لبنان على شفير هاوية حقيقية

أزمات مالية ومعيشية... وإشكالات فردية فاقمت المخاوف الأمنية

لبنان على شفير هاوية حقيقية
TT

لبنان على شفير هاوية حقيقية

لبنان على شفير هاوية حقيقية

يُجمع الخبراء والمعنيون بالشأنين المالي والاقتصادي على أن ما يشهده لبنان منذ عام 2019 غير مسبوق على مستوى العالم في التاريخ المعاصر، سواء لجهة حدة الأزمة وسرعة الانهيار، والأهم لجهة لامبالاة الطبقة السياسية الحاكمة باستيعاب ما يحصل من خلال إجراءات مستعجلة، لعل أبرزها تشكيل حكومة تدير الانهيار وتخفف من وقع وحدة الارتطام المرتقب. وتؤكد كل المعطيات أن البلد بات قاب قوسين أو أدنى من السقوط المدوي، وهو ما عبّر عنه رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب الأسبوع الماضي عندما جمع عدداً من السفراء والدبلوماسيين لإبلاغهم بأن «لبنان على مسافة أيام قليلة من الانفجار الاجتماعي». وكان قد سبقه رئيس الجمهورية ميشال عون عندما أعلن في سبتمبر (أيلول) الماضي أن «لبنان يتجه إلى جهنم في حال عدم تشكيل حكومة».

يواجه لبنان اليوم عدداً قياسياً من الأزمات، تجعل مواطنيه بحالة صدمة، تفسّر عجزهم عن التحرك، كما فعلوا في أكتوبر (تشرين الأول) 2019 للإطاحة بالمنظومة الحاكمة. إذ تراهم منهمكين بتأمين قوتهم اليومي ومقومات الاستمرار والصمود بعد فقدان معظمها نتيجة نضوب احتياطي الدولار الأميركي لدى مصرف لبنان (البنك المركزي)، ما يهدّد بانهيار كل القطاعات، وأبرزها قطاع الطاقة والقطاع الصحي... بعدما تلاشى معظم القطاعات الأخرى.

- أزمة «فريدة من نوعها»
«البنك الدولي» أعلن في أحدث تقاريره أن «الأزمة اللبنانية قد تكون إحدى أشد 3 أزمات، على مستوى العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر، نتيجة كساد اقتصادي حاد ومزمن». أما مرصد الأزمة في الجامعة الأميركية في بيروت فأقرّ بأن «خطر سقوط لبنان في مرتبة الدول الفاشلة بات واقعاً»، وذكر أن «مؤشر الدول الفاشلة»، الذي يصدره «الصندوق العالمي من أجل السلام»، يبرز تراجع لبنان 6 مراكز في الترتيب العالمي بين عامي 2020 و2021؛ حيث بلغ تراجعه خلال 5 سنوات 36 مركزاً ليصبح ترتيبه في عام 2021 بين الـ34 دولة الأكثر فشلاً من أصل 179 دولة يشملها التصنيف.
ويعتبر الدكتور ناصر ياسين، أستاذ السياسات والتخطيط في الجامعة الأميركية في بيروت والمشرف على «مرصد الأزمة»، أن «الأزمة اللبنانية لا تشبه أي من الأزمات الأخرى التي شهدناها في العقود الماضية»، موضحاً أنها «عبارة عن 3 أزمات كبيرة، مرتبطة الواحدة بالأخرى، الأزمة الأولى، أزمة الفجوة المالية المقدّرة بنحو 3 مليارات دولار والمكونة من 3 أضلع؛ تعثر المصارف، وإفلاس مالية الدولة، وتراجع موجودات مصرف لبنان. وهذه مجتمعة تشكل سابقة غير موجودة في أي دولة أخرى، ومن الصعب الخروج منها نتيجة صعوبة إعادة تكوين الأموال، لأن الأضلع الـ3 متعثرة، ما يعني الحاجة الماسة لضخ أموال من الخارج».
أما الأزمة الثانية، بحسب ياسين، فتكمن في «الدور الذي يلعبه بعض الأفرقاء اللبنانيين في الإقليم، وارتباط أحزاب وجماعات لبنانية بالصراع الإقليمي، ما أدى لازدياد العزلة الإقليمية وخسارة لبنان التحصين العربي، حتى الحصانة الدولية. وحل هذه الأزمة يتطلب نقاشاً على مستوى وطني لتحديد دور لبنان والأفرقاء اللبنانيين في الصراعات الإقليمية»، لافتاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «التمعن بهذه المشكلة يجعلنا نفهم لماذا لبنان متأزم أكثر وغير قادر على الخروج من الفجوة المالية الكبيرة التي يتخبط فيها».
ويصف ياسين الأزمة الثالثة، بـ«أزمة إدارة الحكم»، معتبراً أن «الحديث عن أزمة نظام تبسيط للمشكلة التي تكمن بإدارة التعددية والاختلافات». ويضيف: «حق الفيتو مثلاً يعطل البلد منذ سنوات، ما ينعكس على كل شيء وبخاصة على عجزنا عن التعاطي مع الأزمة المالية الاقتصادية كما التعاطي مع المجتمع الدولي وإدارة قطاعات مهمة. فقوة الفيتو موجودة في أبسط الأمور كتعيين موظف، أو إنتاج كهرباء»، مشدداً على وجوب حصول «نقاش وطني لتحديد من يلعب دور الحَكَم، الذي يفترض برأيي أن يلعبه رئيس الجمهورية فلا يكون طرفاً. لكن للأسف ومع التركيبة اللبنانية الحالية وتنافس الجماعات بطريقة تعزّز سياسات الهوية، تحوّل الرئيس طرفاً لا مرجعاً فوق الاختلافات بين الجماعات».
ويرى ياسين أن هذه الأزمات الـ3 تعمق أكثر المسألة اللبنانية، ما يضعنا أمام حالة «استعصاء للحلول تؤثر على كل شيء، وهو ما نشهده على مستوى القطاعات الحيوية حيث إنه لا إدارة صحيحة لموضوع المحروقات والدعم والطاقة والقطاع الصحي، والتعليمي، والبيئي... بجانب أن المؤسسات ما عادت لديها قدرة على التعاطي مع شؤون الناس وهي تضعف نتيجة غياب التمويل والدعم الخارجي». ويتابع: «إذا استمررنا على هذا المنوال فستطول الأزمة وتستمر لسنوات. البنك الدولي وضع مدة زمنية من 29 سنة، بأسوأ سيناريو، و12 سنة في أفضل سيناريو كي نعود لحجم الاقتصاد الذي كان قبل الأزمة. وهذا لا يمكن أن يحصل إلا إذا حصل تعاطٍ جدي مع الأزمة مترافق مع استقرار سياسي وإعادة إحياء قطاعات معينة، والعمل على سد الفجوة المالية من خلال الانفتاح على تمويل دولي مرتبط بإصلاحات جدية، عندها يمكن أن يتحرك الاقتصاد اللبناني، خاصة أن المجتمع اللبناني بنهاية المطاف مجتمع حيوي، لكن كل ذلك يتطلب قراراً سياسياً واضحاً».
ووفق البنك الدولي، تؤثر الأزمات التي يتخبط فيها لبنان على 4 خدمات عامة أساسية، هي الكهرباء، ومياه الشرب، والصرف الصحي، والتعليم.

