«درب الصد»... عالم يسير نحو الخراب

الفضاء الروائي والاجتماعي والسياسي العراقي بعد الاحتلال

«درب الصد»... عالم يسير نحو الخراب
TT

«درب الصد»... عالم يسير نحو الخراب

«درب الصد»... عالم يسير نحو الخراب

رواية «درب الصد» الصادرة عام 2021 للروائية هدية حسين مشبعة بحس أنثوي خاص، والرواية تعد القارئ من خلال أفق توقع بما خفي من أسرار من خلال العتبة النصية الأولى للرواية، ونعني بها عنوان الرواية الذي ينطوي على النصف الأول من مثل عراقي شائع هو «درب الصد ما رد» والإيحاء بأن الطريق الذي قد تسلكه الشخصية الروائية هو طريق خطر وقاتل، ولا عودة سالمة لسالكه. وربما يعزز أفق التوقع هذا المشهد الدرامي الصامت (بانتومايم) الأخاذ والغامض الذي تستهل المؤلفة روايتها به.
إذْ تنفتح خشبة المسرح الروائي بمشهد صندوق خشبي موضوع على طاولة في إحدى زوايا الغرفة، وفجأة ينزلق شبح امرأة بجسد مضيء يحمل الصندوق ويختفي، دون أن يكترث بالرجل الممدد على أرض الغرفة. والروائية لا تكتفي بهذا المشهد المسرحي الصامت بل تلحقه بسؤال موجه للقارئ، لم أجده مبرراً من الناحية السردية لأنه يمثل تدخلاً وإقحاماً من قبل المؤلفة:
«ترى ماذا كان في الصندوق، ومن هي المرأة، ومن هو الرجل الذي يحاول استخذاء الهواء» (ص 5).
وأعتقد أن المشهد هذا هو الذي يطرح هذه الأسئلة وغيرها، كما سنعرف لاحقاً أن هذا المشهد سوف يكتمل في الصفحة الأخيرة من الرواية، لنكتشف أن الرجل هو بطل الرواية سراج البستاني، والذي يقترب من نهايته التراجيدية، بعد معاناة شديدة، وخساراته المتكررة، لكن المرأة، تظل إلى حدٍ ما غامضة، لكننا تأويلياً، نرجح أن تكون المرأة هي (وفاء) زوجة البطل التي يعتقد أنها تعرضت إلى الاختطاف من قبل إحدى العصابات الطائفية، والذي يجعلنا نذهب إلى الاعتقاد بأن (وفاء) قد خانت زوجها مثل صديقتها (أميرة) التي خانت زوجها ودبرت خطة هربها، وهربت مع (سليم) صاحب السوبر ماركت إلى الأردن، وحرضت (وفاء) على سلوك هذا الطريق الذي سيمثل «درب الصد ما رد»، وسيكون الزوج سراج البستاني هو الضحية حيث يلفظ أنفاسه الأخيرة، مسجلاً آخر خساراته.
«لم يعد الهواء يكفي لمرور آخر أنفاسه. خيوط أنفاسه تنسلت خيطاً بعد خيط». (ص146)
وبهذا التكرار للاستهلاك الروائي تمنح المؤلفة روايتها صفة البنية الدائرية من الناحية السردية.
ولم تقتصر أحزان سراج على اختطاف زوجته، بل امتحن أيضاً بهجرة ابنه (نعيم) واختياره طريقاً آخر، هو الانضمام إلى إحدى المنظمات الإرهابية، التي اصطادته عبر جامع محلته، وأعدته ليكون أداة للقيام بعمليات إرهابية وانتحارية لاحقاً في إحدى الدول الأوروبية، كما كانت تقلقه أنباء أخته (رحاب) التي انقطعت عنه، بعد أن أقامت في النصف الأبعد من الكرة الأرضية، وتحديداً في أستراليا وخشيته أن تكون قد تعرضت لمكروه في واحدة من الحرائق التي تفتك بالغابات والناس هناك.
