كيف تتأثر سوريا بالانسحاب الأميركي من أفغانستان؟

عربة عسكرية أميركية من خلال نافذة آلية أخرى في شمال شرقي سوريا في 26 مايو (أ.ف.ب)
عربة عسكرية أميركية من خلال نافذة آلية أخرى في شمال شرقي سوريا في 26 مايو (أ.ف.ب)
TT

كيف تتأثر سوريا بالانسحاب الأميركي من أفغانستان؟

عربة عسكرية أميركية من خلال نافذة آلية أخرى في شمال شرقي سوريا في 26 مايو (أ.ف.ب)
عربة عسكرية أميركية من خلال نافذة آلية أخرى في شمال شرقي سوريا في 26 مايو (أ.ف.ب)

الانسحاب الأميركي من أفغانستان، سيرخي بظلاله على «مسارح» كثيرة في العالم، وإن اختلف حجم التأثير في كل منها، وقد تكون سوريا إحدى الدول الكثيرة التي سيكون فيها الوقع أعمق؛ لأسباب كثيرة، أهمها أن معظم «اللاعبين» في هذا «المسرح»، مثل أميركا وحلفائها وروسيا وإيران وتركيا و«داعش» وأخواته، هم إما منخرطون في الحرب الأفغانية، أو أنهم يعدون العدّة وينسجون الشبكات ويعقدون الاجتماعات ليكونوا «فاعلين» في «أرض الشمس» والجبال الوعرة، بعد تخلي الأميركيين عن حلفائهم، كما فعل «السوفيات» من قبلهم.
- «ساعدني كي أساعدك»
انسحاب قوات الاتحاد السوفياتي من أفغانستان في نهاية الثمانينات، كان مؤشراً على طي صفحة في «الحرب البادرة» القائمة على القطبية الثنائية في العالم. ولا شك أن انسحاب الأميركيين بعد تدخلهم عقب أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001، مؤشر إلى الولوج إلى العالم الجديد بعد «القطبية الأحادية»، ومخاض النظام العالمي الجديد، مع صعود الصين، والبحث الأميركي - الروسي عن تقاطعات.
في هذا الإطار، جاءت قمة الرئيسين جو بايدن وفلاديمير بوتين في جنيف منتصف يونيو (حزيران) الماضي، والحديث عن حوار استراتيجي بين البلدين، رغم الخلافات والتوترات والاشتباكات الميدانية والضربات «السيبرانية». وكان لافتاً قول الرئيس الأميركي بعد لقائه نظيره الروسي «سألني عن أفغانستان. قال إنه يأمل أن نتمكن من الحفاظ على بعض السلام والأمن، وقلت: هذا له علاقة كبيرة بكم. وأشار إلى أنه مستعد لـ(المساعدة) في أفغانستان وإيران. في المقابل قلنا: نريد القيام بالمساعدة فيما يتعلق بجلب بعض الاستقرار والأمن الاقتصادي أو الأمن المادي لشعبي سوريا وليبيا».
عقب القمة، عقد مستشارو الرئيسين لقاءً سرياً في جنيف مهد لمسودة مشتركة قدمت إلى مجلس الأمن الدولي في نيويورك، لتمديد قرار المساعدات الإنسانية «عبر الحدود» إلى سوريا، ما مهد الطريق لإمكانية استئناف التواصل الأميركي - الروسي حول «تسوية سياسية» في سوريا، وعقد جولات لـ«الحوار الاستراتيجي» بين البلدين تناول ملفات كبيرة ومقايضات، باعتبار أن سوريا مهمة لروسيا، وأوكرانيا مهمة لأوروبا، وأفغانستان وترتيبات الانسحاب مهمة لأميركا.
- حلفاء وشركاء
قام وفد من «طالبان» بزيارة روسيا لتقديم تطمينات لها بعد الانسحاب الأميركي وتمددها في أفغانستان، كما أنها طمأنت دولاً مجاورة أخرى ومنافستها الحكومة القائمة في كابل.
هل بالإمكان أن تدفع واشنطن وموسكو وحلفاؤهما طرفي الصراع في أفغانستان للوصول إلى «محاصصة»؟
أيضاً، إحدى المساحات التي يمكن أن يتعاون فيها الجانبان في سوريا هو تفاهم شرق الفرات - غرب الفرات، الذي كان رسمه جيشا البلدين في منتصف 2017 بعد سنتين من تدخل روسيا وثلاث سنوات من وجود أميركا. فريق بايدن، وخصوصاً مسؤول الشرق الأوسط بريت ماكغورك، من أكثر المؤيدين للوصول إلى ترتيبات بين «قوات سوريا الديمقراطية» وجناحها السياسي من جهة، والحكومة السورية من جهة ثانية، على أساس الحصول على أفضل شيء ممكن لـ«الحلفاء الأكراد» قبل الخروج من هناك.
المشكلة هي أن تخلي واشنطن عن حلفائها في أفغانستان واستعجال الانسحاب، قوبل بتدحرج «طالبان» في البلاد وحدودها وبواباتها. أيضاً، بعث هذا التخلي رسالة إلى حلفاء أميركا في سوريا بإمكانية ملاقاة المصير ذاته. صحيح، أن الوجود العسكري الأميركي شرق سوريا في ظل حكومة بايدن، أكثر استقراراً مما كان عليه الحال أثناء إدارة دونالد ترمب، الذي سلم حلفاء بلاده المعارضين في جنوب سوريا إلى روسيا في منتصف 2018، و«قسّم» مناطق شرق الفرات بين تركيا وأميركا وروسيا في نهاية 2019، لكن واشنطن تقول دائماً إن وجودها يرمي إلى منع عودة «داعش»، لكن «ليس دون نهاية»، خصوصاً وسط استمرار الضغط الإيراني على الأميركيين في العراق وسوريا، ذلك أن الشرعية القانونية للتدخل الأميركي في العراق تقوم على محاربة الإرهاب، وأن الوجود في سوريا استكمال له.
عليه، الباب مفتوح كي «يساعد» الروس أميركا في أفغانستان، «مقابل» أن «يساعد» الأميركيون بتعزيز الحضور الروسي في سوريا.
