بايدن يودع ميركل بابتسامة وحقيبة خلافات

القمة الأميركية الألمانية لم تحقق تقدماً في قضايا التعامل مع روسيا والصين واللقاحات

المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الأميركي جو بايدن في البيت الأبيض (رويترز)
المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الأميركي جو بايدن في البيت الأبيض (رويترز)
TT

بايدن يودع ميركل بابتسامة وحقيبة خلافات

المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الأميركي جو بايدن في البيت الأبيض (رويترز)
المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الأميركي جو بايدن في البيت الأبيض (رويترز)

ودّع الرئيس الأميركي جو بايدن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، مساء الخميس، بعد قمة موسعة في المكتب البيضوي بدأها بترحيب دافئ عند استقبالها، وأنهاها في مؤتمر صحافي أظهر الكثير من الخلافات والهوة الواسعة بين موقف واشنطن وموقف برلين في قضايا خلافية شديدة السخونة تتعلق بخط الغاز الروسي، وتهديدات الصين، والإنفاق الدفاعي لحلف الناتو، والملكية الفكرية للقاحات، وما يتعلق برفع حظر السفر الأميركي على أوروبا.
وقد حرص المسؤولون في البيت الأبيض على تأكيد دفء العلاقات عبر الأطلسي والعلاقة القوية مع الكتلة الأوروبية، إلا أن ميركل - التي تترك منصبها كرئيسة للحكومة الألمانية بعد الانتخابات الوطنية في سبتمبر (أيلول) المقبل - غادرت البيت الأبيض دون أن تظهر بوادر استراتيجية واضحة لحل تلك الخلافات أو بوادر إحراز تقدم في تفكيك تعقيدات تلك القضايا.
وكان بايدن واضحاً خلال المؤتمر الصحافي في إظهار وتكرار مخاوفه بشأن خط الأنابيب الروسي «نورد ستريم 2» إلى ألمانيا، الذي أوشك على الانتهاء بالكامل بتكلفة 11 مليار دولار. وقد جادلت الولايات المتحدة مراراً بأن مشروع «نورد ستريم 2» سيهدد أمن الطاقة الأوروبي من خلال زيادة اعتماد القارة على الغاز الروسي والسماح لروسيا بممارسة ضغوط سياسية على دول شرق ووسط أوروبا المعرضة للخطر، لا سيما أوكرانيا.
وقال بايدن، خلال المؤتمر الصحافي: «أنا والمستشارة ميركل متحدان تماماً في اقتناعنا بأنه يجب عدم السماح لروسيا باستخدام الطاقة سلاحاً لإكراه جيرانها أو تهديدهم»، وأضاف: «يمكن للأصدقاء الجيدين الاختلاف»، مشيراً إلى أن المشروع كان قد قارب الاكتمال حينما تولى منصبه مما دفعه إلى إصدار قرار بالتنازل عن العقوبات ضد الشركة التي تنفذ خط الأنابيب، في خطوة أثارت غضباً كبيراً في الكونغرس.
من جانبها، سعت ميركل إلى التقليل من أهمية الاختلافات، والتأكيد أن خط الأنابيب الروسي كان إضافة ضرورية لخطوط الأنابيب الأوكرانية وليس المقصود أن يحل محلها، وقالت: «فكرتنا هي أن تظل أوكرانيا دولة عبور للغاز الطبيعي، وأن أوكرانيا مثل أي دولة أخرى في العالم لها الحق في السيادة الإقليمية». وأضافت أن ألمانيا مستعدة للرد على موسكو «إذا حدث عدم احترام لحق أوكرانيا الذي تتمتع به كدولة عبور». وأكدت أنها وبايدن توصلا إلى تقييمات مختلفة حول المشروع، لكنهما اتفقا على أن تظل أوكرانيا دولة عبور للغاز الطبيعي، ولها حق السيادة الإقليمية.
ولم يتضح مدى الضغوط التي حاول بايدن فرضها على المستشارة الألمانية في ما يتعلق بالصين التي تتمتع ألمانيا بعلاقات تجارية قوية معها. وبدا واضحا أن ميركل حريصة على تجنب أي وضع قد تضطر فيه ألمانيا أو الاتحاد الأوروبي إلى الاختيار بين الصين والولايات المتحدة. وأصرت ميركل على ضرورة التعاون مع الصين في القضايا العالمية مثل تغير المناخ ووباء فيروس كورونا، حتى عندما كان الرئيس دونالد ترمب آنذاك يتهم بكين بأنها منطلق الوباء. ومع ذلك، شددت ميركل في تصريحاتها للصحافيين على أنها تريد من ألمانيا والاتحاد الأوروبي تنسيق سياستهما تجاه الصين مع واشنطن، بما في ذلك قضايا مثل حقوق العمال والتجارة والأمن السيبراني. وقالت: «أعتقد أن أسس تعاملنا مع الصين يجب أن تقوم على القيم المشتركة» لكل من الولايات المتحدة وألمانيا.
