سكان كوسوفو الذين قاتلوا من أجل تحريرها.. يفكرون في الرحيل

موجات هجرة إلى أوروبا مدفوعة بتردي الوضع الداخلي وتوفر «معابر حدودية» جديدة

مهاجرون من كوسوفو يسعون لدخول المجر عبر الحدود مع صربيا (نيويورك تايمز)
مهاجرون من كوسوفو يسعون لدخول المجر عبر الحدود مع صربيا (نيويورك تايمز)
TT

سكان كوسوفو الذين قاتلوا من أجل تحريرها.. يفكرون في الرحيل

مهاجرون من كوسوفو يسعون لدخول المجر عبر الحدود مع صربيا (نيويورك تايمز)
مهاجرون من كوسوفو يسعون لدخول المجر عبر الحدود مع صربيا (نيويورك تايمز)

شيدت أسرة كاكاج كثيرة العدد، بعض المنازل هنا على طول «شارع توني بلير» بين «سوبر ماركت دبي» وقاعدة حفظ السلام الفرنسية، في حالة من الاعتقاد القبلي أن التقارب يوفر الأمان. غير أنه في الآونة الأخيرة، بدأت العائلة الألبانية التي تقطن كوسوفو في الانقسام، إثر الأحوال الاقتصادية الكارثية، والسياسات الجامدة، وفتح الحدود أخيرا مع دولة صربيا، مما دفع عشرات الآلاف من سكان كوسوفو إلى مغادرة أراضيهم المضطربة بحثا عن الفرص والعمل.
يقول خيفات كاكاج، الذي يمضي تاركا كوسوفو رفقة زوجته وبناته الخمس متوجها إلى ألمانيا: «ليس أمام ابني أي اختيار». إنهم يمتلكون بقرة واحدة فقط، كما يقول، ويكسبون رزقهم من بيع لبنها في سوق بريشتينا عاصمة الإقليم القريبة، وليس لديهم مصدر رزق آخر إلا تشغيل خدمة الحافلة الصغيرة والتي أوقفتها السلطات المحلية مؤخرا.
يقف كاكاج (64 عاما) محدقا في الأرض التي اختبأت فيها عائلته من القوات الصربية في حرب عام 1999، وقال باكيا «لا يغادر أحد لأجل المتعة».
ويقول أفريم سيلا (48 عاما)، الذي يقطن بريشتينا ويكسب رزقه من بيع الفطائر ولديه ولد انضم مؤخرا إلى قافلة المغادرين من البلاد: «كان أهل كوسوفو يغامرون بحياتهم من أجل البقاء هنا، أما الآن، فقد وصلنا إلى درجة يتوجب علينا المغادرة بإرادتنا».
عقب 16 عاما من إخراج حلف شمال الأطلسي، في حربه الوحيدة منذ نشأته، للقوات الصربية من كوسوفو حتى يستطيع 850 ألف مواطن من ألبان كوسوفو، الذين طردهم الصرب، العودة إلى موطنهم، ينعكس الآن تدفق ألبان كوسوفو إلى خارج الإقليم. فعلى مدى عدة أشهر، استمرت الحافلات في نقل ألبان كوسوفو عبر الأراضي الصربية إلى منطقة الحدود البرية التي يسهل عبورها مع دولة المجر، ضمن الاتحاد الأوروبي.
يعبر الألبان الحدود سيرا على الأقدام، ولا يتم اكتشاف عبورهم الحدود في أغلب الأحيان. وحين إلقاء القبض عليهم من قبل السلطات المجرية، لا يجري اعتقالهم إلا لفترات وجيزة. يقع الكثير منهم ضحية إغراءات ووعود المرشد الصربي الذي يدفعون أجرته، أو بسبب وجود صديق في النمسا، أو سويسرا، أو ألمانيا، أو إحدى الدول الاسكندنافية، والانتقال الحر بين دول الاتحاد الأوروبي، مما يجعلهم يشقون طريقهم إلى تلك الأماكن. لكن ألبان كوسوفو، وغالبيتهم من المسلمين، لا يجري الترحيب به، وأحيانا يجبرون على العودة إلى أراضيهم.
