جعجع: عجزنا عن إحداث خرق في موقف عون

قزي يروي في «حارس قبر الجمهورية» كيف تراجع رئيس «القوات اللبنانية» وانتخب خصمه رئيساً للجمهورية (2 ـ 2)

غلاف كتاب «حارس قبر الجمهورية»
غلاف كتاب «حارس قبر الجمهورية»
TT

جعجع: عجزنا عن إحداث خرق في موقف عون

غلاف كتاب «حارس قبر الجمهورية»
غلاف كتاب «حارس قبر الجمهورية»

في هذه الحلقة من كتاب «حارس قبر الجمهورية» الذي سيصدر قريباً عن «دار سائر المشرق» في بيروت للكاتب اللبناني فايز قزي، يروي تفاصيل اجتماعين له مع رئيس «حزب القوات اللبنانية» سمير جعجع الذي كان منافساً للجنرال ميشال عون على منصب رئيس الجمهورية، ثم توصل الطرفان إلى «اتفاق معراب» الذي أسفر عن انسحاب جعجع من السباق الرئاسي، لا بل مشاركة نواب حزبه في انتخاب عون رئيساً للجمهورية عام 2016 بعد عامين من الفراغ الرئاسي عقب انتهاء ولاية الرئيس الأسبق ميشال سليمان. وينقل قزي عن جعجع قوله بعدما وصل عون إلى رئاسة الجمهورية أنه عجز عن إحداث خرق ولو بسيطاً في موقفه.
إن دخول رئيس حزب القوّات اللبنانية سمير جعجع حلبة المنافسة، أعطى المعركة وجهاً مختلفاً. فكان أول المنافسين الجدّيين. ولكن ترشيحه لم يفضح مناورات حسن نصر الله وبشّار الأسد. بل زادها رسوخاً، وساعدهما بمشاركته في تحمّل جزء من مسؤولية الفراغ. فكان دعم ترشيح جعجع من تيّار المستقبل، واعتماد رئيس مجلس النواب، نبيه برّي، نظرية الثلثَين لاكتمال النصاب في كلّ الدورات، سبباً كافياً لانسداد الأفق في توفير نصاب الجلسة وإمكانية انتخاب رئيس. ورغم أن نظرية النصاب {البِرّية} هذه مخالفة لنصّ المادة 49 من الدستور اللبناني روحاً ونصّاً، فقد نام المجلس النيابي في غفوة فراغ دستوري شامل امتدّت لسنتَين ونصف السنة في عملية ابتزاز الرأي العام بمسرحية «سلسلة جلسات».
كان يتمّ تحديد مواعيد لها مع معرفة مسبقة بعدم اكتمال النصاب، وليتحمّل النوابُ المقاطعون من دون عذر، وعلى رأسهم التيّار العوني، مسؤولية دعم مشروع فراغ «حزب الله»، بعد أن بيَنت الإحصاءات أن ميشال عون لا يحظى بأكثرية نيابية للفوز. فكرّست هذه المرحلة شعار: «الفراغ أو عون رئيساً».
وأضاف إعلان سمير جعجع ترشّحه لرئاسة الجمهورية، عنصراً جديداً لاستحالة اكتمال النصاب في المجلس، استغلّه «حزب الله» ليستر به مشروع الفراغ الذي ينفّذه لاستكمال وضع اليد على المؤسّسات.
دعاني الصديق شارل خوري لزيارة سمير جعجع في معراب، فرافقته. وتبيّن لي أن اللقاء جرى وفق موعدٍ مسبق، وأن شارل سبق وأخبر جعجع أنني عَبرتُ في جلسات حوارية مع مجموعة من الأصدقاء، أن «حزب الله» غيرُ صادقٍ في طرح ميشال عون لرئاسة الجمهورية، وأن هذا ليس إلّا خطّة مدروسة هدفها المزيد من هدم النظام اللبناني، وتعطيل السلطات، وضرب المؤسّسات العسكرية والأمنية، لتأمين هيمنة الحزب على ساحة لبنان (الجزء) وإلحاقها بدولة الأمّ (الكلّ) في إيران...
في هذا اللقاء مع جعجع، المرشّح لرئاسة الجمهورية، استعدت ذكريات زيارتي الأولى له بعد خروجه من السجن سنة 2005 وسفره إلى باريس وعودته إلى منطقة الأرز. كان ثلج فبراير (شباط) يغطّي مسكنه حينذاك، وكنت مع وفدٍ من نقابة المؤسّسات السياحية والنقيب جان بيروتي. فبادرني جعجع قائلاً: «كيف تسلّلت إلى هذه المجموعة». فأجبتُه: «أنا عضو في النقابة ومستشارها القانوني ولست متسلِّلاً. وقد جئت برغبة علنية لأقول لك ما قد لا يرضيك، إلّا أنني أتمنّى عليك أن تسمعني، ولو من موقعي كصديقٍ لميشال عون. أنت الآن رقم سياسي مسيحي صعب، وميشال عون رقم سياسي مسيحي صعب، فإن اجتمعتما يستحيل خروج منصب الرئاسة منكما. يومها أذكر أنك غضِبتَ وقلتَ لي: «ومن يقنع صديقكَ وليد جنبلاط بانتخابه»؟ فقلتُ: «إنها الاستحالة التي يستعملها الثنائي الشيعي لمصادرة مجلس النواب».
