الإنقاذ.

صاروخ حوثي سقط بجوار مأوى إحدى الأسر النازحة في مأرب (أ.ف.ب)

وفي 15 أغسطس، استهدفت الجماعة حي الشركة السكني في مدينة مأرب بصواريخ باليستية؛ ما أدى إلى سقوط ضحايا مدنيين وتدمير وإلحاق أضرار بعدد من المنازل والممتلكات الخاصة.

ورأت الشبكة أن الهجمات تمثل نمطاً متكرراً من استهداف المدنيين والأعيان المدنية، وطالبت الأمم المتحدة ومجلس الأمن والمجتمع الدولي باتخاذ خطوات لحماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين عنها، إلى جانب إجراء تحقيق دولي مستقل في الانتهاكات المرتبطة باستخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة.


إنفاق حوثي مكثف على التجنيد والتعبئة والفعاليات الطائفية

الجماعة الحوثية تخصص أغلب الموارد للتعبئة والتجنيد (أ.ف.ب)
الجماعة الحوثية تخصص أغلب الموارد للتعبئة والتجنيد (أ.ف.ب)
TT

إنفاق حوثي مكثف على التجنيد والتعبئة والفعاليات الطائفية

الجماعة الحوثية تخصص أغلب الموارد للتعبئة والتجنيد (أ.ف.ب)
الجماعة الحوثية تخصص أغلب الموارد للتعبئة والتجنيد (أ.ف.ب)

كشفت مصادر يمنية مطلعة عن زيادة كبيرة في الإنفاق الحوثي على عمليات التجنيد، والتعبئة، والفعاليات ذات الطابع الطائفي، بالتزامن مع استمرار الجماعة في حرمان عشرات الآلاف من موظفي الدولة في مناطق سيطرتها من رواتبهم للعام العاشر على التوالي.

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن الإنفاق على استقطاب المراهقين من المدارس والعاطلين من العمل في البلدات والأرياف تضاعف، وفق تقديراتها، نحو ثلاث مرات مقارنة بما كان عليه خلال الأعوام الثلاثة الماضية، في وقت تحاول فيه الجماعة تقديم صرف نصف راتب لفئات محددة من موظفي الدولة باعتباره إجراءً استثنائياً بمناسبة إحياء ذكرى المولد النبوي.

الحوثيون ينفقون على الفعاليات التعبوية والطائفية ويتجاهلون الخدمات (إعلام محلي)

وترى المصادر أن هذا التفاوت في الإنفاق يعكس أولوية متزايدة لدى الجماعة لتمويل النشاط التعبوي، والعسكري، في مقابل إبقاء ملف رواتب الموظفين أداة للضغط الاجتماعي، وإدارة السكان في مناطق سيطرتها.

وتحوّل الجماعة ذكرى المولد النبوي إلى مناسبة سياسية وتعبوية واسعة، عبر إقامة فعاليات في المدن، والبلدات، والأرياف، وحشد السكان والطلاب والموظفين للمشاركة فيها، بالتوازي مع خطاب يروّج لأفكارها المتعلقة بأحقيتها السياسية والسلالية في الحكم.

تجنيد القاصرين

في محافظة الحديدة (غرب) أفادت مصادر محلية بأن الجماعة دفعت خلال الأيام الماضية بمئات المجندين، غالبيتهم من القاصرين، إلى أطراف مديرية الجراحي، حيث جرى نقلهم على متن عربات دفع رباعي خلال ساعات الليل، قبل توزيعهم على مواقع في مناطق التماس مع القوات الحكومية.

وقالت المصادر إن عشرات العربات شوهدت وهي تنقل مجندين شباناً من أرياف المديرية إلى منطقتي الجربة، والمعامرة، فيما تلقى آخرون أوامر بالتمركز في مواقع على امتداد الطريق المؤدي من جسر نخلة إلى منطقة القهرة.

الحوثيون مستمرون في تجنيد طلاب المدارس وإلحاقهم بالجبهات (إعلام محلي)

كما دفعت الجماعة بعشرات المجندين إلى عزلة المعاصلة، جنوب الجراحي، في وقت تعرضت فيه مواقع حوثية هناك لاستهداف من القوات الحكومية، ما أدى، وفق المصادر، إلى سقوط قتلى في صفوف الجماعة.

وبحسب المصادر نفسها، أرسلت الجماعة الحوثية مجموعة أخرى من المجندين الذين جرى استقطابهم قسراً إلى محيط مناطق البغيل، والعبادية العليا، والسفلى، والجلادة، شرق الجراحي، وحولتها إلى منطقة عسكرية مغلقة.

