الوحدة ومكابداتها... شعرياً

محمد سالم في ديوانه الفائز بجائزة «القاهرة للكتاب»

الوحدة ومكابداتها... شعرياً
TT

الوحدة ومكابداتها... شعرياً

الوحدة ومكابداتها... شعرياً

لماذا يلجأ الشاعر إلى السخرية من ذاته والتقليل من شأنها إلى حد التحقير أحياناً، هل نحن بصدد مرثية تتجاوز حدود الرثاء التقليدي، أم أنه نوع من اللعب مسكون بما هو أبعد من الفانتازيا وشطح الخيال ونوازع البوح والاعتراف، لتظل المسافة رخوة بين الذات وموضوعها، قابلة للمساءلة والحذف والبتر والإضافة أيضاً.
تطل هذه الأسئلة والهواجس بقوة وتشكل مداراً للرؤية في ديوان «سيرة رجل تافه ووحيد» للشاعر محمد سالم، الفائز بجائزة معرض القاهرة للكتاب هذا العام. ثمة فجوة من فقدان الثقة وانعدام الحوار، بين الذات الشاعرة وواقع العالم من حولها، وهو واقع متجهم، ممعن في الصمم والخواء، تغيب فيه أنفاس البشر، وتبدو مجرد صدى لذكريات متهرئة وأحلام عابرة، ولا يجد الشاعر ما يؤنس وحدته سوى أن يشاكس الأشياء، يفتش في ظلالها عن شيء يخصه، ورائحة تشبهه. ربما من خلالها يجد ما يشاركه همومه وانفعالاته ونزقه، أو على الأقل يخفف من أعباء الوحدة، ولو بالتسلية الساخرة المرة.
بهذه الروح، يعي الشاعر المشهد، ويعيشه ككرة من المطاط ترتطم بالحائط ثم ترتد إليه. وهكذا، دواليك، حتى يتعب الاثنان، أو لا يجد أحدهما ما يصنعه للآخر، فينسحب في هدوء مرتضياً برشاقة الهزيمة والسخرية من كل شيء. فلا بأس إذن أن يسخر من حجرته، بعد أن ضاقت بأنفاسه، وفقدت ميزتها كرحم مكاني يحتويه... يقول في مستهل الديوان، وفي نص يشكل مناط الجدارة الشعرية بين نصوصه وصفحاته التي تزيد على المائة صفحة:
«ضقتِ أيتها الحجرة
وصرتِ تثورين لأتفه سبب
فما رأيك أن أخلصك الآن من أشيائك القديمة
أو أن يلين قلبك ونقتسمها
كي يستطيع الهواء أن يجد طريقاً لرئتيكِ
ما رأيك؟
ماذا تريدين؟
المقعد؟
حسنٌ، لا أحد يزورني
ولطالما اشتكى من الوحدة
لكن احذري، ساقه المكسورة لم تتحمل همومي.
السرير أيضاً؟!
أيتها الطماعة، كيف أقنع إغفاءاتي المضطربة أن تبحث عن بديل
وماذا ستفعلين في الكوابيس التي تنخر عظمه؟!
لا بأس، احمليه
فقط حين تُخرجين الوسادة للشمسِ احرصي
كي لا يفر حلمٌ جميلٌ مر بالخطأ».
لا يسعى الشاعر إلى أنسنة الأشياء والتقاط مفارقاتها العابرة، أو تحميلها بما تنأى عنه من الدلالات والرموز، فهي محملة بكل هذا، وفقاً لوظائفها ومهامها الحياتية الواقعية، ثم إنها كائنات لها وجودها، وحيواتها الخاصة، وحيزها المكاني والزماني أيضاً، لذلك يبرز الوعي بالذات الشاعرة، وكأنها ثمرة من ثمرات اللغة والطفولة تحتاج للرعاية حتى لا تشيخ وتذبل، وتفقد نضرة الحياة، وروح المرح والسخرية.
