«حارس قبر الجمهورية»: عون عاد إلى بعبدا بقطار إيراني حارساً لا رئيساً

«الشرق الأوسط» تنشر مقتطفات من كتاب جديد للكاتب اللبناني فايز قزي (1 - 2)

غلاف كتاب «حارس قبر الجمهورية»
غلاف كتاب «حارس قبر الجمهورية»
TT

«حارس قبر الجمهورية»: عون عاد إلى بعبدا بقطار إيراني حارساً لا رئيساً

غلاف كتاب «حارس قبر الجمهورية»
غلاف كتاب «حارس قبر الجمهورية»

يركز كتاب «حارس قبر الجمهورية» للكاتب اللبناني فايز قزي، الذي كان مقرّباً جداً من رئيس الجمهورية ميشال عون أكثر من 20 عاماً، على تتبع كل حركات عهد عون الذي سمي «العهد القوي» وسكناته ليثبت بالمواقف والوثائق والتحليل أن عون نقل لبنان إلى وصاية «الولاية الإيرانية»، بدلاً من أن يحقق شعاره «حرية، سيادة، استقلال» الذي رفعه طويلاً في مخاطبة «شعب لبنان العظيم».
وقزي كان مقرباً جداً من عون عندما كان قائداً للجيش ثم رئيساً للحكومة العسكرية عام 1988، واستمر كذلك حتى عام 2006 عندما وقع عون، غداة عودته من المنفى في فرنسا (2005)، ورقة تفاهم مع «حزب الله»، فابتعد قزي عنه لأنه رأى في هذا الاتفاق انتقاصاً من سيادة لبنان وتغييراً في المبادئ والشعارات التي رفعها عون، وذهاباً إلى حضن «ولاية الفقيه» الإيراني.
وتنشر «الشرق الأوسط» اليوم وغداً، مقاطع من الكتاب الذي سيصدر قريباً عن «دار سائر المشرق» في بيروت. وهذا الكتاب الخامس لقزي، الذي كان له دور في تواصل عون مع السوريين قبل عودته من منفاه الباريسي عام 2005.
وكان قزي روى في محطات إعلامية سابقة، تفاصيل دوره في تلك العودة التي بدأت من خلاله، ويقول إن «زيارة عون لسوريا اكتملت من حيث المعنى المجازي، وكنتُ شاهداً على الأمر، في تاريخ 27 ديسمبر (كانون الأول) 2004 حين تمَّ الاتفاق بين عون والسوريين على عودته إلى لبنان وعلى مظاهر العودة وما إلى ذلك، وعلى إثرها زار غابي عيسى (المسؤول في التيار الوطني الحر) الشام (دمشق) والتقى عبد الحليم خدام» نائب الرئيس السوري آنذاك.
ويقول قزي إن «أول (احتكاك) أقمته أنا بالذات في يوليو (تموز) 2004 ربما عن طريق الصدفة أو عن سابق تصور وتصميم من السوريين، من خلال العميد رسم غزالة (قائد جهاز الأمن والاستطلاع في القوات السورية العاملة في لبنان آنذاك) الذي سألني عن (الجنرال عون)، وأوصاني أن ينقل إليه سلامه (الحار) عندما أزوره في باريس». ويضيف قزي: «قلتُ له إنَّ الجنرال يفكر في العودة إلى لبنان فقال: أهلاً وسهلاً به». وهنا بعض مما ورد في الكتاب الجديد «حارس قبر الجمهورية»، والذي يركز على عهد عون والظروف السياسية التي سبقت انتخابه رئيساً للجمهورية:
تريّثثُ كثيراً، ورفضتُ نصيحة الصديق ملحم رياشي (وزير الإعلام السابق) الذي زرتُه بعد أيامٍ من تولّيه حقيبة الإعلام في حكومة العهد الأول للرئيس سعد الحريري، مع ممثّلي نقابة المؤسّسات السياحية. فسألني ماذا عندي من جديد؟ قلت: «عندي كتاب جديد. لكني أتمهَل في إكماله ونشره. لأنه يتعلّق بميشال عون». قال: «وما هو عنوانه ومضمونه؟» قلت: «عون... الجمهورية». فقال: «لماذا ثلاث نقاط؟» قلت: «لا أريد أن أتسرّع، فأحكم على عهد الرجل، بعد أن رافقتُه بصدق واقتناع أكثر من عشرين سنة. لذلك سوف أمهله وأنتظر مرور عام من ولايته، على الأقل، لأملأ نقاط الفراغ في العنوان. فأختار بين كلمتَين: حارس أو حامي. علماً بأنني منذ اليوم أميل إلى اختياري الأول: «عون حارس قبر الجمهورية»، وليس: «عون حامي قصر الجمهورية»، فقال: «فوراً ومن دون تردّد أنصحك ألا تنتظر بل تبادر فوراً إلى اعتماد الخيار الأول».
فاجأني رأي ملحم رياشي، وهو من صنّاع «اتفاق معراب» وروّاده الأوائل. رفضت الأخذ به. وفضَلتُ التريّث والسيطرة على قناعتي. ورويت له وللحاضرين، تعقيباً على رفضي، كيف التقيتُ يوماً بالقاضي ورئيس معهد القضاة الوزير السابق سليم الجاهل في باريس وسألته: «لماذا لا تعود إلى بيروت، لاستعادة موقعك المتقدّم في القضاء؟» فأجابني: «أشعر بالخوف بسبب العلاقة المتينة التي تربطني بالشيخ بشير الجميّل، وأخشى أن يؤثّر ذلك على قراراتي وأحكامي، لذلك رفضت وبقيت في باريس».