استعدت في لقائي مع جعجع المرشّح للرئاسة مرّة جديدة هذه الفرضية السابقة، فسألني: «وما رأيك اليوم وقد أصبحتَ مخاصماً لعون؟» فأجبتُ وأكّدتُ: «اليوم أعود علناً لا متسلِّلاً، ومن موقع الخصومة للجنرال عون، لأطلب منك ألا تتمسّك بإعلان ترشّحك لرئاسة الجمهورية، فتساهم بمؤامرة الفراغ التي يقودها (حزب الله). ورغم أني قطعت علاقتي بالجنرال عون الممتدّة من العام 1985 حتى فبراير 2006 وأنا اليوم أقرب لنهجك السياسي، إلّا أنني أتمنّى أن تتريّث وتتراجع موقّتاً عن منافسة عون. فلا يحمّلك بعض الرأي العام المسيحي مسؤولية الفراغ وتعطيل الانتخابات، فتكون بالتالي مسؤولية الفراغ ملقاة على عاتق (حزب الله) الذي ستنكشف أوراقه أمام ميشال عون. عندها ستستفيد أنت من التصادم الناجم عن تراجع (حزب الله) عن مزاعمه في تأييد ميشال عون».
لشعوري أن جعجع كان أكثر صبراً في الاستماع، تابعت موضحاً: «(حزب الله) لا يمكن أن يضع ثقته برجل لا يملك ثبات الموقف بعد نيل مبتغاه. أضف إلى ذلك عصبيته المسيحية العميقة، وعلاقاته الإسرائيلية التي قادته إلى الكونغرس الأميركي، للمطالبة بمحاسبة سوريا، واستقباله سامي مارون لربط علاقته بإسرائيل، وانتظامه مع بشير الجميّل يوم كان ضابطاً يسمى بـ (رعد) (الاسم الحركي لميشال عون في الحرب الأهلية) ثم قائداً للجيش اللبناني باقتراح ورضا أمين الجميّل، ومستضيفاً المرسلين العسكريين الأميركيين، وانقلاباته على الرفاق والحلفاء... كلّ هذه المواصفات يدركها (حزب الله). ولديه أكثر من ذلك. وأنا خبيرٌ بوثائق وأدبيات ومواثيق الحزب ومرجعياته، ولقد أضعت سنوات طويلة في هذا البحث متفرّغاً خاصة بعد العام 2006 للتعمّق في الثورة الإيرانية دستوراً وشرعاً وعقيدة ونهجاً وغزواً. لذلك من غير المجدي وطنياً منافسة المرشّح ميشال عون، بل يجب كشف لعبة الفراغ التي هي الهدف الأول والغاية النهائية للحزب، وما ترشيح عون سوى مناورة وأحد الأسباب المعطّلة للانتخابات. وسحب ترشّحك يمنع عن الحزب هذا الغطاء».
بعدما أنهيت كلامي بادرني جعجع قائلا: «ما تقوله فيه بعض الحقيقة، لكن ماذا لو تحوّلتْ هذه المناورة من فراغٍ إلى ترشيح؟» عندها خطرت ببالي تجربة أكراد العراق. فقلت: «هذا احتمال لا تتجاوز نسبة حصوله الواحد في المائة. لكن إذا تحقّق ذلك تكون قد أنجزت الاختراق الذي يفتح لك أبواب الدخول إلى البيئة التي سيطر عليها عون من خلال ادّعاءات مسيحية وتحريرية ووطنية. ويكون قد ذهب هو إلى مغامرة ومغارة التسلّط والحكم، على غرار جلال الطالباني، الذي قَبِلَ العرض الأميركي - الإيراني له برئاسة العراق بعد صدّام حسين. فترك الإقليم الكردي ليجلس على كرسي رئاسة الجمهورية العراقية في بغداد، وبقي البرزاني في الإقليم الكردي ليحصد محبّة شعبه بإجماعٍ شامل».
بعد شهورٍ قليلة بدأ الحراك على خطّ الرابية - معراب، تولّاها الوزير ملحم رياشي موفداً من قبل سمير جعجع، تقابلها زيارات للنائب في التيّار الوطني الحرّ إبراهيم كنعان موفداً من ميشال عون إلى معراب. واستمرّت هذه المشاورات شهوراً قبل أن يعلن سمير جعجع انسحابه لمصلحة عون وليوقّع اتفاق معراب في 19 يناير (كانون الثاني) 2016، فتبادل عون وجعجع رفع نخب الفرح بتحقيق انتصار ظاهري عظيم.
-- الحريري يناور
احتفال عون في معراب أثار حفيظة سعد الحريري الذي ظنّ سوءاً في تحوّل القوّات. وردّاً على مفاجأة جعجع واتفاق معراب، استمر سعد الحريري بمناورته في ترشيح سليمان فرنجية في الفترة الأولى، لكنه فشل بتأمين النصاب. واستمرّ «حزب الله» وسوريا في مناورة تعطيل النصاب. وبعد فشل انعقاد الجلسات، وبعد أن باتت الأرجحية الشعبية المسيحية لمصلحة اتفاق معراب، اضطر الحريري للتخلّي عن مناورته بترشيح سليمان فرنجية واستبدالها بواسطة حصّة سخية من عون تُوفر له ركوب رئاسة مجلس الوزراء حتى نهاية العهد. وكان هذا التحوّل الشعرة التي أسقطت جانب المناورة عند جعجع، فتحوّلت إلى واقعٍ وحقيقة. وانكشفت باطنية «حزب الله» فاضطرّ الحزب لإعلان الاسم الكامل للمرشّح ميشال عون. وبات عون رقماً مسيحياً يستحيل تجاوزه، وأسقط بيد الحزب واضطرَّ للتخلّي عن مشروع الفراغ لإعلان الاسم الكامل لمرشّحه ميشال عون.