لكن المشكلة التي أقلقته كثيراً كانت عملية الاختطاف المصطنع لـ(منيرة) زوجة صديقه (مولود) التاجر، وهربها سراً إلى الأردن مع (سليم) صاحب السوبر ماركت، حيث شاهدها جارهم (إبراهيم الفيترجي) بصحبة (سليم) مراراً في بعض المطاعم والفنادق، ومنها فندق (ماريوت). وقد دفع هذا الحادث إخوة (منيرة) إلى مهاجمة بيت (إبراهيم الفيترجي) وحرق محله، حيث وجدوا جثته متفحمة، وبقي يحمل معه أسراراً بذلوا جهوداً لمعرفتها.
لقد كانت حادثة هرب (منيرة) دافعاً لسراج للشك بأن زوجته (وفاء) قد اختارت الطريق ذاته تشجيعاً لها من قبل صديقتها (منيرة)، ومن تلك اللحظة بدأت ثقته تنهار بالجميع. وعمّق هذا الإحساس لديه، حواره مع (حليمة) الخبازة التي أنهت حوارها بعبارة أثارت المزيد من الظنون والشكوك لديه، واحتمال إشارتها الخفية إلى أن زوجته (وفاء) قد هربت مع عشيقها المفترض:
«الرجال غفلت ونامت، والنسوان سابت وغابت». (ص73)
وراح سراج يتساءل مع نفسه: «من يا ترى كان عشيق وفاء؟» وظل الوسواس يطارده «كلما حاول أن يبرئ (وفاء) فإن الخناس يوسوس في صدره، ويربك ذهنه» (ص84) ويستذكر كل ما قيل في الماضي عن كيد النساء وخيانتهن، وأنهن مصدر كل شيء (ص84).
ومن الجانب الآخر تضيء (أفنان) ابنته، من خلال حلمها ومونولوغها الداخلي، جوانب من شخصية أمها (وفاء) وتعلقها بها:
«لا تدري متى توقفت أحلامها وكوابيسها عن أمها، آخر مرة حلمت بها كانت منذ أكثر من سنة» (ص ١١٧).
لكن الحلم الذي شاهدته عن أمها له دلالة عميقة هذه المرة: «كانت وفاء تركض في صحراء، وأفنان في إثرها، حتى سقطت في بئر عميقة» وتصاب (أفنان) بالإحباط. (ص١١٧)، وهذا الحلم يحمل دلالة إضافية، قد يلتقطها القارئ، على احتمال ارتكاب (وفاء) سقطة الخيانة، والسير في درب الصد ما رد، كما يشير عنوان الرواية بوصفه عتبة نصية دالة، حاملاً للدلالة السيميائية والثقافية.
وتحفل الرواية، من الجانب الآخر بعدد من المونولوغات والمرويات الثانوية التي تؤثث الفضاء الروائي والاجتماعي والسياسي والعراقي خلال فترة ما بعد الاحتلال، ربما أبرزها مونولوغ حليمة الخبازة الداخلي الذي تسرد فيه طفولة ولدها سعدون الذي أصبح مجنوناً، بعد أن تعرض هو والجنود الذين معه إلى قصف أميركي خلال الاحتلال في (أم قصر)، قتل فيه جميع المقاتلين باستثناء ولدها سعدون الذي وجد نفسه داخل بركة من الدماء، وتحيط به مجموعة من الرؤوس المتجاورة. وهنا يستكمل سعدون المجنون رواية المشهد الذي أحب أطفال المحلة سماعه مراراً. «على بعد عدة أمتار كانت الرؤوس متجاورة تسأل بعضها عما حدث، وكيف، ولماذا حدث، حتى رأسي شاهدته، فتحسست رقبتي، وتبين أنني بلا رأس» (ص ٣٢).
ويروي سعدون كيف أنه بقي بلا رأس، فتناول رأساً اكتشف لاحقاً أنه يعود إلى نائب الضابط عباس «ولما نظرت في المرآة اكتشفت أن الرأس الذي ركبته على رقبتي يعود إلى نائب ضابط عباس». (ص ١٣٣)