حين تجلس على الكرسي فإنك تمارس نوعاً من الوجود المزدوج: وجود الكرسي نفسه في حيزه المكاني، ووجودك أنت المضاف إليه، كقيمة وحركة ودلالة، تتنوع بحسب المزاج، وطبيعة المشاعر العاطفية، فشتان بين هذا الوجود المضاف في حالة السأم والضجر والألم، وبينه في حالة البهجة والمرح والفرح العاطفي والسرور.
في هذا القوس، تستمر اللعبة إذن حتى آخر الشوط، آخر الملل والسأم والضجر، ربما يمتزج المشهد برقته الهاربة، أو يفيض عن شيء آخر، أكثر دلالة ومفاجأة:
الخزانة!
لكنها فارغة
ليس بها سوى صورٍ ممحوة
لم أشأ إيلام جدرانك بالمسامير كي أعلقها
حسنٌ لن أضن بها
نحصي إذن ما تبقى
التواريخ على الحائطِ!
لقد بَعُدَتْ جداً
وغدت باهتة، فلا أستطيع أن أميز الحزين من الفرِحِ
لذلك سأتركها أمانة في عنقكِ
ثم ماذا؟
أظنكِ لستِ بحاجة إلى ماكينة حلاقة صدئة
أو فرشاة أسنانٍ قديمة
ما الذي أبقيتِ لي أيضاً؟
كتباً! مرآة ضريرة!
ذكرياتٍ!
ألا ترين أنها قسمة ضيزى
خذي كل شيء وانزعي السلاسل
أستطيع أن أحمل العتمة بعيداً
أعصب عينيها كي تتوه
وألقيها لأول مقلب للقمامة
أو أربطها بحجر وأقذفها إلى البحر
فقط دليني على الباب
كان هنا باب.
رغم التعليل الخشن في «أعصب عينيها كي تتوه»، يحقق النص من خلال علاقة التوازي بين النفي والإثبات حول حقيقة وجود «الباب» في لطشة الختام نموه الدرامي بسلاسة لغوية، وحساسية شعرية شديدة الإثارة، تضعه في قلب سيمولوجيا العلامة، فالباب ليس مجرد رمز أو دلالة محددة الإطار، إنما علامة عابرة مفتوحة على إمكانية الدخول والخروج، تبلغ ذروتها فنياً بإمكانية عزل العالم ونفيه في قبضة الوحدة، داخل هذا الحيز المكاني الضيق. ما يمنح النص رحابة في المعني، والقدرة على الاتساع زمانياً ومكانياً.
تتداعي أجواء هذا النص المفتاح في أغلب النصوص، لكن بفاعلية شعرية أقل، تراوح ما بين الثقل والخفة، ونثر الحكي ونثر الشعر، فتعاود الذات الشاعرة اللعب مع نفسها ومحاولة صناعة البهجة من نثريات الحياة، متقمصة إيقاع العازف الموسيقي، ومهارة الخباز ومناخات الطفولة، ومن نافذة الاحتياج والوجع الإنساني، تطل على الوحدة، تخشى عليها من الحيرة والتسكع في الطرقات، وكأنها صديق حميم. تطالعنا هذه الأجواء في نص رقم (22) يقول فيه الشاعر:
ستخرجين للشارع أيتها الوحدة
بشعرك الأشعث
وملابسك الممزقة
وأظافرك الطويلة التي طالما نهشت أرواحنا
تسألين كل عابر
أن يرق لكِ
فيمضون
والعيال الذين مات آباؤهم تحت وطأتك
يقذفونك بالحجارة
بتعاويذ تعلمناها من الخوف نُبطل بها حيَلكِ
ونمد أصابعنا في جوفك
ننزع روحك
روحك مصاصة الدماء
كل ألاعيبك انكشفت
ستموتين وحدكِ
حتى اللعنات
