ليبيا في انتظار المجهول

بين الانتخابات أو التلويح بالحرب

ليبيا في انتظار المجهول
TT

ليبيا في انتظار المجهول

ليبيا في انتظار المجهول

«جميع من تحاورت معهم أكدوا التزامهم بإجراء الانتخابات في موعدها، لكن أخشى أن العديد منهم ليسوا مستعدين للمضي قُدماً في ترجمة أقوالهم إلى أفعال»، بهذه الكلمات دق المبعوث الأممي إلى ليبيا يان كوبيش، ناقوس الخطر بشأن الوضع في ليبيا، خلال جلسة وزارية بمجلس الأمن، قبل أسبوع تقريباً، مشيرا إلى عمق الأزمة الليبية. فجميع الاتفاقات التي علق الليبيون والعالم عليها آمالهم في وضع حد لحالة الفوضى والصراع التي تشهدها البلاد منذ عقد من الزمان، تواجه عقبات وتحديات التنفيذ، مما ينذر بعودة البلاد إلى المربع صفر، ويدفع ليبيا إلى مستقبل مجهول، يهيمن عليه شبح الحرب.
والجدير بالذكر، أن العالم علّق آمالاً كبيرة بشأن عودة الاستقرار في ليبيا في أعقاب توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2020، تبعه تشكيل حكومة وحدة وطنية في مارس (آذار) الماضي، ومن ثم كان من المفترض أن تكون ليبيا قد خطت أولى خطواتها نحو الاستقرار السياسي.
تقول كلوديا جازيني، كبير محللي الشأن الليبي في «مجموعة الأزمات» الدولية، في تقرير أصدرته «المجموعة» بعنوان «ليبيا تقلب الصفحة»، إنه «بعد 6 سنوات خاضت خلالها حكومتان متنافستان حرباً متقطعة، بات لدى ليبيا اليوم سلطة تنفيذية موحّدة. إذ في 10 مارس (آذار) الماضي، أقرّ البرلمان حكومة وحدة وطنية يرأسها رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة، تسلّمت مهامها في طرابلس، وهو ما يعد إنجازاً تاريخياً، كونه يحضر الأرضية لإعادة توحيد المؤسسات السياسية والعسكرية التي كانت منقسمة حتى الآن، وخاضت معارك ضد بعضها بعضاً منذ عام 2014».
وتشير جازيني في حلقة نقاشية نظمتها «المجموعة» في بداية يونيو (حزيران) الماضي لعرض التقرير، إلى أن «عام 2020 انتهى مخلفاً دولة مقسّمة، بعد ست سنوات من الصراع بين قوات قائد (الجيش الوطني) خليفة حفتر، المدعومة من الاتحاد الأوروبي ومصر وروسيا، وبين الحكومة الليبية المدعومة من تركيا بقيادة فايز السراج. واستطاعت الجهود الدولية، من ثم، تحريك صراع مجمّد كان يمكن أن يستمر لسنوات، ووضعت حدا له، ولقد ساعد تغيير الإدارة الأميركية على تحريك الأمور».
لكن هذا الأمل لم يستمر طويلا، فالطريق نحو إتمام العملية السياسية ليس مفروشاً بالورود، وهو ما عكسته جلسة مجلس الأمن في منتصف يوليو (تموز) الجاري، التي كانت فرصة لتحريك المياه الراكدة في العملية السياسية الليبية، ومحاولة لاستعادة الأمل في تحقيق استقرار سياسي في البلاد. وفعلاً «عكس البيان الختامي للاجتماع تنامي التهديدات الأمنية على الساحة الليبية، وأهمها: استمرار الانقسام العسكري، وتواصل توريد الأسلحة للبلاد عبر دول الجوار، إضافة إلى تدفق الجماعات المسلحة، وتزايد خطر التنظيمات الإرهابية.
كذلك كشف البيان عن أن الليبيين لم يُحرزوا أي تقدم فيما يتعلق باستحقاقات العملية السياسية، التي تواجه عراقيل في ثلاثة ملفات مهمة هي: المصالحة الوطنية، والقاعدة الدستورية وقانون الانتخابات، والموازنة المالية والأموال المجمدة»، بحسب الدكتور أحمد عليبة، الباحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، في مقال نشره على موقع المركز في 17 يوليو الجاري بعنوان «العد التنازلي للمرحلة الانتقالية: عراقيل سياسية ومهددات أمنية في ليبيا».
- القاعدة الدستورية
يُعد إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في موعدها المقرُر يوم 24 ديسمبر (كانون الأول) المقبل، التحدي الأهم الذي يواجه حكومة الدبيبة. ورغم تأكيد الجميع أن موعد الانتخابات غير قابل للتأجيل، بما في ذلك بيان مجلس الأمن الأخير، فإنه لم تُتخذ حتى الآن خطوات واضحة لإتمام هذه الانتخابات، إذ ما زال ثمة خلاف حول: «هل يجرى الاستفتاء على مسودة الدستور التي أقرتها الهيئة التأسيسية عام 2017 أولا، أم توضع قاعدة دستورية تنظم بموجبها الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة، وبعد ذلك ينظم الاستفتاء على الدستور؟».