تمهيداً لهذا الكتاب، وخلافاً للخطأ الشائع الذي يناسب أذواق المتزلّفين والانتهازيين، المتحلّقين بصورة مستمرّة حول الجنرال ميشال عون خلال عشرين سنة، وكنتُ بينهم مثل النعجة الغريبة عن قطيعها، فإنني لم أكن يوماً أعتبر نفسي مستشاراً له بل مشاركاً. ولم أكن حليفاً متضامناً مع جميع أفكاره بل متعاطفاً. ولا قبلتُ يوماً أن أخلع عقيدتي لألبس أفكاراً بدائية عونية. بل كنت أقدّم دعمي لرجل توفرت له ظروف مادية تسمح بمواجهة خطر الميليشيات التي نمت في الحرب الأهلية، فساندتُه لمحاولة إعادة تكوين السلطة واستعادة قومية الشعب والأرض.
فقد كان الجنرال قائد الجيش قادراً أكثر من سواه على تحقيق حاجة ملحّة لحماية مشروع إعادة المهجّرين إلى قراهم بعد تهجير سنة 1985. وهذا كان همّي الأول والمشروع الوحيد الذي أخذني في مغامرة سياسية جديدة اسمها التجربة العونية التي ارتكبتُها حتى الثمالة.
هذا التوضيح بات لازماً وواجباً، فمن دونه لن يستطيع القارئ أن يفهم مسيرة علاقتي بالجنرال عون، خصوصاً عندما يكتشف كم كانت العلاقة أحياناً وثيقة جدّاً، بحيث لا تبدو للناظر حدود متميّزة للقائنا وكأننا وحدة متكاملة؛ وأحياناً باردة، وأحياناً أخرى عاصفة، إلى أن فاجأني في 6 فبراير (شباط) 2006 بتوقيع ورقة التفاهم بين «التيّار الوطني الحرّ» و«حزب الله» في كنيسة مار مخايل. أَسْقَطتُ إذّاك تفاهمي معه ليتحوّل كلّياً إلى خصومة عقائدية. وهنا تحضرني مرّة أخرى، خلاصة كتابي الأخير لأكرّر: «إن النظام الإيراني وحزبه في لبنان ضخّا في عروقه السمّ الكافي لنقله إلى حالة الموت السريري، ولن يسلم منها حليفٌ أو متعاملٌ أو متفاهمٌ». وإذا كان الجنرال ميشال عون في 13 أكتوبر (تشرين الأول) 1990. أثبت معادلة وطنية، فطرد من قصر بعبدا واغتصبت شرعيته السياسية من دون شرعيته الشعبية، فهو في 31 أكتوبر 2016 قَلَبَ الأرقام والمعادلة، فأعادوه فاقداً شرعيتَه الشخصية، في قطارٍ إيراني برتبة حارسٍ لا رئيس إلى قصرٍ يحوّله قبراً، وجمهورية تسبح في عالم الممانعة، ووطن شعبه مقسّم وأرضه ساحة سائبة.
كنت أظنّ أن شعار القيادة أقرب إلى قلب ميشال عون من لقب رئيس الجمهورية. فبعد إسقاط تجربة قائد الجيش، ورئيس الوزراء، يُصرّ الجنرال ميشال عون في غالبية إطلالاته الإعلامية، على التذكير بأن طموحه كان «بناء جمهورية لبنانية». ويتعمّد ترداد ذلك راوياً أنه تبلغ من القيادة السورية في أوائل مارس (آذار) 1989 رسالة مفادها بأنهم يقبلون به رئيساً للجمهورية. فرفض وطالب بالجمهورية أولاً قبل الرئاسة، مصرّاً على تسميتي شاهداً على هذه الواقعة. ويقول: «اسألوا فايز قزّي»، واستمرّ حتى بعد الافتراق الشامل بيننا منذ فبراير 2006 يستدعيني للشهادة، رغم أنني أوضحتُ أنها لم تكن سوى وعد كاذب ومفخَخ، ورويت تفاصيلها في كتابي المعنون «مواطن سابق لوطن مستحيل» الصادر عن دار سائر المشرق.
لقد عرفتُ ميشال عون عن كثب، ولم تكن في أدبياته منازل كثيرة ولا مقالات طويلة. كان يعتمد المختصر المفيد، وصاحبَ قناعات مبنية على مقاصد ونوايا الإصلاح والتغيير. وهنا يكمن سرّ قوّته والرهبة التي كانت تقلق حلفاءه قبل خصومه، خصوصاً إذا لم يتفاعل الحلفاء مع قناعات الجنرال المولودة أو الموعودة.
لكن هذا التزاوج بين الجنرال «القائد المتمرّد» والرئيس المتهافت شكّل خطراً كبيراً على الجمهورية، وتحديداً على المعادلة المركّبة وشبه المستحيلة بين قائد لمعركة التحرير ورئيس متهافت على إرضاء النواب الناخبين.
لذلك فإنني أستكمل في هذا الكتاب حقيقة ولدت من قناعتي أن «الجنرال السابق» الذي رُفّع إلى الرئاسة، دَفنَ حلم الجمهورية، حتى قبل أن يكون مجرّد وكيل للمحتلّ، ويتحالف مع مغتصبيها. فاستحق عضوية الانتساب إلى قافلة الوعد الصادق للعودة إلى جنّة بعبدا ليبيع روح شعبه الذي سمّاه عظيماً، إلى ذئاب وشياطين جهنّم.
- الفرصة الأولى:
- الرئاسة حق سلبه مؤتمر الدوحة
بعد عودته المشروطة من باريس متفاهماً مع السوريين الذين أضافوا بعد استشهاد الحريري إلى الاتفاق مع عون شرطَين: الأول دعم إميل لحّود حتى نهاية ولايته والثاني الدخول في تفاهمٍ مع «حزب الله». وقد افتتح عون عودته بخطابٍ في ساحة الشهداء - بيروت هاجم فيه الإقطاعَين السياسي والمالي. وسرعان ما اعتبر أنه ركب قطار الرئاسة الأسرع بقوّة 70 في المائة من أصوات بيئته المسيحية في انتخابات 2005.
