حداد في العراق بعد كارثة مستشفى الناصرية... والكاظمي يتعهد ملاحقة المقصرين

عشرات الضحايا وأوامر قبض بحق 13 متهماً... وشكوك بوجود دوافع سياسية... وتضامن سعودي وعربي ودولي

آثار الدمار الذي خلفه الحريق في مستشفى الحسين بالناصرية (رويترز)
آثار الدمار الذي خلفه الحريق في مستشفى الحسين بالناصرية (رويترز)
TT

حداد في العراق بعد كارثة مستشفى الناصرية... والكاظمي يتعهد ملاحقة المقصرين

آثار الدمار الذي خلفه الحريق في مستشفى الحسين بالناصرية (رويترز)
آثار الدمار الذي خلفه الحريق في مستشفى الحسين بالناصرية (رويترز)

أعلنت الحكومة العراقية، أمس، الحداد الرسمي على ضحايا حريق مستشفى الحسين بمدينة الناصرية مركز محافظة ذي قار الجنوبية، وتعهدت بمحاسبة المقصرين. فيما ارتفع عدد قتلى الحريق الذي نجم عن انفجار أسطوانات الأكسجين إلى 92، حسب آخر إحصائية مساء أمس، في حين تواجه السلطات اتهامات بالإهمال من جانب أقارب الضحايا المكلومين. وترجح مصادر طبية تصاعد القتلى لوجود عدد من المصابين بحالات حرجة.
ويأتي «الحادث - الكارثة» الجديد بعد أشهر قليلة من حريق مماثل، التهم مستشفى الخطيب ببغداد في أبريل (نيسان) الماضي، وأودى بحياة 82 شخصاً، معظمهم أيضاً من المصابين بفيروس كورونا. لهذا، فإن مسؤولين رفيعين رجحوا لـ«الشرق الأوسط» وجود دوافع سياسية وراء الحادث، غير أنهم قالوا إنهم لا يملكون دليلاً على ذلك حتى الآن. وأشاروا إلى أنهم حتى لو امتلكوا الدليل فإنهم لن يفصحوا عنه للرأي العام. وتشير تقارير إلى أن حادثاً تسبب في انفجار خزان أكسجين، وهو ما أدي إلى اندلاع الحريق.
وعاش السكان في محافظة ذي قار الجنوبية، وفي معظم المدن العراقية، صدمة شديدة ولحظات عصيبة وحزينة بعد تواتر الأنباء، مساء الاثنين ويوم أمس، عن سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، وتداول ناشطون أسماء لعائلتين مؤلفتين من 5 و7 أشخاص قضوا جميعاً في الحادث، فيما تشير أنباء إلى وجود أطفال مفقودين.
وأعلنت الحكومة العراقية خلال الاجتماع الطارئ الذي عقده رئيس مجلس الوزراء مصطفى الكاظمي، مساء الاثنين، وضم عدداً من الوزراء والمسؤولين والقيادات الأمنية؛ الحداد الرسمي على أرواح الضحايا، وناقشت أسباب حادثة حريق مستشفى الإمام الحسين، في محافظة ذي قار، ومعالجة تداعياتها.
وخرج الاجتماع بمجموعة قرارات، ضمنها البدء بتحقيق حكومي عالي المستوى، للوقوف على أسباب الحادثة، وتوجه فريق حكومي فوراً إلى محافظة ذي قار من مجموعة من الوزراء والقادة الأمنيين لمتابعة الإجراءات ميدانياً، إضافة إلى «سحب يد وحجز مدير صحة ذي قار، ومدير المستشفى، ومدير الدفاع المدني في المحافظة وإخضاعهم للتحقيق». كما اتخذ الاجتماع قراراً بـ«اعتبار ضحايا الحادث شهداء، وإنجاز معاملاتهم فورياً، وتسفير الجرحى الذين حالاتهم حرجة إلى خارج العراق».
وقال بيان صادر عن رئيس الوزراء إنه سيتم أيضاً استجواب محافظ بغداد، محمد جابر، ورئيس دائرة صحة شرق بغداد حيث توجد المستشفى. وأضاف البيان أن «نتائج هذا التحقيق ستعرض على الحكومة في غضون 5 أيام».
من جانبها، أصدرت محكمة تحقيق النزاهة في محافظة ذي قار، أمس، أوامر قبض بحق مدير صحة المحافظة وعدة موظفين بعد حادثة حريق المستشفى.
