جعجع: عجزنا عن إحداث خرق في موقف عون

قزي يروي في «حارس قبر الجمهورية» كيف تراجع رئيس «القوات اللبنانية» وانتخب خصمه رئيساً للجمهورية (2 ـ 2)

غلاف كتاب «حارس قبر الجمهورية»
غلاف كتاب «حارس قبر الجمهورية»
TT

جعجع: عجزنا عن إحداث خرق في موقف عون

غلاف كتاب «حارس قبر الجمهورية»
غلاف كتاب «حارس قبر الجمهورية»

في هذه الحلقة من كتاب «حارس قبر الجمهورية» الذي سيصدر قريباً عن «دار سائر المشرق» في بيروت للكاتب اللبناني فايز قزي، يروي تفاصيل اجتماعين له مع رئيس «حزب القوات اللبنانية» سمير جعجع الذي كان منافساً للجنرال ميشال عون على منصب رئيس الجمهورية، ثم توصل الطرفان إلى «اتفاق معراب» الذي أسفر عن انسحاب جعجع من السباق الرئاسي، لا بل مشاركة نواب حزبه في انتخاب عون رئيساً للجمهورية عام 2016 بعد عامين من الفراغ الرئاسي عقب انتهاء ولاية الرئيس الأسبق ميشال سليمان. وينقل قزي عن جعجع قوله بعدما وصل عون إلى رئاسة الجمهورية أنه عجز عن إحداث خرق ولو بسيطاً في موقفه.
إن دخول رئيس حزب القوّات اللبنانية سمير جعجع حلبة المنافسة، أعطى المعركة وجهاً مختلفاً. فكان أول المنافسين الجدّيين. ولكن ترشيحه لم يفضح مناورات حسن نصر الله وبشّار الأسد. بل زادها رسوخاً، وساعدهما بمشاركته في تحمّل جزء من مسؤولية الفراغ. فكان دعم ترشيح جعجع من تيّار المستقبل، واعتماد رئيس مجلس النواب، نبيه برّي، نظرية الثلثَين لاكتمال النصاب في كلّ الدورات، سبباً كافياً لانسداد الأفق في توفير نصاب الجلسة وإمكانية انتخاب رئيس. ورغم أن نظرية النصاب {البِرّية} هذه مخالفة لنصّ المادة 49 من الدستور اللبناني روحاً ونصّاً، فقد نام المجلس النيابي في غفوة فراغ دستوري شامل امتدّت لسنتَين ونصف السنة في عملية ابتزاز الرأي العام بمسرحية «سلسلة جلسات».
كان يتمّ تحديد مواعيد لها مع معرفة مسبقة بعدم اكتمال النصاب، وليتحمّل النوابُ المقاطعون من دون عذر، وعلى رأسهم التيّار العوني، مسؤولية دعم مشروع فراغ «حزب الله»، بعد أن بيَنت الإحصاءات أن ميشال عون لا يحظى بأكثرية نيابية للفوز. فكرّست هذه المرحلة شعار: «الفراغ أو عون رئيساً».
وأضاف إعلان سمير جعجع ترشّحه لرئاسة الجمهورية، عنصراً جديداً لاستحالة اكتمال النصاب في المجلس، استغلّه «حزب الله» ليستر به مشروع الفراغ الذي ينفّذه لاستكمال وضع اليد على المؤسّسات.
دعاني الصديق شارل خوري لزيارة سمير جعجع في معراب، فرافقته. وتبيّن لي أن اللقاء جرى وفق موعدٍ مسبق، وأن شارل سبق وأخبر جعجع أنني عَبرتُ في جلسات حوارية مع مجموعة من الأصدقاء، أن «حزب الله» غيرُ صادقٍ في طرح ميشال عون لرئاسة الجمهورية، وأن هذا ليس إلّا خطّة مدروسة هدفها المزيد من هدم النظام اللبناني، وتعطيل السلطات، وضرب المؤسّسات العسكرية والأمنية، لتأمين هيمنة الحزب على ساحة لبنان (الجزء) وإلحاقها بدولة الأمّ (الكلّ) في إيران...
في هذا اللقاء مع جعجع، المرشّح لرئاسة الجمهورية، استعدت ذكريات زيارتي الأولى له بعد خروجه من السجن سنة 2005 وسفره إلى باريس وعودته إلى منطقة الأرز. كان ثلج فبراير (شباط) يغطّي مسكنه حينذاك، وكنت مع وفدٍ من نقابة المؤسّسات السياحية والنقيب جان بيروتي. فبادرني جعجع قائلاً: «كيف تسلّلت إلى هذه المجموعة». فأجبتُه: «أنا عضو في النقابة ومستشارها القانوني ولست متسلِّلاً. وقد جئت برغبة علنية لأقول لك ما قد لا يرضيك، إلّا أنني أتمنّى عليك أن تسمعني، ولو من موقعي كصديقٍ لميشال عون. أنت الآن رقم سياسي مسيحي صعب، وميشال عون رقم سياسي مسيحي صعب، فإن اجتمعتما يستحيل خروج منصب الرئاسة منكما. يومها أذكر أنك غضِبتَ وقلتَ لي: «ومن يقنع صديقكَ وليد جنبلاط بانتخابه»؟ فقلتُ: «إنها الاستحالة التي يستعملها الثنائي الشيعي لمصادرة مجلس النواب».
استعدت في لقائي مع جعجع المرشّح للرئاسة مرّة جديدة هذه الفرضية السابقة، فسألني: «وما رأيك اليوم وقد أصبحتَ مخاصماً لعون؟» فأجبتُ وأكّدتُ: «اليوم أعود علناً لا متسلِّلاً، ومن موقع الخصومة للجنرال عون، لأطلب منك ألا تتمسّك بإعلان ترشّحك لرئاسة الجمهورية، فتساهم بمؤامرة الفراغ التي يقودها (حزب الله). ورغم أني قطعت علاقتي بالجنرال عون الممتدّة من العام 1985 حتى فبراير 2006 وأنا اليوم أقرب لنهجك السياسي، إلّا أنني أتمنّى أن تتريّث وتتراجع موقّتاً عن منافسة عون. فلا يحمّلك بعض الرأي العام المسيحي مسؤولية الفراغ وتعطيل الانتخابات، فتكون بالتالي مسؤولية الفراغ ملقاة على عاتق (حزب الله) الذي ستنكشف أوراقه أمام ميشال عون. عندها ستستفيد أنت من التصادم الناجم عن تراجع (حزب الله) عن مزاعمه في تأييد ميشال عون».