وأشارت إلى أن الحوثيين نشروا مواقع وثكنات عسكرية في مناطق مختلفة من المديرية، وسيروا دوريات مسلحة على مدار الساعة، في إجراءات قالت المصادر إنها تهدف، من بين أمور أخرى، إلى منع المجندين الجدد من الفرار، ومنع دخول أشخاص من خارج المنطقة.

ويأتي ذلك في سياق أوسع من عمليات التجنيد التي تستهدف طلاب المدارس، والشبان العاطلين من العمل، إذ تعتمد الجماعة على الأنشطة التعبوية، والفعاليات الدينية، والمساعدات المحدودة، ووعود مالية لاستقطاب مزيد من العناصر، قبل دفع بعضهم إلى مناطق التماس.

موارد متزايدة للتعبئة

بالتوازي مع تصعيد عمليات التجنيد، قالت المصادر إن الجماعة الحوثية حصلت على دعم مالي من إيران، إلى جانب استمرارها في الحصول على إيرادات مرتبطة ببيع شحنات من النفط والغاز الإيراني التي تصل إليها، وفق المصادر، عبر مسارات بحرية تمر ببحر العرب، وسواحل القرن الأفريقي، والمحيط الهندي، بعيداً عن الموانئ الإيرانية الخاضعة للعقوبات، والرقابة الأميركية.

وأضافت أن الحوثيين رفعوا، بالتزامن مع ذلك، الرسوم الجمركية في المنافذ التي استحدثوها على خطوط التماس مع مناطق سيطرة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، في محاولة لدفع التجار إلى تحويل بضائعهم عبر الموانئ والمنافذ الخاضعة للجماعة.

وبحسب المصادر، تستهدف هذه الإجراءات الحفاظ على الإيرادات الجمركية التي يمكن أن تخسرها الجماعة عندما تدخل الواردات عبر الموانئ والمنافذ البرية والبحرية التابعة للحكومة.

الحوثيون يجبرون السكان والباعة والمتسوقين على المشاركة في التعبئة (إعلام محلي)

ويشير هذا المسار إلى اعتماد الجماعة على شبكة واسعة من الجبايات والرسوم والإيرادات غير الرسمية لتمويل مؤسساتها، وأنشطتها، في الوقت الذي تتراجع فيه الخدمات العامة، وتتفاقم الأوضاع المعيشية في مناطق سيطرتها.

«إدارة الفقر» بدل الرواتب

في المقابل، أكدت المصادر أن الجماعة الحوثية أسقطت أسماء آلاف الموظفين اليمنيين من قوائم الرواتب في قطاعي التربية، والداخلية، لإحلال عناصر موالية لها مكانهم ضمن ما يعرف بنظام «البصمة»، وقالت إنها تستعد لإدراج عشرات الآلاف من مجنديها والمصابين في المعارك ضمن عملية إحلال مماثلة في وزارة الداخلية.

وأثارت هذه الإجراءات انتقادات من ناشطين يمنيين، حيث اتهموا حكومة الحوثيين غير المعترف بها ووزير ماليتها، عبد الجبار الجرموزي، بتحويل ملف الرواتب إلى وسيلة لـ«إدارة الفقر»، ونفوا أن يكون استمرار تأخير صرف الرواتب ناجماً فقط عن عجز مالي.

اتهامات لحكومة الحوثيين بإدارة الفقر لضمان استمرار السيطرة على السكان (إعلام محلي)

وقال ناشطون إن اعتماد صرف نصف راتب على فترات متباعدة يحوّل الراتب من حق ثابت للموظف إلى منحة استثنائية مرتبطة بقرارات الجماعة، محذرين من أن يتطور الأمر إلى صرف نصف راتب كل شهرين، أو ربع راتب كل ثلاثة أشهر، وصولاً إلى فقدان الموظف راتبه بصورة شبه كاملة.

وبحسب هؤلاء، أصبح الموظف الحكومي الحلقة الأضعف في مناطق سيطرة الحوثيين، إذ لا يمتلك سلاحاً، أو نفوذاً، أو أدوات ضغط، في حين تتعامل الجماعة مع راتبه باعتباره أولوية متأخرة مقارنة بالإنفاق على أنشطتها العسكرية، والتعبوية.

ويقول الموظفون إنهم لا يطالبون بصدقة، وإنما بحقوق مالية مقابل سنوات من العمل، في وقت تواجه فيه أسرهم ارتفاع الأسعار، وتدهور الخدمات، وانقطاع الكهرباء، وتراجع قدرتها على تأمين الاحتياجات الأساسية.

كما انتقد ناشطون التناقض بين الخطاب الديني الذي تتبناه الجماعة الحوثية وممارساتها تجاه الموظفين، والسكان، معتبرين أن استخدام الشعارات الدينية في الفعاليات لا ينسجم مع استمرار حرمان الموظفين من حقوقهم المالية.