- خصوم ومنافسون
هذا بالنسبة إلى القلق لدى الحلفاء. لكن، ماذا عن الخصوم أو المنافسين؟
لا شك أن «هيئة تحرير الشام» التي تسيطر على معظم إدلب وشمال غربي البلاد، تتابع بدقة الخروج الأميركي من أفغانستان لأسباب عدة:
- أولاً: غالباً ما كان قادة «الهيئة» يسعون إلى تقليد «طالبان» في وسائل القتال ووسائل التلون والتكيف مع الخارج والمجتمعات المحلية، وإعطاء هامش للمجالس المحلية، مع أحكام القبضة الأمنية - العسكرية.
- ثانياً: قد ينظر عدد منهم إلى ذلك على أنه نموذج لكيفية التعاطي مع الوجود الروسي في المدى الطويل، بحيث يكون مصيره مماثلاً للوجود الأميركي بعد «السوفياتي» في أفغانستان: قتال، ثم مفاوضات، ثم خروج.
- ثالثاً: التمحيص في كيفية تعاطي «داعش» مع هذا الواقع الجديد؛ إذ إن هذا التنظيم كان منافساً لـ«هيئة تحرير الشام» في سوريا، لكن المعلومات تشير إلى أن «داعش» بدأ بتسهيلات للتوجه من بعض مناطق سوريا إلى «أرض الجهاد الجديدة» في أفغانستان، التي كانت هي المنبع لـ«القاعدة» قبل مجيء عناصره إلى العراق وسوريا في العقدين الماضيين.
إيران ليست جديدة في المسرح الأفغاني المجاور لها، لكن الجديد في الفترة الأخيرة هو بروز الدور التركي فيها، وله جوانب عدة. بداية، هناك تفاهم مع أميركا على المساهمة في إدارة مطار كابل، عبر نشر نحو ألف «خبير عسكري» في هذا المعبر الرئيس للمؤسسات الدولية والحكومات للعبور إلى هذا البلد الذي سيهيمين على الأخبار في السنوات المقبلة. وهناك مؤشرات إلى أن الأجهزة التركية بدأت تفاوض بعض المقاتلين السوريين للذهاب إلى أفغانستان و«حماية المنشآت» بإشراف تركي، في تدخل مشابه، لكن قد يكون أعمق، لتدخل «المرتزقة” السوريين في ليبيا، وفي ناغورنو قره باغ بين أرمينيا وأذربيجان.
وكان لافتاً، أن المتحدث باسم «طالبان»، ذبيح الله مجاهد، قال إن حركته «منزعجة» لأن تركيا تتعامل معهم مثل تعاملها مع «الفصائل السورية وليس مثل حكومة طرابلس» في ليبيا التي استعادت التوازن بعد الدعم العسكري من الجيش التركي. أيضاً، كان لافتا ان بعض السوريين الذين «نشطوا» في باكستان وافغانستان وعادوا الى شمال سوريا، تفاعلوا كثيراً مع ذلك.
تركيا، مثل روسيا، لن تكون «مساعدتها» لأميركا في «أرض الشمس» مجانية، ولا شك في أن إحدى المساحات التي تريد تركيا «الثمن» فيها هي شمال شرقي سوريا على حساب ترتيبات تخص مستقبل الأكراد فيها. وقد يكون هذا سبباً إضافياً لتزايد قلق حلفاء أميركا شمال شرقي سوريا: تخلي واشنطن عنهم، وحاجتها إلى موسكو وأنقرة، إضافة إلى طهران التي تنتظر استقرار رئيسها إبراهيم رئيسي لبحث مستقبل «الاتفاق النووي» والدور الإيراني في الإقليم، بما يشمل العراق وسوريا وأفغانستان, وكان لافتا, اعلان أنقرة, ان المتحدث بالرئاسة التركية إبراهيم قالن ومستشار الأمن القومي الأميركي جيك سوليفان بحثا اوضاع افغانستان وسوريا في ضوء {تفاهمات} بايدن وأردوغان في بروكسل.
- مانحون ولاجئون
إضافة إلى كل هذه الجوانب السياسية والعسكرية، هناك بعد إنساني يربط بين السوريين والأفغان. فقد كانت دمشق وجهة لطلاب يأتون من كابل كي يدرسوا في جامعاتها أثناء حكم الرئيس الأفغاني نجيب الله، ثم باتت أفغانستان وباكستان وجهة لـ«المجاهدين» السوريين ضد «السوفيات» وورثته قبل أن يعود بعضهم إلى «الوطن الأم» وخصوصاً في شمال غربي البلاد.
أيضاً، خلال السنوات العشر الماضية، كان البلدان «يتنافسان» في أمرين: من تهيمن أحداثه على نشرات الأخبار؟ من هو الشعب الأكثر عدداً من اللاجئين والنازحين؟ وحسب التقرير الأخير لـ«المفوضية السامية لشؤون اللاجئين»، فإن عدد اللاجئين والنازحين داخل بلدانهم وطالبي اللجوء ارتفع بنسبة 4 في المائة في 2020، مقارنة بعدد قياسي بلغ 79.5 مليون في نهاية 2019. والعام الماضي، كان أكثر من ثلثي الأشخاص الذين فروا إلى الخارج من خمس دول فقط هي: سوريا (6.7 ملايين)، وفنزويلا (أربعة ملايين)، وأفغانستان (2.6 مليون)، وجنوب السودان (2.2 مليون)، وبورما (1.1 مليون).
سرقت فنزويلا «الأضواء» مؤقتاً من سوريا وأفغانستان في السنة الأخيرة، لكن الانسحاب الأميركي قد يفتح الباب لـ«قفزة أفغانية» إلى الصدارة في الأخبار والتفجيرات والصراعات، وبعضها بين «طالبان» و«داعش»، واستقطاب اهتمامات المانحين والمؤسسات الدولية (مؤتمر المانحين لأفغانستان وفر 15 بليون دولار في 2016 و13 في 2020 ومؤتمر المانحين لسوريا وفر 10 مليارات في 2016 وستة مليارات في 2021)، الذي سيكون على حساب الاهتمام بالملف السوري وتقديم الدعم للسوريين من الدول المانحة، خصوصاً وسط معاناة اقتصادات العالم من جائحة «كورونا».