لكن انحياز تيّار الحريري إلى تأييد قائد الجيش ميشال سليمان وموافقة «حزب الله» على ذلك، خطفا منه حق الملكية برئاسة الجمهورية في الدوحة ليبقى تفاهم مار مخايل 2006 وعداً ناقصاً من الرئاسة. وليتخلّف إميل لحّود عن نصرة عون العائد من فرنسا متمسّكاً ببقائه في الرئاسة حتى نهاية عهده.
سقط أمل الجنرال عون في أن يحقّق حلمه بعد انتهاء ولاية إميل لحّود كرئيسٍ وفُجعَ بفقدان هذه الفرصة في مؤتمر الدوحة سنة 2008 الذي قدّم الجنرال ميشال سليمان عليه.
- الفرصة الثانية
خرج ميشال سليمان في آخر ولايته 2014 من بعبدا تاركاً بياناً معلّقاً في غرفة الاستقلال بانتظار عودة رئيس آخر.
شكّل هذا الأمر اندفاعة جديدة لتحقيق رغبة الجنرال عون، فبات متسرّعاً لترجمة فوزه في سبق الرئاسة الذي يعتبره حقاً دائماً بعد أن عيّنه أمين الجميّل قائداً للجيش، واستغلّ وصف البطريرك نصر الله صفير له وحصوله على نسبة 70 في المائة من أصوات المسيحيين في انتخابات سنة 2005، ليستعمل هذه الشرعية الشعبية الانتخابية لاحقاً لتغطية تزوير المسيرة الانتخابية وعيوبها القانونية الشكلية والأساسية.
- منافسة عون وجعجع
تحوّل مسرح «الانتخابات» الرئاسية مسرحاً تنافس عليه في البداية مرشّحان: جعجع وعون.
ولم يوفّر ميشال عون وفريقه الحزبي وحلفاؤه الأساسيون، مناوراتهم لتعطيل الانتخابات واستمرار فراغ وشغور منصب الرئاسة، طالما لم يكن الفوز مضموناً.
فاعتمد «حزب الله» على ضمِّ اسم مرشّحه، ليفسح المجال لتنافس حلفائه على تقديم العروض والتنازلات. ويستعمل ورقة هذا التنافس ليعطّل النصاب القانوني لانعقاد جلسات الانتخاب.
- أرنب برّي «الدستوري»
انضمّ رئيس المجلس النيابي إلى مشروع تعطيل الانتخاب خدمة لمشروع الفراغ، إذ بعد انعقاد الجلسة الأولى واكتمال نصاب الثلثَين وعدم فوز أي مرشّح، رفع الجلسة فوراً إثر انسحاب فريق التعطيل، وفقدان نصاب الثلثَين الذي أصرَّ برّي على توافره، لكي يستمر بالجلسة، فأسقط بدعته هذه انتخاب الرئيس شرعياً وفقاً للأكثرية. واستمرّ برّي مصرّاً على ضرورة توفّر نصاب الثلثَين للانعقاد في جميع الجلسات اللاحقة. فسقطت المادة المسهّلة للانتخاب لتحلّ محلّها استحالة توفّر النصاب لمجرّد غياب الثلث تطبيقاً لبدعة الثلث المعطِّل، التي كانت الحشرة البَرّية التي صَحَّرت المجلس والوزارة طيلة «العقد العهد القوي». ولاقت حجّة المعطّلين هوى لدى المرشّح ميشال عون فاستغلّها لممارسة مناوراته وضغوطه على المرشّحين المحتملين الآخرين.
ساهم عون بدورٍ فعّال في تعطيل الدستور نصّاً وروحاً ليصل إلى الرئاسة معطوباً بالنصّ الدستوري ونظام المجلس النيابي، إذ لو أراد المشترع ضرورة توفير الثلثَين لانعقاد الجلسة المخصّصة لانتخاب الرئيس، لكان نصّ على هذا الاستثناء صراحة وقال: «استثناءً يعتبر النصاب محقّقاً بحضور الأكثرية المطلقة، باستثناء انعقاد جلسة انتخاب الرئيس»، ولكنه لم يفعل. وبالتالي يجب تطبيق النصّ الخاص باكتمال النصاب العام للمجلس.
هكذا «تعتبر» جلسة النصاب مكتملة حتى بالأكثرية المطلقة فقط. وتجرى دورة انتخابية أولى، فإن لم تؤدِّ فعلياً لفوز مرشّح بالدورة الأولى لعدم نيله الثلثَين، تجرى الدورة الثانية، لأن نصاب الانعقاد مكتمل، وينجح من يحصل على العدد الأكبر للأصوات. ولكن الاجتهاد الذي فرضه برّي كشف نيّة تعطيل النصاب الذي استمرّ سنتَين، وأدّى إلى استحالة تطبيق الدستور وانتخاب رئيسٍ للجمهورية، وتكرّس نجاح مشروع الفراغ المضمون من «حزب الله».
كان هذا الاجتهاد الهجين للدستور، فرصة لميشال عون في التعطيل، ليرفد مشروع حليفه «حزب الله» بإسقاط المؤسّسة الشرعية للدولة. فاستغلّه عون بممارسة التهويل بأصوات نوابه، ومحاصرة السياسيين الرافضين، بطرح شرط تفجيري: «عون أو الفراغ». وهذا ما بدأ يتفاعل ليؤدّي إلى تساقط القوى المعارضة، وليغتصب عون المرشّح رئاسة مخالفة للدستور والقانون وروح الديمقراطية الانتخابية.
- مجلسٌ غير شرعي يعيّن لا ينتخب