في محطة حافلات بريشتينا القاتمة، انخفض عدد الحافلات المغادرة ليلا إلى اثنتين من 12 حافلة. وهناك، تقف لوحة كبيرة تحمل 10 أسباب لعدم الهجرة، وأول تلك الأسباب يفيد بأن دولة كوسوفو التي قاتل الألبان من أجلها كثيرا تريد من سكانها البقاء حتى يمكن للدولة الاستمرار. غير أن إقناع الناس بالبقاء وإعادة إدماج أولئك الذين أجبروا على العودة لا يزال يشكل أكبر التحديات. ويقول صمويل زبوغار، وهو دبلوماسي من سلوفينيا ويرأس حاليا بعثة الاتحاد الأوروبي في الإقليم «أشعر أنه سيكون ربيعا قاسيا للغاية».
ولا يبدو أن هناك أحدا يعرف على وجه التحديد متى ولماذا بدأت حركة النزوح خارج الإقليم، لكن الظاهرة تثير الدهشة من حيث سرعتها وكثافتها. ودق المسؤولون في ألمانيا والنمسا أجراس الإنذار في يناير (كانون الثاني) الماضي عقب تسجيل زيادات ضخمة في أعداد ألبان كوسوفو المتقدمين لطلب اللجوء هناك.
وجاء السبب المباشر إثر فرصة جديدة لاحت عند الحدود. فمواطنو كوسوفو - على العكس من جيرانهم في البلقان من ألبانيا، ومقدونيا، والبوسنة - ليس لديهم حق الوصول إلى برامج التأشيرات الأوروبية، مما يساهم في إحساسهم بالعزلة والحرمان، حسبما أفاد قادة سياسيون وباحثون رسميون ومستقلون.
وأتاحت اتفاقيات الوساطة الأوروبية المبرمة خلال الخريف الماضي - وهي جزء من الجهود الغربية المستمرة لتعزيز التعاون بين ألبان كوسوفو والصرب - المزيد من نقاط الدخول لمواطني كوسوفو إلى دولة صربيا المجاورة وحرية العبور خلالها، فضلا عن الاعتراف الحدودي المتبادل بوثائق الهوية. ومن ثم بدأت الحافلات في الاتجاه شمالا.
وفي حين يشعر أهل كوسوفو ببريق أمل عقب الحرب الوحشية التي اندلعت مع الصرب ثم إعلان الاستقلال عنها في عام 2008، فإن كثيرين - وعلى الأخص الشباب الصغير منهم - يقولون إنهم يرون بعض الفرص القليلة تلوح في الأفق.
يساور كثيرين هناك شعور خانق ومتأصل بعدم اليقين، جزئيا، حيال وضعية الإقليم ذاته. فروسيا، الحليف طويل الأجل لدى صربيا، لا تزال غير معترفة بالإقليم، وبعض الدول الأخرى تعتبر الاستقلال إشارة إلى الانفصاليين الداخليين: الصين، على سبيل المثال، تقبع تحت ضغوط دولية إزاء تحرير إقليم التيبت وهناك 5 من أصل 28 دولة أعضاء في الاتحاد الأوروبي على رأسهم إسبانيا، التي يساورها القلق حول إقليم كتالونيا.
على الجانب المحلي، فإن إقليم كوسوفو يترنح، حيث انطلقت انتخابات يونيو (حزيران) الماضي دون تسوية لعدة شهور، حتى شق حزب رئيس الوزراء السابق، هاشم تاتشي، وهو بطل الحرب ضد الصرب الذي تلقى الاتهامات من المعارضين له في الآونة الأخيرة بالتعطش للسلطة والفساد، طريقه بقوة وصولا إلى الائتلاف الحاكم. ويشغل تاتشي حاليا منصب وزير خارجية الإقليم.
يأتي الاقتصاد كإضافة إلى مزيج المتاعب التي يعانيها الإقليم. ففي القارة التي تعاني من الشيخوخة الديموغرافية، يعتبر الإقليم أصغر الأراضي الأوروبية عمرا، مع متوسط عمر يبلغ 27 عاما لمليوني مواطن يسكنون الإقليم. تحتاج كوسوفو إلى معدل نمو اقتصادي سنوي مستحيل يبلغ 7 في المائة لتوفير الوظائف لـ25 ألفا حتى 30 ألف مواطن من شباب الإقليم ينتهون من مراحل التعليم في كل عام حسبما أفادت حكومة الإقليم. ويبلغ الاستثمار المباشر من المصادر الأجنبية نحو 270 مليون دولار في العام، وهو نصف المعدل الذي كان مسجلا في عام 2007، كما أفاد بذلك لومير عبديخيكو، المدير التنفيذي لمجموعة «ري إنفست» البحثية المستقلة.