لشعوري أن جعجع كان أكثر صبراً في الاستماع، تابعت موضحاً: «(حزب الله) لا يمكن أن يضع ثقته برجل لا يملك ثبات الموقف بعد نيل مبتغاه. أضف إلى ذلك عصبيته المسيحية العميقة، وعلاقاته الإسرائيلية التي قادته إلى الكونغرس الأميركي، للمطالبة بمحاسبة سوريا، واستقباله سامي مارون لربط علاقته بإسرائيل، وانتظامه مع بشير الجميّل يوم كان ضابطاً يسمى بـ (رعد) (الاسم الحركي لميشال عون في الحرب الأهلية) ثم قائداً للجيش اللبناني باقتراح ورضا أمين الجميّل، ومستضيفاً المرسلين العسكريين الأميركيين، وانقلاباته على الرفاق والحلفاء... كلّ هذه المواصفات يدركها (حزب الله). ولديه أكثر من ذلك. وأنا خبيرٌ بوثائق وأدبيات ومواثيق الحزب ومرجعياته، ولقد أضعت سنوات طويلة في هذا البحث متفرّغاً خاصة بعد العام 2006 للتعمّق في الثورة الإيرانية دستوراً وشرعاً وعقيدة ونهجاً وغزواً. لذلك من غير المجدي وطنياً منافسة المرشّح ميشال عون، بل يجب كشف لعبة الفراغ التي هي الهدف الأول والغاية النهائية للحزب، وما ترشيح عون سوى مناورة وأحد الأسباب المعطّلة للانتخابات. وسحب ترشّحك يمنع عن الحزب هذا الغطاء».
بعدما أنهيت كلامي بادرني جعجع قائلا: «ما تقوله فيه بعض الحقيقة، لكن ماذا لو تحوّلتْ هذه المناورة من فراغٍ إلى ترشيح؟» عندها خطرت ببالي تجربة أكراد العراق. فقلت: «هذا احتمال لا تتجاوز نسبة حصوله الواحد في المائة. لكن إذا تحقّق ذلك تكون قد أنجزت الاختراق الذي يفتح لك أبواب الدخول إلى البيئة التي سيطر عليها عون من خلال ادّعاءات مسيحية وتحريرية ووطنية. ويكون قد ذهب هو إلى مغامرة ومغارة التسلّط والحكم، على غرار جلال الطالباني، الذي قَبِلَ العرض الأميركي - الإيراني له برئاسة العراق بعد صدّام حسين. فترك الإقليم الكردي ليجلس على كرسي رئاسة الجمهورية العراقية في بغداد، وبقي البرزاني في الإقليم الكردي ليحصد محبّة شعبه بإجماعٍ شامل».
بعد شهورٍ قليلة بدأ الحراك على خطّ الرابية - معراب، تولّاها الوزير ملحم رياشي موفداً من قبل سمير جعجع، تقابلها زيارات للنائب في التيّار الوطني الحرّ إبراهيم كنعان موفداً من ميشال عون إلى معراب. واستمرّت هذه المشاورات شهوراً قبل أن يعلن سمير جعجع انسحابه لمصلحة عون وليوقّع اتفاق معراب في 19 يناير (كانون الثاني) 2016، فتبادل عون وجعجع رفع نخب الفرح بتحقيق انتصار ظاهري عظيم.
-- الحريري يناور
احتفال عون في معراب أثار حفيظة سعد الحريري الذي ظنّ سوءاً في تحوّل القوّات. وردّاً على مفاجأة جعجع واتفاق معراب، استمر سعد الحريري بمناورته في ترشيح سليمان فرنجية في الفترة الأولى، لكنه فشل بتأمين النصاب. واستمرّ «حزب الله» وسوريا في مناورة تعطيل النصاب. وبعد فشل انعقاد الجلسات، وبعد أن باتت الأرجحية الشعبية المسيحية لمصلحة اتفاق معراب، اضطر الحريري للتخلّي عن مناورته بترشيح سليمان فرنجية واستبدالها بواسطة حصّة سخية من عون تُوفر له ركوب رئاسة مجلس الوزراء حتى نهاية العهد. وكان هذا التحوّل الشعرة التي أسقطت جانب المناورة عند جعجع، فتحوّلت إلى واقعٍ وحقيقة. وانكشفت باطنية «حزب الله» فاضطرّ الحزب لإعلان الاسم الكامل للمرشّح ميشال عون. وبات عون رقماً مسيحياً يستحيل تجاوزه، وأسقط بيد الحزب واضطرَّ للتخلّي عن مشروع الفراغ لإعلان الاسم الكامل لمرشّحه ميشال عون.
-- لقاءٌ ثانٍ مع جعجع
بعد زيارتي لجعجع، انقطعت عن لقائه، وتابعت عن بُعد مفاوضات جعجع وعون ولم أكن أهتمّ فعلاً بتفاصيلها ومصيرها. وبتاريخ 2 - 4 - 2016 دعيت مع زوجتي إلى عشاءٍ في منزل الصديق نديم قمير وزوجته دينا في الأشرفية. وكان إلى الطاولة سمير جعجع وجبران باسيل وشامل روكز وزوجاتهم.
قبل نهاية العشاء، انسحب سمير جعجع من وسط الطاولة وطلب مني مرافقته إلى غرفة داخلية ليفاجئني بقوله:
- إننا لم نتمكّن حتى اليوم أن نحدث ولو خرقاً بسيطاً في موقف صاحبك (عون).
- لقد وقّعتم الاتفاق منذ فترة طويلة وأنت أيضاً بدأت تتعرّض للشكّ والاتّهام وتخسر من رصيدك، فلماذا إذن لا تضع نهاية للقضية. وأردفتُ بالفرنسية chute)سقوط).
- وكيف ترى chute؟
- أما وقد تأكّدتَ من عدم تبديل عون فلماذا لا تبتدع حلّاً مفاجئاً للخروج من المأزق؟
- وما برأيك الحلّ الممكن؟
- البارحة صرّح الشيخ نعيم قاسم، نائب الأمين العام لـ«حزب الله» أن عودة لبنان إلى المارونية السياسية لم تعد مقبولة ولا ممكنة. فاخرج أنت بردٍّ صاعق واتّهمه بأن لبنان لا يمكن تحويله إلى ولاية إيرانية، فتحرج بذلك ميشال عون، فإما يتضامن معك وتكون قد حقّقت التغيير الذي تتمنّاه، وإما أن يرفض ويكون لك السبب الشرعي لاسترداد تعهدك بترشيحه.
هنا دخلت السيّدة دينا قمير لتطالبنا بالعودة إلى المائدة والضيوف. أنهينا العشاء وافترقنا على أملٍ لم يتحقّق. إذ لم يذهب إلى صيغة للرجوع عن تعهده، بل ثبت وقبل تحويل المناورة إلى اتفاق تبادل المنافع، ورضي بوعودٍ عونية لم يتمّ تنفيذها.
-- برّي يخرج أرْنَبه