كانت خاتمة المناورة وبداية الذلّ والهوان والاستسلام، فرحّب الجميع - وبعضهم قسراً - ولكن من دون التنبّه لتخلّي السياسيين اللبنانيين عن مبدأ الانتخاب الديمقراطي الحرّ، وخضوعهم لتسمية رئيس متحالف يزداد خضوعاً لولي الأمر الإيراني. وأعاد الجنرال عون معادلته القديمة والدائمة: «هناك كرسي فارغ، إما أن يعزموني عليه، وإما أن آخذه بالقوّة».
كانت هذه الفترة الغامضة في موقف «حزب الله»، والتزامه بمرشّحٍ للرئاسة، طويلة جدّاً، وفرضت على عون وأتباعه اللجوء إلى مناورات قانونية وسياسية، لم تقتصر على رفض المغامرة بقبول تجارب غير مضمونة النتائج التي تضمّ التصويت بالأكثرية، فعمدوا بالانفراد أو الاتّحاد إلى تكريس شعارات تساعد عون على صعود سلّم الرئاسة متدرّجاً في المواقف التنازلية.
وفي محاولة لدعم الفراغ، سرّبت قوى التعطيل وعبر ميشال عون، واقعة عدم شرعية النواب، فرُفع شعارٌ يقول إن المجلس غير شرعي لأنه مدّد لنفسه خلافاً للنصّ، ويجب اللجوء إلى الانتخابات المباشرة من الشعب. وأضاف عون أن الفراغ أفضل من قانون الستّين. كما رفده مشروع التعطيل ببعض البدع. مرّة ببدعة الغياب غير الشرعي لجلسات عدّة متتالية، خلافاً لنظام المجلس النيابي الداخلي، الذي يسمح بالغياب عن جلستَين متتاليتَين وإنما بعذرٍ شرعي، بعدها يصبح النائب مسؤولاً. ولم يبخل رئيس المجلس النيابي عليهم بفتوى واجتهاد تعطيل النصاب برفعه إلى الثلثَين وقبول الغياب من دون عذرٍ شرعي لأكثر من جلستَين متتاليتَين.
فكرّس الغياب عن جلسة، ولو كانت لانتخاب رئيس لملء الفراغ في رئاسة الجمهورية، وكأنه عرفٌ وشرعٌ ودستورٌ عرفناه في خطابات بعض الانقلابات العسكرية، حيث يصبح كلام أو خطاب أو كتاب رئيس مجلس قيادة الثورة بمثابة الدستور. واستمرّ هذا الغموض المشبوه في موقف «حزب الله» فترة طويلة مخفية وغير معلنة. تخلّلته فترة من فراغ عميق وتعطيل للمؤسّسات وما رافقها من انهيارات إدارية واقتصادية ومالية مقصودة ومتعمّدة. راكمت انحلال وانحدار لبنان، إلى أن بدأت، حصون أعداء الجنرال المرشّحين، تتهاوى أمام استمرار الفراغ وأعبائه الكارثية.
التعيين شرط الخروج من الفراغ بعد أن اطمأن ميشال عون لوعود «حزب الله»، أطلق «خراطيش فرده» وشهوته الرئاسية باتّجاه بيادر الآخرين، وجميعهم على أشدّ الخصومة السياسية معه.
فأرسل النائب إبراهيم كنعان لاستجداء اتفاق مع القوّات اللبنانية، ليلاقيه ملحم رياشي. وبدأت جلسات الحوار المتنقّلة بين الرابية ومعراب، لتحبل بولادة اتفاقٍ هجين مستولد من تزاوج المناورة والمؤامرة. كان هدف التيّار من شعار استعادة الرئاسة التي خطفت منه في اتفاق الطائف، وقد تدرّجت في حلقات. بدأت بانتصاره في الانتخابات سنة 2005، فلاقت مشروع حليف الرئيس عون السيّد حسن نصر الله وحزبه، بتعبئة التيّار وتغذيته بمصل الرئاسة، مقابل تعريته من سيادته. فهدف الحزب من ذلك إطالة عمر مرحلة الفراغ، التي بدأت من لحظة خروج ميشال سليمان من القصر سنة 2014. واستمرّت ثلاثة أعوام، كي يصبح لبنان جمهورية بلا رئاسة، تمهيداً لتحويله إلى ولاية. وليكمل «قائد حرب التحرير» رفع راية الاستسلام بدءاً من كنيسة مار مخايل، حيث عانق قائد الاحتلال الإيراني بحثاً عن رئاسة. فكانت الطلقة القاتلة للجنرال عون، لينبعث ويتغوَّل حلم الرئاسة النرجسي فيغتال جنرال «الشرف والتضحية والوفاء...».
في هذا الوقت كان «حزب الله» يحوك المناورات ويتحكّم بها في مقاربة ملفّ رئاسة الجمهورية باكراً. فأوحى أولاً وظاهرياً بحياده بين مرشّحَين: ميشال عون وسليمان فرنجيه لمواجهة ترشيح سمير جعجع، الخصم اللدود. ونسَق هذه المقاربة مع حليفه السوري، وترك باقي الحلفاء في خيارٍ ملتبس يتبادلون التقدير الظاهر لرغبة الحزب في اختيار اسم لملء الفراغ.
واستفاض أمين عام «حزب الله» حسن نصر الله ببراعته الأدبية واللفظية ليترك ظلالاً محيّرة وكثيفة حول قراره. حتى أنه لم يعلن قراره النهائي الذي يتضمّن أفضلية الفراغ. أما المرشّح ميشال عون فرضي بتأييد «حزب الله» الضمني له، فيما مضى سليمان فرنجيه بمعركته مدعوماً ضمناً من بشّار الأسد. وهكذا وزّع نصر الله والأسد الأدوار ليستمرّ الفراغ ويتحوّل إلى الحلّ الوحيد الملزم لكلّ اللبنانيين، تمهيداً للهيمنة على لبنان.