هذا الوضع يضع البلاد أمام «سيناريوهين»، وفقا لدورية «كرّاسات استراتيجية» الصادرة عن مركز الأهرام في 18 يوليو الجاري. السيناريو الأول يتحدث عن إمكانية توافق أطراف اللعبة السياسية الليبية على عرض الدستور على الاستفتاء الشعبي، قبل الانتخابات. والسيناريو الثاني يتحدث عن الاتفاق على القاعدة الدستورية للانتخابات البرلمانية والرئاسية التي اقترحتها اللجنة القانونية المنبثقة عن «ملتقى الحوار السياسي الليبي» خلال اجتماعها في تونس خلال أبريل (نيسان) 2021 ويصار إلى تأجيل الاستفتاء على الدستور إلى ما بعد تشكيل السلطة التشريعية الجديدة المنتخبة.
«لا توجد إجابة صحيحة وأخرى خاطئة في هذا الجدل، فلكل حل مزايا وعيوب» وفقا لجازيني التي توضح أن «الاستفتاء على مسودة يمكن أن يساعد في تسوية النزاعات المستمرة منذ عدة سنوات بشأن الإطار الدستوري للحوكمة، لكنه قد يؤجل الانتخابات وتشكيل حكومة جديدة. أما خيار القاعدة الدستورية، فإنه يوفّر وقتاً، لكن المشكلة تكمُن في انقسام الليبيين حول نوعية النظام السياسي الذي يريدونه... أهو رئاسي أم برلماني، وما إذا كانت مسودة الدستور تنص على النظام الرئاسي».
وتؤكد جازيني على «ضرورة أن تعمل حكومة الدبيبة والمجلس الرئاسي على التوصل لاتفاق حول هذه النقطة باعتبارها واحدة من العقبات التي تواجه تحقيق الاستقرار في البلاد». وتشير إلى أن «الدبيبة الذي يدعم إجراء الانتخابات في موعدها علنا، يقول في الجلسات الخاصة إنه يريد البقاء في السلطة لسنتين. كذلك يعبّر معظم البرلمانيين عن دعمهم للانتخابات، لكنهم في مجالسهم الخاصة يبدون رغبتهم بتأجيلها، لأن ذلك يسمح لهم بالتمسك بمناصبهم، وهو ما ينذر بأزمة سياسية». وهنا لا ترجح جازيني «التوصل إلى توافق بالنظر إلى مدى الانقسام الذي لا يزال يثيره ترتيب العمليات الدستورية والانتخابية».
وحقاً، يرى مراقبون أن الجدل بشأن الدستور أولاً أم القاعدة الدستورية، مرتبط بتحقيق مصالح سياسية أو رغبة في البقاء في السلطة، وصياغة قواعد تدعم مرشح بعينه في الانتخابات الرئاسية. ويقول عليبة إن «تعارض المصالح هو السبب الجوهري في تعقد المشهد الراهن. فالأطراف المعنية بصياغة قواعد العملية السياسية، عبر البرلمان أو المجلس الأعلى للدولة، أو المشاركين في منحها صك المشروعية عبر الملتقى السياسي، هم أنفسهم مرشحون أو ممثلون للقوى التي ستترشح في الانتخابات المقبلة، وبالتالي يسعى كل طرف إلى هندسة المُخرجات لصالحه».
ومع أن جميع الأطراف الليبية تحث على تجاوز حالة الانسداد السياسي، يستحيل استبعاد دور القوى الدولية في عرقلة المشهد، حيث نرى سباقاً بين كل الأطراف الدولية المنخرطة في ليبيا على «هندسة» المشهد المستقبلي بما يخدم مصالحها، بحسب عليبة، الذي يوضح أن «موسكو متحمّسة لترشيح سيف الإسلام القذافي، في حال تمكنت من رفع القيود عنه، بينما سيكون خيارها المفضل المشير خليفة حفتر إذا ما ترشح للرئاسة... ولا تدعم واشنطن هذا التوجه، بينما تراهن تركيا على تنظيم الإخوان المسلمين».
من جانبها، علقت الدكتورة أماني الطويل على مستقبل ليبيا وتقول في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إنه «عطفاً على الاجتماعات السابقة التي فشلت في الوصول إلى اتفاقات، فإنه يصعب التفاؤل بحدوث استقرار سياسي في ليبيا». وتضيف «لا يمكن إجراء الانتخابات الليبية في موعدها وسط الوضع الحالي، لأن البيئة السياسية المحيطة بالانتخابات لا تؤسس لاستقرار سياسي... وهي إن أجريت لن تؤسس لاستقرار سياسي لأنها لم تُجرَ على أسس صحيحة».
وبعيدا عن هذا الطرح، يرى باتريك كوراث، نائب الرئيس التنفيذي لـ«منتدى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا»، في مقال نشره نهاية يونيو الماضي بمجلة «فورين بوليسي»، أن «ليبيا تحتاج إلى شخصية قادرة على توحيدها قبيل الانتخابات. ومن المفيد وضع النظام الملكي الدستوري في الاعتبار، إذ إن بناء حل ديمقراطي فعّال لليبيين ليس مهمة سهلة بعد سنوات من الصراع الدموي في أعقاب الإطاحة بالنظام السابق». ويرى «ضرورة إيجاد آلية سياسية ومؤسساتية يمكنها تشجيع المجتمع على الاتحاد وإعادة بناء الاقتصاد».
- شبح الحرب