ويقول كارل هاينز غرونبوك من وزارة الداخلية النمساوية في فيينا إن النمسا سجلت 1901 طلب لجوء من مواطني كوسوفو في عام 2014، غير أنها تلقت 1029 طلبا جديدا في يناير الماضي وحده. وبحلول منتصف فبراير (شباط)، تلقت ألمانيا وحدها 18 ألف طلب لجوء من مواطني الإقليم منذ يناير 2015.
داخل كوسوفو، سجلت وزارة التعليم 5600 حالة غياب بين طلاب المدارس. وفي ألمانيا، انخفضت حدة التدفق للنازحين من الإقليم إلى نحو 200 وافد في اليوم، من 1400 وافد في اليوم في بداية فبراير الحالي. يواجه عيسى مصطفى رئيس وزراء الإقليم حاليا تحديات تتمثل في إبقاء ألبان كوسوفو في البلاد. ويقول رئيس الوزراء، وهو من السياسيين المخضرمين، إنه يأمل في التخفيف من سخط الشباب عن طريق نشر الرياضة في المدينة وتشييد المرافق الثقافية في جميع أرجاء الإقليم - وهي المنطقة التي تكتوي بنار حرارة الصيف، ولكنها لا تزال دون حمام سباحة عمومي حتى الآن - وجهود تحسين التعليم كذلك. يقول مصطفى: «علينا تحرير الناس من تلك العزلة».
يرى كثيرون هنا الحل في تنظيم تدفق التأشيرات الأوروبية. ويقول عبديخيكو، الباحث والمحلل، إن توفير مائة ألف فرصة لأهل كوسوفو في أوروبا يمكن أن يعوضهم عن الإهمال والتجاهل: «ليس من قبيل الإنصاف أن تترك كوسوفو بقعة سوداء في قلب أوروبا طيلة كل تلك السنوات»، إنهم يقللون حتى من فرص سفر رجال الأعمال.
لكن الحكومات الأوروبية منزعجة فعلا من ارتفاع النبرات الشعوبية والقومية وشكاوى الناخبين من الهجرة من البلدان الأوروبية الأعضاء في الاتحاد مثل رومانيا وبلغاريا. كما تتوقع ألمانيا تلقي 300 ألف طلب لجوء هذا العام بعد تلقيها أكثر من 200 ألف طلب خلال عام 2014. وبالتالي ليس من المرجح إصدار التأشيرات للوافدين.
أما بالنسبة لعائلة كاكاج، فأدت المشكلات إلى الخروج ببعض الابتكارات، حيث عرض عيسى كاكاج (42 سنة) لأحد الزائرين متجره الأنيق لبيع المواد الغذائية، والذي يحتل مساحة من منزله ذي الطابقين، وحظيرة الأبقار، وبستان التفاح. ويحمل عيسى شهادة جامعية في الهندسة الجيولوجية، لكن مناجم الإقليم إما أنها ناضبة، وإما غير مستغلة حتى الآن. ولذلك فهو يعيد تدريب ذاته في مجال الطب الشرعي، ويساعد زوجته ووالده وأطفاله الخمسة بأقصى ما يمكنه.
على الناحية المقابلة من منزل عيسى هناك مجمع سكني يحتل موقعا جيدا غير أنه مهجور ويعود إلى ابن عمه الذي يعمل طوال العام في ألمانيا ويرجع لزيارتهم كل صيف، وهو من الذين يرسلون نحو 650 مليون دولار في صورة تحويلات مالية إلى إقليم كوسوفو في كل عام. ويقول شريف، والد عيسى، غاضبا: «إذا لم تكن لديك اتصالات وتعرف أناسا من المسؤولين فليست أمامك فرصة للحصول على وظيفة. إنهم لا يعنيهم إذا توفرت لك وظيفة من عدمه. المهم عندهم أنك تسدد فواتير المرافق»، ويصر الرجل البالغ من العمر (75 عاما) على أن الأمور لم تصل لذلك الحد من السوء من قبل. ويضيف قائلا: «أسوأ شيء هو أن تكون على قيد الحياة، ولكنك ميت. لو لم أكن أبلغ من العمر أرذله، لكنت غادرت بلادي بنفسي».
* خدمة «نيويورك تايمز»