رغم تأييد جعجع لترشيح عون، حاول الحريري بردّة فعلٍ عصبية، طرح سليمان فرنجية خصم، جعجع السياسي، مرشّحاً لرئاسة الجمهورية. ولكن تمنّع «حزب الله» عن التجاوب العلني مع ثنائي الحريري فرنجية. أسقط رهان الحريري على الاستمرار في تأييد فرنجية، ليخضع فيتحوّل إلى قبول العرض العوني بالمشاركة في ثنائية حكم العهد الكامل برأسَين: عون - حريري، فاكتمل الوفاق المسيحي السنّي على ميشال عون. وسارع «حزب الله»، لتغطية مشروع الفراغ الذي أتبعه، ليعلن تأييده العلني للمرّة الأولى لميشال عون. وساهم نبيه برّي رئيس المجلس النيابي، الخصم اللدود لميشال عون، بإيجاد المخارج لتبديل الصورة. فكانت جلسة مجلس النواب، التي عُقِدَت بتاريخ 31 - 10 - 2016، بعيدة من مفاهيم الاقتراع في الشكل والمضمون. وتحوّلت إلى مسرحية، فيها أرانب كثيرة، ودورات ثلاث أُلغيت لزيادة عدد الناخبين عن عدد النواب الحاضرين، ووجود ورقة انتخاب واحدة لغانية منافسة، ليؤشّر إلى مصيرٍ مجهول للجمهورية المولودة.
بات واضحاً أن عون سيكون الفائز بأكثرية أصوات النواب إذا اكتمل النصاب. لكنّ عون ذا الطبع الشكّاك والحذر أصرّ على استمرار التعطيل حتى يثبت له بالدليل القاطع أن لا منافس يخبّئه خصومه. ولم يوافق على حضور جلسات الانتخاب وإكمال النصاب، إلّا بعد إعلان كلّ الفرق الانتخابية دعمها العلني له. وعندها فقط تجرّأ وأقدم على ارتكاب المغامرة، التي رافقت قسمات وجهه المتجهّم، والتي ازدادت تشنّجاً في الدورات الأربع التي أنجبت الأرنب البرّي، بعد جلسات فولكلورية. وقد كشف ذلك تلعثُمه عند قراءة القسَم الرئاسي وإقدام برّي ومساعدته مع ابتسامة صفراء.
هكذا اجتاز عون كلّ الدفوع الشكلية والعملية التي كان يتمسّك بها وقبل انتخابه في ظروفٍ ومعطيات تنكرت لادعاءاته الشعبوية على رفضها:
من مجلس النواب غير مؤهّل وغير شرعي للانتخاب لأنه ارتكب جرم التمديد غير القانوني لنفسه بدل أن يلجأ إلى إعادة انتخابه.
إلى أن الانتخابات لا يجوز أن تتمّ في ظلّ احتلالٍ أجنبي (سوري أو إيراني أو إسرائيلي) وبات راضياً ومستعجلاً الانتقال إلى بعبدا.
وليتبيّن بعد الوصول أنه حصل على أصواتٍ تمّت رشوتها وشراؤها بوعود كاذبة أو غير صادقة.
-- عون المنتخَب ونوبات الحراسة في بعبدا
الطلقة الأولى التي سدّدها العهد على رأس الجمهورية كانت في قبوله تمديد ولاية مجلس النواب بذريعة وضع قانون جديد. ثم بدأت عملية حياكة قوانين انتخابية جديدة في مطابخ المنظّرين والانتهازيين والوصوليين. تولّى إدارة الحبكة الرئيس ميشال عون وصهره جبران باسيل والوزير «الوديعة» سليم جريصاتي، ونائب رئيس المجلس إيلي الفرزلي المتنقّل Ambulant بين ولاية دمشق «والولاية القوية» والحاضر دائماً وأبداً لخدمة «الزعيم»، بصرف النظر عن توجّهاته وهواه السياسي وعقيدته.
لاقى قانون الانتخاب، الذي استولده الفرزلي الأرثوذكسي، استحساناً في أوساط عون وباسيل خاصة. فأطلق عليه اسم القانون الأرثوذكسي الذي حَصَرَ الدائرة الانتخابية بالمذهب فقط. وهكذا يتحوّل لبنان فعلاً إلى مولِّد لمجلسٍ نيابي يشبه مذاهبه المتناقضة فتتحقّق نظرية منع «استيلاد» نواب للمسيحيين من أصوات إسلامية ويحقّق العونيون شعاراتهم الشعبوية في انتخاب نوابهم المسيحيين.
وانطلقت صفّارات العهد القوي لتسويق هذا القانون الذي تنكر له رئيسُ حزب القوّات اللبنانية سمير جعجع بعد أن قبله. وما لبث أن سقط القانون. وتوتّرت العلاقات بين التيّار الوطني الحرّ والقوّات اللبنانية. فانتقل عون دفعة واحدة وتيّاره وأتباعه إلى تبنّي فكرة القانون النسبي كردِّ فعلٍ على معارضة حزب القوّات اللبنانية للقانون (الأرثوذكسي). وبتاريخ 10 - 5 - 2017 نشرت جريدة الأخبار، الموالية لـ«حزب الله» وفريقه السياسي، في صفحتها الأولى كتاباً مفتوحاً موجّهاً من الصحافي المخضرم والباحث السياسي المقرّب من ميشال عون إدمون صعب لعون بعنوان: «أوقف بيع الأوهام للمسيحيين قبل خراب البيت».
كفى مناورات بأن في الإمكان صوغ قانون انتخاب يمكّن المسيحيين من انتخاب نوابهم الـ٦٤ بأصواتهم، وخصوصاً عندما يكونون يتناقصون بسرعة صاروخية وباتوا يشكّلون ثلث عدد اللبنانيين المقيمين. وإذا كان هناك إصرار على الـ٦٤ نائبا بأصوات المسيحيين فإن ذلك لا يمكن أن يتحقّق إلّا في ظّل تقسيم لبنان إلى دوقيات طائفية ومذهبية يناسبها ما أطلق عليه «القانون الأرثوذكسي» الذي ينتج برلماناً طائفياً.لماذا لا تقول لمستشاريك: إن اللعبة انتهت، وإن المطلوب مشروع لقانون انتخاب يعتمد النسبية ويصحّح التمثيل المسيحي تدريجاً، ويحقّق العدالة والمساواة للجميع، «ويدرء الخطر المحدق بالوحدة الوطنية، درع الأمان».
«مطلوبٌ من (بي الكلّ) أن يبادر بسرعة قبل انهيار السدّ وخراب البيت».
لكن الكاتب نسي أن الجنرال، الذي كان يسمع ويقرأ، نزع لباس «التضحية والشرف والوفاء» وركب في قاطرة الممانعين ليرعى ويحرس تحويل جمهورية إلى مشروع ولاية. هكذا بدأت رحلة تحوّل المسار إلى معادلة تفريغ الجمهورية لتغدو بلا سيادة، يقبل رئيسها رتبة حارس يسيء ويستغلّ استثمار نضال اللبنانيين، ودماء الشهداء، فيعمم الفقر والجوع، والتخلّف والعزلة العربية والانكفاء الدولي. ويخدع «الشعب العظيم» بتنصيبه «حارساً» لرئاسة الجمهورية ليسلّمها لمغتصبيها في حالة الموت السريري.
هكذا يتهافت حارس الجمهورية لقبول الشروط «وللمشاركة» بتعيينه حارساً، ليس فقط برفع الأيدي، بل بالصوت والصورة، الموثّقَين في دفاتر السفارات ومجالس الإقطاعَين السياسي والمالي، ويحدث كلّ ذلك باسم الميثاقية والدستور.