- كابوس سعر الصرف
من ناحية أخرى، هناك كابوس «سعر الصرف» مع فقدان الليرة اللبنانية خلال أقل من سنتين أكثر من 90 في المائة من قيمتها أمام الدولار، إذ يبلغ سعر الصرف حالياً نحو 18000 ليرة لبنانية للدولار الواحد، بينما يستمر سعر الصرف الرسمي على عتبة 1500 ليرة للدولار. ومع بقاء الرواتب على ما كانت عليه، انحدر أكثر من نصف اللبنانيين إلى ما دون خط الفقر وفقدوا قدراتهم الشرائية. وقدّر مرصد الأزمة في الجامعة الأميركية في بيروت أخيراً أن أسعار السلع الغذائية ارتفعت 1100 في المائة، لافتاً إلى أن تضخّم أسعار المواد الغذائية الأساسية خلال شهر يونيو (حزيران) سيجعل 72 في المائة من الأسر تتعسر في تأمين طعامها.
من جهتها، تقول الدكتورة ليال منصور، الأستاذة الجامعية والباحثة في الشأنين الاقتصادي والمالي: «نحن لا نزال في بداية الأزمة الاقتصادية، طالما لم يحصل حتى الساعة اعتراف بالأزمة من قبل المسؤولين اللبنانيين، لأن الاعتراف لا يكون بالتصريحات، إنما باتخاذ إجراءات لمعالجتها». وتوضح منصور لـ«الشرق الأوسط» أن «الوضع اللبناني الحالي لا يشبه ما كان عليه الوضع في اليونان وقبرص، لأن أزمتهما كانت مصرفية لا نقدية، والفارق كبير جداً بينهما. فأزمة سعر الصرف في لبنان هي التي أدت لاحتجاز الودائع في المصارف بعد استنزاف الاحتياطي الإلزامي». وتضيف: «في كل بلد مدَولَر (لديه رفاهية استخدام عملة غير العملة المحلية، وفي حالة لبنان الدولار) عندما تحصل أزمة في سعر الصرف تتوقّف المصارف عن إعطاء الودائع بالدولار، ولا يعود البنك المركزي قادراً على السيطرة عليها لأنها عملة لا يطبعها، فيعوّض ذلك بطبع كميات كبيرة من العملة الوطنية ما يخلق تضخّماً هائلاً».
منصور تُشبّه الأزمة اللبنانية بأزمة الأرجنتين وبعض أزمات دول أميركا الجنوبية، وتعتبر أنها قريبة جداً من أزمة تركيا حيث إن السوق هناك «مدَولَر» بنسبة 44 في المائة. وتشرح: «نحن مقبلون على الأسوأ. بدأنا بأزمة سعر صرف، ثم أزمة المصارف، ثم في السوبرماركات والغلاء والمستشفيات والمحروقات. كل يوم نتأخر فيه ستتفاقم الأزمة... وما نؤكده أن سعر صرف الدولار لن يتراجع. فكل التعاميم لا تُعيد سعر الصرف إلى الخلف. إنها تخفف فقط من سرعة انهيار الليرة أكثر فأكثر». وهنا، تنبه منصور من التوجه لرفع الرواتب اليوم الذي سيفاقم التضخم الذي بلغ 400 في المائة، كما تحذر من تحرير العملة في الوقت الراهن، ووفق المعطيات الاقتصادية والمالية الحالية، خاصة أن نسبة «الدَولَرة» في لبنان تفوق 75 في المائة. وترى أن الحل الذي قد يبدو حاداً هو «وقف عمل البنك المركزي، أقله لـ20 سنة بعدما أثبت فشله، والتوجه لما يعرف بـ(التثبيت الشديد) hard peg أي استخدام عملة صادرة من الولايات المتحدة تكون عندها عملية قوية وبفائدة منخفضة قادرة على أن تستقطب الاستثمارات والأموال، فنكون بذلك قضينا على الفساد وتهريب الأموال والمشروعات غير منتجة وأعطينا المصارف الاستقلالية المطلوبة... وهذا ما فعلته الأرجنتين التي نهضت مجدداً قبل أن تسقط من جديد لأنها تخلت باكراً عن هذا النظام».
ويقدّر البنك الدولي أنه في عام 2020 انكمش إجمالي الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 20.3 في المائة، بعد انكماشه بنسبة 6.7 في المائة عام 2019. وقد انخفضت قيمة إجمالي الناتج المحلي للبنان من نحو 55 مليار دولار أميركي عام 2018 إلى ما يُقدّر بنحو 33 مليار دولار أميركي عام 2020، في حين انخفض نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي بنحو 40 في المائة من حيث القيمة الدولارية.
ويتوقّع البنك الدولي أن يرتفع معدّل الفقر في لبنان ليشمل أكثر من نصف السكّان خلال العام 2021. وهو ما يتوافق مع توقّعات لجنة الأمم المتّحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا)؛ حيث أشارت إلى ارتفاع معدّل الفقر من 28 في المائة إلى 55 في المائة بين العامين 2019 و2020.
ويعتمد مصرف لبنان منذ سنوات سياسة دعم، لقطاع الكهرباء، وسّعها لتشكل أكثر من قطاع بعد اندلاع الأزمة عام 2019. لكن مع نفاذ الاحتياطات بالدولار، وجد نفسه مضطراً في الأسابيع الماضية للانطلاق بعملية ترشيد الدعم، وصولاً لرفعه تماماً، وهو ما يؤدي لتفاقم الأزمات كافة. وأقرّ مجلس النواب اللبناني، الأربعاء، بطاقة تمويلية مخصصة للأسر الأكثر فقراً بالتزامن مع بدء رفع الدعم تدريجياً عن مواد أساسية، آخرها المحروقات، لكن مجلس الوزراء لم يضع حتى الساعة آلية لتوزيع البطاقات وتحديد المستفيدين منها، كما أنه لم يؤمّن لها التمويل اللازم.
وبحسب البنك الدولي، فإن الدعم الذي اعتمده مصرف لبنان كان عبارة عن «دعم مُشوّه ومُكلف وتراجعي».