الشرطة الفرنسية تطلق الغاز المسيل للدموع لتفريق احتجاج في ليون

عنصر من الدرك الفرنسي يسير بجانب مركبة مدرعة متعددة المهام من طراز «سانتور» (Centaure) بالقرب من شارع الشانزليزيه في باريس (رويترز)
عنصر من الدرك الفرنسي يسير بجانب مركبة مدرعة متعددة المهام من طراز «سانتور» (Centaure) بالقرب من شارع الشانزليزيه في باريس (رويترز)
TT

الشرطة الفرنسية تطلق الغاز المسيل للدموع لتفريق احتجاج في ليون

عنصر من الدرك الفرنسي يسير بجانب مركبة مدرعة متعددة المهام من طراز «سانتور» (Centaure) بالقرب من شارع الشانزليزيه في باريس (رويترز)
عنصر من الدرك الفرنسي يسير بجانب مركبة مدرعة متعددة المهام من طراز «سانتور» (Centaure) بالقرب من شارع الشانزليزيه في باريس (رويترز)

أطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع، اليوم (السبت)، لتفريق نحو 150 شخصاً كانوا يحتجون في مدينة ليون بجنوب شرقي فرنسا، وذلك في منطقة يُحظر فيها تنظيم أي مظاهرات، وفقاً لما رصده صحافي في «وكالة الصحافة الفرنسية».

واستخدمت الشرطة عدداً من قنابل الغاز المسيل للدموع لإبعاد المحتجين الذين تجمعوا بالقرب من إحدى كليات الجامعة ومركز للشرطة في المدينة، في إطار احتجاجات تشهدها البلاد ضد ارتفاع تكاليف المعيشة. وجاء تدخل الشرطة بعد أن حاول المتظاهرون قطع الطريق، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».


فرنسا على حافة الانفجار... ديون تحاصر الدولة ورفاه بات مستحيلاً

شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)
شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)
TT

فرنسا على حافة الانفجار... ديون تحاصر الدولة ورفاه بات مستحيلاً

شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)
شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)

لم تعد الأزمة الفرنسية موجة احتجاجات اجتماعية عابرة، أو تعثّراً اقتصادياً يمكن احتواؤه بإجراءات عاجلة؛ فالتطورات المتلاحقة تكشف أزمة متعددة الأوجه، يتقاطع فيها ضعف المالية العامة مع تصاعد الغضب الشعبي، وشلل المؤسسات السياسية، وتراجع الثقة بقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها. وبينما تستعد فرنسا لاستحقاق رئاسي حاسم في ربيع 2027، تتزايد المخاوف من أن تتحول هذه العوامل المتراكمة إلى تهديد خطير لاستقرار الجمهورية الخامسة، ولمكانة البلاد داخل الاتحاد الأوروبي وفي العالم.