وهكذا عاد (سعدون) من الحرب مجنوناً، وهي إشارة سيميائية إلى أن العالم، بتأثير الاحتلال قد أصيب بالجنون، وأنه يسير نحو الخراب، وكما كان يقول (سعدون) في لازمته أن العالم أصبح خراباً. وقد علقت (حليمة) الخبازة على وضع ابنها ومأساته «الذي عاشه سعدون يميت أي رجل. الحمد لله الذي عاد بنصف ذاكرة. أراه ويراني ويملأ علي فراغ حياتي التي توقفت بعد» (ص135) وعندما تسألها جارتها (أم نهلة) فيما إذا كانت الحكاية التي يرويها (سعدون) للأطفال صحيحة، تجيب قائلة:
صحيحة، يا أم نهلة، فيما عدا الرأس. من القهر شاب رأس ابني» (ص136)
ويمكن القول إن مأساة سعدون المجنون تشكل الخلفية الاجتماعية والسياسية والتاريخية لمرحلة ما بعد الاحتلال التي أصيبت بلوثة الجنون وأصبحت خراباً...
هذا الوجه الآخر للمجتمع راح بدوره يكتم على أنفاس سراج البستاني. وكان للخبر العاجل الذي بثه التلفزيون وقع الصاعقة، وربما بمثابة إطلاقة الرحمة التي أجهزت عليه، حيث أعلن المذيع أن عملية إرهابية بشعة نفذت في إحدى الدول الأوروبية وكان مخططها نعيم سراج البستاني، ابنه بالذات: «الجسد الذي خربته الأحزان لم يعد يتحمل الصدمة، سراج في آخر أحزانه وآخر أنفاسه وآخر نقطة زيت في قنديل حياته، الوقت هو الرابعة فجراً، عندما أدرك أنه مهزوم». (ص ١٤٥(
لقد اكتشف (سراج) أن ابنه نعيم قد خانه، وخان تربيته له بانخراطه بمثل هذا العمل الإرهابي، مثلما خانته (وفاء) ولفقت خطة اختطافها، لتهرب مثل (منيرة) مع عشيق ما إلى الأردن، تاركة إياه نهباً للأحزان والقهر، ووليمة سهلة للموت. وعند هذا المشهد تعيد الروائية استكمال المشهد الاستهلالي وكتابته عن شبح المرأة والصندوق، لتمنح الرواية بنية دائرية سردياً... «ومن بين كثافة الظلام، ينزلق شبح امرأة بجسد مضيء وشعر منثور... تنحني لتحمل صندوقاً خشبياً موضوعاً على طاولة في إحدى زوايا الغرفة ثم تستدير وتختفي تماماً».(ص 146)
في ذلك الوقت، وعند الساعة الرابعة فجراً، كان سراج البستاني يغمض عينيه، وقد بدا له كل شيء مغشياً ورماديا: «أدرك سراج في لحظاته الأخيرة أنها النهاية». (ص 146)
وهذه النهاية تحسم تساؤل القارئ، وتجيب بصورة غير مباشرة عن أفق توقعه تاركة له فسحة للتأويل والتخيل...
رواية «درب الصد» هي رواية عن تدمير الحياة المدنية والقيم الإنسانية من قبل الاحتلال، وفي تشكلها الدائري الرابط بين النهاية والاستهلال، تأكيد على وحدة المناخ الاجتماعي والسياسي. والرواية أيضا، وربما بالقدر نفسه، رواية عن الخيانة واختلال القيم، تحديداً، الخيانة الزوجية التي ارتكبتها الزوجة (وفاء) وخيانة الابن نعيم لتربية الأب سراج وللقيم التي رباه عليها. وربما ترمز تأويلياً للخيانة التي تعرض لها المجتمع العراقي من خلال عملية الاحتلال، وقد يختزل صوت (سعدون) المجنون في لازمته الأثيرة بصراخه الموجع بأن العالم قد أصبح خراباً بكامله بعد الاحتلال.