- فقدان مقومات العيش
وهكذا، تحولت يوميات اللبنانيين خلال الأشهر القليلة الماضية لجحيم حقيقي بعدما باتوا ينتظرون ساعات أمام محطات البنزين لملء خزانات سياراتهم، بعدما باتوا يقضون ساعات طويلة في العتمة نتيجة الشح في الفيول الضروري لتشغيل معامل إنتاج الكهرباء والمازوت المستخدم لتشغيل المولدات الخاصة، مع نضوب احتياطي الدولار لدى مصرف لبنان وتأخره في فتح اعتمادات للاستيراد. وتراجعت تدريجياً قدرة مؤسسة كهرباء لبنان على توفير التيار لتصل ساعات التقنين في عدد من المناطق يومياً إلى 22 ساعة. ولم تعد المولدات الخاصة، على وقع شحّ الوقود، قادرة على تأمين المازوت اللازم لتغطية ساعات انقطاع الكهرباء، ما اضطرها بدورها إلى اتباع تقنين.
وتغرق المناطق كافة في ظلام دامس. وتنتشر بشكل شبه دوري مقاطع فيديو وصور لأشخاص يناشدون المعنيين التدخّل لتوفير الكهرباء من أجل تشغيل ماكينات الأكسجين لأطفالهم أو أفراد عائلاتهم؛ خصوصاً مناطق لا تتوفر فيها المولدات الخاصة. وكانت استغاثة رجل نهاية الشهر الماضي في مدينة طرابلس (شمال لبنان) لإنقاذ طفلته المصابة بالربو قد أشعلت تحركات احتجاجية في الشارع.
وانعكست هذه الأزمات على إدارات الدولة ومؤسساتها التي يبدو واضحاً أنها تتداعى نتيجة انقطاع الكهرباء وانقطاع الحبر والأوراق. فبعدما توقف العمل في وزارة الخارجية بسبب انقطاع مادة المازوت اللازمة لتشغيل المولدات، نتيجة انقطاع الكهرباء لساعات طويلة، توقفت صناديق الجمارك في مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت عن قبض الرسوم بسبب عدم توافر الأوراق والمحابر، ما أدى إلى مشكلة في حركة الشحن. وتزامن ذلك مع توقف كل المعاملات في أحد مركز الأمن العام بسبب انقطاع الكهرباء وتعطل المولدات الكهربائية، كما توقفت أنظمة أجهزة الكومبيوتر التابعة لوزارة المالية في قصر عدل بيروت، ما تسبب بوقف كل معاملات استيفاء الرسوم.
كذلك لم تسلم الأحكام القضائية من الأزمة وشحّ الأموال باعتبار أن إحدى المرجعيات تلقت رسالة جوابية رداً على مراجعتها حول دعوى كانت قد رفعها أمام مجلس شورى الدولة، مفادها: «القرار النهائي صدر، لكنه لم يرسل إلى التبليغ بسبب عدم توافر الورق في قلم مجلس شورى الدولة».
ولعل الأخطر من كل ما سبق، هو ما يحصل في القطاع الطبي، إذ يفتقد اللبنانيون كثيراً من الأدوية الأساسية بعد فقدانهم لأشهر حليب الأطفال. كما أن أمنهم الصحي بات مهدداً أكثر من أي وقت مضى لفقدان مستلزمات طبية أساسية ونتيجة تلكؤ الجهات الضامنة عن تسديد فواتير المستشفيات وحصر الطبابة بالحالات الطارئة.
ورفع مستوردو الأدوية مؤخراً الصوت، محذرين من نفاد مخزون مئات الأصناف الدوائية. وأعلنت نقابة مستوردي الأدوية، في بيان، أن «عملية الاستيراد متوقفة بشكل شبه كامل منذ أكثر من شهر»، بعدما تجاوزت قيمة المستحقات المتراكمة والمترتبة لصالح الشركات المصدرة للأدوية 600 مليون دولار، كان يجب أن يدفعها المصرف المركزي، بالإضافة إلى فتح اعتمادات جديدة. وقال نقيب مستوردي الأدوية، كريم جبارة، لوكالة الصحافة الفرنسية: «ستكون الحالة كارثية مع نهاية شهر يوليو (تموز)... سيحرم آلاف المرضى من أدوية علاجهم».
كذلك، يشهد لبنان هجرة جماعية للكوادر الطبية والتمريضية. إذ صرّحت نقابة الأطباء عن هجرة نحو 400 طبيب في العام 2020، وارتفاع العدد إلى 600 طبيب بحلول فبراير (شباط) 2021. فيما أشارت نقابة الممرّضات والممرّضين إلى هجرة جماعية، يشهدها القطاع التمريضي؛ حيث يوجد ممرّض أو ممرّضة لكلّ 20 مريضاً، وهو رقم منخفض جدّاً مقارنة مع التوصيات العالمية التي تحتّم وجود ممرّض أو ممرّضة لكلّ 8 مرضى.
وتتزامن كل هذه الأزمات التي تعصف بالقطاع الطبي مع وصول المتحور الهندي «دلتا» لفيروس «كوفيد 19» إلى لبنان، ما أدى لارتفاع عدد الإصابات مجدداً. وينبه الأطباء أن البلد سيكون مقبلاً على كارثة حقيقية في حال تفشي هذا المتحور في ظل الوضع المأساوي الذي يرزح تحته القطاع وفقدان الأدوية والمستلزمات الطبية.