الأمر لا يتعلّق فقط بتنظيم الانتخابات بل أيضا بقبول نتائجها، إذ يخشى مراقبون من تكرار سيناريو عام 2014، والانقلاب على نتائج الانتخابات. وتنذر الإحداث الأخيرة التي شهدتها العاصمة الليبية طرابلس بمخاوف في هذا السياق، مع استمرار الاشتباكات بين الميليشيات. ويعد اقتحام مقر «المجلس الرئاسي» في فندق كورنثيا، خلال مايو (أيار) الماضي، للمطالبة بإقالة وزيرة الخارجية نجلاء المنقوش، مثالاً على ما يمكن أن يحدث في حال لم ترض الميليشيات عن نتائج الانتخابات. ويومها، اقتحمت الميليشيات الفندق اعتراضا على تصريحات للمنقوش طالبت فيها بإخراج المرتزقة الأجانب والقوات الأجنبية من ليبيا، ما يعني أن أي إجراء ضد مصالح هذه الميليشيات ينذر بحرب.
وتوجد اليوم في ليبيا أكثر من 300 مجموعة مسلحة، تتبع جماعات إسلامية وعرقية وجهوية، أو حتى شخصيات قيادية في طرابلس بحسب تقديرات غير رسمية. وهذه الجماعات مستعدة للانقلاب على نتائج الانتخابات كما حدث من قبل عام 2014، عقب خسارة تيار «الإخوان» للانتخابات.
من ناحية ثانية، قد يوفر الوضع السياسي الحالي في ليبيا فرصة لتعزيز وقف إطلاق النار، «لكنها مجرد نافذة قد تغلق مرة أخرى، وتعود البلاد مرة أخرى إلى دائرة العنف»، بحسب فولفغانغ بوستاي في تقرير نشره «المجلس الأطلسي» في يونيو الماضي، ووصف اتفاق إطلاق النار بأنه «اتفاق هش، وفرصة ضائعة».
- الميزانية
نقطة أخرى مثيرة للجدل في الملف الليبي، وهو الخلاف حول الميزانية، التي أجلت مناقشتها إلى ما بعد عيد الأضحى المبارك، بسبب تعذّر اكتمال النصاب القانوني في جلسة عقدت لهذا الغرض منتصف يوليو الجاري. ولتاريخه عجز البرلمان الليبي عن اعتماد الميزانية التي قدمتها الحكومة يوم 20 مارس الماضي، رغم عقد 7 جلسات لهذا الغرض.
الخلاف حول الميزانية وصل إلى مجلس الأمن، وقال كوبيش، في كلمته خلال اجتماع مجلس الأمن، إن «الخلافات حول الميزانية، والملفات الأخرى، هي الثغرة التي يسعى المعرقلون إلى العبور من خلالها، وإفشال المسار السياسي، الذي ينتهي بانتخابات عامة نهاية العام».
- «المرتزقة» واستقرار ليبيا
مجلس الأمن طالب أيضا جميع الدول الأعضاء بالامتثال لحظر الأسلحة المفروض على ليبيا منذ عام 2011، والعمل على مساعدة السلطات الليبية في إخراج المرتزقة وسحب المقاتلين الأجانب من البلاد، وهو المطلب الذي تكرر أكثر من مرة لكنه لم ينفذ حتى الآن. إذ دعت الأمم المتحدة مراراً لإنهاء الوجود الأجنبي في ليبيا، كما تضمن اتفاق وقف إطلاق النار الصادر في أكتوبر 2020 إشارة إلى ضرورة انسحاب المرتزقة من ليبيا خلال ثلاثة شهور، ولكن روسيا وتركيا اللتين - كما يبدو - تسعيان إلى تعميق وجودهما غرب طرابلس، مع احتمال التوسع في مصراتة، تجاهلتا هذا التاريخ. وحقاً، ذكر فريق من خبراء الأمم المتحدة اجتمع في مارس الماضي أنه لا توجد مؤشرات من مجموعة «فاغنر» الروسية المسلحة على الانسحاب.
وفي نهاية أبريل عقد اجتماع غير رسمي في مجلس الأمن بدعوى من تونس وكينيا ونيجيريا لمناقشة عودة 20 ألف جندي مرتزقة في ليبيا إلى بلادهم، وأشار عدد من أعضاء المجلس إلى أن «بعض أعضاء المجلس والجالسين في الغرفة يحركون هذه المشكلة»، وفق الدكتورة عالية براهيمي، الخبيرة المتخصصة في شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في تقرير نشره «المجلس الأطلسي» في مايو الماضي. وتقول براهيمي إنه «لو وضع حد للجنود المرتزقة في ليبيا سريعاً فإن مستقبل مواطنيها سيظل مرهونا بقوات سياسية وعسكرية خارجية، وهو ما سيكون له تداعياته على مستقبل العلاقات الدولية».
وأما أماني الطويل فتعتبر انسحاب المرتزقة «الشرط الأهم لاستقرار ليبيا». وتتابع أن «الإخفاق في الوصول إلى اتفاق هو انعكاس لتدخلات إقليمية ودولية في ليبيا... وما لم ينسحب الجميع من ليبيا، وخاصة تركيا التي يفرض وجودها ردود فعل من الدول الأخرى، لا يمكن أن تتقدم ليبيا».