«حارس قبر الجمهورية»: عون عاد إلى بعبدا بقطار إيراني حارساً لا رئيساً



«لا تنتظر ساعي البريد»... أنسي الحاج يتشكل بين ذاكرتين

فريد الزاهي
فريد الزاهي
TT

«لا تنتظر ساعي البريد»... أنسي الحاج يتشكل بين ذاكرتين

فريد الزاهي
فريد الزاهي

ليس كتاب «لا تنتظر ساعي البريد! رسائل بين ندى أنسي الحاج وفريد الزاهي» الصادر حديثاً في بيروت (دار نلسن - 2026) مجرّد مجموعة رسائل متبادلة بين شاعرة لبنانية وكاتب مغربي، نشأت بينهما صداقة أدبية بدأت من القراءة قبل أن تتحوّل إلى مراسلة، وتغذّت على ما كتب الزاهي وترجم، ولا سيّما ترجمته لكتابَي المستشرق الفرنسي هنري كوربان «الخيال الخلاّق في تصوّف ابن عربي»، و«مقدمة لمؤلفات شهاب الدين السهروردي الفلسفية والصوفية».

فمثل هذه القراءة، على الرغم من وجاهتها، تفوّت البنية العميقة للكتاب. إذ خلف الصداقة التي تنمو بين بيروت والمغرب، ثمة شخصية ثالثة لا تكتب رسالة واحدة فيه، ولا تظهر كموضوعٍ مباشر، لكنها حاضرة في تكوينه، عنيت شخصية الأب والصحافي والشاعر الغائب، أنسي الحاج، «موطن ندى»، على حدّ قول الزاهي، الذي جعله الرحيل أكثر حضوراً، وربما أكثر استعصاءً على الغياب.

ندى الحاج

تبدأ الحكاية، إذاً، من علاقة ابنة بأبيها، لكنها سرعان ما تتجاوز حدود السيرة العائلية، لتطرح سؤال الوجود وجمال المعرفة واللغة والأدب والموسيقى والترجمة والكلمات والتصوّف والحقيقة والروح والجسد والحرب والموت والأديان والكتابة والقراءة الورقية في زمن التقنيات الرقمية، ودور المقهى والصحافة واللقاء الثقافي في تشكيل الذاكرة الأدبية وغيرها من أسئلة الحياة. لذلك تبدو الرسائل في هذا الكتاب ذات وجهين متكاملين: رسائل تُوجَّه إلى فريد الزاهي، وردودٌ تخرج عن «المسالك المعبَّدة للكتابة»، تحلّق في فضاء رحب تتجاور فيه الفلسفة والشعر والفكر، وتتداخل فيه التجربة الإنسانية مع التأمل في الأسئلة الوجودية الأعمق، مستعيدةً بذلك تقليداً أصيلاً في الحوار، يعود إلى قرون بعيدة مع رسائل سينيكا إلى لوقيليوس ورسائل أبيقور إلى تلاميذه ومريديه، ورسائل شيشرون إلى أتيكوس، وديكارت ولوك، وروسو وديدرو، وفلوبير وجورج صاند، وصولاً إلى رسائل ألبير كامو وماريا كاساريس وسواهم، التي تجاوزت وظيفتها التواصلية صائرةً «وسيطاً للتفكير» واستكشاف الذات في حوار غير متزامن يتجاور فيه الحضور والغياب.

منذ الصفحات الأولى للكتاب يتبين أن الرسائل لا تنشأ من فراغ. إنها تأتي من تاريخ من الشعر والكتابة والذاكرة، ومن علاقة طويلة بين ندى وإرث أبيها. لكن الزاهي لا يكتفي بمجاراة ندى في استدعاء أنسي الحاج. لعله يعيد قراءة تجربتها في إعادة تركيب لما تفتحه الرسائل من أفقٍ تأمليّ وثقافيّ واسع. ولهذا فإن الحوار معه لا يمكن فصله عن السؤال الآتي: ماذا تفعل الابنة حين يكون الأب شخصاً تحبه، وكاتباً وشاعراً سبقها إلى اللغة، واسماً صار جزءاً من هويتها الأدبية؟

هنا تحديداً تتجاوز الرسائل بعدها الشخصي لتصبح نصّاً عن الميراث الشعري، والأبوة، والغياب، وفعل الحب، وتكوّن الذات والنسب الأدبي.

ومنذ الردّ الأول على رسالة «سَفرُ المرايا»، يلتقط الزاهي ما يتصل بالكتابة والشعر والنقد والترجمة والدين والرمزية، ليفتح فضاءً مشتركاً للشعر والفكر، مؤكداً أن الكتابة الحقيقية كشفٌ واكتشاف، وأن النّص حين يكون حيّاً يتحول من «شريك» إلى «فكر»، ومن تجربة فردية إلى معرفة. والأهم أن الزاهي لا يقرأ ندى بمعزل عن أبيها. فهو يعرف الحاج من داخل تجربته الثقافية، ويعرف موقعه في المشهد الشعري والفكري العربي. فإذا كانت ندى تملك الذاكرة الحميمة، فإن الزاهي يملك ذاكرة القارئ. وبين الذاكرتين يتشكل أنسي الحاج الذي لا يعود شخصية أحادية. إنه الأب الذي عاش في البيت، والشاعر الذي عاش في اللغة، والاسم الذي ترك أثراً في جيل كامل من الشعراء والكتّاب. ولذلك فإن رسائل الزاهي تبدو أحياناً وكأنها تحاول أن تحمي ندى من اختزال نفسها في نسبها الأدبي، دافعاً الحوار باتجاه ما فعلته الابنة بهذا الإرث وخطواتها على طريق الاستقلال عنه.