«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية
TT

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

لم يعد الجدل الأكثر إثارة في موضوع الذكاء الاصطناعي متعلقاً بمدى قدرة الآلة على الكتابة مثل الإنسان؛ إذ تجاوزت النماذج اللغويّة الحديثة جانباً مهماً من اختبار المحاكاة، وأصبحت تُنتج نصوصاً متماسكة، وتُترجم وتُلخص وتُحاور، بل وتُحاكي أنماطاً أدبيّة وفكريّة بدرجة تثير الدهشة. إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم يبدو أكثر عمقاً، وأهميّةً: ماذا يبقى من المعنى عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية الحيّة التي أنجبتها؟

من ربقة هذا التساؤل ينطلق كتاب «أصوات بلا ذاكرة: عن اغتراب المعنى في ذكاء الآلة» (2026) للدكتور غسان مراد، الذي يستكشف الذكاء الاصطناعي من منطقة تتقاطع فيها الفلسفة واللغة والتكنولوجيا والعلوم الإنسانية. ويلخص العنوان مفارقته المركزية: نحن أمام أصوات تستطيع الكلام بطلاقة، لكنها تفتقر إلى الذاكرة بمعناها الإنساني، ذاكرة الألم والفرح والفقد والخوف، وتراكم العلاقات والتجارب والقراءات والزمن، أي ذلك التراكم الذي يجعل الكلمة البشرية جزءاً من سيرة صاحبها، وليس مجرد علامة لغويّة تؤدي وظيفة داخل جملة.

حين يكتب الإنسان عن المنفى، على سبيل المثال، تحمل الكلمة شيئاً من وطن تركه أو فقده، وحين يستدعي الحب أو الموت تتداخل في لغته طبقات من التجربة والذاكرة. أما النموذج اللغوي، فيصل إلى الكلمات عبر العلاقات الإحصائيّة والأنماط الرياضيّة المستخلصة من كميات هائلة من النصوص. يستطيع بناء خطاب بليغ عن الحزن من غير أن يختبر مرارته، وعن الخوف من غير أن يرتجف، وعن الموت من غير أن يفقه معنى الفناء الذاتي. وهنا يتضح التمييز بين المعلومة القابلة للتخزين والمعالجة والاسترجاع، والمعرفة التي تتشكل داخل ذوات حيّة تعيش في الزمن، وتتغير بما تختبره.

غير أن هذه المفارقة تتجاوز التفلسف المجرد؛ فالآلة التي تفتقر إلى ذاكرة ذاتيّة تتغذّى بالمبدأ على ذاكرة بشرية منتقاة وغير متوازنة. وما نسميه بيانات هو حصيلة ما دوّنته المجتمعات ورقمنته وحفظته وأتاحته، حاملاً معه تحيزاتها وموازين قواها وطرائق تصنيفها للأشياء. وهكذا تنتقل التحيزات المعرفيّة إلى قلب الخوارزميّة؛ ما يفرض طرح أسئلة تتعلق بالتاريخ الذي تتعلمه الآلة، والمصادر التي تمنحها الأولويّة، والثقافات التي تمتلك حضوراً رقمياً يسمح لها بالمشاركة في تشكيل الإجابات.

وبالنسبة إلينا في هذا الجزء من العالم، تحتل اللّغة العربيّة موقعاً حساساً عند هذا المفصل التاريخي، فهي تحمل تراثاً نصيّاً هائلاً يمتد قروناً، في حين يبقى جانب معتبر من ذاكرتها خارج البنى الرقميّة القابلة للمعالجة الحديثة. وتتجاوز المشكلة قدرة النموذج على إنتاج نصّ عربي سليم إلى طبيعة العربيّة التي يتعلمها، وحضور الفصحى واللهجات، والمصطلحات والمراجع التي تشكل خرائطه المفاهيمية. فقد يتقن النظام العربيّة لغوياً، في حين يستمد جانباً من تصوراته من معرفة تشكلت بلغات وثقافات أخرى. ومن هنا تصبح رقمنة التراث وبناء المدونات اللغويّة وتطوير المحتوى العلمي والفلسفي المعاصر قضايا تتصل على نحو وثيق بالسيادة المعرفيّة.