لن نصبها عليك
مخافة أن تصحبكِ إلى قبرك
وتؤنس وحدتك».
تتحول السخرية هنا إلى علامة، تنشط فوق سطح الطفولة، وبقوة العلامة تتجرد الصورة الشعرية من النمطية الذهنية، وتصبح شكلاً من أشكال اللعب المغوي، وتتسع طاقة الصورة بصرياً، فهناك صوت لحركة العناصر والأشياء في النص، يدفعها إلى تمثل حسية أبعد، مفتوحة على براح الحواس، كما تتسع المسافة بين الدال والمدلول، وتصبح مسرحاً للعب بين الذات وموضوعها، كأنهما في صراع مكشوف، من أجل أن تبقي حرية النص هي التي تحدد ضربتي البداية والنهاية. يطالعنا ذلك في نص رقم (2) مشكلاً عتبة تمهيدية لهذا النمو الساخر المرح... يقول الشاعر فيه:
«أنا صانع البهجة الذي كلما فرغتُ من العمل
أجمع صغاركم
أصنع لهم عرائسَ العجين
وغابة لا تأكلهم وحوشها
الغابة التي يصنعها المجانين
أصنع لهم آباء طيبين
ظهورهم مستقيمة
وأمهات بعيون لم يطفئها الحزن»
لا تنفصل الأنثى المفتقدة برمزيتها المتنوعة عن هذه الأجواء أيضاً. فتنعكس عليها ما تخلفه الوحدة من وحشة، ويبدو حضورها دائماً كأنه غياب يشبه الحضور. بل كأن الوحدة أنثى... يقول في نص رقم (4):
«الأمر ليس بهذه البساطة
أستيقظ فلا أجدكِ
أمور كهذه لم تعد تناسبكِ
ولا أظنك على سفر
أو – لا قدر الله - قد هربتِ
أحذيتك بكاملها
ولم تتركي - مثل هاربات الدراما - ورقة
ولم تكتبي
لم تكتبي
ما الذي كنت ستكتبين لو أنك فعلتِ
(تركت لك عكازة أبيك)
مثلاً؟
أبي أضاعها
تعلمين كان يهش بها على غنمه
حاصرته الذئاب وانقضت على عكازتيه
فآوى إلى ركن قصي وبكى».
لكن، يشوب حضور الأنثى نظرة أحادية، فغالباً ما تتحول الى مرآة تنعكس عليها الأشياء كما ترسمها الذات الشاعرة وتريدها وتتمناها. لذلك تبدو حريتها وصورتها محددتين مسبقاً، وصدى لصوت الشاعر، لا تنفك عن ذكرياته وأحلامه وصراعاته المتوهمة، كما لا تسعى النصوص إلى اكتشاف ما يكمن وراء هذه الصورة، بل تصفها وكأنها المسئولة عن خراب العالم: (أنتِ لا تحبين إلا نفسكِ/ قاسية وبلا قلب تقريباً/ تعلمين أن طاغية يعتقل الآن بلداً بكامله/ كل يوم يجرهم في طوابير). ومع ذلك لا يتمنى الشاعر سوى أن تموت بعده بدقائق، لأنه يكره الوحدة والظلام... كما في نص رقم (34):
«ماذا تفعلين بعد موتي
بالتأكيد لن تكوني وحيدة
وتعيسة
سوف تظلين كما أنت محاطة بالمحبين
ولست غبياً لأدعوك على العشاء
ثم أقترح عليك أن نتخلص من العالم
بانتحار ثنائي
فأنا أعرف أنك تحبين الحياة جداً
لذلك دعوت الله أن يلحقك بي بعد عدة دقائق
لأنني أكره الوحدة والظلام».
ورغم ذلك، يحمل الديوان طاقة شعرية متدفقة، وشاعراً له رؤيته ورائحته الخاصة، أحسب أن أعماله القادمة ستكون أكثر إثارة للدهشة والأسئلة.