أخيراً، رغم تأثير دور المرتزقة هناك، فهناك دور آخر للتدخلات الأجنبية لا يمكن إغفاله وهو القواعد الأجنبية في ليبيا. هذه القواعد أغفلها مجلس الأمن في اجتماعه الأخير رغم إشاراته الواضحة لتصاعد دور المرتزقة والجماعات المسلحة من خارج ليبيا، وهو ما يشير إلى «سياسة انتقائية» تفاديا للخوض في هذا الملف، فمن المؤكد أن إثارته كانت ستعرقل تمرير البيان الختامي، عبر الفيتو الروسي، خاصة أن «الولايات المتحدة لا تثير حالة الوجود العسكري التركي في ليبيا، إلا في سياق الإشارة إلى وجود روسي يتمثل في مجموعات فاغنر»، بحسب عليبة.
-- الأحداث في ليبيا... تسلسل زمني
- 15 فبراير (شباط) عام 2011: اندلعت شرارة الثورة في مدينة بنغازي، تأثرا بما يعرف بـ«الربيع العربي»، ومن ثم انتشرت المظاهرات ضد نظام الرئيس الراحل معمر القذافي في عموم ليبيا.
- 19 مارس 2011: شن «تحالف دولي» بقيادة واشنطن وباريس ولندن هجوماً جوياً على مقار قوات القذافي، بعد «ضوء أخضر» من الأمم المتحدة، وفي أعقاب ذلك انتقلت قيادة العملية إلى «حلف شمال الأطلسي» (ناتو).
- 20 أكتوبر 2011: قتل القذافي قرب مسقط رأسه في سرت. وبعد ثلاثة أيام أعلن «المجلس الوطني الانتقالي»، الذي شكل كبديل للنظام، تحرير البلاد.
- يوليو 2012: انتخاب «المؤتمر الوطني العام» (البرلمان)، وتسلمه سلطاته بعد شهر من «المجلس الوطني الانتقالي».
- سبتمبر (أيلول) 2012: تعرّض السفارة الأميركية لهجوم تسبب بمقتل أربعة أميركيين بينهم السفير كريستوفر ستيفنز.
- أكتوبر 2012: تشكيل حكومة برئاسة علي زيدان.
- أبريل 2013: هجوم على السفارة الفرنسية تسبب في إصابة حارسين فرنسيين، وبعده أغلقت غالبية السفارات الأجنبية أبوابها وغادرت طواقمها البلاد.
- مارس 2014: حجب الثقة عن الحكومة.
- مايو 2014: أعلن اللواء المتقاعد خليفة حفتر بدء «عملية الكرامة» ضد جماعات إسلامية مسلحة، وشكل «الجيش الوطني الليبي» الذي ضم ضباطا من المنطقة الشرقية.
- يونيو 2014: انتخاب برلمان جديد، جاءت غالبيته من المعارضين للجماعات الإسلامية التي قاطعت الانتخابات، واندلاع اشتباكات في البلاد.
- نهاية أغسطس (آب) 2014: سيطر ائتلاف «فجر ليبيا» الذي ضم العديد من الفصائل المسلحة بينها جماعات إسلامية، على العاصمة طرابلس وأعاد إحياء «المؤتمر الوطني العام»، وهو البرلمان المنتهية ولايته. وتشكيل حكومة، ليصبح في ليبيا برلمانان وحكومتان، واحدة في الشرق والأخرى في الغرب.
- ديسمبر 2015: وقّع ممثلون للمجتمع المدني ونواب ليبيون «اتفاق الصخيرات» في المغرب، برعاية الأمم المتحدة، بعد شهور من المفاوضات. وإعلان تشكيل «حكومة الوفاق الوطني»، التي رفضها برلمان الشرق المدعوم من حفتر.
- مارس 2016: انتقل فايز السراج رئيس «حكومة الوفاق الوطني» إلى طرابلس، واتخذها مقرا لحكمه، لتبدأ محاولات المجتمع الدولي تسوية الصراع بينها وبين «حكومة» حفتر في الشرق عبر ما يعرف بـ«اجتماعات باريس» (عقدت عامي 2017 و2018)، لكنها أخفقت بالتوصل إلى تسوية سياسية.
- في مطلع 2019: غزت قوات حفتر الجنوب بدعم من القبائل المحلية، وسيطرت على سبها والشرارة، أحد أكبر الحقول النفطية في البلاد، وتقدمت باتجاه طرابلس. وهناك واجهت مقاومة عنيفة من قوات «حكومة الوفاق».
- 19 يناير (كانون الثاني) 2020: استضافت برلين برعاية الأمم المتحدة «مؤتمر برلين 1» حول ليبيا شارك فيه طرفا النزاع إلى جانب رؤساء روسيا وتركيا وفرنسا ومصر.
- يونيو 2020: تصاعد حدة العمليات والمعارك المسلحة بين الشرق والغرب، ما دفع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بالتهديد بالتدخل إذا تجاوزت قوات «حكومة الوفاق» سرت، التي اعتبرتها مصر «خطا أحمر».
- 23 أكتوبر 2020: توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في أعقاب مباحثات بمدينة جنيف تحت رعاية الأمم المتحدة، بعد تسعة شهور من المفاوضات. والاتفاق على تشكيل مجلس رئاسي، وحكومة موحّدة برئاسة عبد الحميد الدبيبة حصلت على ثقة البرلمان في مارس 2021 بهدف قيادة البلاد في «مرحلة انتقالية» حتى إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية في 24 ديسمبر 2021.
- 23 يونيو 2021: عقد مؤتمر «برلين 2»، بهدف التحضير للانتخابات واستكمال العملية السياسية.
- 15 يوليو 2021: اجتماع مجلس الأمن لبحث الأزمة الليبية والمساعدة في الوصول إلى حل بشأن القضايا الخلافية التي تعرقل استكمال المسار السياسي.



ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
TT

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد، من وجهة نظر كثيرين، «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. وبسقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية في ليبيا تُقرأ بوصفها خريطة نفوذ انتخابي مقسّمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت. إذ زاد «زلزال» اغتيال سيف من تعقيدات المشهد المعقّد بالأساس، ما يؤثر أولاً على مسار «المصالحة الوطنية»، ومن ثم يمدّد الصراع السياسي ويطيل أمد عقد الانتخابات المأمولة.

هاتا تيتيه (وكالة الأنباء الليبية)

 

سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر (53 سنة)، ظل ليبيون - من بينهم أنصاره - يعدونه الوجه الإصلاحي لنظام والده، والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

أما الآن، فيتوقّع لهذه المساحة التي تركها «الخيار الثالث» خلفه أن تتحوّل إلى ساحة للصراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي بات يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.

مع هذا، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن موت سيف «لن يترتب عليه أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام»، بينما يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».

مفترق طرق تاريخي

والحقيقة، أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة تنقذ البلاد، وإما تظل الأوراق مبعثرة بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة.

فليبيا تعاني منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعاً مريراً على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية منذ قدومها إلى ليبيا من أجل العمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، من دون تقدم حتى الآن.

والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تواصل مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعياً من أجل التوصل إلى نتيجة قبل الاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» من أجل إجراء الانتخابات. كذلك يستبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلّب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم - حتى الآن - قاتله، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه.

بمناطق عدة في وسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبّة له يتلقون فيها العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريباً، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». إذ ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقلته «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.

التحقيق في الاغتيال

النيابة العامة في طرابلس فتحت تحقيقاً في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضمّ أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان وفحصوا جثته، التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة.

وخلّفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار - ومن بينهم شقيقه الساعدي - عدّوها «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي».

«التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة عكسَا قدراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في مقبل الأيام، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. أبو سبيحة عدّ «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف، أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من حديثه توبيخاً دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

إرباك المشهد السياسي

كان ظهور سيف الإسلام - بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 - قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». وفي هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علماً بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها.

حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكّلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطاً زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي.

أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرّسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.

محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، يرون أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفاً على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة... وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».

الأسرة القذافية... والولاءات المحلية

تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حالياً لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي.

وظلّ فريق سيف القذافي - الذي يقوده أبو سبيحة - منخرطاً في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة».

راهناً، يتخوّف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصاً إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوّف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.

وحقاً، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزّع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:

- التيار «السبتمبري» أو «الخضر»، وهم الموالون لنظام القذافي.

- تيار «17 فبراير» وتمثله القوى التي ثارت عام 2011، وترفض أي عودة لحكم الفرد أو «النظام الجماهيري».

- وتيار «الكرامة»، وهو التكتل الذي يلتف حول عملية الكرامة والقوات المسلحة بشرق ليبيا.

وهنا يسلّط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقداً أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عاماً لم يفعل شيئاً، ولم يقدم مشروعاً سياسياً لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».

«ليبيا الغد»

جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة - رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده.

ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيداً».

وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».

هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوباً) وزليتن وصبراتة (غرباً). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».

وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» عن أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».

 

حقائق

ليبيا: جرائم كثيرة... و«الفاعل مجهول»

اتسعت قائمة الجرائم التي تعذّر التوصل إلى مرتكبيها في ليبيا لتشمل فئات متنوعة من المجتمع، بجانب عمليات الإخفاء القسري منذ إسقاط النظام السابق في عام 2011، لكنها تبرز نمط «الإفلات من العقاب» الذي ساد في فترات كثيرة.

وخلال الحروب والمعارك التي شهدتها ليبيا، حدثت اشتباكات واسعة وانتهاكات ضد المدنيين أدّت إلى قتل واختفاء عشرات الأشخاص في مناطق متعددة، وأحياناً بقيت هويات من ارتكبوا أعمال القتل مجهولة بسبب تداخل الجماعات المسلحة وتغيّر السيطرة على الأراضي. واستهلت عملية الاغتيالات في ليبيا بمقتل اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الأسبق عام 2011، في ظروف غامضة بعد استدعائه للتحقيق، رغم وجود اتهامات لجهات معينة، من بينها ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي». وفيما يلي بعض أبرز جرائم الاغتيال:

- عام 2013: اغتيال المحامي والناشط السياسي عبد السلام المسماري، في مدينة بنغازي.

- عام 2014: اغتيال كل من الصحافية نصيب ميلود وخطيبها في مدينة سبها. ومفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة «برنيق»، وسلوى بوقعيقيص المحامية والناشطة الحقوقية البارزة في بنغازي. والشيخ محمد بن عثمان في مصراتة. وفريحة البركاوي عضو «المؤتمر الوطني العام» السابقة، في درنة.

- عام 2016: اختطاف الشيخ نادر العمراني عضو دار الإفتاء بطرابلس، وتصفيته في ظروف غامضة.

- عام 2019: تصفية عضوة مجلس النواب سهام سرقيوة في بنغازي.