يضع الكتاب هذه اللحظة ضمن تاريخ الثورات التي أعادت تشكيل علاقة الإنسان بالمعرفة. فقد دشّنت اللغة الثورة المعرفيّة الأولى، حين منحت الإنسان القدرة على تحويل التجربة إلى معنى مشترك وتداوله مع الآخرين، ثم جاءت الكتابة لتمنح هذا المعنى ذاكرة تتجاوز حدود الفرد والزمن، وأتاحت الطباعة انتشار المعرفة على نطاق واسع، قبل أن يجعل الإنترنت المعلومات قابلة للبحث والتداول الفوري. أما الذكاء الاصطناعي التوليدي، فيمثل نقلة مغايرة؛ إذ أصبحت الآلة تعيد تركيب المعرفة وتلخيصها وترجمتها وصياغتها، في انتقال نوعيّ من امتلاك المعلومات إلى امتلاك الأنظمة التي تعيد إنتاجها وتقديمها للبشر.

ومن هذا الانتقال يفتح «أصوات بلا ذاكرة» نافذة على صراع القوة العالمي. ففي التصورات المرتبطة بحروب الجيل السادس، تتداخل القوة العسكريّة مع الفضاء السيبراني وحروب المعلومات والأنظمة الذاتيّة وتقنيات التأثير في الإدراك. وتدخل اللغة نفسها ساحة الصراع؛ إذ تستطيع الأنظمة التوليديّة إنتاج الرسائل والصور والسرديّات ونشرها على نطاق هائل، لتصبح القدرة على تشكيل المجال المعلوماتي جزءاً أصيلاً من القوة الاستراتيجية للدول.

وتتفرع من هذا الصراع معركة أخلاقية تتنافس فيها الدول الكبرى على التفوق التكنولوجي وصياغة قواعد تنظيمه في آن، في حين تمتلك الشركات العملاقة الجانب الأهمّ من النماذج والبنيّة الحاسوبيّة والخبرة التقنيّة. فمن يحدد حدود المقبول؟ ومن يعرّف الضرر والتحيز؟ ومن يتحمل المسؤوليّة عندما تدخل الخوارزميّة في التعليم والإعلام والعمل واتخاذ القرارات؟ إنها أسئلة تنقل الأخلاق (والفلسفة) إلى مركز الصراع على مستقبل التكنولوجيا.

وهذا يأخذنا إلى ما يسميه الدكتور مراد بالعلوم الإنسانيّة الرقميّة، بوصفها مساحة يلتقي فيها الأدب والتاريخ والفلسفة واللسانيات مع الحوسبة وتحليل البيانات. إذ يستطيع الباحثون اليوم بمساعدة الذكاء الاصطناعي فحص ملايين النصوص وتتبع تحول المفاهيم واكتشاف أنماط وعلاقات يصعب رصدها بالقراءات التقليديّة، في حين يظلّ تفسير تلك الأنماط مرتبطاً بالسياق التاريخي والخبرة الإنسانية. وهكذا، تتسع أدوات البحث من دون أن يفقد التأويل موقعه في إنتاج المعرفة.

يفتح الكتاب النقاش المهمّ حول الصفحة التاليّة من مستقبل الذكاء الاصطناعي، بالانتقال من المعالجات الإلكترونيّة إلى الحوسبة البيولوجيّة والذكاء العضوي، حيث يجري استكشاف إمكان توظيف الجزيئات والخلايا والأنظمة الحيّة في معالجة المعلومات. ويعرض في هذا الإطار الأبحاث المتعلقة بالحواسيب الجزيئيّة التي تستخدم الحمض النووي والبروتينات، وما تتيحه من احتمالات مختلفة للحوسبة والتخزين، إلى جانب التحديات العلميّة التي لا تزال تفصل التجارب المختبريّة عن التطبيقات الواسعة.

توقُظُ الفضول في هذا السياق فكرة بالغة الإثارة تكاد تكون مُستلّة من أدب الخيال العلمي، تتعلق باستخدام الحمض النووي (DNA) وسيطاً لأرشفة المعلومات الرقميّة. فالمادة التي تحمل الشيفرة الوراثيّة للكائنات الحيّة تمتلك كثافة تخزينيّة خارقة، وقد أظهرت التجارب إمكان ترميز البيانات الرقميّة داخل تسلسلات من الحمض النووي الاصطناعي ثم استعادتها بقراءتها. ويفتح ذلك تصوراً جديداً للذاكرة، تنتقل فيه المعلومات من الشرائح الإلكترونيّة إلى وسيط جزيئي مستمد من المادة التي تحمل تعليمات الحياة نفسها.