-- لقاءٌ ثانٍ مع جعجع
بعد زيارتي لجعجع، انقطعت عن لقائه، وتابعت عن بُعد مفاوضات جعجع وعون ولم أكن أهتمّ فعلاً بتفاصيلها ومصيرها. وبتاريخ 2 - 4 - 2016 دعيت مع زوجتي إلى عشاءٍ في منزل الصديق نديم قمير وزوجته دينا في الأشرفية. وكان إلى الطاولة سمير جعجع وجبران باسيل وشامل روكز وزوجاتهم.
قبل نهاية العشاء، انسحب سمير جعجع من وسط الطاولة وطلب مني مرافقته إلى غرفة داخلية ليفاجئني بقوله:
- إننا لم نتمكّن حتى اليوم أن نحدث ولو خرقاً بسيطاً في موقف صاحبك (عون).
- لقد وقّعتم الاتفاق منذ فترة طويلة وأنت أيضاً بدأت تتعرّض للشكّ والاتّهام وتخسر من رصيدك، فلماذا إذن لا تضع نهاية للقضية. وأردفتُ بالفرنسية chute)سقوط).
- وكيف ترى chute؟
- أما وقد تأكّدتَ من عدم تبديل عون فلماذا لا تبتدع حلّاً مفاجئاً للخروج من المأزق؟
- وما برأيك الحلّ الممكن؟
- البارحة صرّح الشيخ نعيم قاسم، نائب الأمين العام لـ«حزب الله» أن عودة لبنان إلى المارونية السياسية لم تعد مقبولة ولا ممكنة. فاخرج أنت بردٍّ صاعق واتّهمه بأن لبنان لا يمكن تحويله إلى ولاية إيرانية، فتحرج بذلك ميشال عون، فإما يتضامن معك وتكون قد حقّقت التغيير الذي تتمنّاه، وإما أن يرفض ويكون لك السبب الشرعي لاسترداد تعهدك بترشيحه.
هنا دخلت السيّدة دينا قمير لتطالبنا بالعودة إلى المائدة والضيوف. أنهينا العشاء وافترقنا على أملٍ لم يتحقّق. إذ لم يذهب إلى صيغة للرجوع عن تعهده، بل ثبت وقبل تحويل المناورة إلى اتفاق تبادل المنافع، ورضي بوعودٍ عونية لم يتمّ تنفيذها.
-- برّي يخرج أرْنَبه
رغم تأييد جعجع لترشيح عون، حاول الحريري بردّة فعلٍ عصبية، طرح سليمان فرنجية خصم، جعجع السياسي، مرشّحاً لرئاسة الجمهورية. ولكن تمنّع «حزب الله» عن التجاوب العلني مع ثنائي الحريري فرنجية. أسقط رهان الحريري على الاستمرار في تأييد فرنجية، ليخضع فيتحوّل إلى قبول العرض العوني بالمشاركة في ثنائية حكم العهد الكامل برأسَين: عون - حريري، فاكتمل الوفاق المسيحي السنّي على ميشال عون. وسارع «حزب الله»، لتغطية مشروع الفراغ الذي أتبعه، ليعلن تأييده العلني للمرّة الأولى لميشال عون. وساهم نبيه برّي رئيس المجلس النيابي، الخصم اللدود لميشال عون، بإيجاد المخارج لتبديل الصورة. فكانت جلسة مجلس النواب، التي عُقِدَت بتاريخ 31 - 10 - 2016، بعيدة من مفاهيم الاقتراع في الشكل والمضمون. وتحوّلت إلى مسرحية، فيها أرانب كثيرة، ودورات ثلاث أُلغيت لزيادة عدد الناخبين عن عدد النواب الحاضرين، ووجود ورقة انتخاب واحدة لغانية منافسة، ليؤشّر إلى مصيرٍ مجهول للجمهورية المولودة.
بات واضحاً أن عون سيكون الفائز بأكثرية أصوات النواب إذا اكتمل النصاب. لكنّ عون ذا الطبع الشكّاك والحذر أصرّ على استمرار التعطيل حتى يثبت له بالدليل القاطع أن لا منافس يخبّئه خصومه. ولم يوافق على حضور جلسات الانتخاب وإكمال النصاب، إلّا بعد إعلان كلّ الفرق الانتخابية دعمها العلني له. وعندها فقط تجرّأ وأقدم على ارتكاب المغامرة، التي رافقت قسمات وجهه المتجهّم، والتي ازدادت تشنّجاً في الدورات الأربع التي أنجبت الأرنب البرّي، بعد جلسات فولكلورية. وقد كشف ذلك تلعثُمه عند قراءة القسَم الرئاسي وإقدام برّي ومساعدته مع ابتسامة صفراء.
هكذا اجتاز عون كلّ الدفوع الشكلية والعملية التي كان يتمسّك بها وقبل انتخابه في ظروفٍ ومعطيات تنكرت لادعاءاته الشعبوية على رفضها:
من مجلس النواب غير مؤهّل وغير شرعي للانتخاب لأنه ارتكب جرم التمديد غير القانوني لنفسه بدل أن يلجأ إلى إعادة انتخابه.
إلى أن الانتخابات لا يجوز أن تتمّ في ظلّ احتلالٍ أجنبي (سوري أو إيراني أو إسرائيلي) وبات راضياً ومستعجلاً الانتقال إلى بعبدا.
وليتبيّن بعد الوصول أنه حصل على أصواتٍ تمّت رشوتها وشراؤها بوعود كاذبة أو غير صادقة.
-- عون المنتخَب ونوبات الحراسة في بعبدا
الطلقة الأولى التي سدّدها العهد على رأس الجمهورية كانت في قبوله تمديد ولاية مجلس النواب بذريعة وضع قانون جديد. ثم بدأت عملية حياكة قوانين انتخابية جديدة في مطابخ المنظّرين والانتهازيين والوصوليين. تولّى إدارة الحبكة الرئيس ميشال عون وصهره جبران باسيل والوزير «الوديعة» سليم جريصاتي، ونائب رئيس المجلس إيلي الفرزلي المتنقّل Ambulant بين ولاية دمشق «والولاية القوية» والحاضر دائماً وأبداً لخدمة «الزعيم»، بصرف النظر عن توجّهاته وهواه السياسي وعقيدته.
لاقى قانون الانتخاب، الذي استولده الفرزلي الأرثوذكسي، استحساناً في أوساط عون وباسيل خاصة. فأطلق عليه اسم القانون الأرثوذكسي الذي حَصَرَ الدائرة الانتخابية بالمذهب فقط. وهكذا يتحوّل لبنان فعلاً إلى مولِّد لمجلسٍ نيابي يشبه مذاهبه المتناقضة فتتحقّق نظرية منع «استيلاد» نواب للمسيحيين من أصوات إسلامية ويحقّق العونيون شعاراتهم الشعبوية في انتخاب نوابهم المسيحيين.
وانطلقت صفّارات العهد القوي لتسويق هذا القانون الذي تنكر له رئيسُ حزب القوّات اللبنانية سمير جعجع بعد أن قبله. وما لبث أن سقط القانون. وتوتّرت العلاقات بين التيّار الوطني الحرّ والقوّات اللبنانية. فانتقل عون دفعة واحدة وتيّاره وأتباعه إلى تبنّي فكرة القانون النسبي كردِّ فعلٍ على معارضة حزب القوّات اللبنانية للقانون (الأرثوذكسي). وبتاريخ 10 - 5 - 2017 نشرت جريدة الأخبار، الموالية لـ«حزب الله» وفريقه السياسي، في صفحتها الأولى كتاباً مفتوحاً موجّهاً من الصحافي المخضرم والباحث السياسي المقرّب من ميشال عون إدمون صعب لعون بعنوان: «أوقف بيع الأوهام للمسيحيين قبل خراب البيت».
كفى مناورات بأن في الإمكان صوغ قانون انتخاب يمكّن المسيحيين من انتخاب نوابهم الـ٦٤ بأصواتهم، وخصوصاً عندما يكونون يتناقصون بسرعة صاروخية وباتوا يشكّلون ثلث عدد اللبنانيين المقيمين. وإذا كان هناك إصرار على الـ٦٤ نائبا بأصوات المسيحيين فإن ذلك لا يمكن أن يتحقّق إلّا في ظّل تقسيم لبنان إلى دوقيات طائفية ومذهبية يناسبها ما أطلق عليه «القانون الأرثوذكسي» الذي ينتج برلماناً طائفياً.لماذا لا تقول لمستشاريك: إن اللعبة انتهت، وإن المطلوب مشروع لقانون انتخاب يعتمد النسبية ويصحّح التمثيل المسيحي تدريجاً، ويحقّق العدالة والمساواة للجميع، «ويدرء الخطر المحدق بالوحدة الوطنية، درع الأمان».
«مطلوبٌ من (بي الكلّ) أن يبادر بسرعة قبل انهيار السدّ وخراب البيت».
لكن الكاتب نسي أن الجنرال، الذي كان يسمع ويقرأ، نزع لباس «التضحية والشرف والوفاء» وركب في قاطرة الممانعين ليرعى ويحرس تحويل جمهورية إلى مشروع ولاية. هكذا بدأت رحلة تحوّل المسار إلى معادلة تفريغ الجمهورية لتغدو بلا سيادة، يقبل رئيسها رتبة حارس يسيء ويستغلّ استثمار نضال اللبنانيين، ودماء الشهداء، فيعمم الفقر والجوع، والتخلّف والعزلة العربية والانكفاء الدولي. ويخدع «الشعب العظيم» بتنصيبه «حارساً» لرئاسة الجمهورية ليسلّمها لمغتصبيها في حالة الموت السريري.
هكذا يتهافت حارس الجمهورية لقبول الشروط «وللمشاركة» بتعيينه حارساً، ليس فقط برفع الأيدي، بل بالصوت والصورة، الموثّقَين في دفاتر السفارات ومجالس الإقطاعَين السياسي والمالي، ويحدث كلّ ذلك باسم الميثاقية والدستور.