طمأنة رسمية للجالية المصرية بالكويت بعد إنهاء عمل 7 آلاف وافد

وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاء سابق مع الجالية المصرية في الكويت شهر أبريل الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاء سابق مع الجالية المصرية في الكويت شهر أبريل الماضي (الخارجية المصرية)
TT

طمأنة رسمية للجالية المصرية بالكويت بعد إنهاء عمل 7 آلاف وافد

وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاء سابق مع الجالية المصرية في الكويت شهر أبريل الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاء سابق مع الجالية المصرية في الكويت شهر أبريل الماضي (الخارجية المصرية)

أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، ونظيره الكويتي الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح، «الدور الإيجابي للجالية المصرية في مختلف القطاعات بدولة الكويت»، في خطوة اعتبرها ممثل للجالية رسالة طمأنة رسمية، عقب حالة القلق التي أثارها قرار كويتي بإنهاء تعاقدات 7 آلاف معلم ومعلمة من الوافدين.

وتلقى نحو 7 آلاف معلم ومعلمة من جنسيات مختلفة إشعارات بإنهاء عقودهم، عبر تطبيق «سهل» المخصص للمعاملات الحكومية، وحسب صحف كويتية، فإن «هذا الإجراء يأتي ضمن خطة حكومية لمعالجة الفائض عن حاجة القطاع التعليمي في البلاد من المعلمين والمعلمات».