مَن يتحمَّل المسؤوليّة عندما تدخل الخوارزميّة في التعليم والإعلام والعمل واتخاذ القرارات؟

أما الاحتمال الأبعد، فيتمثل في التهجين الرقمي والبيولوجي، حين تتداخل الأنظمة الحاسوبيّة مع المكونات العضويّة، وصولاً إلى تصورات عن ذكاء يجمع خصائص العالمين. ويتناول الكتاب إمكان تطوير أنظمة تستفيد من الجزيئات البيولوجيّة، وأخرى قد تتفاعل مع جسم الإنسان ووظائفه، بحيث تتشوش الحدود الفاصلة بين الطبيعي والمصطنع، والبيولوجي والرقمي، والإنسان وما يضيفه إلى قدراته من أدوات وتقنيات.

ويتجاوز مفهوم التهجين الجانب العضوي ليشمل الهويّة والثقافة والعلاقات الاجتماعيّة. فالإنسان المعاصر يعيش بالفعل داخل بيئات هجينة يتداخل فيها الحضوري والافتراضي، ومع ازدياد تشابك الذكاء الاصطناعي في الحياة اليوميّة، تصبح التكنولوجيا شريكاً متزايد التأثير في تشكيل التجربة الذاتيّة، وتظهر أسئلة جديدة حول الهويّة والخصوصيّة والاختلاف وحدود التدخل التقني في الحياة الإنسانيّة.

ومن الطبيعي أن تنعكس هذه التحولات على التربيّة والتعليم. فحين تتولى الأنظمة الذكيّة جانباً متزايداً من البحث والكتابة والتحليل وحلّ المشكلات، تتغير العلاقة بين المتعلم والمعرفة. ويصبح التحدي التربوي الحقيقيّ متعلقاً بتنمية القدرة على التفكير النقدي والتمييز والتحقق والاستدلال، إلى جانب اكتساب المهارات التقنية. كما تتغير وظيفة المعلم من نقل المعلومات إلى توجيه التعلم وبناء الأسئلة ومساعدة المتعلمين على فهم حدود الإجابات التي تقدمها الآلة. وفي المقابل، يثير الاعتماد المفرط على الأنظمة التوليديّة مخاوف تتعلق بضمور بعض مهارات التفكير والبحث والإبداع المستقل عند المتعلمين.

يتجاوز «أصوات بلا ذاكرة» كونه قراءة في تكنولوجيا مستجدّة، ليضع الإنسان نفسه أمام استحقاقات ثوريّة تتعلق بطبيعة (ومعنى) المعرفة والذاكرة والوعي والأصالة والإبداع والهوية. فالآلة التي تعلمت لغتنا ببراعة دفعتنا إلى إعادة النظر في مفاهيم اعتدنا التعامل معها بوصفها مسلّمات، في حين تفتح احتمالات الذكاء العضوي والتهجين المعرفي والبيولوجي أفقاً تتغير فيه العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا على نحو قد يطول تكوينه الجسدي وقدراته الذهنيّة.

وإذا كانت الآلة تستطيع اليوم أن تقول الكثير من دون أن تعيش حياةً واحدة، فإن السؤال الذي يتركه الكتاب مُشرعاً أمامنا يتجاوز مصدر الكلمات إلى مستقبل الذات الإنسانية: من أي ذاكرة ستتكلم هذه الآلة؟ وبأي قيّمٍ ستتعلم؟ وأيّ مساحةٍ سيحتفظ بها الإنسان لاستقلاله وحريته حين تصبح الخوارزميات شريكاً متزايد النفوذ في إنتاج المعرفة وصياغة المعنى؟


«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء
TT

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

صدرت حديثاً للكاتبة والإعلامية اللبنانية ثناء عطوي، «نوفيلا» جديدة بعنوان «طيران على مستوى منخفض»، عن «محترف أوكسجين للنشر».

تستند قصة الكتاب إلى شخصيات حقيقية، وأحداث واقعية جرت أثناء الحرب الأخيرة على غزة ولبنان، وهي واحدة من بين آلاف القصص التي لم تجد من يرويها.