الليطاني... حارس الذاكرة والأسطورة التي تجاهلها الشعراء

الليطاني... حارس الذاكرة والأسطورة التي تجاهلها الشعراء
TT

الليطاني... حارس الذاكرة والأسطورة التي تجاهلها الشعراء

الليطاني... حارس الذاكرة والأسطورة التي تجاهلها الشعراء

لم تكن الأنهار على امتداد العصور مجرد تفصيل عابر في حياة البشر، ولا كانت مجاريها مجرد ناقل للمياه، من مساقطها الأم إلى مصباتها البحرية، بل لطالما أسهمت من خلال دورها المحوري في إخصاب الأرض ورفدها بأسباب النماء، وسد غائلة الجوع والعطش عن كائناتها المختلفة، وفي جعل الكوكب الأرضي مكاناً صالحاً للعيش، وفي رسم خرائط الهجرات التي رسمت من خلالها حدود الدول.

وإذا كانت الأنهار، وفق ما أظهره التاريخ وأكدته الأدلة المحسوسة، قد هيأت الظروف الملائمة لنشوء الحضارات الكبرى، وبُنيت على ضفافها كبريات المدن والعواصم، فلا بد أن تكون تبعاً لذلك محل احتفاء الشعوب القديمة في اليونان ومصر وبلاد الرافدين، وفي شرق العالم وغربه، وأن تكون منجماً للأساطير وآلهة الخصب، وأن تقام لها الاحتفالات والأعياد والأضحيات من كل نوع. ولأن حضور الماء مقترن بحضور الحياة، وغيابه مقترن بغيابها، فقد كان من الطبيعي أن تشكل الأنهار ومجاري المياه وأحواضها، أحد أكثر مسببات الحروب، والنزاعات الدموية بين البشر.

وكما أن على الثلج أن يخسر هويته ومادته الصلبة، ليرفد بالماء اللازم مجاري الأنهار، فإن ما يحدث للأنهار هو الشيء نفسه، ولو بصورة أخرى، حين تكتشف أن حلمها الدهري بعناق البحر والاتحاد فيه، لا سبيل إلى تحقيقه إلا عبر فنائها بالذات. وقد أسهمت الأنهار في تغذية قرائح الشعراء والمبدعين بما يلزمها من الاستعارات، لا بفعل تكوينها اللولبي، المتراوح بين الظهور والخفاء، وهندستها الجمالية التلقائية، ولا بسبب غضب شتائها الطوفاني، أو نعاس صيفها المقمر فحسب، بل بسبب قدرتها الفائقة على الملاءمة بين حاجة الجماعة إلى تاريخ مشترك، وحاجة الأفراد إلى تأهيل ذاكرتهم بالأسرار.

ولهذه الأسباب وغيرها، تمكنت الأنهار بمختلف أحجامها، من رفد الأذهان ورفوف المكتبات، بأعمال وسرديات شديدة الفرادة، من بينها «الدون الهادئ» لشولوخوف، و«قلب الظلام» لكونراد، و«ثرثرة فوق النيل» لنجيب محفوظ، و«ثلاثمائة فرسخ على الأمازون» لجول فيرن، و«هناك أنهار في السماء» لأليف شافاك.

وإذا كان الليطاني لا يَثبت بمعايير الطول والغزارة والاتساع أمام أنهار العالم الكبرى، فإنه بالقياس إلى البلد الصغير الذي يشقه مجراه من الوريد إلى الوريد، يلعب الدور نفسه الذي يلعبه أترابه في حياة الشعوب والجماعات. إضافةً إلى أنه شكَّل على المستوى الجيوسياسي، محلاً للتجاذب المتواصل بين القوى الدولية المتصارعة، وبخاصة في الفترة التي أعقبت سقوط الدولة العثمانية، حيث تمكنت دولة الانتداب الفرنسي من أن تنجح في دفع الحدود الجنوبية للبنان الكبير، قليلاً إلى ما وراء النهر.

أما الليطاني نفسه، فقد تمكّن منذ خروجه من نبع العلَّيق غربي بعلبك، حتى مصبه في المتوسط، إلى الشمال من صور، من أن يجتذب إلى مجراه كثيراً من الروافد، بدءاً من البردوني وعمّيق والخريزات، وصولاً إلى ينابيع عين الزرقا والحجير والخردلي ووادي السلوقي وغيرها. كما أن إسهامه في حياة الفلاحين الساكنين إلى جواره، تراوح بين ري الأراضي العطشى، وتوليد الكهرباء، وبين إتراع قصص الحب بما يلزمها من الظلال والشجن الرومانسي. وهو إذ أعطى كنيته لبعض القرى، كما هو حال «علي النهري»، و«دير قانون النهر»، اتخذ من بعض محطات مجراه أسماء جانبية له، حتى إذا بلغ المصب أطلق عليه الجنوبيون اسم نهر «القاسمية».

ومع أن الليطاني قد ارتبط في أذهان كثيرين بالجنوب اللبناني، رغم أن معظم المسافات التي يقطعها تنتمي إلى البقاع، فإن الأمر عائد على الأرجح، إلى أن الشطر الأخير من النهر، حيث تكاد الحدود اللبنانية والفلسطينية تتلامسان تماماً في غير موضع، كان ولا يزال الجزء الأكثر عرضة للأطماع من سواه. فهو الذي اشتعلت من حوله الحروب، وسُميت باسمه «عملية الليطاني»، وتعمدت كل قطرة من مياهه بدماء الجنوبيين، كما بدموعهم وعرق جباههم وتباريح قلوبهم المجهدة.