جعجع: عجزنا عن إحداث خرق في موقف عون

 


مقالات ذات صلة

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)
كتب تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً.

جيمس إس إيه كوري
ثقافة وفنون بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

حنان الشيخ
حنان الشيخ
TT

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

حنان الشيخ
حنان الشيخ

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً مستقلة وشراكاتٍ عابرة للمتوسط. غير أن الأرقام، رغم ارتفاعها النسبي، لا تزال متواضعةً قياساً بحجم الإنتاج الأدبي العربي، فيما تظلّ إشكاليةُ الوساطة الثقافية وفخّ التوقعات الاستشراقية يُلقيان بظلالهما على هذه الصورة البرّاقة في ظاهرها.

لم تعد دار «سندباد» تحتكر نشر الأدب العربي في فرنسا كما كانت في السابق؛ إذ دخلت دور نشر أخرى في منافسة فاعلة لاستقطاب المواهب العربية الجديدة. ففي هذا السياق، استقطبت «غاليمار» أسماءً عربية في سلاسل مختلفة، وفتحت كلٌّ من «غراسيه» و«بايار» و«لو بروي دو موند» و«إليزاد» أبوابها أمام كتّاب عرب ناشئين.

سعيد خطيبي

والحدثُ التأسيسي الأبرز في هذه المرحلة هو انطلاق مجموعة «خمسة» في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وهي شراكة تجمع دار «فيليب ري» الباريسية بدار «بَرزَخ» الجزائرية بقيادة الناشر صفيان حاجج، تختصّ بترجمة الأدب المغاربي المكتوب بالعربية من خمسة بلدان هي: الجزائر وليبيا والمغرب وموريتانيا وتونس. وفي أقلّ من عامين على انطلاقها، كشفت هذه المجموعة عن طاقة اكتشافية حقيقية؛ فقد كان من بين إصداراتها الأولى رواية الكاتبة التونسية أميرة غنيم «الكارثة بيت النبلاء» التي فازت بجائزة الأدب العربي عام 2024. أمّا دار «سندباد»، عرّاب هذا الحقل بلا منازع منذ خمسة عقود، فتواصل مسيرتها تحت إدارة الناشر السوري فاروق مردم بيه، وقد أصدرت حتى اليوم ما يزيد على ثلاثمائة عنوان، تضمّ الرواية والشعر والتراث الكلاسيكي، مستوعبةً أدبَ المشرق والمغرب معاً.

شادي لويس

وفي عام 2022، أطلقت الدار مجموعة «سندباد الصغير» للأدب مزدوج اللغة (عربي - فرنسي) الموجَّه إلى الناشئة، في محاولة جريئة لتجسير الهوّة بين جيلين ولغتين. وفي سياق برنامجها الأخير، أصدرت «سندباد» رواية «عين الطاووس» للبنانية حنان الشيخ بترجمة خالد عثمان، فضلاً عن «تاريخ قصير للخليقة وشرق القاهرة» للمصري شادي لويس، وكلاهما ضمن قائمة جائزة الأدب العربي 2025.

وإذا كان ثمة نصٌّ واحد استطاع في السنوات الأخيرة أن يختبر حدود المشهدين الأدبيين الأوروبي والعربي معاً، فهو رواية الفلسطينية عدانية شبلي «تفصيل ثانوي»، التي نشرتها «سندباد/أكت سود» عام 2020 بترجمة ستيفاني دوجول، فغدت ظاهرةً دولية نادرة في عالم الأدب العربي المُترجَم، وبلغت أصداؤها أرفع الجوائز الأدبية في أوروبا والولايات المتحدة.

عدانية شبلي

وعلى صعيد الأسماء التي شقّت طريقها إلى القارئ الفرنسي عبر هذه الدور، يبرز جيلٌ جديد، فالليبي محمد الناعس، الذي أصدرت له «لو برو دو موند» روايتَي «خبز على طاولة عمي ميلاد» و«نكهة الشاي المرّ»، رُشّح مرتين على التوالي لجائزة الأدب العربي، وباتت أعماله رهاناً تحريرياً ثابتاً لدى ناشره الفرنسي. أما الجزائري سعيد خطيبي فأصدرت له «غاليمار» في سلسلة «سيري نوار» رواية «نهاية الصحراء» بترجمة لطفي نية. ويوظف خطيبي التاريخ السياسي في بنية السّرد البوليسي.

وفي السياق ذاته، اختارت «بايار» نشر آخر أعمال المغربية ريم بطّال «سأنظر في عينيّ»، لتقطع بذلك مسافةً واسعة بين الكتابة النسائية العربية وجمهور فرنسي جديد. وأفرزت مجموعة «خمسة»، بدورها، اسمين تونسيين بارزين: أميرة غنيم بروايتها «الكارثة بيت النبلاء» الفائزة بجائزة الأدب العربي 2024، وأيمن دبوسي برواية «دفاتر الرازي». والحالة الأكثر رمزيةً في هذه الدورة هي حالة الكاتب الفلسطيني ناصر أبو سرور، الذي أمضى اثنين وثلاثين عاماً خلف القضبان في سجون الاحتلال الإسرائيلي، قبل أن يُطلَق سراحه في أكتوبر 2025. وجد أبو سرور طريقه إلى «غاليمار» عبر روايته «حكاية جدار»، الصادرة بالفرنسية تحت عنوان «Je suis ma liberté» (أنا حريتي) بترجمة ستيفاني دوجول، وسرعان ما توّجته لجنة جائزة الأدب العربي لعام 2025 بالجائزة الكبرى بالإجماع، مانحةً إياه اعترافاً طالما حجبه عنه السجنُ وعزلةُ الأسر. ولم يكن هذا التتويج إعلاناً أدبياً فحسب، بل كان فعلاً سياسياً وأخلاقياً في الوقت ذاته.