وقال إعلام مجلس القضاء، في بيان، إن «محكمة تحقيق الناصرية المختصة بقضايا النزاهة أصدرت أوامر قبض بحق 13 متهماً، بينهم مدير صحة المحافظة، على خلفية حادثة الحريق التي طالت مركز النقاء الخاص بعزل مصابي كورونا في مستشفى الحسين التعليمي».
وأضاف أن «أوامر قبض وتحرٍ صدرت استناداً إلى أحكام المادة 340 من قانون العقوبات، وفاتحت وزارة الصحة لإجراء التحقيق الإداري من أجل معرفة المقصرين، وتدوين أقوال الممثل القانوني للوزارة».
يذكر أن منصب وزير الصحة ما زال شاغراً منذ تقديم الوزير السابق حسن التميمي استقالته على خلفية حريق مستشفى ابن الخطيب في أبريل الماضي، وترددت أنباء، أمس، عن ترشيح رئيس الوزراء الكاظمي الدكتور صفاء كاظم الحسيني لشغل المنصب.
ورغم الإجراءات التحقيقية التي أعلنت عنها الحكومة والبيانات التي أصدرتها، فإنها تواجه غضباً شعبياً غير مسبوق، قد ينفجر على شكل احتجاجات واسعة، ولعل ما يضاعف مشاعر النقمة والاستياء لدى المواطنين، هو أن السلطات الرسمية غالباً ما تعلن عن ذات الأسباب التي تؤدي إلى حوادث الحرق من دون أن تتخذ التدابير الوقائية المناسبة للحفاظ على حياة المواطنين. حيث أعلن مدير الدفاع المدني في محافظة ذي قار العقيد صلاح الحسناوي، أمس، عن أن «انفجار منظومة الغاز» كان وراء حريق مستشفى الحسين التعليمي، إلى جانب عدم «وجود منظومة إطفاء الحرائق»، و«وجود سخانات كهربائية (هيترات) وأجهزة تشغيل عشوائية في مستشفى مبني بمواد قابلة للاشتعال في أي لحظة». وهي ذات الأسباب التي أدت إلى حريق مستشفى ابن الحطيب.
من جانبه، قدّم رئيس مجلس الوزراء مصطفى الكاظمي العزاء إلى عوائل الضحايا مع تعهده بمحاسبة المقصرين والمسيئين، واعتبر أن «الحادث يؤشر خللاً بنيوياً في الهيكلية الإدارية للدولة العراقية؛ حيث إن تشخيص الأخطاء لا يتم توظيفه ولا متابعته، ويذهب المواطنون ضحايا».
وقال خلال رئاسته جلسة مجلس الوزراء، أمس (الثلاثاء)، إن «الحاجة صارت ملحّة لإطلاق عملية إصلاح إداري شامل، وأهم خطوات الإصلاح هو أن نفصل العمل الإداري عن النفوذ السياسي».
وأضاف: «عندما تنجرف السياسة بعيداً عن المبدأ الأخلاقي والالتزام الإنساني، فسنكون تحت سيطرة مبدأ شريعة الغاب بعينها». وقال: «وطنيتنا لا تتقبل فكرة أن يتعمّد العراقي قتل أخيه من أجل هدف سياسي، ولعنة الله على كل منفعة أو منصب تجعل الإنسان يستهتر ويستخف بدم أخيه، ولعنة الله على كل منفعة سياسية أو مادية تجعل الإنسان يفجر أبراج الكهرباء؛ من أجل إثبات وجهة نظره، وإفشال العاملين من أجل وطنهم».
وقال الكاظمي إن الحكومة قدمت لمجلس النواب مرشحها لشغل منصب وزير الصحة بديلاً عن الوزير المستقيل. وأضاف: «ننتظر من مجلس النواب حسم هذه القضية لمنع استمرار وزارة الصحة من العمل من دون وزير لمدة طويلة».
وأضاف الكاظمي أن «خطوات الإصلاح ومحاربة الفساد التي تتخذها الحكومة تواجه للأسف عرقلة ممنهجة وهجمات إعلامية مع كل محاولة للتقدم إلى الأمام؛ والهدف هو إجهاض الإصلاح، وتشويه صورته؛ لكننا ماضون باتجاه هدف خدمة شعبنا».