وتتجلى شخصية الزاهي بصورة أوضح في رسائله التي تتناول تجربته المغربية، والقراءة والكتابة والترجمة، وعلاقته بلبنان وبالتراث العربي. ففي رسالته «خطّ وقدر»، يستعيد تاريخ علاقته بالورق والقلم، ثم ينتقل إلى القرآن، وإلى بدايات وعيه باللغة والحفظ وإلى تجربته مع الكتابة اليدوية والصحافة والترجمة. هذه الاستطرادات ليست خارج موضوع المراسلة، إنها تكشف شيئاً جوهرياً: الزاهي لا يفسر تجربة ندى من الخارج، بل يضع سيرته وتجربته الخاصة إزاء تجربتها، فيصبح الحوار تبادلاً للسيرتين. ندى تتحدث عن الذاكرة، فيستدعي الزاهي ذاكرته كما في «جنوحٌ نحو القصيدة»؛ تتحدث عن الأب، فيستعيد هو أباه الأمي وسيرته وطفولته وآباءه الثقافيين؛ تتحدث عن الكتابة في «حرية وخفّة»، فيعود إلى تاريخ كتابته وقراءاته؛ تتحدث عن لبنان وبيروت والتجاور والتعايش الديني، فيعود إلى المغرب ومدنه ومساجده ومواقعه وأديرته المسيحية ومكتاباتها العامرة زمن الوجود الفرنسي وانفتاحها على الآخر كما في رسالته حول «التجاور الديني»، التي يقرأ فيها فضاء المغرب التاريخي والثقافي والديني، مستعيداً علاقته بالتراث المسيحي، ليصل إلى فكرة أعمق عن التعدد والحوار. وفي المقابل تستجيب ندى لهذه الرؤية من موقعها اللبناني، فيصبح المغرب ولبنان تجربتين مختلفتين لكنهما تلتقيان في سؤال التعدد والتعايش والذاكرة؛ وتتحدث عن الروحانية والتوق إليها، فيدخل معها إلى نصوص وحكم محي الدين بن عربي، وتردّ ندى محدثةً إياه عن تآلفها مع روح القرآن، وقد أتيح لها قراءته وحضور حلقات ذكر للشيخ النقشبندي محمد هشام قبّاني. فيحدثها الزاهي عن قراءاته للكتاب المقدس وتعاليمه وتأثيرها على بعض من تحوَّل إليها. وهكذا لا تسير الرسائل في خط مستقيم من سؤال إلى جواب، وإنما في «دوائر متراكبة»، كأن تفتح كل رسالة باباً لا يغلقه ردّ الزاهي بقدر ما يفتح باباً آخر يزخر بشتّى أنواع المعارف، معرّجاً على أسماء أدباء وفنانين كبار تأثروا بالثقافة المغربية الأصيلة التي فتنت «العابر والمقيم»، وغدت «منبعاً لمتخيل أدبي وبصري لا ينضب».

وتتناول الرسائل أيضاً موضوعات الجفاف والمطر والتقنيات الرقمية وتدويناتها النرجسية وتجارب الفنانين الكبار كبول كلي وماتيس وثقافته الفلسفية والكتابة السيرية والصمت والحب الذي يربطه الزاهي باللغة والزمن والوجود. ففي رسالة بعنوان «الحبُّ الجارف» يقارب الزاهي الحب كقوة تتجاوز إمكانية امتلاكها أو تحديدها، فيصله بالحياة وبالعلاقة بالآخر، ثم يجد له أفقاً صوفياً في قراءة ابن عربي الذي يفتح أمام ندى صورة أخرى للأبوة: أبوة روحية وثقافية تُكتسب بالاختيار والقراءة، لا بالدم. فإذا كان أنسي الحاج هو الأب الذي جاءت به الحياة، فإن ابن عربي واحد من الآباء الذين تختارهم الروح. هكذا يتسع مفهوم النسب، نسب الجسد، ونسب الشعر، ونسب الروح الذي يخرج علاقة ندى بأبيها من حدود العائلة إلى فضاء أوسع تتداخل فيه القراءة والتلمذة والبحث عن الذات. وهذا تحديداً ما يجعل الزاهي طرفاً ضرورياً في الكتاب: إنه لا يرد على ندى، بل يعيد صياغة أسئلتها. فإذا كانت الحاج تنطلق من التجربة لكي تصل إلى الفكر، فإن الزاهي كثيراً ما ينطلق من الفكر لكي يعود إلى التجربة، وبين الاتجاهين تنشأ حركة الكتاب كلها.

إن رسائل الزاهي تؤدي في الكتاب وظيفة «المرآة النقدية». لكنها ليست مرآة تعكس ندى كما هي؛ إنها مرآة تغيّر زاوية النظر إليها وإلى الأسئلة التي تثيرها. ولعل هذه الازدواجية هي التي تمنع الكتاب من التحول إلى سيرة وجدانية صائراً سؤالاً أدبياً وفكرياً يهم القارئ أينما كان.

ولا بدّ في هذا السياق من الإشارة إلى أن الزاهي ليس «المخاطَب» في هذه المراسلات فحسب؛ إنه «القارئ الأول الذي يشارك في صناعة النصّ». فمن خلاله تنتقل رسائل ندى من حميمية المراسلة إلى أدبية الحوار، ومن الاعتراف الشخصي إلى التفكير في الشعر والكتابة والذاكرة والموت. فالزاهي الآتي من خارج ذاكرة ندى العائلية، يستطيع أن يرى ما تعجز الذاكرة الحميمة أحياناً عن رؤيته. لذا يصبح شاهداً وقارئاً ورفيقاً في إعادة بناء المعنى. ولعله في قراءته لما تقوله ندى، يعيد السؤال إليها في صورة أخرى أو حركة متبادلة تمنح الكتاب حيويته، بحيث يصبح حواراً يتسع كلما اختلف الصوتان.

ومن الخاص إلى العام يمتد الكتاب نحو لبنان. وطن ندى الحاضر هنا كذاكرة وجرح وتجربة عيش. الأزمة اللبنانية، وانهيار الحياة العامة، والشباب الذين يحاولون مواصلة حياتهم وسط الانهيار، كلها تدخل في نسيج المراسلات. الكتابة تصبح مقاومة لفقدان المعنى؛ وحين يهدد الواقع بتفكيك الحياة، تستعيد الرسالة قدرتها على بناء علاقة وذاكرة وصوت للبنان الذي يظهر في هذه الصفحات كوطن محبوب ومجروح في آن، والذي تصعب مغادرته حتى حين يصبح العيش فيه امتحاناً يومياً عسيراً.