زائرون ينتظرون خارج متحف اللوفر في باريس الذي أغلقه محتجون (إ.ب.أ)

في شوارع مدن وبلدات عديدة، تتعدد مظاهر الاحتقان؛ فقد شهدت البلاد احتجاجات صاخبة على تدهور أوضاع المدارس الحكومية ونقص المدرّسين، وانضم موظفون وعاملون في القطاع العام إلى التحركات اعتراضاً على تجميد الأجور. وقبل ذلك، أغلق صيادون موانئ ومحطات للوقود احتجاجاً على ارتفاع أسعار الديزل. ولم تتوقف التطورات عند المظاهرات؛ إذ شهدت مدن فرنسية أعمال شغب ونهب وتخريب، أسفرت عن أضرار مادية كبيرة ومئات الإصابات والتوقيفات، في مشهد يعكس اتساع الهوة بين قطاعات من المجتمع ومؤسسات الدولة.

واكتملت الصورة بعودة «السترات الصفر» إلى الساحة، بعد «استراحة» استمرت سنوات، علماً بأن أحداً لا يعلم أين كان هؤلاء الذين عرقلوا الولاية الأولى لإيمانويل ماكرون، ومن هم قادتهم... والمهم أن «تحالف الشارع» في وجه السلطة صار مكتمل الأركان وعلى أتمّ الاستعداد لمواصلة «المعركة».

محتجون مقنعون قرب دراجات تحترق في ساحة الجمهورية بباريس (رويترز)

ووسط فسيفساء المطالب، تجمع التحركات أزمة أعمق تتعلق بتراجع القدرة الشرائية، وتآكل الثقة بالخدمات العامة، والشعور بأن النموذج الاجتماعي الفرنسي لم يعد قادراً على توفير الوعود التي ارتبطت به لعقود؛ فالدولة التي اعتاد مواطنوها الاستفادة من شبكة واسعة من الحماية الاجتماعية، تواجه اليوم سؤالاً صعباً: كيف يمكن الحفاظ على هذه المكتسبات في ظل ارتفاع تكلفة تمويلها وتزايد أعباء الدين؟

* الدَّين يضيّق هامش المناورة

لا شك في أن المالية العامة تحتل موقعاً مركزياً في الأزمة؛ فقد اقترب الدين العام الفرنسي (4 تريليونات دولار) من 119 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي (3.55 تريليونات دولار)، فيما يتباطأ الاقتصاد إلى مستويات نمو تدور حول 0.4 إلى 0.5 في المائة لعام 2026. وفي الوقت نفسه، يُتوقع أن يتجاوز العجز العام 5 في المائة من الناتج المحلي، الأمر الذي يعقّد مهمة الحكومة في إعادة التوازن إلى الحسابات العامة.

وتزداد المشكلة خطورة مع ارتفاع أسعار الفائدة؛ إذ تصبح خدمة الدين أكثر تكلفة، وتُضطر الدولة إلى تخصيص موارد متزايدة لسداد التزاماتها بدلاً من توجيهها إلى الاستثمار والخدمات. وتشير التقديرات الواردة إلى أن فرنسا ستحتاج إلى إصدار ما قيمته 340 مليار يورو من السندات متوسطة وطويلة الأجل خلال العام المقبل، في وقت يتراجع فيه إقبال المستثمرين على شرائها في ظل المخاطر المالية والسياسية.

مبنى بلدية مدينة ليموج الذي أحرق جزءاً منه مشاغبون (أ.ف.ب)

لكن ذلك لا يعني أن فرنسا تتجه حتماً إلى أزمة شبيهة بما شهدته اليونان (2009 - 2010)، أو إلى انهيار مفاجئ في ثقة الأسواق؛ فحجم الاقتصاد الفرنسي ومكانته داخل الاتحاد الأوروبي يمنحان باريس ثقلاً مختلفاً. لكن هذا الثقل نفسه يجعل الأزمة أكثر أهمية: فأي تدهور حاد في قدرة باريس على إدارة دينها الثقيل، قد ينعكس على الاستقرار المالي الأوروبي برمته.