يضاف إلى ما سبق، صُدم المجتمع الليبي عام 2025 إثر مشاهدة مقاطع مصورة «مسربة» للنائب إبراهيم الدرسي، وهو على ما يبدو معتقلاً في زنزانة، والأغلال معلقة في عنقه، وكانت أسرته أعلنت عن خطفه في 18 مايو (أيار) 2024 من منزله ببنغازي، ومذاك التاريخ لم يكشف عن مصيره ولا عن الجناة.

 


أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
TT

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق رصاصة واحدة، وتجدّد الأمل المتلاشي منذ سنوات في تغليب الخطاب السياسي المعتدل والجامع على جموح التطرّف اليميني والشعبوي الذي يهدد بإعادة أوروبا إلى عهد الظلمات الذي قطّع أوصالها في النصف الأول من القرن الفائت. هذه الرياح الثورية الجديدة تحمل اسم الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو، الذي كان غائباً عن المشهد السياسي البرتغالي مند عشر سنوات، لكنه عاد ليقرّر، ضد رغبة القيادات التاريخية للحزب، خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت دورتها الثانية مطلع هذا الشهر. وهذا ما حصل، بالفعل، وحقق سيغورو فوزاً كاسحاً على منافسه الشعبوي أندريه فنتورا، حامل لواء اليمين المتطرف والمفعم بالحنين إلى الحقبة الديكتاتورية التي طوى البرتغاليون صفحتها منذ خمسين سنة.

ثمة انتصارات عدة في الانتصار الذي حققه أنطونيو سيغورو، الأحد الماضي، في انتخابات البرتغال الرئاسية، منها: انتصار الأسلوب التوافقي الرزين على أسلوب التفرقة والتحريض الذي اتسم به الخطاب اليميني والشعبوي المتطرّف. ومنها أيضاً انتصار النهج اليساري الوسطي الذي يواجه أصعب مراحله في البرتغال منذ سقوط الحكم العسكري، ويعاني من تراجع مطّرد على امتداد المشهد السياسي الأوروبي. وهذا، ناهيك من انتصار الرجل الذي قرّر وحده الإبحار عكس رياح حزبه وخاض معركته منفرداً ضد الزعامات الاشتراكية الراسخة.

بالتالي، ليس مستغرباً أن قوى وأوساطاً أوروبية عدة، يسارية ومحافظة، سارعت إلى الإعراب عن ارتياحها لهذا الفوز، كونها ترى فيه تباشير انعطاف في المشهد السياسي الأوروبي القلق من تمدّد اليمين المتطرّف الذي بات يدقّ أبواب الحكم في أكثر من عاصمة.

النشأة والمسيرة

أبصر أنطونيو خوسيه سيغورو النور قبل 63 سنة في واحدة من أفقر القرى البرتغالية. وكان قد قرر العودة إليها عام 2014 عندما تخلّى عن النشاط السياسي بعدما خسر الانتخابات الأولية في حزبه ضد أنطونيو كوستا، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي.

تلك كانت معركة قاسية جداً، بل من أبشع المعارك التي دارت داخل «البيت الاشتراكي» البرتغالي، شبيهة بتلك التي دارت ذات يوم بين الزعيم التاريخي خورخي سامبايو وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام الحالي لمنظمة الأمم المتحدة. ويومذاك انتهت بشرخ حزبي عميق بقيت آثاره حتى اليوم، وساعدت اليمين المتطرف على مواصلة صعوده.

سيغورو تولّى حقائب وزارية عدة في الحكومات الاشتراكية السابقة، وكان عضواً في البرلمان الأوروبي. وهو ينتمي إلى «تيار» غوتيرّيش الذي سبق أن ترأس عدة حكومات برتغالية نهجت خطاً يسارياً معتدلاً، وتميّز بالانفتاح على الحوار مع القوى الأخرى. وعندما وقعت البرتغال تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة - وكانت حينذاك تخضع لحكومة يمينية محافظة - أيّد سيغورو التدابير التقشّفية القاسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبرّر موقفه هذا بأن رئيس الوزراء الاشتراكي السابق جوسيه سقراط هو الذي كان تقدّم بطلب المساعدة من المؤسسات الدولية للخروج من الأزمة. وأطلق يومها عبارته الشهيرة التي تحولّت إلى شعاره السياسي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية؛ إذ قال: «الحوار هو الأداة الأساسية لأي عمل سياسي».

لغة الحوار

من ثم، لعل انفتاح سيغورو الدائم على الحوار كان السبب الرئيس في حصوله على دعم قوى سياسية أخرى، من كتل اليمين واليسار؛ إذ أيّده كل من الرئيس اليميني السابق هنيبعل كافاكو سيلفا، والمرشح الشيوعي أنطونيو فيليبي الذي نافسه في الجولة الأولى. لكن الأغرب من ذلك كان الدعم الذي حصل عليه من أنصار رئيس المجلس الأوروبي والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، أنطونيو كوستا، الذي يعدّ ألدّ خصومه السياسيين داخل الحزب منذ سنوات. وكان كوستا قد سرّب عشية الانتخابات قراره دعم سيغورو، رغم تمايز الأخير عن نهجه، مردّداً: «كوستا يمثّل رجال الأعمال والشركات داخل الحزب الاشتراكي».