وتوفّر أرقام السوق سياقاً لا غنى عنه لفهم هذا المشهد؛ فوفق بيانات نقابة الناشرين الفرنسيين (SNE)، بلغ رقم أعمال قطاع النشر في فرنسا 2945 مليون يورو عام 2023، ثم تراجع إلى 2901 مليون يورو عام 2024، مع انخفاض في عدد النسخ المبيعة بنسبة 3.1 في المائة. وتمثّل الكتب المترجمة في الوقت الراهن ما بين 19 و20 في المائة من مجمل الإنتاج النشري الفرنسي، مما يجعل فرنسا من أكثر الأسواق الثقافية الغربية انفتاحاً على الآداب الأجنبية. وبحسب أحدث بيانات «ليفر إيبدو/إلكتر» المتعلقة بعام 2025، بلغ عدد العناوين المترجمة إلى الفرنسية 12892 عنواناً؛ تستأثر العربية منها بنسبة 0.9 في المائة؛ أي ما يناهز مائة وستة عشر عنواناً، مسجّلةً ارتفاعاً بمقدار 0.2 نقطة مئوية قياساً بالعام السابق. وتجدر الإشارة إلى أن العقود المُبرمة على الأدب العربي تشمل في حالات كثيرة الحقوق العالمية لا الحقوق الفرنسية وحدها، مما يفتح آفاق الانتشار لتتجاوز الحدود الأوروبية.

وتُعدّ «جائزة الأدب العربي»، التي انطلقت عام 2013 بتعاون بين مؤسسة جان لوك لاغارديير ومعهد العالم العربي في باريس، مرجعاً أساسياً لقياس حضور الأدب العربي في سوق النشر الفرنسي. وقد تجلّى هذا الحضور في دورة عام 2025 عبر تنوع غير مسبوق شمل ثمانية أعمال لكتّاب من سبع دول عربية أصدرتها دور نشر فرنسية كبرى. كما شهدت هذه الدورة خطوةً لافتة بإنشاء منحة مالية مخصصة للمترجمين، ولم يكن هذا الزخم النشري ليكتمل في غياب جيل جديد من المترجمين ورثوا شعلة أسلافهم وأضافوا إليها. فإلى جانب ستيفاني دوجول الذي يُترجم منذ ثلاثة عقود أعمال حنان الشيخ وعدانية شبلي ومصطفى خليفة، ثمة لطفي نية المتخصص في الأدب الجزائري والمغاربي العامل مع «غاليمار» ومجموعة «خمسة»، وصواد لبّيزة التي ترجمت رواية أميرة غنيم فنالت بذلك جائزة ابن خلدون - سنغور للترجمة عام 2024، وهي جائزة مشتركة تمنحها المنظمةُ الدولية للفرنكفونية والمنظمةُ العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو)، وسارة رولفو التي تُترجم النثر الليبي.

بيد أن المشهد لا يخلو من نقاط ظل تستوجب التأمل النقدي؛ فرغم هذا الزخم التراكمي، تظلّ مكانة الأدب العربي في المنظومة النشرية الفرنسية هشّةً في بعض مفاصلها. فعدد الترجمات السنوية يبقى محدوداً قياساً بضخامة الإنتاج الأدبي العربي. وقد أفاد مردم بيه بأن مبيعات نجيب محفوظ (الكاتب العربي الأكثر قراءة في فرنسا) تراجعت من عشرة آلاف نسخة إلى نحو ألف وخمسمائة في غضون عقود، عاكسةً تراجعاً أعمق في انفتاح القارئ الفرنسي على الآداب الأجنبية المترجمة. يُضاف إلى ذلك أن الأسماء العربية المألوفة في هذا المشهد لم تتجدد كثيراً خلال العقود الماضية، مما يُضيّق النافذة أمام التجديد والتنوع الجغرافي والأسلوبي.

ويُلاحَظ كذلك أن الكاتب العربي لا يصل إلى دور النشر الكبرى في الغالب إلا عبر بوابة الجائزة الدولية أو الصدى الإعلامي خارج فرنسا، مما يعني أن الاعتراف لا ينبثق دائماً من قراءة مباشرة، بل كثيراً ما يتغذّى من سلطة الصدى الخارجي. ويظلّ الفخّ الأخطر هو الفخّ الاستشراقي المتجدّد: فالنص العربي الذي يتناول الحرب أو الديكتاتورية أو المرأة المقهورة أو أزمة الهوية يجد طريقه إلى دور النشر الفرنسية أسهل بكثير مما يجده النص المنصرف إلى أسئلة جمالية بحتة أو جدل فلسفي داخلي. وهو ما يعني أن ثمة مِصفاةً خفيّة تصوغ ملامح الأدب العربي المقبول في الفضاء الفرنسي، فتُعيد في نهاية المطاف إنتاجَ توقعات المتلقي عوضاً عن تحريرها.