تنبع جاذبية الكتاب الأدبية من صعوبة وضعه في خانة واحدة. هو رسائل، وتأملات، واعترافات، وحوار فكري، ونصّ شعري موزع بين صوتين يفتحان جسوراً بين لبنان والمغرب، وبين الشعر والموسيقى والترجمة، وبين التراث والحداثة، والحوار الديني والتجربة الصوفية، والعيش المشترك والعبور بين الثقافات. قيمته في جعله الفكر يحدث أمامنا كتجربة حيّة لا تنتهي عند صفحاته الأخيرة. ذلك أن الحوار الحقيقي يبدأ حين يصمت كاتبا الرسائل، ويتركان للقارئ فسحةً يواصل فيها التفكير، ليكتشف أن الكتابة متصلة بالحياة اتصالاً عميقاً، وأنها إحدى الوسائل التي يعيد الإنسان من خلالها صياغة علاقته بذاته، وبالآخر، وبالماضي؛ متجذّراً في ما وراءه، وممتدّاً نحو ما ينتظره، وساعياً إلى آفاق فكرية لا حدَّ لها.

* كاتبة لبنانية


حكايات الكتب الممنوعة

حكايات الكتب الممنوعة
TT

حكايات الكتب الممنوعة

حكايات الكتب الممنوعة

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» في بيروت، صدر مؤخراً كتاب «نيران على الرفوف: حكايات الكتب الممنوعة»، للكاتب والشاعر السعودي إبراهيم زولي.

في هذا الكتاب، يتتبع المؤلف عدداً من الكتب لمؤلفين عالميين خضعت لسلطة الرقابة، لكنه يميّز بين تلك الأعمال التي مُنعت فعلاً لأسباب رقابية، وليست المؤلفات التي حاولت الاستفادة من مفهوم الرقابة في الترويج والانتشار. وقبل ذلك، يحاول تتبع مفهوم «منع الكتاب»، كما يسعى لتفكيك ظاهرة المنع نفسها، وإعادة قراءتها في صورة أشمل لمفهوم «سلطة الرقابة» التي تتعدى الجهات الرسمية إلى منظومة واسعة تساهم في غياب/تغييب الكتاب، وتشمل مشكلات التوزيع، أو رفض الناشرين، أو الشائعات التي تحيط بالكتاب أو الكاتب وتضعه في القائمة السوداء.

والكتاب لا يهدف إلى الترويج لكتب لمجرد أنه تمّ منعها، بل يسعى إلى فهم ما تخشاه السلطات من الكلمة، وتتبع رحلة النص والمعركة المقامة حوله، رصداً للمسافة الفاصلة بين اليد التي حاولت إبعاد الكتاب واليد التي أعادته إلى الرف.

مفهوم «منع الكتب»

يستهل الكاتب تمهيده بسرد تجربته الشخصية مع الكتب والأشرطة المحظورة منذ الصغر؛ حيث كان لوصم العمل بكلمة «ممنوع» جاذبية خاصة تدفع القراء لاكتشاف المستور واختبار الحدود، بدءاً من كتب الثقافة الجنسية المتداولة سرّاً، مروراً بأشعار نزار قباني، وصولاً إلى استنساخ الكتب النادرة والأشرطة الصوتية في المرحلة الجامعية.

يتساءل الكاتب: ماذا نعني حين نقول إن كتاباً ما «ممنوع»؟ وهو يميز بين الحظر القانوني والإداري، والمصادرة، والمنع من التوزيع أو العرض، والرقابة السابقة على النشر، والمحاكمة، والاستبعاد من المناهج والمكتبات، والضغط غير المعلن. ويدعو لضبط مفهوم الرقابة.

ويوضح أن للمنع حكايتين: حكاية النص وأفكاره، وهي تتصل باللغة والشخصيات والأفكار والظروف التي وُلد فيها العمل. وحكاية ما جرى له بعد النشر، حين يصل الكتاب إلى قارئ، أو رقيب، أو قاضٍ، أو موظف جمارك، فيقرأ فيه شيئاً يراه خطراً أو خروجاً على المألوف.

لكنه يؤكد أن المنع ليس «شهادة جودة» للأعمال الضعيفة، بل واقعة تاريخية واجتماعية. فقد تصنع الرقابة ضجة حول نص عابر، مثلما قد تدفع عملاً مهماً إلى العزلة والنسيان.

وهو هنا يبحث عن حياة الكتاب بعد المنع، ويتناول الأثر المترتب على الحظر؛ فقد يندثر الكتاب أو يكتسب انتشاراً أوسع وترجمات متعددة، مع مراعاة أن قيمة النص تتجلى في جوهره لا في قرار رقيبه.

وفي محاولة لفصل الكتب الممنوعة بقرار فعلي، والأخرى التي بنت سمعتها على إشاعة المنع، يشير إبراهيم زولي إلى أن كل فصل في هذا الكتاب يعتمد على تتبع ولادة العمل، ووثائقه الرقابية، واللغة المستخدمة في حظره، مع إدراج بطاقة توثيقية دقيقة للمعلومات والمصادر.

الرقابة كظاهرة عالمية

يقول مؤلف الكتاب إن الرقابة لا تقتصر على ثقافة أو نظام معين؛ بل تتجاور الحالات العربية مع نظيراتها العالمية لتسليط الضوء على الخوف المشترك من أثر الكلمة وحرية التعبير. فقد «أظهرت النماذج العربية والعالمية أن الرقابة لا تنتمي إلى ثقافة بعينها، ولا تختفي لمجرد أن دولة ما تصف نفسها بالديمقراطية أو الحداثة».

والرقابة برأي المؤلف «تتغير درجاتها وأدواتها، ويتفاوت العنف المصاحب لها، لكن الرغبة في احتكار المعنى تتكرر كلما شعرت مؤسسة بأن كتاباً يربك صورتها عن نفسها». وقد تكون المؤسسة هنا «دولة، أو محكمة، أو هيئة دينية، أو إدارة تعليمية، أو جماعة ضغط. وفي كل مرة يُختزل النص في تهمة واحدة، مع أن الأدب الجيد يرفض بطبيعته أن يُحبس في خانة واحدة».

وهو يشير إلى أن الوسائط الرقمية لم تلغِ الرقابة، بل غيرت أدواتها، ليتحول الحجب من الرفوف الخشبية إلى المنصات والمتاجر الإلكترونية.

لكنه يتوقف أيضاً عن مفهوم «الرقابة الذاتية»، ويعتبرها أكثر الأشكال مراوغة. «حين يستبق الكاتب العقوبة فيحذف الجملة قبل أن يكتبها، أو يتجنب ناشر كتاباً لا لأنه ضعيف، بل لأنه مكلف»، هنا «لا يبقى في الأرشيف قرار يمكن الاعتراض عليه. يبقى فقط نص ناقص، أو مخطوط لم ير النور، أو بياض لا يعرف القارئ ما الذي كان يمكن أن يشغله».