وجاءت الإشعارات بعنوان «إخطار إنهاء عقد»، وتشمل المرحلة الأولى إنهاء خدمات نحو 7 آلاف و19 معلماً ومعلمة من الكوادر المتعاقد معها في التخصصات التي أظهرت البيانات وجود فائض فيها، وفق الإجراءات الإدارية والقانونية المعتمدة، وبما يكفل حقوقهم الوظيفية، حسب الصحف الكويتية.

وأجرى وزير الخارجية المصري اتصالاً هاتفياً بنظيره الكويتي، السبت، وحسب إفادة للخارجية المصرية، «تناول الاتصال بحث العلاقات الثنائية بين البلدين الشقيقين».

وأشار بيان الخارجية المصرية إلى أنه جرى التأكيد خلال الاتصال على «الدور الإيجابي، الذي تضطلع به الجالية المصرية في مختلف القطاعات في الكويت».

وبحث الوزيران «التطورات الإقليمية والتصعيد الجاري بالمنطقة»، وشددا على «ضرورة تضافر الجهود لخفض التصعيد والعمل على عدم خروجه عن السيطرة»، واتفق الوزيران على «مواصلة التنسيق في هذا الشأن خلال الفترة المقبلة»، حسب الخارجية المصرية.

ولم تتضح نسبة المعلمين المصريين الذين سيشملهم قرار إنهاء التعاقد، وفق ممثل الجالية المصرية في الكويت، نايف عثمان، الذي قال إن «القرار لم يتم تنفيذه حتى الآن، وما حدث هو مجرد رسائل على التطبيق المخصص للمعاملات الحكومية في الكويت»، وأشار إلى أن «وضع الجالية المصرية آمن، خصوصاً وأن المقيمين في الكويت يعملون في مختلف المهن والقطاعات هناك».

ويرى عثمان، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «الاتصال بين وزيري خارجية مصر والكويت والتأكيد على الدور المهم للجالية المصرية، بمثابة رسالة طمأنة لكل العاملين الذين يقدر تعدادهم بنحو 600 ألف وافد مصري»، وقال إن «هناك تواصلاً مستمراً للجالية مع السفارة المصرية ووزارة الخارجية، فيما يتعلق بأوضاع المصريين في الكويت».

وأظهرت بيانات رسمية لوزارة القوى العاملة الكويتية أن عدد المصريين العاملين في الكويت وصل إلى 667 ألف عامل وعاملة، يحتلون المرتبة الثانية في عدد الوافدين بعد الهند.

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون العربية الأسبق، السفير يوسف الشرقاوي، أن «الاتصال يعد طمأنة رسمية موجهة للمصريين العاملين في دولة الكويت»، وأشار إلى أن «هناك تأكيدات رسمية تقدر دور ومكانة الجالية المصرية في نهضة دولة الكويت».

وباعتقاد الشرقاوي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، «لا يمكن النظر إلى الاتصال كإجراء بروتوكولي، لكنه انعكاس لتنسيق مستمر بين القاهرة والكويت ودول الخليج، في ظل الظروف الإقليمية المضطربة»، وأشار إلى أن «مصر تقوم بجهود لخفض التصعيد ومحاولة إنهاء التوتر بين أميركا وإيران، ومنعه من الخروج على السيطرة»، وقال إن «القاهرة تستهدف زيادة التنسيق العربي تجاه ما يحدث في المنطقة، قبل انعقاد اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة نهاية الشهر الحالي».


القوات اليمنية تضرب تحشيدات الحوثيين في جبهات عدة

جنود من قوات الجيش اليمني في جبهات محافظة الجوف (رويترز)
جنود من قوات الجيش اليمني في جبهات محافظة الجوف (رويترز)
TT

القوات اليمنية تضرب تحشيدات الحوثيين في جبهات عدة

جنود من قوات الجيش اليمني في جبهات محافظة الجوف (رويترز)
جنود من قوات الجيش اليمني في جبهات محافظة الجوف (رويترز)

كثفت القوات الحكومية اليمنية، السبت، عملياتها العسكرية ضد جماعة الحوثيين في عدد من الجبهات، مع تنفيذ غارات جوية، وضربات مدفعية، واستهدافات بالطيران المسيّر لمواقع وتحشيدات الجماعة في مأرب، والجوف، وتعز، غداة توسع الحوثيين في الساحل الغربي، وسيطرتهم على المخا، ومناطق مطلة على مضيق باب المندب.