وفي مواجهة هذه الإشكالية، تبقى باريس رمزاً للتكريس الأدبي بامتياز: فالنشر في فرنسا يمنح الكاتب العربي رأسمال رمزياً يتجاوز حدود اللغة؛ إذ كثيراً ما فتح الانتشار الأوروبي أبواب الترجمة في لغات أخرى، وأمدّ مسيرات مهنية كانت ستظلّ محلية لولا ذلك. غير أن هذه المعادلة تخفي وراءها سُلَّم قيم ضمنياً: يُقيَّم النص العربي في نهاية المطاف بمقدار ما يستهوي القارئ الفرنسي ويلبّي فضوله، أكثر مما يُنصَت فيه إلى ما يقوله عن نفسه وعن قارئه الطبيعي.


ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر
TT

ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر، ومنهم أحمد مصطفى البابي الحلبي الذي وُلد في أزقة قرية الباب بريف «حلب» 1816 ثم هاجر إلى القاهرة ليشبع شغفه في مجال الطباعة ونشر الكتب وتتحول مطبعته إلى واحدة من أشهر وجهات التراث العربي في الفترة من عام 1859 حتى 1960.

هذا ما يكشف عنه الباحث أشرف مؤنس في كتابه «مطبعة البابي الحلبي – ودورها في حركة الطباعة والنشر في مصر والعالم العربي»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، مشيراً إلى أن المطبعة استهدفت في البداية خدمة الأزهر الشريف وطلابه من خلال نشر كتب الفقه والتفسير والحديث واللغة مع الحرص على دقة النصوص وجودة الإخراج الفني، لكنها توسعت فيما بعد لتشمل كنوز التراث في الشعر والأدب.

ولا يقتصر تميز مطبعة الحلبي على بعدها الطباعي، بل يمتد إلى إدارتها العائلية المتوارثة وسياستها التجارية الرشيدة التي ضمنت لها الاستمرار والانتشار داخل مصر وخارجها حيث يمثل أحمد مصطفى البابي الحلبي، مؤسس هذه النهضة العائلية، أنموذجاً للرجل العصامي الذي جمع بين الوعي الثقافي وروح الريادة الاقتصادية فأسس تقليداً أسرياً ظل فاعلاً لأكثر من قرن كامل.

انتقل الحلبي إلى مصر في أوائل عقد الخمسينيات من القرن التاسع عشر ضمن موجة الهجرة العلمية والتجارية إلى القاهرة حيث كان لمصر جاذبية اقتصادية وثقافية كبرى، واستقر في حي «الجمالية» قرب الجامع الأزهر، وكان مركزاً للحياة الدينية والفكرية والتجارية.

ومن خلال متابعته الواعية لمجريات الحياة آنذاك سرعان ما أدرك الحلبي مبكراً حاجة طلاب الأزهر والعلماء إلى كتب مطبوعة بدلاً من الاعتماد على المخطوطات القديمة، حبيسة الخزائن، كما تأثر بأفكار رواد النهضة الفكرية المصرية آنذاك؛ مثل رفاعة الطهطاوي (1801-1873) وعلي باشا مبارك (1823-1893) وجمال الدين الأفغاني (1838-1897) ومحمد عبده (1849-1905).

وبفضل خبراته واتصالاته مع العلماء والأدباء، أسّس مطبعته الخاصة التي عُرفت في البداية باسم «المطبعة الميمنية» قبل أن يتغير اسمها لاحقاً إلى «مطبعة الحلبي» لتكون واحدة من أوائل المطابع الأهلية في مصر، واعتمدت أسلوب الطباعة بالحروف العربية، محلية الصنع، ما أضفى طابعاً خاصاً على مطبوعاتها، تميز بصرامة في التدقيق والمراجعة وقلة الأخطاء المطبعية، مع جمال الإخراج الفني.

بعد وفاة المؤسس أحمد الحلبي في عام 1898 عن عمر ناهز 82 عاماً، تولى أبناء إخوته إدارة المطبعة حيث لم ينجب أحمد أبناء من صُلبه؛ ولذا استدعى أبناء إخوته الذكور من بلدته «الباب»، ومنهم مصطفى وعيسى وبكري ليشاركوه في إدارة المطبعة.

تحولت المطبعة من نشاط فردي إلى مؤسسة عائلية لها امتداد تجاري وثقافي، وتوسع الإنتاج ليشمل كتب التراث الإسلامي والمعاجم والمراجع الجامعية، فضلاً عن طباعة رسائل أكاديمية، كما غدت مرجعاً للطلاب والباحثين في العالم العربي واشتهرت بطباعتها المتقنة للكتب التراثية.

شهدت الأربعينيات وبداية الخمسينيات ذروة نشاط المطبعة؛ فقد بلغ حجم الإنتاج السنوي للمطبعة نحو 7.5 مليون نسخة، ونشرت أكثر من 440 كتاباً بين عامي 1900 و1949، ما جعلها رائدة في نشر كتب التراث الإسلامي عالمياً؛ حيث أصبحت من أكبر دور النشر في الشرق الأوسط.

اعتمدت المطبعة نهجاً ريادياً في توظيف التقنيات الطباعية المتقدمة وتطوير الخطوط العربية، مما أضفى على إصداراتها هوية بصرية متفردة عُرفت بـ«طبعة الحلبي»، امتازت بدقة التنفيذ وسلامة المتون. وإلى جانب ثقلها المعرفي، شكلت المطبعة ركيزة اقتصادية مهمة؛ إذ أصبح «حي الحسين» بسببها وجهة عالمية لصناعة النشر، ومقصداً رئيساً للوراقين وطلاب الأزهر والمستشرقين من شتى البقاع.