ومن الظريف هنا، سرد ما يقوله الرقيب عن نفسه، فكل قرار حظر يكتب، من حيث لا يريد صاحبه، سيرة مختصرة للجهة التي أصدرته. اللغة المستخدمة في التبرير تكشف حدودها أكثر مما تصف الكتاب: «حماية الأخلاق»، «صيانة العقيدة»، «حفظ الأمن»، «منع الفتنة»، «رعاية القاصرين». عبارات تبدو محايدة في ظاهرها، لكنها تخبئ تصوراً كاملاً للمجتمع: قارئ يُعامل بوصفه هشاً، وحقيقة يُفترض أنها لا تحتمل السؤال، وسلطة ترى أن من واجبها أن تختار للناس ما يقرأون قبل أن يختاروا بأنفسهم.

يتكون كتاب «نيران على الرفوف: حكايات الكتب الممنوعة»، من تمهيد وقسمين رئيسيين ينقسمان إلى تسعة فصول وخاتمة، ابتدأها بالقائمة العربية، وضمت أربعة فصول تتناول أعمالاً أدبية وفكرية عربية تعرضت للحظر والمنع، حيث تناول الفصل الأول، ثلاثة أعمال هي: رواية «القوقعة» لمصطفى خليفة (شهادة من سجن تدمر)، ورواية «اللايقين» لمحمد الغزالي (الحرية حين تفقد المسلمات سلطتها)، وكتاب «نقد الخطاب الديني» لنصر حامد أبو زيد (حين انتقلت القراءة إلى المحكمة).

والفصل الثاني، تناول كتاب «الحرب القذرة» لحبيب سويدية (شهادة من قلب الجيش الجزائري)، والمجموعة القصصية «سفينة حنان إلى القمر» لليلى بعلبكي (الكتاب الذي حوكمت بسببه)، ودراسة «الحريم السياسي: النبي والنساء لفاطمة المرنيسي». أما الفصل الثالث، فيتناول رواية «العشّاق» لرشاد أبو شاور (رواية المخيم والمقاومة)، ورواية «الجنقو مسامير الأرض» لعبد العزيز بركة ساكن، وكتاب تاريخ الكويت لعبد العزيز الرشيد (الذاكرة المحتجزة).

ويتناول الفصل الرابع ديوان الأوزان الباكية لثريا قابل، ورواية/شهادة كريستال لجلبار نقاش، ورواية «دادابا» لحسن مطلك، وأثر كتاب «ألف ليلة وليلة» (الكتاب الذي ألهم أهم كُتّاب السرد في العالم).

القسم الثاني من الكتاب، فضمّ القائمة الأجنبية، ويضم خمسة فصول تتناول أعمالاً عالمية ممنوعة من مختلف الثقافات والدول، إذ يتناول الفصل الأول رواية «مزرعة الحيوان» لجورج أورويل (إنجلترا)، وديوان «أزهار الشر» لشارل بودلير (فرنسا)، ورواية «شيفرة دافنشي» لدان براون (الولايات المتحدة).

ويتناول الفصل الثاني رواية «الإخوة كارامازوف» لفيودور دوستويفسكي (روسيا)، وكتاب «كفاحي» لأدولف هتلر (ألمانيا)، ورواية «فهرنهايت 451» لراي برادبري (الولايات المتحدة)، أما الفصل الثالث فيتناول كتاب «إميل» لجان جاك روسو (فكر تربوي - فرنسا)، ورواية «إله الأشياء الصغيرة» لأرونداتي روي (الهند)، ورواية «مدار السرطان» لهنري ميلر (الولايات المتحدة).

ويتناول الفصل الرابع كتاب «الشرايين المفتوحة لأميركا اللاتينية» لإدواردو غاليانو (التاريخ كما يُرى من موضع الجرح)، ورواية «تويجات الدم» لنغوغي واثيونغو (الصدام ثابت والحظر غير موثق)، وقصيدة «عواء» لألين غينسبيرغ (القصيدة التي دخلت المحكمة وخرجت أوسع من قفصها). ويتناول الفصل الخامس رواية «السيد الرئيس» لميغيل أنخل أستورياس (الديكتاتور الذي لا يحتاج إلى الظهور)، ورواية «بيت الأرواح» لإيزابيل الليندي (حين يصبح البيت ذاكرة بلد)، ورواية «الجذور» لأليكس هالي (الاسم الذي قاوم محو العبودية).


تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم
TT

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

يبدو العصر «التيودوري» واحداً من أبرز عصور التاريخ الإنجليزي حضوراً في الذاكرة، فيه تبلورت القومية الإنجليزية، وتأسست الكنيسة الإنجليزية، وعاش شكسبير. وظل هذا بما امتلأ به من صراعات وتحوّلات سياسية مادةً ثرية للكتب والروايات، غير أن صورته الأشهر بقيت متمركزةً حول الرجال، بينما تراجعت النساء إلى أطراف الحكاية، حتى حين كن شريكاتٍ في صنع أحداثها.

من هذه الفجوة تنطلق الكاتبة الدكتورة عائشة خليل عبد الكريم في كتابها «نساء آل تيودور»، الصادر عن دار «ديوان للنشر» بالقاهرة، معتبرةً أنه من المؤسف أن تبقى أصوات نساء آل تيودور غائبةً في سرديات هذا العصر، وهو ما دفعها لطرح ما تصفه بأنه «سرد تاريخ شعبي عن نساء البلاط الإنجليزي في القرن السادس عشر».

غير أن البحث عن النساء في تاريخ كُتب من مواقع الرجال والسلطة يتجاوز مجرد استعادة أسمائهن؛ فالأصوات الغائبة لا تظهر في الوثائق الرسمية بالصورة نفسها التي تظهر بها قرارات الملوك وحروبهم، لذلك لا تعزل المؤلفة نساءها عن الرجال الذين ظلّوا في بؤرة العرش، وإنما تعيد قراءة السياق بوصفهن أمهات الملوك وزوجاتهم وبناتهم ووريثات تاجهم.

ومن فصل إلى آخر يتغير موقع النظر، حتى تتكون صورة لنساء شاركن في صناعة الشرعية وحفظ السلالة، ودفعن كذلك أثماناً قاسيةً لشروط السلطة، وهكذا يغيّر الكتاب موضع الضوء داخل المشهد؛ ليكشف أن التاريخ الذي حمل أسماء الملوك لم يصنعه الملوك وحدهم.