وتزامن التصعيد مع تحرك تعزيزات حوثية من صنعاء باتجاه مأرب، في وقت واصلت فيه القوات الحكومية الضغط على مجاميع للجماعة المحاصرة في معسكر اللبنات بمحافظة الجوف، بينما ركز الطيران الحربي ضرباته على مواقع وتحركات الحوثيين في المخا، وذوباب، بعد انتشارهم في مناطق واسعة من الساحل الغربي.

وأفادت مصادر ميدانية بأن مقاتلات حربية شنت خلال الساعات الماضية غارات مكثفة على أهداف ثابتة ومتحركة للحوثيين في مدينة المخا، تركزت على الميناء، والمطار، وجبل النار، في محاولة لاستهداف قدرات الجماعة العسكرية واللوجستية عقب سيطرتها على المدينة، ومينائها الاستراتيجي.

ضربات جوية واسعة تعرضت لها حشود الحوثيين في الساحل الغربي وتعز ومأرب (إعلام عسكري)

وامتدت الغارات إلى مديرية ذوباب، حيث استهدفت مواقع وتحركات حوثية بعد ساعات من انتشار عناصر الجماعة في مناطق متفرقة من المديرية المطلة مباشرة على باب المندب.

وكان المتحدث باسم القوات الحكومية ماجد النزيلي قد أعلن بدء القصف لما وصفه بـ«صندوق القتل» المعلن عنه سابقاً، داعياً المدنيين إلى تجنب استخدام طريقي تعز - المخا، والمخا - ذوباب، حتى إشعار آخر، في ظل استمرار العمليات العسكرية في المنطقة.

وفي محيط ميناء المخا، أعلنت القوات المسلحة الحكومية تدمير عربات، وأسلحة حوثية، إلى جانب مقتل عناصر من الجماعة، وقال الناطق الرسمي للقوات المسلحة، العقيد الركن ماجد النزيلي، إن القوات قضت على تجمعات كبيرة من الحوثيين بالقرب من مول «زيد الخرج»، وجوار إدارة مشروع المياه في المدينة.

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد للتعبئة القتالية (أ.ب)

وأضاف النزيلي أن القوات استهدفت تجمعات لعربات وعناصر حوثية على خط المخا - ذو باب، في منطقة المحجر الحيواني، على بعد نحو 11 كيلومتراً من مدينة المخا، كما استهدفت تجمعات أخرى في مقر سابق لأحد القادة العسكريين في الدائري الشمالي للمدينة.

وتأتي هذه الضربات فيما تحاول القوات الحكومية إعادة ترتيب انتشارها جنوب المخا، بعد انتقال المعارك إلى شرق باب المندب على الحدود مع محافظة لحج، في أعقاب سيطرة الحوثيين على المخا ومينائها، ثم تمددهم إلى مناطق ساحلية، وجزر في جنوب البحر الأحمر.

مأرب والجوف

في محافظة مأرب (شرق صنعاء) شهدت الجبهات الجنوبية والشمالية والغربية غارات جوية، وقصفاً مدفعياً، واستهدافات بالطيران المسيّر طالت مواقع وتحشيدات حوثية.

وقالت مصادر ميدانية إن الجماعة دفعت خلال الساعات الماضية بتعزيزات عسكرية من صنعاء باتجاه مأرب، تضم عشرات المركبات العسكرية، وعلى متنها أفراد، في مؤشر على استمرارها في رفد الجبهات بالقوات، والآليات، بالتزامن مع اتساع نطاق المواجهات.

ويأتي ذلك في وقت تحافظ فيه القوات الحكومية على حضورها الدفاعي والهجومي في جبهات مأرب التي ظلت خلال سنوات الحرب من أبرز نقاط الثقل العسكري في مواجهة الحوثيين، خصوصاً مع محاولة الجماعة استثمار التصعيد الأخير لفتح أكثر من جبهة، وتشتيت الضغط العسكري الواقع عليها في الساحل، والجوف.

الحوثيون دفعوا تعزيزات عسكرية من صنعاء إلى جبهات مأرب والجوف (أ.ب)

وفي محافظة الجوف، استهدفت المدفعية والطيران المسيّر تعزيزات ومواقع حوثية شرق مدينة الحزم، بينما واصلت القوات الحكومية فرض حصار من عدة اتجاهات على عناصر الجماعة داخل معسكر اللبنات لليوم السادس على التوالي.

ويعكس استمرار الحصار محاولة القوات الحكومية تثبيت المكاسب التي حققتها في الأيام الماضية، بعد استعادة مواقع واسعة في محيط اللبنات، ثم التقدم باتجاه مناطق أخرى في المحافظة، في وقت تسعى فيه الجماعة إلى إعادة تنظيم خطوطها، وإرسال تعزيزات إلى الجبهات التي شهدت خسائر ميدانية متلاحقة.