«حارس قبر الجمهورية»: عون عاد إلى بعبدا بقطار إيراني حارساً لا رئيساً



حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان
TT

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالقارة العجوز، تتصاعد أصوات غربيّة تهوّل من فكرة «أفول أوروبا»؛ إذ يقف العالم اليوم على المحك أمام مشاهد توحي بتصدع أسس الدولة القومية الحديثة؛ تلك الدولة التي شكلت تاريخياً حجر الزاوية في المشهد السياسي العالمي، ومصدر إلهام للتنظيم المجتمعي. يكفي إمعان النظر قليلاً للمس تحول أحياء بأكملها في مدن كبرى، مثل باريس وبروكسل وبرمنغهام، إلى بؤر تعكس أزمة هوية وجودية تعتصر الوجدان الأوروبي. المُهاجر، في هذا السياق المعقد، يقف كمرآة كاشفة لتناقضات أوروبا، وعرض دقيق لأزمة بنيوية متأصلة في قلب القارة.

الأصوات المهوّلة تعزو في خطابها السائد أزمة القارة الحالية إلى إخفاق المهاجرين المسلمين في الاندماج والذوبان في البوتقة الغربية. لكن قراءة تفكيكية للواقع تبرز انهيار النموذج الأوروبي ذاته، وقصوره الفادح في التوفيق بين ادعاءاته الليبرالية البراقة وتاريخه الاستعماري الممتد.

جورجيو أغامبين

تتجلى هذه الأزمة في بنية معرفية وتاريخية بالغة التعقيد؛ فمن الزاوية الإبستمولوجية، يؤسس العقل الغربي رؤيته للـ«آخر» على مركزية استعلائية متجذرة. يوضح المفكر إدوارد سعيد في أطروحاته الاستشراقية كيف تسهم استدامة هذه النظرة الدونية في إقصاء أي إمكانية حقيقية للاندماج، محيلةً المهاجر «كبش فداء» آيديولوجياً تُبرَّر به الإخفاقات الهيكلية المتعاقبة. ويرتبط هذا الاستعلاء المعرفي عضوياً بالإرث الكولونيالي؛ بعدما شُيِّدت الرفاهية الأوروبية الحديثة على استغلال مقدرات المستعمرات، في حين تستمر هذه الديناميكية اليوم عبر أشكال مستحدثة من التبعية والهيمنة.

وينسحب هذا الاستغلال على الداخل الأوروبي ذاته عبر تهميش اقتصادي ومكاني ممنهج. فالمهاجرون الذين استُقدموا كـأيدٍ عاملة رخيصة لإعادة بناء مدن القارة بعد الحرب، وجدوا أنفسهم محتجزين في معازل جغرافية وضواحٍ قاحلة، عُرضة لإقصاء مؤسسي يعكس تفاوتاً طبقياً حاداً يكذّب كل وعود المساواة الليبرالية.

في ظل هذه الهشاشة البنيوية، تتشكل حالة من قلق أنطولوجي أبدع في وصفها عالم الاجتماع زيغمونت باومان عبر مفهومه عن «سيولة المخاوف». ففي حداثتنا السائلة والمأزومة، ومع تآكل الضمانات الاجتماعية والاقتصادية لدولة الرفاهية، يتحول «الغرباء على أبوابنا» تجسيداً مادياً ومرئياً لهواجس المواطن الأوروبي حيال فقدان استقراره وهويته. ويغدو المهاجر لذلك بمثابة الشاشة التي تعرض عليها أوروبا مخاوفها من انهيار يقينياتها، متجاوزاً بذلك كونه مجرد تهديد عابر.

تعدّ فرنسا أكبر مسرح لهذه التحولات العنيفة؛ إذ سجلت السلطات قفزة هائلة في الحوادث المرتبطة بالاحتقان المجتمعي؛ وأظهرت إحصاءات حديثة تفضيل 44 في المائة من مسلمي فرنسا الالتزام بقواعد الدين الإسلامي وتقديمها على قوانين الجمهورية، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 57 في المائة بين الفئات العمرية الشابة. ما حدث في أروقة مؤسسات أكاديمية عريقة مثل معهد الدراسات السياسية بباريس بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) يجسد هذا التصدع. إذ تحولت ساحاتُ التعليم ميادينَ صراع مفتوح، تقاطعت فيها خطابات اليسار الراديكالي مع تيارات الإسلام السياسي لتشكيل جبهة معارضة لسياسات الدولة واليمين المتطرف معاً. الفيلسوف سلافوي جيجك يرى في مثل هذه التطورات نتيجة حتمية لقصور التعددية الثقافية بنسختها الليبرالية السطحية، واكتفائها بالاحتفاء الشكلي بالتنوع، وتغافلها عن الجذور العميقة للتفاوت الطبقي.

وغير بعيد، في العاصمة البلجيكية بروكسل، قلب أوروبا النابض ومقر الاتحاد الأوروبي العتيد، تتضح معالم الأزمة بشكل أعمق. حيّ مولينبيك يقدم نموذجاً حياً لتعثر سياسات الدمج وافتقار مؤسسات الدولة لرؤية استراتيجية واضحة. لقد تحول هذا الحي مساحةً معزولة تعاني إهمالاً مزمناً، واستغلت تيارات التشدد الديني الفراغ الإداري والتخبط في الهياكل الفيدرالية لإنشاء شبكات استقطاب وتجنيد. المهاجر هنا يدفع ثمن براغماتية الدولة وتخليها عن أداء دورها.

في مدينة برمنغهام الإنجليزية، تتكرر المشاهد ذاتها بنكهة محلية خالصة. إذ إن تراجع الصناعة، الذي أدى إلى فقدان 80 في المائة من وظائف القطاع الصناعي الكلاسيكي، ترك آلاف العمال المهاجرين فريسة للبطالة المدقعة. تدهور الظروف المعيشية أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية، متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة؛ ولذلك تضطر بريطانيا العظمى إلى احتضان ما لا يقل عن 85 محكمة دينية نشطة، تفصل في قضايا الأحوال الشخصية للطوائف المختلفة، وتدير شؤون مجتمعات موازية. ولا شك أن نجاح مرشحين ذوي أجندات أحادية في الوصول إلى مقاعد معينة في البرلمان البريطاني يمثل ظاهرة سياسية جديدة، تشير إلى تفوق استراتيجيات التعبئة القائمة على استغلال التهميش وافتقار الساحة لسياسيين يطرحون برامج لتحقيق تنمية شاملة عابرة للأديان والأعراق والطبقات.

ومع تصدع السرديّة والبحث عن تصور بديل بشأن موقع أوروبا من العالم يحار المراقب في تفسير إصرار الخطاب الغربي المحافظ على تحميل المهاجرين مسؤولية هذا التردي الشامل. الحقيقة الساطعة تكمن في شيخوخة السردية الأوروبية وقصورها عن استيعاب التحولات الديموغرافية الجارية. أوروبا المعاصرة تصارع بشراسة للحفاظ على صورتها المثالية بوصفها واحةً للتنوير، بينما تكشف سياساتها الداخلية والخارجية عن براغماتية قاسية وتمييز مؤسساتي عميق.

الفيلسوف المعاصر جورجيو أغامبين يحذّر من سياسات «حال الاستثناء» التي تتبناها الدول الغربية، والمُسْتَخْدَمَة لتسويغ التجاوزات القانونية بحق المهاجرين بحجة حماية الأمن القومي من خطر متخيل، بينما يتجاهل الكاتب مارك فايتسمان، لدى تنظيره لـ«أفول أوروبا»، ربما كون هذا الأفول المزعوم يمثل في صميمه مجرد انهيار للواجهة التي اختبأت خلفها القارة طويلاً. الهجرة، بحد ذاتها، ظاهرة إنسانية طبيعية ومحرك أساسي للتطور التاريخي للمجتمعات، وتحويلها مشكلةً أمنية يعكس بوضوح هشاشة النموذج الأوروبي وفقدانه البوصلة الأخلاقية والسياسية.إن الأزمة الحالية تتخطى مسألة اندماج المهاجرين لتلامس مادة المشروع الأوروبي برمته؛ ذلك أن إصرار النخب على إغفال التناقضات الداخلية العميقة، والتمسك بخطاب استعلائي يلقي باللائمة على «الآخر» المستضعف، سيسرع من وتيرة التفككات المجتمعية، بينما المهاجر سيظل دوماً تلك المرآة الصادقة العاكسة للوجه الأوروبي الحقيقي، بكل ندوبه وإخفاقاته التاريخية. تجاوز هذه المحنة الوجودية يستوجب اجتراح سرديّة بديلة ومبتكرة، تواجه أخطاء الماضي بجرأة، وتؤسس لعقد اجتماعي متجدد يحتضن النديّة والمواطنة الفاعلة الحاضنة للتنوع وتعدد الأصول والمنابت.


النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران
TT

النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة، قادراً على تفكيك مفهوم العدل ذاته خارج منطق السخرية منه، فمنذ عتبة العنوان المحتشد بالرمز والمفارقة، تتبدّى الرواية كقراءة في فكرة الاعتراف: من يُنشد له؟ ومن يُمنح وساماً؟ ومن يُقصى خارج دائرة القيمة؟ حيث لا تُوزّع النياشين وفقاً للعدل، بل وفقاً لمعادلات النفوذ والسلطة.

صدرت الرواية، أخيراً، وفيها يبدو البطل الأربعيني في حالة من التلفّت المستمر إلى الوراء، حيث القرية التي خرج منها إلى العاصمة، وإلى الماضي بوصفه مساحة فقدت نقاءها مبكراً بفعل صدمات الفقد المتكررة، وإلى المدينة التي تمنحه الصعود الوظيفي والطموح السلطوي، لكنها تسلبه الأمان، لتصبح الحياة «لعبة شدّ وجذب»؛ حبل يربطه بما كان، بينما تدفعه السلطة إلى ما صار عليه.

لا يبدو البطل، الذي تدور الرواية بلسانه، رغم ما حققه من مكانة وموقع، قادراً على التصالح مع تحوّله؛ كأن الاعتراف الذي ناله لم يكن اعترافاً بذاته، بل بصورة مصقولة عنه، ويتبدّى ذلك منذ افتتاح السارد بجملة تأسيسية تكشف مغزى فعل الكتابة الذي يلجأ إليه حين يقول: «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي»، هنا تتخذ الكتابة طابعاً اعترافياً مضاداً؛ فوصية الأب له بالنجاة من الفساد تتحوّل إلى هاجس أخلاقي يطارده، بينما تتحوّل الكتابة إلى محاولة نجاة أخرى، أو إلى مساحة يفاوض فيها الحياة التي يقول إنه يعيشها «لسدّ الثغرات وإكمال النواقص».ورطة السارِدينهض السرد على حبكة اختفاء سيدة تُدعى «شيرين» في ظرف غامض يتقاطع مع حياة البطل ليقوده إلى سلسلة من الورطات، غير أن السرد لا يكتفي بإدارة لغز الاختفاء، بل ينحو إلى فتح مسارات كشف لدواخل البطل؛ حيث تُعرّي كل ورطة طبقة من طبقاته، وكل تعثر يضعه أمام السؤال الذي حاول طمسه طويلاً: هل كان يسعى إلى العدالة... أو إلى نيشاينها؟ «ظننتني أعرف ما أريد» كما يقول في عبارة تختصر هشاشة يقينه.

ومع تصاعد الأحداث، لا يعود الاختفاء مجرد لغز حائر، بل يتحوّل إلى مرآة تجبره على إعادة النظر في علاقته بالسلطة، وبالماضي، وبصورته أمام نفسه قبل الآخرين.

لا تبدو الخريطة العائلية للبطل إطاراً سردياً نمطياً، بقدر ما يستدعيها في كشف ذاتيّ متكرر، فالسرد يُغيّب الزوجة نسبياً، في مقابل الإضاءة على صوت البطل الذي يجد في الانفصال والعلاقات البديلة محاولةً لتعويض الإحساس برتابة الزواج بدلاً من مواجهته، فتنقسم ذاته بين بيتين، ليُفكك السرد مفهوم «البيت» ذاته، الذي يبدو استعارة حاضرةً على مدار النص لحالة عدم الأمان الأولى التي عاشها في طفولته؛ لعدم مسامحته للأب، ولفقدٍ مبكر للأم، فيقول: «في كل مرة كنت أحاول الاكتمال... نقصت»، وكأن الرواية كلها كتابةٌ عن نقص لا يُرمّم بنياشين «الزواج» أو «الارتقاء» المهني السريع.

مسرح المدينةيتوزّع حضور البطل عبر مرآتين: «شيرين» و«رباب»، الأولى، التي يبدو لغز اختفائها مشوباً بقلق وتهديد مباشر له، ترتبط بها علاقة معقدة تتداخل فيها الرغبة بالذنب، فلا يهدد اختفاؤها موقعه الاجتماعي فحسب، بل يخلخل صورته عن نفسه ويكشف هشاشة مواقفه، أما «رباب»، التي يلتقي بها مصادفةً بصفتها سائقة «أوبر»، فتبدو حضوراً مضاداً؛ لا يسعى إلى «نيشان» ولا ينتظر اعترافاً، ويبدو تجوالهما عبر شوارع القاهرة ليس تنقلاً في المكان وحسب، لكنه في جوهره تجوال موازٍ داخل تعقيدات حياتهما، كأن المدينة نفسها تتحول إلى مسرح مراجعة داخلية.

في حواراته معها، يجد البطل نفسه أمام مرآة أكثر صفاء؛ مرآة لا تعكس صورته المصقولة، بل تكشف تناقضاته، فيما يبدو تمرد «رباب»، واختيارات حياتها غير الخاضعة لمنطق الامتياز، تضعه أمام أسئلة ملحّة، وتدفعه إلى رؤية ذاته خارج صورتها المصطنعة.

ويُسهم اختيار السرد بضمير المتكلم في تكثيف وقع هذه المراجعات الذاتية؛ فالبطل لا يروي وقائع فحسب، بل يعيد ترتيبها بما يُرمم صورته أمام ذاته، وكأن الرواية، في جوهرها، لا تُحاكم السلطة أو السياقات الاجتماعية والثقافية بقدر ما تُحاكم «وهم الاكتمال»؛ ذلك الوهم الذي يجعل الإنسان يطلب الاعتراف من الخارج، بينما جُرحه الأول، الغائر في أعماقه، لا يزال مفتوحاً. عروس النيل في مشهد يستدعي أسطورة «عروس النيل»، تقف «رباب» كأنها تعيد كتابة الطقس، بوصفه فعلاً تحررياً، فقفزها في النيل لا يأتي تهوراً كما يتعامل معه البطل بسخريةٍ مبطّنة، بل يبدو محاولة لمواجهة الماء بعدّه عنصر البدء والمحو والتجدد.

غير أن المفارقة تكمن في أن البطل ذاته، وهو على حافة حياته، يستدعي الطقس نفسه، لا بعدّه مشهداً أسطورياً، بل بعدّه سؤالاً أخلاقياً يواجه الذنب والغضب المتراكم منذ الطفولة، هنا تتقاطع الأسطورة مع السرد، ويتحوّل النيل من خلفية مكانية إلى رمزٍ دائري يُعيد الرواية إلى بدايتها؛ فالمشهد الذي افتُتحت به «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي» يجد صداه في لحظة التطهير المؤجَّل، وكأن النهاية لا تُغلق القوس، بل تعيده إلى موضعه الأول.

ولعل اختيار الكاتب تقسيم السرد إلى فصول قصيرة بعناوين دالة مثل: «الورطة»، «اللعبة»، «الرهان»، «الزحام»، «الخطر»، «المصادفة»، «الخلاص»، ليس مجرد تنظيم شكلي، بل بنية رمزية لمسار السقوط نفسه، فالحياة تبدأ لعبةً، تتحول رهناً، وتنزلق إلى الخطر، وتحرر قليلاً عبر مصادفة، ثم تبحث أخيراً عن خلاص، وهي بنية تُحاكي الخطأ الكبير الذي يتفتت إلى خطايا صغيرة، في مسارٍ يبدو وكأنه استيعاب تدريجي للحماقة؛ لا حماقة الآخرين، بل حماقة الذات حين تظن أن النيشان يُغني عن الغفران.


«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»
TT

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية، وهي مجلة سنوية محكّمة. وتضمّن المجلّد سبع دراسات لباحثين عرب من أقطار عربية عدة، من المتخصصين في مجال الموسيقى العربية من جوانب متعددة.

صدر هذا العدد - المجلّد في عَمّان، ضمن اتفاقية التعاون بين المجمع العربي للموسيقى ودار «العائدون للنشر والتوزيع»، وجاء في 180 صفحة.

وممّا جاء في افتتاحية العدد، التي كتبها رئيس هيئة التحرير، الدكتور نبيل الدراس، تحت عنوان «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»، أن الثقافة الموسيقية العربية، أو ما يمكن تسميتها «الموسيقى العربية المعاصرة»، قد «أخذت فيما بين العقد الرابع من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، مساراً قد يكون مغايراً لما كانت عليه الحال في عصور سابقة. جاء ذلك متوافقاً مع الاتجاهات العالمية نحو عملية تشكيل مجتمع واحد وثقافة واحدة على نطاق البشرية جمعاء، والتي تتشكّل على أساس الثورة التقنية (تطور التقنيات الإلكترونية والحاسوبية، ونمو وسائل الإعلام، وتطوير الاتصالات والإنترنت... إلخ)، وتكامل مختلف مجالات التواصل الثقافيّ الإنسانيّ (الروحيّ والاجتماعيّ واللغويّ) لهذه المرحلة».

وبالإضافة إلى الافتتاحية، ضمّت المجلة دراسات لكلّ من: بوعزيز سمحون (تونس)، وكلير خوري (لبنان)، وميرنا زغيب (لبنان)، ووسيم جمعة (تونس)، وبديع الحاج (لبنان)، ومعتصم عديلة (فلسطين)، وعبد العزيز بن عبد الجليل (المغرب).