أما في أزمنة السلم والتعاقب الوادع للسنين، فلطالما أسهمت الطبيعة الأليفة للنهر، والتقارب الحميم بين ضفتيه، في جعله مقصداً شبه دائم لأبناء جبل عامل، يلوذون بمياهه من حر الصيف، ويبثّونه لواعج قلوبهم وشكاواهم من شح المواسم وانقلاب الأحوال، ويُلقون إليه بأجسادهم التعبى، وأرواحهم الظامئة إلى السكينة.

وإذا كان من البديهي، أن يشكل الليطاني، بمياهه الرقراقة وأشجاره الظليلة ومشهديته الاحتفالية الباذخة، أحد ينابيع الإلهام الأكثر ثراءً لشعراء جبل عامل وكتابه، فإن ما يبعث على الحيرة والاستغراب، هو ألا يحظى النهر بالاهتمام نفسه، الذي لقيته أنهار العالم المماثلة، رغم كل ما يزخر به حوضه من إرث غني، متصل بعضه بالأساطير والطقوس والشعائر الدينية والدنيوية، وبعضه الآخر بالفلكلور والأهازيج والأغاني.

ورغم كل ما بذلته من جهد في هذا المجال، فإن كل ما أمكنني العثور عليه هي أبيات كتبها الشاعر العباسي عبد المحسن الصوري، ابن مدينة صور، تحت عنوان «لا يوم كيومنا بشاطئ ليطا»، وهو اسم النهر آنذاك. وفي تلك الأبيات، ذات النظم المتكلف والتقفية المتعسفة، التي اضطره اسم النهر إلى استخدامها، يقول الصوري:

والطلُّ ينشر كلّ وقتٍ لؤلؤاً فيها سقيطا

وجواهر الأنوار تُطلِع من زبرجدها خليطا

فإذا رأيت الدرّ أبصرت العقيق به منوطا

حالٌ تردُّ إلى التصابي كلَّ كسلانٍ نشيطا

وقد اختلف الوضع قليلاً بين نهايات القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين، حيث إن تحلُّق العامليين حول النهر لم تقتصر أسبابه على ما وفرته لهم ضفافه من مساحات الفرح والبهجة، بل لأنهم رأوه، في ظل التبلور الصعب للكيانات السياسية الوليدة، بوصفه رمز وجودهم، وصورة هويتهم القلقة والباحثة عن التحقق. وحيث شكّل اختيار وادي الحجير، أحد أجمل بقاع النهر، مكاناً لانعقاد المؤتمر الشهير الذي تنادى إليه العامليون للإعلان عن مبايعة فيصل الأول عام 1920 ملكاً على بلاد الشام، تجسيداً واضحاً لرمزية المكان وخصوصيته ودلالاته، فقد تحول الوادي المذكور وللأسباب نفسها، إلى ملتقى أثير للشعراء وتابعيهم، والى موئل دوري للمناظرات الأدبية والفكرية، ولمجالس الشاي والأنس والسمر.

وإذ كان من الطبيعي في تلك الفترة، أن تنعكس ملامح النهر وصوره الموزعة بين أودية الحجير والخردلي والسلوقي وغيرها، في قصائد العامليين ومقطوعاتهم، فقد خصه برسائل الحب والحنين وقصائد الوصف، غير واحد منهم، فكتب علي محمود الأمين، قصيدة عن وادي السلوقي، مطلعها «طرزتْ ثرَّةُ السحابِ الدَّفوقِ، بصنوف الأزهار وادي السلوقي». وكتب الفقيه المعروف محسن الأمين، قصيدة جاء فيها:

وادي الحجيْر سقاكَ وكَّافُ الحيا

كم فيك للأبصار من مستمتَعِ

جُمعتْ من الأشجار فيك بواسقٌ أمثالها

بسواكَ لم تتجمّع

ولقد تقاسمنا الغضا وغصونهُ

في راحتيك وناره في أضلعي

وادٍ حكتْ أزهارهُ ورياضهُ وجهاً

من الحسناء غير مقنَّعِ

على أن ما يبعث على الحيرة والاستغراب، لا ينحصر فقط بما تعرض له الليطاني من ظلم أهل السلطة والمتنفذين، ومقاولي الثروات الطبيعية، والتسبب بتلويث مياهه، وتحويل مجراه إلى مستنقع للسموم، بل بكون هذا الجمال الملحمي، الذي شكَّل الظهير الأكثر صلابة، للغة شعراء الجنوب وكتابه اللاحقين، لم يجد عدا استثناءات قليلة، صداه المناسب فيما ظهر لهم من قصائد وأعمال شعرية وروائية. وإذ تحتاج مقاربة هذه الإشكالية إلى غير هذا المقام، فإن ما أستطيع قوله أخيراً هو أن عظمة الأنهار لا تقاس بأحجامها وغزارة مياهها، بل بكونها واسطة عقد الذاكرة الجمعية، وبكونها مصدراً دائم التجدد للإلهام والأمل، وإرادة البقاء. وإذا كان بدر شاكر السياب قد رفع جدولاً صغيراً كنهر بويب، المحاط بغابات النخيل الوارفة في جنوب العراق، إلى مقام الأسطورة، فحريٌّ بأن يحظى الليطاني من الشعراء والكتاب الذين تربوا في كنف مياهه، بالتكريم نفسه والاهتمام إياه.


قبّة ديوان قصر هشام

لوحة من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدرها قصر هشام في نواحي حيفا
لوحة من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدرها قصر هشام في نواحي حيفا
TT

قبّة ديوان قصر هشام

لوحة من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدرها قصر هشام في نواحي حيفا
لوحة من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدرها قصر هشام في نواحي حيفا

تمّ استكشاف سلسلة من القصور الأموية الموزّعة على نواحٍ من بوادي بلاد الشام خلال النصف الأول من القرن العشرين، وخرجت حملات التنقيب المتعاقبة في هذه المنشآت بمجموعات متنوّعة من اللقى الأثرية، شكّلت مادة للتعريف بالفنون الأموية المدنية. يعود الجزء الأكبر من هذه اللقى في الأصل إلى حلل زينية معمارية، ويعتمد في الدرجة الأولى تقنية الجص المنقوش، وتُعتبر أهمّ شواهده تلك التي خرجت من قصر المَشتى في الأردن، وقصر الحير الغربي في سوريا، وقصر هشام في فلسطين. تتكوّن هذه النقوش الجصيّة من شبكات هندسية زخرفية تجمع بين المفردات الهندسية المجرّدة والعناصر التصويرية المتعدّدة، منها النباتي، ومنها الحيواني، ومنها الآدمي. تحضر هذه العناصر المختلفة في قطعة كبيرة مستديرة الشكل، قيل إنها كانت تزيّن قبة ديوان قصر هشام، بأسلوبها الفني الرفيع، وتختزل جمالية خاصة طبعت الفن الإسلامي المدني في تلك المرحلة المبكرة من تكوينه.

تجمع حلل قصر هشام بين عناصر متعدّدة تعود إلى فنون العالم المتوسطي والعالم الفارسي والعالم الآسيوي الأوسط، وتعكس قدرة مثيرة في الابتكار والقولبة والتجديد. من هنا تبدو هذه الحلل متأصلة في تقاليد قديمة، ومطبوعة بطابع محلّي خاص يُعرف اليوم بالطابع الأموي. إلى جانب الزخارف المكوِّنة للعناصر المعمارية، كالتيجان والأفاريز والفتحات المعروفة بالنوافذ، اعتمدت هذه الحلل سلسلة من العناصر النباتية، منها أغصان الكرمة وسعف النخيل وبعض الثمار، كما اعتمدت سلسلة متنوعة من الأشكال الحيوانية، منها المعز الجبلية والغزلان والقردة والأرانب والخيول المجنحة، إضافة إلى أصناف عدة من الطيور. حضرت هذه العناصر الحية في شبكات زخرفية غلب عليها طابع التحوير والموازاة والتجانس المحكم، وحوى بعض منها عناصر آدمية متعدّدة الأشكال، بدت مدمجة بشكل كامل في التصاميم النباتية والسلاسل الزخرفية الهندسية. تجلّى هذا الانصهار بشكل لافت في قطعة دائرية من الحجم الكبير، رأى أهل الاختصاص أنها كانت تزيّن على الأرجح قبة تعلو قاعة قيل إنها تمثّل الديوان الخاص بقصر هشام، وهذه القاعة مربّعة، وطول ضلعها نحو 4 أمتار.