وأثارت ميركل مخاوف بشأن قيود السفر الخاصة بـ«كوفيد-19» التي تمنع معظم الأوروبيين من السفر إلى الولايات المتحدة. وقال بايدن إنه أحضر رئيس فريق العمل المعني بفيروس كورونا لمناقشة المشكلة، وإنه يتوقع أن يكون قادراً على تقديم إجابة أكثر تحديداً «في غضون الأيام السبعة المقبلة» حول موعد تخفيف القيود.
ولم يصل الطرفان إلى اتفاق بشأن تعليق براءات اختراع اللقاحات. وقد سعت إدارة بايدن لتشجيع الدول الأوروبية على التنازل عن حقوق الملكية الفكرية بموجب قواعد منظمة التجارة العالمية من منطلق أن هذا التنازل من شأنه أن يساعد في توسيع إنتاج وتوزيع اللقاحات للدول الفقيرة وفي كل أنحاء العالم. ولا يبدو أن بايدن نجح في إقناع ميركل بالتخلي عن معارضتها لتعليق براءات الاختراع، وقالت ميركل إن تعليق براءات الاختراع لن يكون فعالاً وسوف يضر بجهود البحث والتطوير المستقبلية.
وجاءت القضايا التي تشكل أرضية مشتركة بين البلدين لتقتصر على اتفاق بالشراكة بشأن مكافحة التغير المناخي وتطوير تقنيات للطاقة المتجددة، ووصفت ميركل الشراكة المناخية بين الولايات المتحدة وألمانيا بأنها رسالة مهمة للغاية، وقالت إن الدول تريد البناء على تقنيات موجهة نحو المستقبل مثل الطاقة المتجددة.
ورغم كل تلك القضايا الخلافية المتوترة التي لم تجد طريقاً للحل، حرص بايدن على توديع ميركل بشكل مناسب، وقال بايدن: «على الصعيد الشخصي، يجب أن أخبرك أنني سأفتقد رؤيتك في قممنا، سأفعل حقاً». وأظهرت (التي قامت بزيارة البيت الأبيض 19 مرة على مدى سنوات رئاستها الـ16 والتقت أربعة رؤساء من جورج بوش إلى أوباما إلى ترمب إلى بايدن، واشتهرت بعلاقة صعبة ومتوترة مع الرئيس السابق دونالد ترمب) مرونة وعلاقات صداقة ومودة ببايدن، الذي كان لفترة طويلة لاعباً أساسياً في السياسة الدولية، وأشارت إليه مراراً وتكراراً باسم «عزيزي جو». وعندما طُلب منها مقارنة علاقتها مع بايدن بعلاقتها مع ترمب، التزمت ميركل بلباقة دبلوماسية، قائلة إنه من مصلحة أي مستشارة ألمانية «العمل مع كل رئيس أميركي». وأضافت بابتسامة: «اليوم كان تبادلاً وحديثاً ودياً للغاية».
وقد أقام البيت الأبيض مأدبة عشاء ترحيباً بميركل وزوجها، وشارك في المأدبة مجموعة من المشترعين والمسؤولين الإداريين، الحاليين والسابقين. ضمت قائمة الضيوف وزير الخارجية أنتوني بلينكن ومستشار الأمن القومي جيك سوليفان، بالإضافة إلى اثنين من وزراء الخارجية السابقين هما هيلاري كلينتون وكولين باول. وشارك أيضاً زعيما الحزب الجمهوري في مجلسي الشيوخ والنواب، ميتش ماكونيل وكيفن مكارثي، إلى جانب كبار المسؤولين الأميركيين والألمان الآخرين.
في وقت سابق صباح الخميس، استضافت نائبة الرئيس كامالا هاريس المستشارة الألمانية ميركل لتناول الفطور في مقر إقامتها على أرض المرصد البحري الأميركي، وأثنت على «مسيرتها المهنية غير العادية». وأشارت ميركل بدورها إلى الطبيعة التاريخية لمنصب نائبة الرئيس هاريس. كما حصلت ميركل على الدكتوراه الفخرية من جامعة جونز هوبكنز، وألقت خطاباً في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بالجامعة.
وتعود ميركل إلى ألمانيا لتعمل مع بلجيكا المجاورة في معالجة مع آثار الفيضانات الغزيرة التي خلفت أكثر من 60 قتيلاً وعشرات المفقودين.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended