عقب الرسالة المفتوحة التي وجهها جمهوريون في مجلس الشيوخ الأميركي إلى قادة إيران، هاجم بشدة نائب الرئيس الأميركي جو بايدن الجمهوريين الذين حذروا بشكل مباشر القادة الإيرانيين، في بادرة غير معتادة، من أن أي اتفاق نووي يمكن أن يلغيه الرئيس المقبل.
وكان 47 من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين حذروا زعماء إيران أول من أمس من أن أي اتفاق نووي مع الرئيس باراك أوباما قد يستمر فقط ما دام أوباما في المنصب في تدخل حزبي غير معتاد في السياسة الخارجية من شأنه أن يقوض محادثات دولية حساسة مع طهران. وأعرب بايدن بلهجة شديدة في بيان وزع في وقت متأخر مساء أول من أمس عن أنه على مدى 36 عاما أمضاها في الكونغرس لم يشهد قط مثل هذه البادرة المتمثلة بقيام أعضاء في مجلس الشيوخ بتوجيه رسالة إلى قائد أجنبي لتحذيره من أن الرئيس الأميركي باراك أوباما ليس لديه سلطة إبرام اتفاق. وقال بايدن إن «الرسالة التي وجهها 47 سيناتورا جمهوريا إلى إيران والتي أعدت خصيصا من أجل تقويض رئيس يمارس مهمته، وذلك وسط مفاوضات دولية حساسة لا تليق بمؤسسة أحترمها». وحذر 47 من 54 عضوا جمهوريا، في مجلس الشيوخ، الإيرانيين من أن الكونغرس يملك وحده سلطة رفع العقوبات المفروضة على إيران والتي صدرت على شكل قوانين في الأعوام الماضية.
وشدد بايدن على أن «هذه الرسالة، بحجة إعطاء درس دستوري، لا تأخذ في الاعتبار قرنين من التقاليد وتهدد بتقويض قدرة أي رئيس أميركي مقبل، سواء كان ديمقراطيا أو جمهوريا، على التفاوض مع دول أخرى باسم الولايات المتحدة». وأعرب عن أن «هذه الرسالة توجه رسالة مضللة جدا.. رسالة خاطئة بقدر ما هي خطيرة»، وقال: «بوسع الشرفاء الاختلاف في السياسة، لكن هذه ليست طريقة لجعل أميركا أكثر أمانا أو قوة». واعتبر بايدن أن محاولة الجمهوريين إفشال الجهود الدبلوماسية الخاصة ببرنامج إيران النووي «خطأ خطير». وأشار بايدن في بيان إلى أن «المفاوضات الحالية تقدم أفضل الآفاق لسنين طويلة من أجل تجاوز الخطر الجدي الذي تمثله طموحات إيران النووية. ويعتبر تعطيل الحل السلمي خطأ جديا، خصوصا أن الدبلوماسية ما زالت تعمل»، مؤكدا أنه «من دون الدبلوماسية أو زيادة الضغط على إيران يزيد احتمال اللجوء إلى القوة العسكرية، وذلك في الوقت الذي تقوم فيه قواتنا بمحاربة تنظيم داعش». وذكر بايدن أن «الغالبية الساحقة من الاتفاقيات الأميركية الدولية تعمل دون مصادقة الكونغرس»، مشيرا بهذا الخصوص، كمثال قريب على نجاح الدبلوماسية، إلى «الاتفاقيات الروسية الأميركية المشتركة إزاء حل مشكلة السلاح الكيميائي السوري».
وأكد نائب الرئيس الأميركي أن قرار الكونغرس لتقويض أوباما والدستور الأميركي «يغضبني كمبدأ»، وقال: «وعلى سبيل السياسة، لم تعرض الرسالة البديل لحل دبلوماسي مع إيران. ولكن رسالة الكونغرس تسعى لتقويض سلطة أوباما والسلطة الإيرانية».