تستهل الكاتبة هذه النوفيلا بعبارة شديدة الوقع: «نحن أبناء البلادِ القديمة، نخرج من الصورة مثل وطنٍ صغيرٍ أضاع البوصلة، فيستقبلنا عالمٌ يتحدّث لغة لا نجيدُها»

ثم يطفو سؤال ملحّ إلى السطح: بأيّ لغةٍ نخاطب العالم؟ لعلّها اللغة التي نسعى من خلالها إلى ترميم الذاكرة ومواجهة الحقائق التي تمنع محو آثار الجريمة متعدّدة الأبعاد. أو ربما هي تلك اللغة المنسية كأصحابها، لغة الذات وهي تحاورُ أطيافَها وتمنحُ الفرد المجهول حضوراً وهوية، حتى لا يكون مجرّد رقمٍ في الوجع الجماعي والخراب العميم.

ومنذ سؤال السطر الأول من الكتاب «لماذا أنت هنا؟» تتوالى الأسئلة الحرجة، التي ليس لها إجابات: «إلى أين تمضي قصص الحرب وفي أي اتجاهٍ تسير؟ هل يمتصّها الغيم مخزن أسرار الأرض، أم تخترق السماء، سقفَ العالم وغطاءَه؟»

والكثير من علامات الاستفهام والمشاعر المتناقضة بين بطلي النوفيلا: «وبينما يخوض أليعازر الفضاء وعيناه نحو الأرض، يتساءل علي موزارت: أي سلّم بمقدوره الصعود بي إلى السماء؟» من هذا المنطلق تبدأ كلمة الغلاف بسؤال أيضاً: «أي طيّار إسرائيلي هذا وهو ينقض على هدفه ولا يقصفه؟ من هو هذا المقاتل الفلسطيني الرابض تحت الأرض وهي تُزلزل من فوقه؟ هل للموسيقى أن تجمعهما؟ وهل للرسائل المدوّنة على الصواريخ أن تتحوّل إلى أغانٍ؟

أسئلة تضعنا حيالها الكاتبة والمراسلة الحربية اللبنانية ثناء عطوي، مازجة المتخيل بالتوثيقي، والوقائع بالقصص والأفكار، وقد أصبح القتل أرقاماً على شاشة، والناس على الأرض يتتبعون النجاة على خرائط «غوغل»، ومحظوظ من وجد مدوِّناً لحكايته».

ويتضمّن الكتاب أعمالاً للفنان البريطاني توم يونغ، الذي يعيش متنّقلاً بين لندن وبيروت، ويعمل على منشآت فنية في أماكن مهجورة أو متضرّرة كسبيل إلى بثّ الروح فيها.

في أعمال يونغ لا تَنسى البلدان من دمّرها، ولا أسماء أعدائها، ولا الوجع الذي أصابها. لوحات للمشهد ذاته، للحرب التي تتكرّر بأسماء مختلفة، لأوطان غطى الغبار وجهها، وتحوّلت ببطء إلى أشجار معمّرة.

في كتابها هذا، تقدّم لنا ثناء عطوي نصّاً يجمع بين الأدب والتوثيق الصحافي، والفن التشكيلي والموسيقى، التي يلجأ إليها بطلا العمل في أوقاتِ الهدنة، ليجدا نفسيهما بعد الحرب وقد جمعتهما ظروف غير متوقّعة في مكان محايد، بعد عودة كل منهما من صخب الحرب والمعارك.. يتحدث كل منهما لطبيبه النفسي عن دوافعه ومخاوفه، وعن ذكرياته المؤلمة بطريقة مختلفة.

من الفصل التاسع «متساوون بالموسيقى» نقرأ:

«يقول لصديقه: نؤدي المهام نفسها منذ أشهر، ألا وهي سحق المدن والمدنيين، والقضاء على حياة جديدة كل يوم، واستهداف الأطفال بأعداد كبيرة. لا أعرف كيف سنغفل عنهم عندما نرى وجوههم في الصور، ونتذكر أنفاسهم الأخيرة، وما تلفّظوا به وهم يستغيثون في لحظات الفزع».