* أربعون عاماً من التأجيل

الواقع أنه لا يمكن تفسير الوضع الراهن بقرار حكومي واحد، أو تحميل رئيس معيّن المسؤولية الكاملة عنه؛ فقد تراكمت الاختلالات المالية على مدى عقود، وتعاقبت حكومات من اليمين واليسار من دون أن تنجح في وقف الزيادة الهيكلية للدين. ويعود أحد التحولات المهمة إلى عهد الرئيس الاشتراكي فرنسوا ميتران في ثمانينات القرن الماضي، حين توسعت السياسات الاجتماعية والإنفاق العام، وأدّت إصلاحات مثل خفض سن التقاعد إلى الستين وتقليص ساعات العمل وتعزيز دور الدولة في الاقتصاد، إلى زيادة الأعباء على المالية العامة.

غير أن اختزال الأزمة فيما حصل في تلك المرحلة سيكون تبسيطاً مضللاً؛ فالحكومات اللاحقة، من عهد جاك شيراك إلى نيكولا ساركوزي وفرنسوا هولاند وإيمانويل ماكرون، لم تتمكن بدورها من عكس مسار الدين، ويُعزى ذلك في المقام الاول إلى التخوف من رد فعل الجمهور على سلبه قسطاً من الرفاه. كما أسهمت الأزمة المالية العالمية عام 2008، وجائحة «كوفيد-19»، وموجة التضخم التي أعقبتها، في زيادة الضغوط على الموازنات العامة.

الرئيس المأزوم إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

والحقيقة أن النموذج الاجتماعي الفرنسي «الفضفاض» أصبح موضوع مواجهة سياسية متكررة؛ فكل محاولة لإصلاح التقاعد أو التأمين ضد البطالة أو الإنفاق العام، تصطدم بمقاومة شعبية عنيدة، فيما يؤدي تأجيل الإصلاحات إلى تضييق الخيارات المتاحة مستقبلاً. وهكذا تجد الدولة نفسها بين حاجتها إلى ضبط الإنفاق وخشيتها من تفجير احتجاجات جديدة.

* شلل سياسي وصعود اليمين المتطرف

لم يكن مفاجئاً في خضمّ الورطة الاقتصادية أن تتلبد الغيوم السوداء في سماء السياسة. ومنذ حل الجمعية الوطنية عام 2024، لم يتمكن المشهد البرلماني من إنتاج أكثرية مستقرة، وتوزعت القوى بين 3 كتل كبيرة متعارضة يصعب عليها التوصل إلى تسويات دائمة. وأصبح تمرير مشروع الموازنة اختباراً متكرراً لقدرة الحكومة على الصمود، فيما تتراجع ثقة المواطنين بفاعلية المؤسسات.

وليس مفاجئاً أيضاً أن يستفيد اليمين المتطرف، بقيادة مارين لوبن وحزب «التجمع الوطني»، من هذا المناخ؛ فخطابه يربط بين تدهور الأوضاع الاقتصادية وفقدان السيطرة على الأمن وأعباء الهجرة، ويقدم نفسه بديلاً قادراً على إعادة الانتظام إلى النظام. وفي المقابل، تستقطب حركة «فرنسا الأبية» اليسارية الراديكالية، بقيادة جان لوك ميلانشون، جزءاً من الغاضبين من السياسات الاقتصادية والاجتماعية. وبين الطرفين، يتراجع الوسط السياسي الذي شكّل القاعدة السياسية والشعبية لماكرون، فيما تتزايد المخاوف من أن يؤدي تشتت الأصوات المعتدلة إلى تعزيز فرص المتنافسين الأكثر تطرفاً.

ويجب التنبّه إلى أن استمرار المواجهة بين القوى السياسية قد يعطل الإصلاحات الضرورية، ويطيل حالة عدم اليقين التي تؤثر في الاستثمار والاستهلاك وثقة الأسواق. كما أن ربط الاضطرابات حصراً بالهجرة، والاكتفاء بتشديد الإجراءات الأمنية، لا يعالجان حتماً الأسباب الاقتصادية والاجتماعية الجوهرية التي تؤجج نار الاحتقان.