وصلت هذه القطعة المستديرة مهشّمة، وتم جمع مكوّناتها المبعثرة وصهرها إثر عملية ترميم متأنية. تحضر في الوسط زهرة محوّرة هندسياً تحيط بها ستة وجوه آدمية صيغت في وضعية المواجهة. يشكّل هذا التأليف الدائري نواة هذه القبة المتقنة، ويبلغ طول قطره نحو 1.5 متر. تلتف الوجوه الستة في حلقة دائرية يحيط بها شريط تزيّنه أغصان مورقة. ويلتفّ من حول هذا الشريط شريط أكبر حجماً تزيّنه أغصان مورقة مغايرة في الشكل. حافظت الكتلة الوردية التي تحتل وسط الصورة على مكوّناتها بشكل شبه كامل، ونقع على صورة توثيقية لها في الكتاب المرجعي الذي نشرته جامعة أوكسفورد في سنة 1959، وحمل عنوان: «خربة المفجر: قصر عربي في الصحراء». تتألف الوردة من ست بتلات، تحيط بها سلسلة بتلات، ينقسم كل منها جزأين متجانسين. تحيط بهذه السلسلة ست أوراق نباتية عريضة من فصيلة الأقنثا، وهذه الفصيلة معروفة في قاموس الفن الكلاسيكي، وتشكّل عنصراً من عناصر الفنين اليوناني والروماني المتوارثين عبر العصور والقارات. على صعيد الأسلوب المتبع، تحل الوردة في قالب تحويري يغلب عليه الطابع الهندسي التجريدي. في المقابل، تحل أوراق الأقنثا في قالب كلاسيكي، وتحافظ بشكل كبير على مثالها الطبيعي.

تنعقد حول هذه الأوراق سلسلة من ستة وجوه، تتشابه حتى التماثل. تبدو هذه الوجوه النضرة أنثوية في المقام الأوّل، غير أن التفحّص فيها يظهر أن اثنين منها ملتحيان، ممّا يعني أنها تجمع بين وجوه من الجنسين. التكوين واحد، ويتمثل بوجه بيضاوي ممتلئ، بدت ملامحه المجسّمة واضحة وجليّة. العينان لوزيتان ضخمتان، يتوسّط كلّ منهما بؤبؤ على شكل ثقب دائري غائر، والحاجبان عريضان ومقوّسان ومنفصلان. الأنف ناتئ ومستقيم، ومنخراه ظاهران. الثغر منمنم، وتعلوه ابتسامة خفرة. العنق عريضة ومكتنزة، وتشكّل قاعدة للرأس المنتصب من فوقها.

يعلو كل رأس قوس تزينه سلسلة من الفصوص البيضاوية، وتشكل هذه الأقواس شريطاً يحدّه شريطان نحيلان يخلوان من أي زخرفة. يلتف فوق هذا الشريط غصن مورق تُظهر أوراقه أنه من فصيلة الكرمة. تنصهر هذه الكرمة داخل شريط يتألف من سلسلة مشابهة من الأقواس المتجانسة، في قالب يحافظ كذلك على طابعه الواقعي الكلاسيكي، كما تشهد أوراق الدالية المصوغة بأسلوب واقعي. يلتف حول هذه الدالية شريط يماثل الشريط الذي يحيط بالوجوه، ومن حول هذا الشريط، تلتف سلسلة من الأغصان اللولبية، تشكّل خانات دائرية تحوي كل منها نبتة محوّرة، تستعيد شكل الأقنثا بأسلوب زخرفي مبتكر. تأتلف هذه النبتة من ورقتين متعاكستين، تعلوهما ورقتان عموديتان، وبين هاتين الورقتين، ينساب كوز مثمر بدت حبوبه مرصوفة في كتلة متراصة. يكتمل هذا التكوين الزخرفي المتين مع شريط دائري يلتف من حوله، وتزيّن هذا الشريط كذلك فصوص بيضاوية، وفقاً للطراز المتبع.