حرب الوردتين

تبدأ عائشة خليل كتابها بمدخل ذاتي يربطها بـ«آل تيودور»، الذين بدأ تعرفها عليهم من خلال الدراسة والكتب، ثم تابعت حضورهم عبر السنوات في السرديات السينمائية وغيرها، إلى أن قررت اقتراح سردية مغايرة لذلك العصر بالابتعاد عن «سرد الأفعال البطولية للرجال»، والتركيز على نساء «آل تيودور» بوصفهن فاعلاتٍ في الأحداث التاريخية الصاخبة لهذا العصر.

للوصول إلى ما تسميه «وجه التاريخ الغائب»، تستعين عبد الكريم بسجلات البرلمان والبيوت الملكية ووثائق المحاكم ومراسلات السفراء، إلى جانب الكتيبات التي انتشرت مع دخول الطباعة إنجلترا. كما تُوسّع مفهوم الوثيقة ليشمل الموسيقى والبورتريهات وما تكشفه من ملابس وحلي وتفاصيل للحياة اليومية.

تحضر في بنية الكتاب مفارقة لافتة؛ فقد بدأ حكم «آل تيودور» بتدبير امرأة، هي مارغريت بوفورت، وانتهى عصرهم بامرأة أخرى هي حفيدتها إليزابيث الأولى، آخر حكام الأسرة.

لم يكن هنري تيودور، الذي أصبح لقبه «هنري السابع» صاحب حق قوي في التاج؛ إذ جاءت صلته بالدم الملكي من ناحية أمه وعبر نسب غير شرعي لم يكن كافياً لضمان العرش، غير أن والدته مارغريت دعمت تنصيبه، مستفيدةً من الاستنزاف الذي خلّفته «حرب الوردتين» على مدار سنوات طويلة بين عائلتي يورك ولانكستر، لتحوّل احتمال تنصيبه الضعيف إلى مشروع سياسي طموح.

سعت «بوفرت» إلى تزويج ابنها من «إليزابيث» وريثة بيت «يورك» ليجمع الزواج بين بيتَي «لانكستر» و«يورك» المتنازعين، وهكذا تضع مؤلفة الكتاب المرأة التي أدارت مشروع صعود «هنري السابع» في بؤرة الضوء، خاصةً أنها هيأت التحالف الذي منح حكمه شرعيةً لم يكن نسبه كافياً لتوفيرها له.

أما «إليزابيث» من بيت «يورك»، فقد جسدت في شخصها اتحاد البيتَين، ثم أصبحت أمّاً للورثة، وتنتقل المؤلفة من دورها السياسي إلى علاقتها بأبنائها وزوجها، مستعينةً بتفاصيل إنسانية مثل تشابه خط ابنها «هنري الثامن» مع خطها، ما دفع بعض المؤرخين إلى ترجيح أنها دربته بنفسها على الكتابة.

الولادة والسلالة

يتوقف الكتاب عند الصلة القاسية بين الولادة والموت واستمرار السلالة؛ فلم يكن جسد الملكة شأناً خاصاً، إنما تعلقت به شرعية العرش ومستقبل المملكة، فكانت الملكة مطالبةً بإنجاب عدد كبير من الأطفال، لأن نسبةً مرتفعةً منهم لم تكن تنجو، بينما تخاطر بحياتها مع كل مخاض.

وتشير المؤلفة إلى أن نحو خُمس الأطفال في ذلك العصر كانوا يموتون قبل بلوغ الخامسة، وأن امرأةً من كل أربعين كانت تفقد حياتها أثناء الولادة، لذلك كانت النساء يستعددن للمخاض بكتابة الوصايا والاعتراف والتوبة والتناول؛ فالمرأة تدخل غرفة الولادة وهي تستعد لاستقبال طفلها واحتمال موتها معاً.

عاش من أبناء إليزابيث أربعة فقط، وبعد وفاة ابنها الأمير «آرثر» حملت مجدداً، لكنها توفيت عقب ولادة طفلتها الأخيرة. وهكذا تصبح الولادة جزءاً من هندسة السلطة؛ إذ يمكن لموت طفل أو تعثر حمل أن يطلق أزمةً تتجاوز القصر إلى المجالين السياسي والديني.

تتجسد هذه العلاقة بصورة أكبر في حكاية «كاثرين الأرجونية»، ابنة الملكين إيزابيلا وفرديناند، اللذين وحّدا إسبانيا وأنهيا الحكم العربي للأندلس. وقد تلقت كاثرين تعليماً يليق بابنة أسرة ملكية نافذة، وكانت أمها إيزابيلا نموذجاً لملكة حكمت إلى جانب زوجها ورافقت جيوشها.

خُطبت «كاثرين» في طفولتها إلى ولي عهد إنجلترا الأمير «آرثر»، وكان ارتباطها بآل تيودور ضماناً لمنح الأسرة الحديثة في الحكم شرعيةً إضافيةً واتصالاً ببيت ملكي عريق، وبعد وفاة «آرثر» تزوجت شقيقه «هنري الثامن»، وعاشت معه نحو عشرين عاماً قبل أن يتحوّل زواجهما إلى إحدى أشهر أزمات العصر التي تخص السلالة كلها؛ إذ أراد هنري وريثاً ذكراً، وصار فقد زوجته كاثرين للأبناء تباعاً حجةً لفحص صحة الزواج، ثم ذريعة لإنهائه، ومع رفض البابا إبطال الزواج وقع الصدام مع روما، وانفصلت الكنيسة الإنجليزية عن سلطة البابوية.

تكشف حكاية كاثرين كيف تجاوزت دراما الأسرة حدود القصر؛ فتحوّل تعثّر الملكة في إنجاب وريث ذكر إلى أزمة في شرعية الزواج، ثم إلى انقسام ديني غيّر تاريخ إنجلترا، كاشفاً أن أجساد النساء وعلاقاتهن الخاصة لم تكن منفصلة عن السياسة، بل وقعت في قلب تحوّلات الحكم والدين والسلالة.

وإذا كانت مارجريت بوفورت قد مهّدت بدهائها لتأسيس الأسرة «التيودورية»، وساعدت ابنها هنري السابع على اعتلاء العرش، فقد انتهى عصرها مع سليلتها إليزابيث الأولى، حفيدتها الكبرى، التي تصفها المؤلفة بأنها «درة آل تيودور». كانت إليزابيث ابنة هنري الثامن وآن بولين، التي تزوجها الملك في خضم أزمته مع الكنيسة وسعيه إلى إبطال زواجه من كاثرين أراغون، وتلقّت إليزابيث تعليماً رفيعاً، فأجادت اللاتينية والإيطالية والفرنسية إلى جانب الإنجليزية.