اللافت أيضاً أن المطبعة مثلت جسراً حضارياً يربط عراقة التراث بمتطلبات الحداثة؛ حيث ساهمت بفاعلية في النهضة الثقافية عبر رفد الجامعات بالمادة العلمية الرصينة. وعلى مدار عقود، ظلت مطبوعاتها المرجع الأوثق للباحثين في العلوم الشرعية واللغوية، ما رسخ مكانتها كحارس للذاكرة العربية.

تصدرت «أمهات الكتب» قائمة منشوراتها، لا سيما في علوم التفسير والقرآن، مثل «تفسير الطبري» و«القرطبي» اللذين ظهرا في طبعات فاخرة ومنقحة. كما أولت عناية فائقة بالسنة النبوية، فأخرجت «فتح الباري» وشروح «صحيح مسلم»، فضلاً عن المراجع الفقهية الكبرى التي غطت أصول المذاهب الأربعة وفروعها بدقة متناهية.

ولم تقتصر رسالتها على العلوم الدينية، بل شملت كنوز الأدب مثل «لسان العرب» و«الأغاني»، ودواوين فحول الشعراء كالمتنبي وشوقي. وفي حقل التاريخ والسير، برزت طبعاتها لكتابي «تاريخ الأمم والملوك» و«البداية والنهاية»، لتكرس بذلك حضوراً لافتاً في المكتبة العربية.


تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية
TT

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث التي تؤهله للانتشار العالمي، مع التركيز على المعوقات التي تعترض نقله إلى اللغة العربية، عبر اللغة الصينية الأصلية، وليس عبر لغات وسيطة، في وقت يشهد تصاعداً في التواصل بين بكين والعواصم العربية على المستويات الثقافية والاقتصادية والسياسية.

ويندرج الكتاب ضمن حقل «دراسات الترجمة»، التي تعاني من الندرة بالمكتبة العربية؛ إذ يسلط الضوء على مسار ترجمة الإبداع الصيني للغة الضاد، لا سيما الأعمال التي تعد من «الروائع العالمية»، وتحديداً المنتمية لمدرسة «البحث عن الجذور»، التي يعد مو مويان من أهم أقطابها، بهدف التعرف على الروح الصينية الحقيقية، والابتعاد عن الصورة السطحية النمطية التي تختصر حضارة «بلاد التنين الأحمر» في شعب غريب الأطوار يأكل الحشرات، أو مجرد البراعة في الرياضات القتالية، كما في أفلام بروس لي ورياضة «الكاراتيه» التي صدّرتها هوليوود للعالم.

ويرى المؤلف أن الهدف السينمائي هنا يتمثل في تشويه الانطباع حول بلد يرى الغرب مصلحته في تسطيح صورته الذهنية، مع حصد أرباح مادية بالتأكيد، ومن هنا تبرز ضرورة الانفتاح عبر الترجمة على الأدب الصيني المعاصر، للمساهمة في تقويم تلك المفاهيم الضحلة.

ويشدد علي عطا على ضرورة إدراج دراسات الترجمة بمناهج اللغة الصينية في الأكاديميات العربية، مع ملاحظة صدور مؤلفات عديدة حول الأدب الصيني في القرن العشرين مترجمةً للعربية، مقابل غياب تام لترجمات تخص أدب الربع الأول من القرن الحالي. ويسري ذلك النقص على نقد الأعمال الصينية المترجمة، فلا يتوفر كتاب بحثي يحللها نقدياً ضمن سياق الترجمة أو الأدب المقارن، رغم ما تعرِض مقدمات المترجمين لهذا الجانب أحياناً.

ويشيد المؤلف في هذا السياق ببحث قدمته دكتورة دينا بيومي بعنوان «المهمشون في الرواية الصينية والرواية المصرية المعاصرة»، وقد وازنت من خلاله بين رواية «مذكرات بائع الدماء» للصيني يوهوا، ورواية «شكاوى المصري الفصيح» للكاتب المصري يوسف القعيد، والتي خلصت فيها إلى أن النصين يشكلان مادة ثرية لبيان حجم مكابدة هذه الفئات داخل الوسطين: الصيني والمصري؛ إذ برع الأديبان في تجسيد واقع شعوبهما الموجع والمضني في الخمسينات والستينات بالنسبة للجانب الصيني، والسبعينات بالنسبة للجانب المصري.

وترصد دراسات أكاديمية عربية تصاعد الشغف بالنقل عن الصينية للعربية بالأعوام الأخيرة، مع بروز كوادر متخصصة وظهور مؤسسات نشر مهتمة بهذا الحقل، إلا أنه رغم ذلك، لا تزال هناك عقبات تخص ندرة الكوادر المحترفة، وهو ما يبرز الحاجة الشديدة لمزيد من المساندة الجامعية للتعريب من الصينية للعربية، إما عبر تقديم مسارات تدريبية احترافية، وإما عبر مساندة دور النشر والمبادرات الاستقصائية.

في المقابل، يلاحظ باحثون صينيون أنه رغم النجاحات، تواجه الصين والعرب تحديات في الترجمة والنشر؛ منها نمطية الكتب المترجمة وتذبذب جودتها وضعف انتشارها السوقي، فرغم التوجه العربي العام نحو الصين، يظل شغف الشباب العرب بالثقافتين اليابانية والكورية أكبر.

كما يفتقر الشباب الصيني للمعرفة بالمنطقة العربية مقارنة بالثقافة الغربية، ما يعكس قصوراً في النشر بالجانبين. ولتجاوز ذلك، يقترح هؤلاء الباحثون تنويع موضوعات الترجمة، وتكثيف جهود التسويق والتوزيع، مع ضرورة استقطاب القراء من مختلف المجالات للاهتمام بالإبداعات الثقافية المتميزة لتعزيز تأثيرها وجاذبيتها.