يسرح علي في عَلَم بلاده الذي رسمه أحد المقاتلين على جدران النفق. يقول لصديقه إبراهيم: «عندما نعود بالأكفان من هذه الحرب، سيعيدوننا إلى نفق آخر، ويمنحوننا أوسمة، ثم ينثرون الورد فوقنا. ستُغطى أجسادنا براياتٍ ملوّنة، تمنح موتنا قيمة عليا. لكن لدي أمنيةٌ واحدة، ليتهم يتركون القبور مفتوحة».

«طيران على مستوى منخفض» نوفيلا من 80 صفحة، تأخذنا من خلالها الكاتبة في رحلة سردية توثيقية بصرية تتناغم فيها ثماني لوحات للفنان البريطاني توم يونغ، مع فصول الكتاب الستة عشر، في محاولة لتفكيك شيفرات الحرب، وتغليب الإنساني على مشاهد العنف التي أصبحت المشهد الأول في يومياتنا العربية.

وكان الغلاف من تصميم إيهاب فياض.

ثناء عطوي كاتبة وإعلامية، عملت مراسلة حربية على خطوط النار لسنوات، ونشرت تقارير محلية وعربية عن الحرب. من إصداراتها: «تحوّلات المثقفين اللبنانيين منذ ستينيات القرن العشرين»، و«وسواس» سيرة روائية وهواجس حرب صدرت بالعربية والفرنسية، ودراسة بحثية بعنوان «الأسرى المحررون من أوهام الواقع».


«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع
TT

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

عن «مؤسسة شمس للنشر والإعلام»، بالقاهرة؛ صدر كتاب «عصر التزييف... هندسة الوعي وإعادة بناء الحقيقة»، للكاتب والمفكر العراقي «عباس النوري»، الذي يسعى في كتابه لمحاولة فهم التحولات العميقة التي يشهدها الوعي الإنساني في زمن تتداخل فيه الحقيقة بالوهم، والمعرفة بالضجيج، والاختيار بالتوجيه الخفي.

الكتاب يُعدّ مشروعاً فكرياً يسعى إلى قراءة التحولات العميقة التي يشهدها العالم في مجال الوعي والإدراك وصناعة السرديات، ويفتح باباً مهماً للتأمل في آليات تشكيل الوعي، بوسفه ضرورة بقاء، في زمن تتسارع فيه محاولات التأثير على العقول وإعادة تشكيل الإدراك، وباعتبار أن الإنسان ليس مجرد وعاء تُلقى فيه الأفكار، بل كائن قادر على مراجعة قناعاته واستعادة استقلاله الفكري.

ينطلق «عصر التزييف» من سؤال جوهري: لماذا أصبح الإنسان، رغم وفرة المعلومات، أكثر عُرضة للالتباس وصناعة القناعات الموجهة؟ وهل التزييف يقتصر على الأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة، أم يمتد إلى توجيه الوعي والإدراك والقِيم والحقائق؟ ويقدم إطاراً فكرياً لتحليل آليات التأثير في الوعي، وتناقش دور الإعلام، والخوارزميات، واللغة، والخوف، والتكرار، في تشكيل الإدراك الإنساني. ولا يكتفي بالتشخيص، بل يطرح رؤية عملية لبناء وعي نقدي يعزز قدرة الإنسان على التمييز بين الحقيقة والوهم. كما يلفت إلى أن أخطر أشكال التزييف هو ذلك الذي يتخفى خلف شعارات الحرية والاختيار.

ويشير الكتاب إلى أن التزييف اليوم «لم يعد حدثاً عابراً أو حالة استثنائية، بل أصبح بنية عميقة، يعاد من خلالها صياغة الوعي، وتشكيل إدراك الإنسان للعالم، ومن ثم يمثل الكتاب محاولة فكرية لفهم هذا العصر، وتحليل آليات إنتاج (الوعي المصنّع)، وبيان كيف تدار الحقيقة وتعاد هندستها، مع السعي إلى حماية الإنسان من الانخداع بالوهم، ليحافظ على إنسانيته وقدرته على التفكير الحر».