لبنان على شفير هاوية حقيقية

أزمات مالية ومعيشية... وإشكالات فردية فاقمت المخاوف الأمنية

لبنان على شفير هاوية حقيقية
TT

لبنان على شفير هاوية حقيقية

لبنان على شفير هاوية حقيقية

يُجمع الخبراء والمعنيون بالشأنين المالي والاقتصادي على أن ما يشهده لبنان منذ عام 2019 غير مسبوق على مستوى العالم في التاريخ المعاصر، سواء لجهة حدة الأزمة وسرعة الانهيار، والأهم لجهة لامبالاة الطبقة السياسية الحاكمة باستيعاب ما يحصل من خلال إجراءات مستعجلة، لعل أبرزها تشكيل حكومة تدير الانهيار وتخفف من وقع وحدة الارتطام المرتقب. وتؤكد كل المعطيات أن البلد بات قاب قوسين أو أدنى من السقوط المدوي، وهو ما عبّر عنه رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب الأسبوع الماضي عندما جمع عدداً من السفراء والدبلوماسيين لإبلاغهم بأن «لبنان على مسافة أيام قليلة من الانفجار الاجتماعي». وكان قد سبقه رئيس الجمهورية ميشال عون عندما أعلن في سبتمبر (أيلول) الماضي أن «لبنان يتجه إلى جهنم في حال عدم تشكيل حكومة».

يواجه لبنان اليوم عدداً قياسياً من الأزمات، تجعل مواطنيه بحالة صدمة، تفسّر عجزهم عن التحرك، كما فعلوا في أكتوبر (تشرين الأول) 2019 للإطاحة بالمنظومة الحاكمة. إذ تراهم منهمكين بتأمين قوتهم اليومي ومقومات الاستمرار والصمود بعد فقدان معظمها نتيجة نضوب احتياطي الدولار الأميركي لدى مصرف لبنان (البنك المركزي)، ما يهدّد بانهيار كل القطاعات، وأبرزها قطاع الطاقة والقطاع الصحي... بعدما تلاشى معظم القطاعات الأخرى.

- أزمة «فريدة من نوعها»
«البنك الدولي» أعلن في أحدث تقاريره أن «الأزمة اللبنانية قد تكون إحدى أشد 3 أزمات، على مستوى العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر، نتيجة كساد اقتصادي حاد ومزمن». أما مرصد الأزمة في الجامعة الأميركية في بيروت فأقرّ بأن «خطر سقوط لبنان في مرتبة الدول الفاشلة بات واقعاً»، وذكر أن «مؤشر الدول الفاشلة»، الذي يصدره «الصندوق العالمي من أجل السلام»، يبرز تراجع لبنان 6 مراكز في الترتيب العالمي بين عامي 2020 و2021؛ حيث بلغ تراجعه خلال 5 سنوات 36 مركزاً ليصبح ترتيبه في عام 2021 بين الـ34 دولة الأكثر فشلاً من أصل 179 دولة يشملها التصنيف.
ويعتبر الدكتور ناصر ياسين، أستاذ السياسات والتخطيط في الجامعة الأميركية في بيروت والمشرف على «مرصد الأزمة»، أن «الأزمة اللبنانية لا تشبه أي من الأزمات الأخرى التي شهدناها في العقود الماضية»، موضحاً أنها «عبارة عن 3 أزمات كبيرة، مرتبطة الواحدة بالأخرى، الأزمة الأولى، أزمة الفجوة المالية المقدّرة بنحو 3 مليارات دولار والمكونة من 3 أضلع؛ تعثر المصارف، وإفلاس مالية الدولة، وتراجع موجودات مصرف لبنان. وهذه مجتمعة تشكل سابقة غير موجودة في أي دولة أخرى، ومن الصعب الخروج منها نتيجة صعوبة إعادة تكوين الأموال، لأن الأضلع الـ3 متعثرة، ما يعني الحاجة الماسة لضخ أموال من الخارج».
أما الأزمة الثانية، بحسب ياسين، فتكمن في «الدور الذي يلعبه بعض الأفرقاء اللبنانيين في الإقليم، وارتباط أحزاب وجماعات لبنانية بالصراع الإقليمي، ما أدى لازدياد العزلة الإقليمية وخسارة لبنان التحصين العربي، حتى الحصانة الدولية. وحل هذه الأزمة يتطلب نقاشاً على مستوى وطني لتحديد دور لبنان والأفرقاء اللبنانيين في الصراعات الإقليمية»، لافتاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «التمعن بهذه المشكلة يجعلنا نفهم لماذا لبنان متأزم أكثر وغير قادر على الخروج من الفجوة المالية الكبيرة التي يتخبط فيها».
ويصف ياسين الأزمة الثالثة، بـ«أزمة إدارة الحكم»، معتبراً أن «الحديث عن أزمة نظام تبسيط للمشكلة التي تكمن بإدارة التعددية والاختلافات». ويضيف: «حق الفيتو مثلاً يعطل البلد منذ سنوات، ما ينعكس على كل شيء وبخاصة على عجزنا عن التعاطي مع الأزمة المالية الاقتصادية كما التعاطي مع المجتمع الدولي وإدارة قطاعات مهمة. فقوة الفيتو موجودة في أبسط الأمور كتعيين موظف، أو إنتاج كهرباء»، مشدداً على وجوب حصول «نقاش وطني لتحديد من يلعب دور الحَكَم، الذي يفترض برأيي أن يلعبه رئيس الجمهورية فلا يكون طرفاً. لكن للأسف ومع التركيبة اللبنانية الحالية وتنافس الجماعات بطريقة تعزّز سياسات الهوية، تحوّل الرئيس طرفاً لا مرجعاً فوق الاختلافات بين الجماعات».
ويرى ياسين أن هذه الأزمات الـ3 تعمق أكثر المسألة اللبنانية، ما يضعنا أمام حالة «استعصاء للحلول تؤثر على كل شيء، وهو ما نشهده على مستوى القطاعات الحيوية حيث إنه لا إدارة صحيحة لموضوع المحروقات والدعم والطاقة والقطاع الصحي، والتعليمي، والبيئي... بجانب أن المؤسسات ما عادت لديها قدرة على التعاطي مع شؤون الناس وهي تضعف نتيجة غياب التمويل والدعم الخارجي». ويتابع: «إذا استمررنا على هذا المنوال فستطول الأزمة وتستمر لسنوات. البنك الدولي وضع مدة زمنية من 29 سنة، بأسوأ سيناريو، و12 سنة في أفضل سيناريو كي نعود لحجم الاقتصاد الذي كان قبل الأزمة. وهذا لا يمكن أن يحصل إلا إذا حصل تعاطٍ جدي مع الأزمة مترافق مع استقرار سياسي وإعادة إحياء قطاعات معينة، والعمل على سد الفجوة المالية من خلال الانفتاح على تمويل دولي مرتبط بإصلاحات جدية، عندها يمكن أن يتحرك الاقتصاد اللبناني، خاصة أن المجتمع اللبناني بنهاية المطاف مجتمع حيوي، لكن كل ذلك يتطلب قراراً سياسياً واضحاً».
ووفق البنك الدولي، تؤثر الأزمات التي يتخبط فيها لبنان على 4 خدمات عامة أساسية، هي الكهرباء، ومياه الشرب، والصرف الصحي، والتعليم.

- كابوس سعر الصرف
من ناحية أخرى، هناك كابوس «سعر الصرف» مع فقدان الليرة اللبنانية خلال أقل من سنتين أكثر من 90 في المائة من قيمتها أمام الدولار، إذ يبلغ سعر الصرف حالياً نحو 18000 ليرة لبنانية للدولار الواحد، بينما يستمر سعر الصرف الرسمي على عتبة 1500 ليرة للدولار. ومع بقاء الرواتب على ما كانت عليه، انحدر أكثر من نصف اللبنانيين إلى ما دون خط الفقر وفقدوا قدراتهم الشرائية. وقدّر مرصد الأزمة في الجامعة الأميركية في بيروت أخيراً أن أسعار السلع الغذائية ارتفعت 1100 في المائة، لافتاً إلى أن تضخّم أسعار المواد الغذائية الأساسية خلال شهر يونيو (حزيران) سيجعل 72 في المائة من الأسر تتعسر في تأمين طعامها.
من جهتها، تقول الدكتورة ليال منصور، الأستاذة الجامعية والباحثة في الشأنين الاقتصادي والمالي: «نحن لا نزال في بداية الأزمة الاقتصادية، طالما لم يحصل حتى الساعة اعتراف بالأزمة من قبل المسؤولين اللبنانيين، لأن الاعتراف لا يكون بالتصريحات، إنما باتخاذ إجراءات لمعالجتها». وتوضح منصور لـ«الشرق الأوسط» أن «الوضع اللبناني الحالي لا يشبه ما كان عليه الوضع في اليونان وقبرص، لأن أزمتهما كانت مصرفية لا نقدية، والفارق كبير جداً بينهما. فأزمة سعر الصرف في لبنان هي التي أدت لاحتجاز الودائع في المصارف بعد استنزاف الاحتياطي الإلزامي». وتضيف: «في كل بلد مدَولَر (لديه رفاهية استخدام عملة غير العملة المحلية، وفي حالة لبنان الدولار) عندما تحصل أزمة في سعر الصرف تتوقّف المصارف عن إعطاء الودائع بالدولار، ولا يعود البنك المركزي قادراً على السيطرة عليها لأنها عملة لا يطبعها، فيعوّض ذلك بطبع كميات كبيرة من العملة الوطنية ما يخلق تضخّماً هائلاً».
منصور تُشبّه الأزمة اللبنانية بأزمة الأرجنتين وبعض أزمات دول أميركا الجنوبية، وتعتبر أنها قريبة جداً من أزمة تركيا حيث إن السوق هناك «مدَولَر» بنسبة 44 في المائة. وتشرح: «نحن مقبلون على الأسوأ. بدأنا بأزمة سعر صرف، ثم أزمة المصارف، ثم في السوبرماركات والغلاء والمستشفيات والمحروقات. كل يوم نتأخر فيه ستتفاقم الأزمة... وما نؤكده أن سعر صرف الدولار لن يتراجع. فكل التعاميم لا تُعيد سعر الصرف إلى الخلف. إنها تخفف فقط من سرعة انهيار الليرة أكثر فأكثر». وهنا، تنبه منصور من التوجه لرفع الرواتب اليوم الذي سيفاقم التضخم الذي بلغ 400 في المائة، كما تحذر من تحرير العملة في الوقت الراهن، ووفق المعطيات الاقتصادية والمالية الحالية، خاصة أن نسبة «الدَولَرة» في لبنان تفوق 75 في المائة. وترى أن الحل الذي قد يبدو حاداً هو «وقف عمل البنك المركزي، أقله لـ20 سنة بعدما أثبت فشله، والتوجه لما يعرف بـ(التثبيت الشديد) hard peg أي استخدام عملة صادرة من الولايات المتحدة تكون عندها عملية قوية وبفائدة منخفضة قادرة على أن تستقطب الاستثمارات والأموال، فنكون بذلك قضينا على الفساد وتهريب الأموال والمشروعات غير منتجة وأعطينا المصارف الاستقلالية المطلوبة... وهذا ما فعلته الأرجنتين التي نهضت مجدداً قبل أن تسقط من جديد لأنها تخلت باكراً عن هذا النظام».
ويقدّر البنك الدولي أنه في عام 2020 انكمش إجمالي الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 20.3 في المائة، بعد انكماشه بنسبة 6.7 في المائة عام 2019. وقد انخفضت قيمة إجمالي الناتج المحلي للبنان من نحو 55 مليار دولار أميركي عام 2018 إلى ما يُقدّر بنحو 33 مليار دولار أميركي عام 2020، في حين انخفض نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي بنحو 40 في المائة من حيث القيمة الدولارية.
ويتوقّع البنك الدولي أن يرتفع معدّل الفقر في لبنان ليشمل أكثر من نصف السكّان خلال العام 2021. وهو ما يتوافق مع توقّعات لجنة الأمم المتّحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا)؛ حيث أشارت إلى ارتفاع معدّل الفقر من 28 في المائة إلى 55 في المائة بين العامين 2019 و2020.
ويعتمد مصرف لبنان منذ سنوات سياسة دعم، لقطاع الكهرباء، وسّعها لتشكل أكثر من قطاع بعد اندلاع الأزمة عام 2019. لكن مع نفاذ الاحتياطات بالدولار، وجد نفسه مضطراً في الأسابيع الماضية للانطلاق بعملية ترشيد الدعم، وصولاً لرفعه تماماً، وهو ما يؤدي لتفاقم الأزمات كافة. وأقرّ مجلس النواب اللبناني، الأربعاء، بطاقة تمويلية مخصصة للأسر الأكثر فقراً بالتزامن مع بدء رفع الدعم تدريجياً عن مواد أساسية، آخرها المحروقات، لكن مجلس الوزراء لم يضع حتى الساعة آلية لتوزيع البطاقات وتحديد المستفيدين منها، كما أنه لم يؤمّن لها التمويل اللازم.
وبحسب البنك الدولي، فإن الدعم الذي اعتمده مصرف لبنان كان عبارة عن «دعم مُشوّه ومُكلف وتراجعي».

- فقدان مقومات العيش
وهكذا، تحولت يوميات اللبنانيين خلال الأشهر القليلة الماضية لجحيم حقيقي بعدما باتوا ينتظرون ساعات أمام محطات البنزين لملء خزانات سياراتهم، بعدما باتوا يقضون ساعات طويلة في العتمة نتيجة الشح في الفيول الضروري لتشغيل معامل إنتاج الكهرباء والمازوت المستخدم لتشغيل المولدات الخاصة، مع نضوب احتياطي الدولار لدى مصرف لبنان وتأخره في فتح اعتمادات للاستيراد. وتراجعت تدريجياً قدرة مؤسسة كهرباء لبنان على توفير التيار لتصل ساعات التقنين في عدد من المناطق يومياً إلى 22 ساعة. ولم تعد المولدات الخاصة، على وقع شحّ الوقود، قادرة على تأمين المازوت اللازم لتغطية ساعات انقطاع الكهرباء، ما اضطرها بدورها إلى اتباع تقنين.
وتغرق المناطق كافة في ظلام دامس. وتنتشر بشكل شبه دوري مقاطع فيديو وصور لأشخاص يناشدون المعنيين التدخّل لتوفير الكهرباء من أجل تشغيل ماكينات الأكسجين لأطفالهم أو أفراد عائلاتهم؛ خصوصاً مناطق لا تتوفر فيها المولدات الخاصة. وكانت استغاثة رجل نهاية الشهر الماضي في مدينة طرابلس (شمال لبنان) لإنقاذ طفلته المصابة بالربو قد أشعلت تحركات احتجاجية في الشارع.
وانعكست هذه الأزمات على إدارات الدولة ومؤسساتها التي يبدو واضحاً أنها تتداعى نتيجة انقطاع الكهرباء وانقطاع الحبر والأوراق. فبعدما توقف العمل في وزارة الخارجية بسبب انقطاع مادة المازوت اللازمة لتشغيل المولدات، نتيجة انقطاع الكهرباء لساعات طويلة، توقفت صناديق الجمارك في مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت عن قبض الرسوم بسبب عدم توافر الأوراق والمحابر، ما أدى إلى مشكلة في حركة الشحن. وتزامن ذلك مع توقف كل المعاملات في أحد مركز الأمن العام بسبب انقطاع الكهرباء وتعطل المولدات الكهربائية، كما توقفت أنظمة أجهزة الكومبيوتر التابعة لوزارة المالية في قصر عدل بيروت، ما تسبب بوقف كل معاملات استيفاء الرسوم.
كذلك لم تسلم الأحكام القضائية من الأزمة وشحّ الأموال باعتبار أن إحدى المرجعيات تلقت رسالة جوابية رداً على مراجعتها حول دعوى كانت قد رفعها أمام مجلس شورى الدولة، مفادها: «القرار النهائي صدر، لكنه لم يرسل إلى التبليغ بسبب عدم توافر الورق في قلم مجلس شورى الدولة».
ولعل الأخطر من كل ما سبق، هو ما يحصل في القطاع الطبي، إذ يفتقد اللبنانيون كثيراً من الأدوية الأساسية بعد فقدانهم لأشهر حليب الأطفال. كما أن أمنهم الصحي بات مهدداً أكثر من أي وقت مضى لفقدان مستلزمات طبية أساسية ونتيجة تلكؤ الجهات الضامنة عن تسديد فواتير المستشفيات وحصر الطبابة بالحالات الطارئة.
ورفع مستوردو الأدوية مؤخراً الصوت، محذرين من نفاد مخزون مئات الأصناف الدوائية. وأعلنت نقابة مستوردي الأدوية، في بيان، أن «عملية الاستيراد متوقفة بشكل شبه كامل منذ أكثر من شهر»، بعدما تجاوزت قيمة المستحقات المتراكمة والمترتبة لصالح الشركات المصدرة للأدوية 600 مليون دولار، كان يجب أن يدفعها المصرف المركزي، بالإضافة إلى فتح اعتمادات جديدة. وقال نقيب مستوردي الأدوية، كريم جبارة، لوكالة الصحافة الفرنسية: «ستكون الحالة كارثية مع نهاية شهر يوليو (تموز)... سيحرم آلاف المرضى من أدوية علاجهم».
كذلك، يشهد لبنان هجرة جماعية للكوادر الطبية والتمريضية. إذ صرّحت نقابة الأطباء عن هجرة نحو 400 طبيب في العام 2020، وارتفاع العدد إلى 600 طبيب بحلول فبراير (شباط) 2021. فيما أشارت نقابة الممرّضات والممرّضين إلى هجرة جماعية، يشهدها القطاع التمريضي؛ حيث يوجد ممرّض أو ممرّضة لكلّ 20 مريضاً، وهو رقم منخفض جدّاً مقارنة مع التوصيات العالمية التي تحتّم وجود ممرّض أو ممرّضة لكلّ 8 مرضى.
وتتزامن كل هذه الأزمات التي تعصف بالقطاع الطبي مع وصول المتحور الهندي «دلتا» لفيروس «كوفيد 19» إلى لبنان، ما أدى لارتفاع عدد الإصابات مجدداً. وينبه الأطباء أن البلد سيكون مقبلاً على كارثة حقيقية في حال تفشي هذا المتحور في ظل الوضع المأساوي الذي يرزح تحته القطاع وفقدان الأدوية والمستلزمات الطبية.


مقالات ذات صلة

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

حصاد الأسبوع تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب

أحمد جمال (القاهرة)
حصاد الأسبوع صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع الدكتور محمد يونس (آ ب)

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
حصاد الأسبوع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع السفير لدى «ناتو» ماثيو ويتيكر في بروكسل (غيتي)

جولة مع القراءة الفرنسية لسياسات واشنطن الجديدة

تواجه العواصم الأوروبية، وفي مقدمتها باريس، اختباراً وجودياً غير مسبوق أمام سياسات واشنطن الجديدة؛ حيث أدت الضغوط الأميركية للاستحواذ على غرينلاند والتدخلات

أنيسة مخالدي (باريس)
حصاد الأسبوع سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد،

جمال جوهر (القاهرة)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.