ما يُذكر أنه عندما أعلن سيغورو، مطالع الصيف الماضي، ترشحه للانتخابات الرئاسية، واجه معارضة واسعة وشديدة داخل الحزب الاشتراكي الذي ما زال يخضع لتأثير قوي من أنطونيو كوستا والقيادات الموالية له. إلا أن إصراره على الترشّح سواء بتأييد من الحزب أو من دونه، دفع معارضيه إلى التراجع، خاصة أن الشخصيات الاشتراكية النافذة فشلت في التوافق حول مرشح آخر، بل ربما لأن حظوظ أي مرشح اشتراكي في الفوز بدت شبه معدومة، كما كانت تظهر استطلاعات الرأي.

التدريس بعيداً عن السياسة

خلال السنوات الـ12 التي انكفأ سيغورو طيلتها عن العمل السياسي، انصرف إلى التدريس في جامعة لشبونة المستقلة والمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية. وأسّس عدة مؤسسات صغيرة للسياحة الريفية والتصنيع الزراعي في مسقط رأسه بيناماكور. إلا أنه لمح بعد إعلان فوزه في الانتخابات أنه سيتخلّى عن أنشطته التجارية قبل تسلّم مهامه، مدركاً أن الحكومة السابقة التي شكّلها اليميني لويس مونتينغرو بعد هزيمة الاشتراكيين الأخيرة، إنما سقطت بسبب تضارب المصالح الذي نشأ عن إبقائه على المؤسسة العائلية التي كان يديرها بعد توليه رئاسة الحكومة.

لكن يبدو سيغورو مصراً على ألا يتخلّى عن حياته العائلية العادية؛ إذ أفاد بأن زوجته ستواصل نشاطها المهني في إدارة الصيدلية التي تملكها في العاصمة، وأنه لن يقيم في قصر بيليم (بيت لحم) الرئاسي إلا في الحالات الاستثنائية، بل سيقيم في منزله الواقع على بعد 90 كيلومتراً من لشبونة.

وللعلم، الرئيس المنتخب أمضى الأسبوعين الأخيرين من حملته الانتخابية في زيارات إلى المناطق المنكوبة بسبب الأعاصير المتلاحقة التي ضربت البرتغال وما زالت تداعياتها الكارثية ظاهرة إلى اليوم. ولقد وعد بتخصيص قدر كبير من اهتمامه في الأسابيع الأولى من ولايته لمتابعة ملف الأضرار التي نجمت عن تلك الأعاصير.

فوز تحدّى التوقعات

أبرز ما في الفوز الذي حققه سيغورو، ضد كل التوقعات، كان حصوله على ضعفي الأصوات التي نالها في الجولة الأولى من الانتخابات. وهو ما يؤكد تضافر الغالبية الساحقة من الناخبين لتأييد مرشح رئاسي يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية بمواجهة منافسه الشعبوي المتطرف فنتورا، الذي أظهر غير مرة مناسبة ازدراءه بهذه القواعد واستعداده لتجاوز الأحكام الدستورية من أجل تحقيق أهداف مشروعه السياسي.

ناهزت حصيلة سيغورو 67 في المائة من الأصوات، بينما لم يتعدّى فنتورا الـ33 في المائة، مع أن هذا الأخير كان جمع في الجولة الأولى نسبة 31 في المائة متقدماً على 11 مرشحاً.

انعكاسات وتوقعات

في تصريحاته الأولى بعد الفوز، أعرب سيغورو عن شديد تأثره بالدعم الواسع الذي ناله من «الناخبين الذين يحرصون على القيم والمبادئ الدستورية التي رسختها ثورة القرنفل»، مذكراً ومفتخراً بانتمائه إلى الطبقة المتواضعة. وقال إن الغالبية التي صوّتت له أصبحت اليوم مجمل الشعب البرتغالي، وكرّر ما ردده مراراً خلال الحملة الانتخابية: «أنا حرّ، أعيش حياتي من غير مَراسٍ، وحريتي هي ضمان استقلاليتي». وكذلك شدّد على التزامه الثابت بـ«ثقافة الوفاق» لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، معترفاً بأن نتيجة الاقتراع تجاوزت توقعاته.

وحقاً، يشكّل انتصار سيغورو أيضاً عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد عشرين سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية محافظة على رأس الدولة، لكنه بالتأكيد ليس انتصاراً للحزب الاشتراكي. أولاً، لأن الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية لها طابع شخصي وليست حزبية بموجب الدستور. وثانياً لأن ترشح سيغورو كان مرفوضاً في المرحلة الأولى من القيادات الاشتراكية.

واللافت أن اعتراض زملائه على ترشحه في البداية، تبدّد فور إعلان فوزه؛ إذ سارع الجميع إلى إعلان اصطفافهم بجانبه، بينما كان هو يؤكد طي صفحة الماضي بقوله: «ما يهمني هو المستقبل الذي سنبنيه معاً».

في المقابل، لا شك في أن هذا الفوز يعطي جرعة زائدة من التفاؤل للحزب الاشتراكي الذي يمرّ في أصعب مرحلة من تاريخه، لا سيما بعد الهزيمة القاسية التي تعرّض لها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حلّ في المرتبة الثالثة، وراء حزب «شيغا» اليميني المتطرف الذي أسسه فنتورا عام 2019.