محتجون بمواجهة الشرطة في باريس (أ.ب)

* الامتحان الانتخابي الصعب

تواجه فرنسا اليوم معادلة شديدة التعقيد: استعادة النظام من دون تجاهل أسباب الغضب، وضبط الدين من دون تقويض الخدمات العامة، وإعادة بناء الثقة السياسية قبل أن تتحول الانتخابات المقبلة إلى مواجهة «انتحارية» بين قوى متعارضة جذرياً.

فمن سينجح في اجتراح خطة واضحة توزع أعباء الإصلاح بصورة عادلة، وتحدد أولويات الإنفاق، وتحمي الفئات الأكثر هشاشة، بالتوازي مع استعادة القدرة على اتخاذ القرار داخل المؤسسات السياسية، لا سيما البرلمان؟

لقد وعد ماكرون، عند وصوله إلى السلطة عام 2017، بتقديم صورة متفائلة عن فرنسا قادرة على التجدد واستعادة موقعها الدولي. لكن تراجع شعبيته واتساع الإحساس بالتراجع يكشفان عمق الهوّة بين هذا الوعد والواقع. ومع ذلك جددت غالبية الفرنسيين الثقة به وأعادت انتخابه عام 2022.

ومع اقتراب انتخابات 2027، لن يكون التحدي محصوراً في تحديد هوية الرئيس المقبل؛ بل في تقرير ما إذا كانت فرنسا قادرة على إصلاح ماليتها العامة وتجديد عقدها الاجتماعي، أم إنها ستترك الأزمات المتراكمة تعيد تحديد هويتها السياسية.

جلسة للجمعية الوطنية الفرنسية (مجلس النواب) تحدث فيها رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو عن الاحتجاجات (إ.ب.أ)

ولنتذكّر أن فرنسا ليست مجرد اقتصاد كبير يواجه مشكلة ديون؛ بل إحدى ركائز المشروع الأوروبي. وأي إخفاق في احتواء أزمتها ستكون له تداعيات تتجاوز حدودها. أما نجاحها فلن يتحقق إلا بكسر حلقة التأجيل والانقسام، قبل أن يصبح ثمن الإصلاح أعلى من قدرة المجتمع والدولة على تحمّله.

فرنسا الأنوار والفكر والتقدّم تشعر بأنها ترهّلت، ويُدرك الفرنسيون أن نظامهم السياسي والاجتماعي لم يعد قابلاً للتطور ومواكبة الحياة العصرية... والأدهى أن الاقتصاد لم يعد قادراً على توليد ثروة كافية لاستعادة ما كان، خصوصاً أن «الوجود» في بلاد الغير انتهى أو يكاد...

الزمن يتغيّر!


فرنسا تستعين بالجيش لمنع «سبت أسود» جديد

السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)
السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستعين بالجيش لمنع «سبت أسود» جديد

السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)
السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)

استنفرت السلطات الفرنسية قواها الأمنية، واستعانت بالجيش، واتخذت سلسلة إجراءات قضائية وأمنية لمحاولة تجنب تكرار «السبت الأسود» اليوم، بالتزامن مع دعوات جديدة إلى التظاهر في باريس ومرسيليا وليون وغيرها من المدن الكبرى والصغرى.

وأعلن وزير الداخلية لوران نونيز، أمس، عن خطة أمنية تقضي بنشر ما لا يقل عن 70 ألف رجل من الشرطة والدرك، بمؤازرة فرق وحدات النخبة التي لا تتدخل عادة للحفاظ على الأمن في الشوارع، ولا التصدي للمتظاهرين. كما ستتم الاستعانة بوحدات من الجيش التي سبق أن نُشرت في فترة الهجمات الإرهابية التي عرفتها فرنسا في عامي 2015 و2016.

وبعد ساعات من إعلان الرئيس إيمانويل ماكرون منع «المظاهرات في الأيام المقبلة»، سمحت مديرية الشرطة في باريس بمسيرة واحدة لنقابة «كونفدرالية العمل» القريبة من الحزب الشيوعي.

بينما منعت ترخيص مظاهرة طلبتها مجموعات من «السترات الصفراء» والطلاب. كما طال المنع مدينتي مرسيليا وليون والعديد من المدن الأخرى.