تتميّز هذه الشبكة بدقّتها ورهافة صناعتها، كما تتميز بهذه السلسلة من الوجوه الفتية التي تحيط بالوردة التي تحتل وسط التأليف. تتبع هذه الوجوه أسلوباً محلياً شاع بشكل خاص في تدمر، وتحضر في شواهد أثرية أخرى خرجت من بين أطلال قصر هشام، منها لوح مستطيل حوى تسعة وجوه تطل من وسط سلسلة من الميداليات الدائرية المتشابكة. في هذه اللوحة، كما في العديد من اللقى الجزئية، تطلّ هذه الوجوه في وضعية المواجهة، وتفتح عيونها اللوزية الشاخصة، وكأنّها تتأمل في ما لا يُرى.


المغني الكردي الذي قُتل مرتين

المغني الكردي الذي قُتل مرتين
TT

المغني الكردي الذي قُتل مرتين

المغني الكردي الذي قُتل مرتين

صدر حديثاً عن دار «TASQ» للنشر كتاب «يوسف جلبي: المغني الكردي الذي قُتل مرتين» للكاتب إبراهيم اليوسف، وهو عمل توثيقي يستعيد سيرة الفنان الراحل يوسف جلبي، أحد أبرز مؤسسي الأغنية الكردية الحديثة، وأحد أهم رموز الفلكلور الكردي في سوريا.

يتناول الكتاب حياة يوسف جلبي ومسيرته الفنية والإنسانية، منذ ولادته عام 1927 في قرية جبلكراو التابعة لمنطقة نصيبين، مروراً بانتقاله إلى الجزيرة السورية وبداياته الفنية، وصولاً إلى تحوله إلى واحد من أكثر الفنانين تأثيراً وحضوراً في الوجدان الشعبي الكردي.

ويبرز الكتاب المكانة الريادية التي شغلها يوسف جلبي في تاريخ الأغنية الكردية، إذ كان من أوائل الفنانين الذين عملوا على حفظ الأغنية التراثية الكردية وصونها من الضياع، كما أعاد أداء عدد كبير من الأغاني الشعبية المتوارثة، وفي الوقت نفسه ألّف كلمات أغنيات جديدة، ولحّنها وغنَّاها، ليترك إرثاً فنياً جمع بين الحفاظ على التراث وتجديده وتطويره. وقد شكّلت أعماله جسراً بين الذاكرة الشعبية والإبداع الفني، الأمر الذي جعل اسمه حاضراً في ذاكرة أجيال متعاقبة من الفنانين والجمهور.

ويستند المؤلف إلى جهد توثيقي امتد سنوات، اعتمد خلاله على لقاءات وشهادات ووثائق ومرويات نادرة، ويحتل الحوار المطول مع نجله البكر جلبي جلبي، موقعاً محورياً في الكتاب، حيث يقدم شهادات تفصيلية عن حياة والده وفنه وعلاقاته الاجتماعية والظروف التي أحاطت باعتقاله. كما يضم الكتاب شهادات ومرويات من أفراد أسرته ومحيطه، تسهم في رسم صورة أكثر اكتمالاً للفنان الإنسان وللمرحلة التي عاشها.

كما يتناول الكتاب الظروف السياسية والاجتماعية التي أحاطت بيوسف جلبي، والضغوط التي تعرض لها بسبب مواقفه وأغانيه، وصولاً إلى اعتقاله وتعذيبه على يد عناصر المكتب الثاني تحت إشراف ضابط الاستخبارات في قامشلي حكمت ميني، وانتهاء حياته تحت التعذيب عام 1962، في حادثة لا تزال حاضرة في الذاكرة الثقافية الكردية بوصفها واحدة من أكثر الصفحات إيلاماً في تاريخ الفن الكردي.

ويحاول المؤلف من خلال هذا العمل إعادة فتح ملف يوسف جلبي فنياً وإنسانياً، وإعادة الاعتبار إلى إرثه الذي تعرَّض جانب منه للتغييب والضياع نتيجة غياب التوثيق، رغم تأثيره العميق في مسيرة الأغنية الكردية وفي عدد كبير من الفنانين الذين حملوا أغانيه وألحانه إلى الأجيال اللاحقة.

قدم للكتاب الدكتور محمد عزيز زازا والدكتور ولات محمد، اللذان تناولا تجربة يوسف جلبي الفنية ومكانته في تاريخ الغناء الكردي ودوره بوصفه أحد الآباء المؤسسين للأغنية الكردية في سوريا. وكان غلاف الكتاب لوحة تشكيلية للفنان رحيمو حسين.