مقالات ذات صلة

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

حصاد الأسبوع دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

فتح ملف إعادة إعمار المناطق المتضرّرة في لبنان سجالاً سياسياً حول الجهة التي يفترض أن تتحمّل التكلفة، بعدما حمّل «حزب الله» الحكومة مسؤولية أساسية عن الإيواء

«الشرق الأوسط» (بيروت)
حصاد الأسبوع في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.

سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

بعد أقل من ثلاثة أسابيع، تواجه السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز معركة الفوز بولاية سادسة في مجلس الشيوخ عن ولاين ماين، بأقصى شمال شرقي الولايات المتحدة، أمام

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)

وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

لا يواجه جميع المعتدلين نسخة مطابقة لاختبار السيناتورة سوزان كولينز في ولاية ماين؛ إذ بعضهم يحاول النجاة في دوائر تميل إلى الحزب الآخر، وبعضهم الآخر يدافع عن

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
حصاد الأسبوع الرئيس لولا يسعى إلى ولاية جديدة (إ.ب.أ)

البرازيل... اليمين يهدد آخر معاقل اليسار في أميركا اللاتينية

أحرز اليمين المتطرف الذي يهبّ على أميركا اللاتينية كالإعصار، نصراً مفاجئاً ومفصلياً في البرازيل، يوم الأحد قبل الماضي، 4 أكتوبر، (تشرين الأول)؛ فقد حقَّق

شوقي الريّس (مدريد)
حصاد الأسبوع نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)

العرب في إسرائيل سرٌّ أمني خطير... خصوصاً في الانتخابات

«نحن في كتلة اليمين واليمين الوسط نشكل نحو 65 في المائة من جمهور الناخبين؛ لذلك، سنظل قادرين على تشكيل الحكومة في المستقبل أيضاً. واضح لي أنني سأفقد تأييداً،

نظير مجلي ( القدس)

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

فتح ملف إعادة إعمار المناطق المتضرّرة في لبنان سجالاً سياسياً حول الجهة التي يفترض أن تتحمّل التكلفة، بعدما حمّل «حزب الله» الحكومة مسؤولية أساسية عن الإيواء وإعادة الإعمار ودعم النازحين. وفي حين أكد الحزب أنه «يعمل على برنامج خاص بهذا الملف متى توافرت الإمكانات المالية»، برزت في المقابل مواقف نيابية معارضة رأت في هذا الطرح إقراراً بعجز الحزب عن تحمّل الأعباء، وربطت أي معالجة مستدامة بإعادة الملف كاملاً إلى الدولة وحصر السلاح بيدها. يأتي هذا السجال في ظل استمرار معاناة متضررين ونازحين من الحرب، وفي وقت لم تتبلور فيه بعد آلية شاملة لتمويل إعادة الإعمار، وسط نقاش سياسي يتجاوز مسألة تأمين الأموال إلى تحديد المسؤوليات وشروط مساهمة الدولة والجهات المانحة.

النائب عن «حزب الله» حسن فضل الله يغادر البرلمان اللبناني وسط بيروت 14 يونيو 2023 (رويترز)

تكشف أرقام جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» عن أن ملف إعادة الإعمار والإيواء في لبنان لا يرتبط بأضرار حرب 2026 وحدها، بل يأتي فوق خسائر حرب 2024 التي لم يكن لبنان قد انتهى من معالجتها. ففي عام 2024، بلغت الأضرار المادية المباشرة نحو 6.8 مليار دولار أميركي، بينها 4.6 مليار دولار في قطاع السكن، في حين قُدِّرت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 11 مليار دولار، قبل أن تضيف الحرب الجديدة أضراراً واسعة إلى المباني والمساكن والبنى التحتية.

في الواقع، لا تتوافر حتى الآن حصيلة وطنية نهائية لتكلفة أضرار حرب 2026 أو احتياجات إعادة الإعمار، في ظل استمرار العمليات وتأخر اكتمال التقييمات. غير أن الأرقام المرحلية التي جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» تُظهِر أن الأضرار المباشرة في المباني تجاوزت، حتى شهر أبريل (نيسان) 2026، نحو 1.745 مليار دولار في جنوب لبنان وبيروت وجبل لبنان، بينها أكثر من 1.38 مليار دولار في الجنوب وحده، وأكثر من 365 مليون دولار في بيروت وجبل لبنان. وهذه أرقام جزئية لا تمثل التكلفة النهائية للحرب، ومن ثم، لا يمكن مقارنتها مباشرة بالتقييم الوطني الشامل لأضرار 2024.

أكثر من 21 ألف وحدة سكنية مُدمَّرة

تتبيّن خطورة الأزمة بصورة أوضح في القطاع السكني. إذ بلغ عدد المباني المدمّرة بالكامل 11 ألفاً و95 مبنى في المنطقة جنوبي نهر الليطاني، إضافة إلى 146 مبنى في بيروت وجبل لبنان. كذلك أظهرت التقييمات تدمير 17 ألفاً و891 وحدة سكنية بالكامل في جنوب لبنان، و3168 وحدة في بيروت وجبل لبنان، بما يزيد على 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن المناطق التي شملتها التقييمات حتى تلك المرحلة.

وتترافق هذه الخسائر مع كمّيات ضخمة من الرّكام، بلغت نحو 3.1 مليون متر مكعب في جنوب لبنان ونحو 649 ألف متر مكعب في بيروت وجبل لبنان. ويعني ذلك أن العودة لا ترتبط بإعادة بناء المنازل فحسب؛ إذ ستحتاج مناطق واسعة أولاً إلى إزالة الركام وتأهيل الطرق وشبكات المياه والكهرباء والخدمات الأساسية، قبل أن يصبح من الممكن إعادة السكان إليها بصورة مستقرة.

النزوح يوسّع أزمة الإيواء

ويتقاطع الدمار السكني هذا مع أزمة إيواء ونزوح واسعة. إذ وفق البيانات الدولية، نزح نحو مليون شخص داخلياً في بداية التصعيد، في حين عبر نحو 100 ألف شخص إلى سوريا. وحتى الأول من شهر سبتمبر (أيلول) 2026، بقي 329 ألفاً و240 شخصاً في حالة نزوح داخلي؛ الأمر الذي يعكس استمرار الحاجة إلى حلول إيواء مؤقتة ومتوسطة الأجل، ولا سيما للعائلات التي دمّرت منازلها أو باتت بلداتها تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات العودة.

بلغ عدد المباني المُدمّرة بالكامل

11 ألفاً و95 مبنى

في المنطقة جنوبي نهر الليطاني

عودة إلى الأصل أي... الدولة

في هذا السياق، طرح الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم التزام الحزب بالمساهمة في تأمين الإيواء والإعمار للمتضرّرين في الجنوب، إلى جانب حثّ الدولة على القيام بدورها، وقال إن الحزب «سيعلن قريباً عن مساهمته في مشروع للإيواء».

إلا أن النائب إبراهيم منيمنة قال في لقاء مع «الشرق الأوسط» معلّقاً إن «(حزب الله)، على مدى سنوات، كان يأخذ رصيد الحكومة ويجيّره لنفسه». وأشار إلى أنه «في عام 2006 كانت الدول العربية تؤمّن القسم الأكبر من التمويل، لكن (حزب الله) استغل بعض الثغرات في أداء الدولة وحاول أن يحوّل هذا الرصيد لنفسه». وأردف منيمنة: «أما الآن، فيعود إلى الأصل، وهو الدولة. الدولة هي التي ستقوم بإعادة الإعمار... وهذا اعتراف من الحزب بأنه لن يقدر على الاستغلال».

منيمنة، وهو من نواب بيروت، توقّف أيضاً عند كلام النائب حسن فضل الله - أحد نواب «حزب الله» ومنطقة الجنوب - عن أن الدولة لديها الأموال، فقال: «المفارقة عندما يقول (فضل الله) إن الدولة لديها المال، وكأنه يحاول أن يتّهم هذه الدولة بأنها لا تقوم بواجباتها في هذا الموضوع، فيما هو يعلم أن هذا الكلام ليس صحيحاً، وهم أي الحزب ممثلون في الحكومة، وبالتالي فإن كلام الحزب غير دقيق وشعبوي».

وتابع منيمنة: «مَن يريد اليوم أن يضع ملف إعادة الإعمار، فعليه أن يدخل أولاً إلى الحكومة ويناقشه فيها، وأن ينفّذ قرارات الحكومة، أو الدولة، المتعلّقة بحصر السلاح. هذه أول خطوة حتى تكون مدخلاً إلى إعادة الإعمار».

جدير بالذكر، أن النائب فضل الله، كان في وقت سابق قد شدّد على أنه «عندما يكون هناك حكومة في لبنان، فهي المسؤولة عن شعبها وعن كل مواطن على أرضها مهما كانت أسباب الحرب، سواء كنّا معها أو معارضة لها، علماً أن لديها الإمكانات والقدرات المالية والاقتصادية».

وأضاف: «وبدل أن تصرف هذه الإمكانات في مواضع في غير أماكنها، يمكنها أن تُسخّر جزءاً من الإمكانات لموضوع إعادة الإعمار والإيواء ولدعم النازحين. وهذه مسؤولية أساسية على الحكومة، ومهما كان الخلاف معها، سنحمّلها المسؤولية، ونحن نعمل من خلالها والمجلس النيابي، لتوفير ما أمكن من موارد مالية لأجل هذا الملف».

في المقابل، أوضح منيمنة أن «التردّد في إعادة الإعمار ليس لأن الدولة لا تقوم بواجباتها»، واستطرد: «أولاً، الدول المانحة التي ستساعد على الإعمار ليست مستعدة لأن تضع أموالاً ثم تحصل حرب جديدة. ومن ناحية ثانية، النقاش حول حصر السلاح لم ينتهِ ولم يُحسم هذا الموضوع... بالتالي، هذا الكلام، ولو أن فيه اعترافاً ضمنياً بدور الدولة، فهو في الدرجة الأساسية كلام منقوص»، موضحاً أن «هناك مسؤولية على (حزب الله) بأن يدخل فعلاً إلى الدولة من خلال ملف حصر السلاح».

وعن مسؤولية «حزب الله» تجاه تعويض المتضررين، قال منيمنة: «برأيي، هو أساساً في هذا المجال لم يفِ بوعوده، والناس في حالة تذمّر لأنه لا يوجد تمويل، حتى لأعمال الإيواء، خصوصاً للناس الذين ما زالوا مهجرين... وواضح أن (حزب الله) غير قادر اليوم على القيام بهذا الملف، وبما أنه لم يعد قادراً، فقد تخلّى عنه».

الحكومة مسؤولة عن شعبها

وفي موازاة ذلك، يتردد في أوساط داخل بيئة «حزب الله» أن الحزب يعد خلال الفترة القريبة المقبلة لتقديم مساعدة نقدية للمتضرّرين، تُطرح على أنها «هدية تعويض»، من دون أن يصدر حتى الآن إعلان رسمي يحدد قيمتها أو الفئات التي ستشملها أو موعد بدء توزيعها.

وكان واضحاً في تصريح نعيم قاسم الأخير أن الحزب «سيسهِم»؛ ما يعني أنه لن يكون المموّل، بل ينتظر الدولة التي قاله إنه لن يتوقّف عن حثّها على إعادة الإعمار.

في سياق متصل، يتقاطع موقف النائب مارك ضو، النائب عن جبل لبنان، مع قراءة منيمنة لانتقال الحزب إلى التعويل على الدولة؛ إذ قال لـ«الشرق الأوسط» إن تحميل «حزب الله» الحكومة مسؤولية ملف إعادة الإعمار «يشكّل تأكيداً على عجزه»، معتبراً أن انتقاله إلى التعويل الكامل على الدولة يعكس عجزه عن تحمّل تبعات ما حصل.

وأضاف ضو: «عندما يصبح كل الاتكال على الحكومة، ويقال إن الاعتماد الآن عليها، فهذا تأكيد واضح على العجز». وتابع: «هو (أي حزب الله) يطالب الدولة والحكومة بتحمّل مسؤولية إعادة الإعمار، في حين أنه لا يتعامل معهما على هذا الأساس في ممارسته السياسية... والنتيجة، أنه يريد من الدولة أن تتولّى إعادة إعمار ما نتج عن أخطائه وأفعاله».

مسارات أخرى قبل تحميل الخزينة التكلفة

بدوره، قال النائب أديب عبد المسيح لـ«الشرق الأوسط» إن «(حزب الله) يتنصّل من مسؤوليته في ملف إعادة الإعمار، ويحاول تحميل الدولة واللبنانيين تبعات حرب كان هو سببا أساسياً في اندلاعها»، معتبراً أن أمام الحزب أكثر من مسار لمعالجة هذا الملف بدلاً من مطالبة الدولة بتحمل التكلفة كاملة.

وقال عبد المسيح، وهو من نواب شمال لبنان: «(حزب الله) ممثل في الحكومة بوزيرين، فليتفضّل وزيراه ويطالبا بقرار حكومي لإعادة الإعمار، وليحاولا تأمين إجماع حكومي على هذا الموضوع. إذا كانا قادرين على ذلك، فليفعلا».

ثم أضاف: «إذا لم يتمكّن الحزب من تأمين إجماع الحكومة على إعادة الإعمار، فهناك مسارات أخرى. أولاً، عليه أن يتحمّل مسؤوليته؛ لأنه هو من ورّط لبنان وفتح النار على إسرائيل وتسبب بهذه الحرب. وثانياً، لديه الإيرانيون، ويمكن لوزير الخارجية أن يتحرّك للمطالبة بتعويضات من الدولة الإيرانية عن الأضرار، باعتبار أن (الحرس الثوري) الإيراني حاضر على الأراضي اللبنانية عبر دعمه للحزب».

وتابع عبد المسيح: «هناك أيضاً إسرائيل، وهي المسبّب المباشر للدمار. يمكن اللجوء إلى المسارات والمحاكم الدولية للمطالبة بالحقوق والتعويضات، وعند تحصيلها تُستخدم في إعادة إعمار الجنوب. هذه حلول عملية يمكن العمل عليها».

وشدّد النائب عبد المسيح على رفضه أن تتحمّل الخزينة اللبنانية وحدها تكلفة إعادة الإعمار، قائلاً: «أما أن تتحمّل الدولة اللبنانية المسؤولية في النهاية، وأن تأخذ الضرائب من الناس، فأنا أدفع وأنت لإعادة إعمار الجنوب، فهذا لن يحدث أبداً».

ورأى أن الحزب «يتنصّل» من مسؤوليته؛ إذ «يبدأ اليوم بالمطالبات والتحركات، وقد تتحول غداً تحركات في الشارع ضد الحكومة أو ضد الجيش، بحيث يحاول، بدلاً من أن يتحمل المسؤولية، أن يحملها لغيره... هذا أمر واضح مائة في المائة. يبدأ الأمر بهذه المطالبات، ثم يجري تنظيم التحرّكات على الموجة نفسها، في محاولة للظهور كجزء من المعارضة والمطالبة بحقوق شبيهة بحقوق موظفي الدولة أو سائر اللبنانيين، في حين كان الحزب أساسياً في هذه الحرب، وليس مجرد طرف عادي فيها».

الحرب تقوّض الاقتصاد اللبناني

ختاماً، يأتي اتساع حاجات الإيواء والإعمار في وقت تراجعت قدرة الاقتصاد اللبناني والدولة على تحمل أعباء إضافية. إذ تشير الأرقام إلى توقع انكماش الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 6.4 في المائة خلال 2026، في حين تضاف احتياجات الحرب الحالية إلى فاتورة إعادة إعمار 2024 المقدرة أصلاً بنحو 11 مليار دولار.بناءً عليه؛ لم يعد الملف مقتصراً على تعويض أصحاب المنازل المتضررة، بل صار يشمل تأمين الإيواء للنازحين، وإزالة ملايين الأمتار المكعبة من الركام، وإعادة تأهيل الخدمات والبنى التحتية، ثم إعادة بناء آلاف المباني وأكثر من 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن نطاق التقييمات المُنجزة حتى الآن.


سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
TT

سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.

بعد أقل من ثلاثة أسابيع، تواجه السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز معركة الفوز بولاية سادسة في مجلس الشيوخ عن ولاين ماين، بأقصى شمال شرقي الولايات المتحدة، أمام منافسها الديمقراطي تروي جاكسون. بعد نحو ثلاثة عقود في المجلس، تدافع كولينز (73 سنة) عن سجل طويل من الخدمات والتسويات، في حين يتساءل ناخبون اعتادوا تأييدها إن كان إخراج الجمهوريين من قيادة المجلس الطريق الأجدى لتقييد الرئيس دونالد ترمب؟ وبين الحسابين، تتجاوز المعركة مستقبلها الشخصي لتطرح سؤالاً أوسع: هل تكفي الثقة بالسياسي حين يفقد الناخب ثقته بالحزب الذي ينتمي إليه؟

كولينز المولودة في السابع من ديسمبر (كانون الأول) 1952 في كاريبو، أقصى شمال ماين، واحدة من ستة أبناء لعائلة ارتبط اسمها بتجارة الأخشاب والخدمة العامة. تولّى والدها ووالدتها رئاسة بلدية المدينة، وخدم الأب في المجلس التشريعي للولاية. هناك، قرب الحدود الكندية، تشكلت صلتها بمجتمع صغير يعرف ممثليه بأسمائهم ويحاسبهم على ما يقدمونه لحياته اليومية. لكن هذه الصلة تواجه اليوم اختباراً صعباً، مع تحول مقعدها ساحة صراع على الأغلبية، وعلى مكان الوسطيين في سياسة أميركية قد تصبح فيها هوية الحزب أهم من شخصية ممثله.

من بلدة كاريبو ...إلى واشنطن

تخرجت كولينز في جامعة سانت لورانس الصغيرة الراقية بريف ولاية نيويورك عام 1975، وبدأت العمل مع النائب الجمهوري وليام كوهين (وزير الدفاع فيما بعد)، ثم انتقلت معه إلى مجلس الشيوخ.

ولاحقاً، تولت كولينز مسؤولية التنظيم المهني والمالي في حكومة ماين، ثم إدارة المكتب الإقليمي لوكالة المشاريع الصغيرة بتعيين من الرئيس جورج بوش الأب. ثم عام 1996، انتُخبت لخلافة كوهين في مجلس الشيوخ، لتبدأ مسيرة جُددت أربع مرات. وهي متزوجة من توماس دافرون، وتقيم في مدينة بانغور بولاية ماين.

بيد أن هذه التفاصيل ليست مجرد محطات في سيرة ذاتية؛ إذ تكونت سياسياً داخل «التيار التقليدي» في الحزب الجمهوري، الذي يعوّل على الخبرة التشريعية واحترام المؤسسات والتفاوض مع الديمقراطيين لإنجاز التسويات. ولم تبنِ حضورها على الخطب الصاخبة أو «التعبئة» ضد واشنطن، بل على معرفة طرقها: كيف تُكتب التشريعات، وتُجمع الأصوات، وتُنتزع المخصّصات لولاية صغيرة.