وهذه الرسالة تظهر المنحى الحزبي الذي يأخذه الملف النووي الإيراني في الكونغرس الخاضع لسيطرة الجمهوريين منذ يناير (كانون الثاني) الماضي. وشدد بايدن على أنه لا يوجد حل للتهديد الذي يشكله البرنامج النووي الإيراني، وقال: «ومع ذلك فإن الحل الدبلوماسي الذي يضع قيودا كبيرة على البرنامج النووي يمثل أفضل فرصة لضمان أن الولايات المتحدة وإسرائيل والعالم لن يكونوا أبدا مهددين من قبل إيران». وأعرب نائب الرئيس عن دهشته بأن «هدف الرسالة هي إقناع إيران بعدم التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة».ومن جانبه استنكر أوباما مبادرة الجمهوريين، وقال: «من المفارقات أن يشكل بعض البرلمانيين في الكونغرس جبهة مشتركة مع الإيرانيين المؤيدين لاعتماد نهج متشدد». وأضاف: «في هذه المرحلة سنرى ما إذا بإمكاننا التوصل إلى اتفاق، وإذا حصل ذلك فسنتمكن من الدفاع عنه أمام الأميركيين».
وضمت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون صوتها إلى بايدن وأوباما أمس، قائلة في مؤتمر صحافي في الأمم المتحدة إن «الرسالة الأخيرة لأعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين ابتعدت عن التقاليد الأفضل للإدارة الأميركية، وعلينا التساؤل حول الغاية من هذه الرسالة». وأضافت: «علينا السؤال: ما الهدف من الرسالة؟ إما أن هؤلاء الشيوخ يحاولون مساعدة الإيرانيين، وإما أنهم يحاولون الإضرار بقائد القوات المسلحة (أوباما) في ملف دبلوماسي دولي ينطوي على تحديات كبيرة، وفي الحالتين الأمر يضر الموقعين».
وفي طهران، وصف وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف الخطاب المفتوح عن الاتفاق النووي بأنه «حيلة دعائية» من جماعات ضغط تخشى الاتفاق الدبلوماسي. وقال ظريف في تصريحات نقلتها «رويترز» أن «هذه حيلة دعائية ولا قيمة قانونية لها، وتظهر مدى قلق جماعة ما. لم يتم التوصل إلى اتفاق بعد، ومع ذلك فان هناك مجموعة تتحدث عن محتواه».
ووقع على الخطاب المفتوح جميع الجمهوريين في مجلس الشيوخ باستثناء 7، ولم يوقع عليه أي من الأعضاء الديمقراطيين. وانتقد ظريف الذي تحدث في طهران الجمهوريين قائلا: «من المؤسف أن هناك مجموعة ترفض التوصل إلى اتفاق. بالطبع نحن نصر على أننا إذا توصلنا إلى اتفاق يجب أن يكون اتفاقا يصون حقوق شعبنا، ونحن واثقون من أن هناك سبلا لتحقيق هذه النتيجة».
وبدوره، نصح المحلل السياسي مايكل روبن الباحث في معهد «أميركان إنتربرايز» الأميركي إدارة أوباما بالتعلم من دروس الإدارات الأميركية السابقة في تعاملها مع إيران، مطالبا أوباما بإجبار النظام الإيراني على الاختيار ما بين الطموحات النووية وبقاء الدولة الإيرانية.
وقال روبن إن «الدبلوماسيين الأميركيين على مدى العقود السابقة حاولوا التوصل إلى سلام في تعاملهم مع الدول المارقة، لكن الجهل بثقافات العدو وأهدافه الحقيقية يمكن أن يدمر»، وأضاف: «هذا هو السبب، إن الاندفاع المتهور لأوباما للتوصل إلى اتفاق مع إيران يمكن أن يكون كارثيا».
وطالب الباحث إدارة أوباما بالتعلم من تجارب الإدارات الأميركية السابقة، وقال: «إذا كان أوباما جادا بشأن إنهاء التهديد النووي الإيراني فعليه التعلم من دروس الدبلوماسيات السابقة مع إيران، وأن يعلم أن أخذ خيار استخدام القوة بعيدا عن طاولة المفاوضات يضعف من الدبلوماسية الأميركية».
وأشار إلى أنه «في أزمة احتجاز الرهائن الأميركيين في طهران اعترف محتجزو الرهائن أنه عندما علموا أنه ليس هناك رد عسكري أميركي استمروا في مخططهم لاحتجاز الرهائن من 48 ساعة إلى أزمة استمرت 444 يوما».
ويشير روبن، المسؤول السابق بالبنتاغون لشؤون الشرق الأوسط وتركيا وإيران، إلى أن تاريخ الدبلوماسية الأميركية مع الأنظمة المارقة يؤكد أن أسلوب الرئيس أوباما في التعامل مع الدول المارقة هو أمر تكرر كثيرا في الدبلوماسية الأميركية وليس استثناء.