واعتبر رئيس الجمهورية برهم صالح، أن حادثي مستشفى الحسين وابن الخطيب وقعا نتيجة الفساد المستحكم وسوء الإدارة. وقال بيان لمكتبه الإعلامي إن «فاجعة مستشفى الحسين في ذي قار، وقبلها مستشفى ابن الخطيب في بغداد، نتاج الفساد المستحكم وسوء الإدارة الذي يستهين بأرواح العراقيين ويمنع إصلاح أداء المؤسسات».
وأشار إلى أن «التحقيق والمحاسبة العسيرة للمقصرين هو عزاء أبنائنا الشهداء وذويهم. يجب القيام بمراجعة صارمة لأداء المؤسسات وحماية المواطنين».
من جهته، اتهم تحالف «سائرون» التابع للتيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر، من أطلق عليهم «الأيادي الخبيثة» بالتسبب في حريق الناصرية. وقال التحالف بمحافظة ذي قار، في بيان: «لا بد للحكومة الاتحادية أن تأخذ دورها الحقيقي في حماية أرواح المواطنين وأقل ما يمكن أن تقوم به هو كشف الأيادي الخبيثة التي تسببت بهذه الكارثة الإنسانية ومحاسبتها».
وفيما عقد البرلمان العراقي جلسة لمناقشة حادث حريق المستشفى، أمس، قدّم كثير الدول والمنظمات الدولية والمسؤولين المحليين والدوليين، رسائل تعزية بفاجعة مستشفى الحسين التعليمي في الناصرية.
وكانت المملكة العربية السعودية، من بين أول الدول المعزية.
وبعث خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، ببرقيتي عزاء ومواساة، إلى الرئيس العراقي، في ضحايا حريق مستشفى الحسين. وقال الملك سلمان: «علمنا بنبأ وقوع حريق في مستشفى الحسين التعليمي بمدينة الناصرية، وما نتج عنه من وفيات وإصابات، وإننا إذ نبعث لفخامتكم ولأسر المتوفين ولشعب جمهورية العراق الشقيق أحر التعازي وأصدق المواساة، لنرجو المولى سبحانه وتعالى أن يتغمد المتوفين بواسع رحمته ومغفرته، ويلهم ذويهم الصبر والسلوان، وأن يمن على المصابين بالشفاء العاجل، ويحفظكم وشعب جمهورية العراق من كل سوء ومكروه، إنه سميع مجيب».
وقال الأمير محمد بن سلمان في برقيته: «تلقيت نبأ وقوع حريق في مستشفى الحسين التعليمي بمدينة الناصرية، وما نتج عنه من وفيات وإصابات، وأعرب لفخامتكم ولأسر المتوفين كافة عن بالغ التعازي وصادق المواساة، سائلاً الله تعالى الرحمة للمتوفين، والشفاء العاجل لجميع المصابين إنه سميع مجيب».
وقالت الخارجية السعودية في بيان: «نعرب عن بالغ الأسى لحادث الحريق... وما نتج عنه من وفيات ومصابين». وأضافت، أن «المملكة تعرب عن تضامنها التام مع جمهورية العراق والشعب العراقي الشقيق في هذا المصاب الجلل».
وأظهرت مصر وجامعة الدول العربية تضامناً كبيراً مع العراق. وبعث الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي برقية تعزية للكاظمي معزياً، فيما أعرب الأمين العام للجامعة أحمد أبو الغيط عن «دعم الجهود التي تقوم بها الحكومة العراقية من أجل احتواء آثار هذه الكارثة».
وقدّم التحالف الدولي والبعثة الأممية في العراق وجهات دولية أخرى تعازي مماثلة. وقال السفير الأميركي لدى بغداد، ماثيو تولر، في بيان: «أشعر بعميق الحُزن لسماع أنباء الحريق المُروع في مستشفى الحُسين في الناصرية، وأُعرب عن عظيم الأسى للضحايا». وأضاف: «دعواتنا جميعاً في بعثة الولايات المتحدة في العراق مع ذوي أولئك المفقودين ومع المستجيبين الأوائل الشجعان والطاقم الطبي الذين يعتنون بالجرحى».



«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.


مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».