تحشيد حوثي في تعز

في تعز لم تقتصر التحركات الحوثية على الساحل الغربي، إذ رصدت مصادر ميدانية تحشيدات للجماعة في مديرية سامع، ومدينتي الدمنة، والراهدة، إضافة إلى مناطق سيطرت عليها مؤخراً في جبل حبشي بريف المحافظة.

وتزامنت هذه التحركات مع الغارات التي استهدفت مخازن أسلحة، وتجمعات، وثكنات، وتحركات حوثية على امتداد الشريط الساحلي في مديريتي المخا، وذوباب، بما يشير إلى محاولة القوات الحكومية ضرب خطوط الإمداد، والقدرات القتالية للجماعة التي باتت تنتشر على مساحة واسعة من الساحل.

قادة من الجيش اليمني في تعز يتفقدون الجبهات مع الحوثيين (إعلام عسكري)

وعلى الحدود مع محافظة لحج، خاضت قوات العمالقة الجنوبية اشتباكات مع الحوثيين في محيط مديرية المضاربة، وردت على مصادر النيران بالأسلحة الخفيفة، والمتوسطة، وتمكنت، وفق مصادر عسكرية، من إسكاتها، ومنع أي تقدم باتجاه مناطق المديرية، مع إيقاع خسائر في صفوف الجماعة، وآلياتها.

حرب نفسية عبر الاتصالات

بالتوازي مع التصعيد العسكري، حذرت وزارة الداخلية اليمنية المواطنين في المحافظات المحررة، خصوصاً في تعز والحديدة، من حملة حوثية تعتمد إرسال رسائل نصية عبر شبكتي «يمن موبايل» و«يو»، تتضمن دعوات تحت عنوان «العفو والعودة».

وقالت الوزارة إن الرسائل تأتي في إطار حملة للحرب النفسية، والتضليل، والاستدراج، محذرة المواطنين من الاتصال بالأرقام الواردة فيها، أو تقديم بيانات ومعلومات شخصية، أو إعادة نشر تلك الرسائل، وتداولها.

وأشارت إلى أن الجماعة تستخدم شبكات الاتصالات التي تسيطر عليها منذ انقلابها على الدولة عام 2014، في محاولة للتأثير على معنويات السكان، واستغلال أوضاعهم، والحصول على معلومات يمكن استخدامها لأغراض أمنية.

وحذرت الوزارة من أن الاستجابة لمثل هذه الدعوات قد تقود إلى عواقب خطيرة، مشيرة إلى أن تجارب سابقة انتهى فيها مصير أشخاص استُدرجوا بهذه الأساليب إلى السجون الحوثية، حيث تعرضوا للتعذيب، والتنكيل، والإخفاء القسري.

ويأتي هذا المسار النفسي بالتزامن مع اتساع نطاق العمليات العسكرية، في محاولة حوثية لاستخدام أدوات الاتصال والتضليل بالتوازي مع التحشيد الميداني، بينما تحاول القوات الحكومية احتواء تمدد الجماعة، وضرب قدراتها في أكثر من جبهة.


اعتقالات وملاحقات ترافق التمدد الحوثي في غرب اليمن

الأشجار تحولت إلى مأوى للفارين من الأعمال الانتقامية الحوثية (إعلام محلي)
الأشجار تحولت إلى مأوى للفارين من الأعمال الانتقامية الحوثية (إعلام محلي)
TT

اعتقالات وملاحقات ترافق التمدد الحوثي في غرب اليمن

الأشجار تحولت إلى مأوى للفارين من الأعمال الانتقامية الحوثية (إعلام محلي)
الأشجار تحولت إلى مأوى للفارين من الأعمال الانتقامية الحوثية (إعلام محلي)

في لحظات لم تترك للسكان في غرب محافظة تعز وجنوب الحديدة وقتاً للتفكير، وجد آلاف المدنيين أنفسهم أمام خيار الرحيل، بعد حملة مداهمات واعتقالات نفذتها الجماعة الحوثية في القرى والتجمعات السكانية التي دخلتها، وسط مخاوف من أعمال انتقام ونهب طالت السكان وممتلكاتهم.

وسجل سكان مشاهد مؤلمة لفرار آلاف الأسر من قرى ومناطق غرب تعز وجنوب الحديدة، بعضهم سيراً على الأقدام، وآخرون على متن سيارات ودراجات نارية، فيما اصطحب بعضهم ما استطاع إنقاذه من ماشية ومقتنيات.

وقال سكان لـ«الشرق الأوسط» إن النزوح بالنسبة إلى كثير من الأسر لم يكن قراراً مخططاً له، وإنما هروباً عاجلاً من الخوف، تركوا خلاله منازلهم وأراضيهم ومصادر رزقهم.

أما الذين لم يتمكنوا من المغادرة، فوجدوا أنفسهم عالقين وسط حالة من الذعر والقلق، مع استمرار عمليات المداهمة والاعتقال، إلى جانب إفادات عن نهب وسرقة ممتلكات السكان.

وسط غياب المنظمات الإنسانية نازحون يمنيون نصبوا الخيام على قارعة الطريق (إعلام محلي)

ووفق شهادات سكان محليين، تشهد مناطق الوازعية وحيس والخوخة والزهاري والحيمة ويختل والمخا، والمناطق الممتدة على طول الساحل بين الحيمة والمخا، حالة من الاضطراب والنزوح منذ دخول الجماعة الحوثية إليها.

وأكدت الشهادات أن عناصر الجماعة نفذوا عمليات مداهمة واعتقال طالت عدداً من السكان، إلى جانب تعرض ممتلكات للنهب والسرقة. وتحدثت إفادات أخرى عن احتجاز أسر رهائن، والضغط عليها لإجبار أقارب لها من المقاتلين على العودة وتسليم أنفسهم وأسلحتهم.

وحسب المصادر، ينفذ الحوثيون أعمالاً انتقامية بحق سكان في مديرية المخا التابعة لمحافظة تعز ومدينة الخوخة التابعة لمحافظة الحديدة، بدعوى تأييدهم الحكومة المعترف بها دولياً، أو استناداً إلى وشايات من عناصر حوثية تسعى إلى تصفية حسابات قديمة مع بعض المستهدفين بالحملة.

وتشير المصادر إلى أن عبد الله الفضلي وعلاء العميسي، وهما من مسؤولي الأمن والمخابرات الحوثية في المنطقة، يقودان جانباً من هذه الحملات.

هرباً إلى المجهول

وفي مديرية الوازعية، أفاد سكان بأن آلاف الأشخاص نزحوا مع دخول الجماعة الحوثية إلى المديرية، هرباً مما وصفوه ببطش الجماعة والاعتقالات، في ظروف إنسانية صعبة، بينما لا تزال حركة النزوح مستمرة من المديرية ومناطق أخرى.

ويروي عبد الجبار علي هادي، أحد سكان المنطقة، أن الأحداث وقعت بصورة مفاجئة، ولم تمنح السكان وقتاً كافياً لاستيعاب التطورات.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «لا أحد استوعب ماذا حدث، غير أنه في لحظات قامت القيامة في المديرية، والجميع يريد النزوح».

ويصف عبد الجبار مشهداً اختلطت فيه مشاعر الخوف بالفوضى. فبينما حاول بعض السكان إنقاذ أطفالهم، سعى آخرون إلى اصطحاب ماشيتهم، في حين كانت النساء يبكين والجميع يبحث عن وسيلة للخروج. ويضيف أن من لم يجد سيارة اضطر إلى المغادرة سيراً على الأقدام، مرتدياً الملابس التي كان يرتديها فقط.

أعداد محدودة جداً من النازحين اليمنيين حصلوا على بعض المساعدات (إعلام محلي)

وكان عبد الجبار من بين الذين غادروا المنطقة بحثاً عن مكان آمن، لكنه لم يتمكن في البداية من اصطحاب أسرته. ويقول إنه وصل إلى مكان آمن بالملابس التي كان يرتديها، بعدما أصرت والدته على عدم المغادرة من دون أغنامها.

واضطرت والدته إلى السير على قدميها برفقة أغنامها، حتى حل المساء في منطقة الصابرية، حيث قضت ليلتها هناك. وفي العاشرة مساءً، استقل عبد الجبار دراجة نارية للبحث عنها، وبعد أن عثر عليها عاد إلى مكانه، قبل أن تواصل الأسرة رحلتها في صباح اليوم التالي.

ويصف الرجل تلك اللحظات بأنها كانت محملة بالحزن، قائلاً إن الرحيل ترك وراءه «أوجاعاً وذكرى وحياة وأرضاً عشقنا ترابها ومنازل وأدوات وعشقاً وولاء».

وفي الطريق، شاهد سيارات نزوح تتحرك بلا توقف، ودراجات نارية، ومئات النازحين يسيرون على الأقدام، إلى جانب الأغنام والأبقار والجمال والحمير، في مشهد يعكس حجم الفوضى والمعاناة التي رافقت عملية الفرار.