وكان أوّل المحتفلين بفوز سيغورو، زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو، الذي وصف هذا الفوز بأنه انتصار «لجميع الديمقراطيين وللحقوق الدستورية»، ونوّه بالدعم الواسع الذي حظي به سيغورو خارج الدائرة الاشتراكية، بدليل نيله دعم العديد من الشخصيات اليمينية.

وعلى غرار ما فعل خلال الحملة الانتخابية، تعهّد سيغورو باحترام الولاء الدستوري للحكومة التي يقودها اليميني لويس مونتينغرو. وقال إنه لن يقف حجر عثرة في وجه تنفيذها برنامجها، لكنه نبّه إلى أنه سيكون حازماً في مطالبتها بالحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وكان تفاقم بعضها بفعل الأعاصير الشديدة التي ضربت البرتغال خلال الأسابيع المنصرمة، وأحدثت دماراً واسعاً في المصانع والمحاصيل الزراعية والبنى التحتية. وشملت الخسائر وفاة العشرات وتشرّد الآلاف من المواطنين، ما استوجب تدخل القوات المسلحة إلى جانب أجهزة الدفاع المدني والإسعاف.

وفي المقابل، لقد أكد الرئيس المنتخب أنه لن يصادق على مشروع تعديل قانون العمل الذي وضعته الحكومة ولاقى معارضة شعبية واسعة انتهت بإضراب عام شلّ الحركة في البلاد.

أما فنتورا، فقد سارع من ناحيته إلى الاعتراف بفوز سيغورو، لكنه اعتبر أن نيله أكثر من ثلث الأصوات يشكّل إنجازاً بحد ذاته؛ لأنه كان يواجه «كل المنظومة التي أعلنت الحرب» ضد ترشحه.ويطمح فنتورا، الآن، من خلال هذا التأييد الذي ناله إلى تجاوز شعبية التحالف الحاكم بقيادة رئيس الحكومة مونتينغرو، ثم تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، معتبراً أن حصوله على 1.7 مليون صوت بعد ست سنوات فقط من تأسيس «شيغا»، يمنحه الحق في قيادة اليمين البرتغالي، ومتوقعاً الوصول إلى سدة الحكم قريباً.


«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
TT

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»، وكان يحكم سيطرته على البلاد منذ عام 1926. أما سبب التسمية فكان أن الضبّاط والجنود الذين نفّذوا الانقلاب - والذين ينتمون إلى «تيار القوات المسلحة» - كانوا يجوبون شوارع العاصمة لشبونة صباح 25 أبريل (نيسان) 1974 واضعين أزهار القرنفل في فوهات بنادقهم ومدافع دباباتهم، بعدما أسقطوا النظام من غير إطلاق رصاصة واحدة.

ذلك الانقلاب قادته مجموعة من الضباط الشيوعيين واليساريين الذين سئموا الحروب التي زجّهم فيها النظام ضد الانتفاضات الشعبية والحركات المسلحة في المستعمرات البرتغالية. ولقد كانت إشارة انطلاقه أغنية بعنوان «وبعد الوداع» منتصف ليل 24 أبريل.

كان الانقلاب بداية مسار سريع تمخّض عن إعادة النظام الديمقراطي، وإجراء أول انتخابات حرة في العام التالي. وقبل نهاية ذلك العام، كانت جميع مستعمرات البرتغال في أفريقيا وآسيا؛ أي أنغولا والرأس الأخضر وغينيا بيساو وموزامبيق وسانتو تومي/ برنسيبي وتيمور الشرقية، قد نالت استقلالها. وبجانب ذلك تنازلت السلطة البرتغالية الجديدة عن جزيرة ماكاو لصالح الصين الشعبية (التي ضمّت الجزيرة رسمياً إليها عام 1999).

بعد أيام قليلة من إسقاط الديكتاتورية أطلق الانقلابيون سراح جميع المعتقلين السياسيين، وعاد الزعماء المنفيون في الخارج، يتقدّمهم الاشتراكي ماريو سواريش، والشيوعي آلفارو كونيال، اللذان لعبا دوراً سياسياً رئيساً في السنوات اللاحقة.

بعدها حاول الضباط الشيوعيون في الحركة الانقلابية توجيه دفّة التغيير نحو نظام اشتراكي إثر تأميم القطاع المصرفي بكامله، ومعظم الشركات الصناعية الكبرى. ولكن في الانتخابات الأولى التي أُجريت ربيع العام التالي كان الفوز حليف الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يتمتعون بدعم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا، ومن الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وفي خريف عام 1975 فشلت مجموعة من الضباط الشيوعيين في محاولتها لقلب النظام، فأجرت الحكومة حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة؛ أبعدت الشيوعيين عن المراكز القيادية، وأحالت المسؤولين عن المحاولة الانقلابية إلى المحاكمة.

وكان من الطبيعي أن يكون لـ«ثورة القرنفل» تأثير على الوضع في «الجارة» إسبانيا، حيث كان النظام الديكتاتوري يعيش مرحلة صعبة مع تدهور صحة الجنرال فرنشيسكو فرنكو، وبات يخشى تكرار التجربة البرتغالية التي شكّلت قفزة نوعية في الانتقال السلمي والسريع إلى الديمقراطية.

وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة فرنكو خريف عام 1975؛ إذ انتقلت إسبانيا بشكل سلمي إلى نظام ملكي دستوري، في عملية انتقال مثالية أصبحت مادة تدرّس في العديد من كليات العلوم السياسية في العالم.