أطفال تائهون ونازحون بلا مأوى

بعد اتصال عبد الجبار بأسرته، أُبلغ بأن الوقود أصبح شحيحاً في الوازعية، ما أثار مخاوفه بشأن قدرتهم على مواصلة الرحلة. واضطر إلى استئجار دراجة نارية من منطقة بعيدة، وأرسل معها صفيحة من الوقود إلى أسرته. وبعد وصولها، تمكن أفراد الأسرة من التحرك في رحلة استمرت ساعات عبر طرق وعرة، قبل أن يصلوا إلى مكان آمن.

ولم تقتصر المخاطر التي رافقت النزوح على فقدان الممتلكات. ويذكر عبد الجبار أن طفلة لم يتجاوز عمرها خمس سنوات فقدت من أسرتها أثناء الرحلة. وبعد الإعلان عن فقدانها عبر مجموعات التواصل الاجتماعي، عاش أهلها ساعات من القلق والبحث عنها، قبل أن تعود إليهم في اليوم التالي.

مدنيون في غرب تعز يفرون من قمع الحوثيين إلى المجهول (إعلام محلي)

وكانت قصة الطفلة واحدة من صور الخوف التي عاشتها الأسر، في وقت أصبح فيه الحفاظ على أفراد العائلة والوصول بهم إلى مكان آمن أولوية تتقدم على كل شيء آخر.

ويختصر عبد الجبار تجربة النزوح بكلمات تعكس حجم ما فقده النازحون خلال ساعات قليلة. ويقول إنهم غادروا من دون مال أو زاد أو ملابس إضافية، ولم يحملوا معهم سوى ما يصفه بـ«همة الإنسان وجلادته وصبره وأنفته».

ويضيف أنهم مستعدون للصبر على كل شيء، حتى لو اضطروا إلى العيش تحت الأشجار، لكن أكثر ما يؤلمه، بحسب شهادته، رؤية دموع كبار السن و«قهر الرجال».

ولا تختصر رحلة النزوح في الانتقال من مكان إلى آخر؛ فهي بالنسبة إلى الأسر التي اضطرت إلى المغادرة اقتلاع مفاجئ من حياة كاملة، بما فيها منازل وذكريات ومصادر رزق وممتلكات، واستبدالها بطريق مجهول محفوف بالخوف والحاجة.

حاجة ملحة

مع استمرار النزوح، تبقى الأسر التي غادرت مناطقها بحاجة إلى الأمان والمأوى والغذاء والمياه والوقود، إلى جانب الحماية ولمّ شمل الأسر التي تفرقت أثناء رحلة الفرار، خصوصاً الأطفال وكبار السن.

وفي خلفية هذه المعاناة، يظل المشهد الأشد قسوة أن كثيراً من المدنيين لم يغادروا بحثاً عن حياة أفضل، وإنما لأن البقاء لم يعد، بالنسبة إليهم، خياراً آمناً.

وفي سياق متصل، أصدرت السلطات المحلية في العاصمة المؤقتة عدن ومحافظتي أبين ولحج بياناً مشتركاً أكدت فيه أن القوات المسلحة تجاوزت حالة الصدمة والإرباك واستعادت توازنها، وأصبحت في جهوزية كاملة لمواجهة أي تحديات، في ظل ما وصفته بالتفاف شعبي وزخم مجتمعي لمواجهة الحوثيين وكسر طموحات «المشروع الإيراني في المنطقة».

آلاف اليمنيين في الساحل الغربي باتوا بلا مأوى في ظل ظروف إنسانية بالغة الصعوبة (أ.ف.ب)

وأكد البيان استمرار متابعة الأوضاع الأمنية والخدمية، ومواصلة مؤسسات الدولة أداء مهامها، والتصدي للمخاطر الإرهابية، وحماية المواطنين والممتلكات، والحفاظ على الأمن والاستقرار بالتنسيق مع الجهات الحكومية والأمنية والعسكرية المختصة.

ودعت السلطات السكان إلى التحلي بالهدوء واليقظة، وعدم الالتفات إلى الشائعات، واستقاء المعلومات من مصادرها الرسمية، والتعاون مع الأجهزة المختصة، والإبلاغ عن أي تحركات أو أنشطة مشبوهة.

وتعهدت بأن يكون أمن المواطنين واستقرارهم أولوية قصوى، مؤكدة مواصلة أداء واجباتها ومسؤولياتها بما يحفظ أمن العاصمة عدن ومحافظتي أبين ولحج، ويضمن استمرار مؤسسات الدولة في أداء مهامها.