وحقاً، تلخص كولينز خلال لقاء مع الـ«واشنطن بوست»، هذه النظرة بقولها: «هناك من يعملون، وهناك من يستعرضون»، واضعة نفسها في الفئة الأولى. ثم تقول إن خطاباً نارياً يرفع شعبية صاحبه على وسائل التواصل الاجتماعي لا يغير بالضرورة النتيجة. وهذه حجة شخصية عامة مخضرمة في زمن يكافئ المواجهة العلنية، وأحياناً يعتبر التفاوض والمساومة بعيداً عن الكاميرات ضعفاً.

غير أن تداخل الأسرة والمهنة والمؤسسة، الذي منحها جذوراً وثباتاً، يسمح لخصومها أيضاً بتصويرها ممثلة لطبقة سياسية استقرت طويلاً في السلطة. فالأقدمية في حملتها رصيد يحمي مصالح ولايتها، لكنها في حملة منافسها جاكسون تطرح سؤالاً عمّا إذا كانت الخبرة ما زالت تنتج تغييراً يشعر به الناس.

استقلالية قيد المحاكمة

والواقع، أنه يصعب اعتبار كولينز «تابعاً» لترمب؛ إذ تقول حملتها إنها لم تصوّت له قط، بل كانت ضمن الجمهوريين الذين أيّدوا محاولة عزله الثانية عام 2021. كذلك خالفت إدارته في تصويتات مهمة، بينها رفض تعيين بيت هيغسيث وزيراً للحرب، ورفض النسخة النهائية من تشريع الضرائب والإنفاق الكبير عام 2025. ولها أيضاً سجلٌ يتجاوز الاعتراض؛ فقد قادت مع السيناتور جو مانشين - الذي كان آنذاك من أبرز الديمقراطيين اليمينيين قبل مغادرته الحزب -، مساراً مشتركاً لتعديل قانون فرز الأصوات الانتخابية. وأقرّ التعديل عام 2022 لمعالجة ثغرات كشفت عنها أزمة انتقال السلطة، إثر رفض ترمب الإقرار بهزيمته أمام جو بايدن وترويجه ادعاءات بتزوير انتخابات 2020. وهذه وظيفة مؤسساتية للوسط: تحويل الخلاف إلى قواعد يمكن أن يقبلها الطرفان.

لكن منتقديها يميّزون بين مخالفة الرئيس ومنعه. ووفق تحليل في الـ«نيويورك تايمز»، فإنها تعارض سياساته في التصويت أكثر من سائر الجمهوريين، لكن معارضتها نادراً ما تبدّل النتيجة. وهنا تنتقل المحاكمة من النيات إلى الفعل... فما معنى الاستقلالية إذا بقيت الإدارة قادرة على تنفيذ ما تعترض عليه؟

وتظل قضية الإجهاض الجرح الأعمق في تقييمها. فكولينز تؤيد حقوق الإجهاض، لكنها دعمت تثبيت القاضي المحافظ بريت كافانو عام 2018، قبل أن يشارك في قرار المحكمة العليا الذي ألغى الحماية الدستورية الفيدرالية لهذا الحق عام 2022. ودفاعها المستمر عن ذلك التصويت يعيد فتح مسألة الثقة لدى ناخبين يرون أن تطميناتها لم تصمد أمام النتائج.

مع ذلك، ليس كل تصويت خاسر مسرحية سياسية، كما أن ليس كل اعتراض دليلاً كافياً على المقاومة. فالشيخ لا يملك منفرداً غالبية المجلس. أما السؤال المشروع، فهو ما إذا كانت كولينز تستخدم كامل نفوذها لفرض حدود على الإدارة، أم تكتفي بمسافة محسوبة تسمح لها بالبقاء داخل ائتلافها؟ حسب المنتقدين.

ترمب على مائدة الناخب

وبالفعل، تبدو هذه المناقشة أقل تجريداً في ماين، حيث تتقاطع السياسات الرئاسية مع فواتير التدفئة والتجارة والسياحة عبر الحدود. فالحرب مع إيران رفعت تكلفة الوقود، في حين وضعت الرسوم على كندا مصالح محلية أمام ضغوط إضافية. وباتت كولينز مطالبة بمعالجة أزمات تخلقها الإدارة التي ينتمي حزبها إليها.

وفي حين ضغطت لتسريع مساعدات التدفئة للأسر محدودة الدخل، وسعت إلى استثناء الملح الذي يُرش على الطرق في فصل الشتاء من الرسوم الجمركية، حوّل منافسها جاكسون، الحطّاب والرئيس السابق لمجلس شيوخ الولاية، إنجازها إلى عبارة هجومية مؤداها أن «سكان ماين لا يستطيعون أكل ملح الطرق»، في حرصه على نقل النقاش من الاستثناءات التي تنتزعها إلى السياسات التي تجعلها ضرورية.

وفي مناظرتهما الثالثة مساء الثلاثاء، برز مجدداً ملف الهجرة بعد مقتل مهاجر برصاص أحد عناصر إنفاذ قوانين الهجرة (أيس) في بلدة بيدفورد خلال يوليو (تموز). وأقرّت كولينز بأن الإدارة نشرت أعداداً كبيرة من العناصر من دون تدقيق مناسب في اختيارهم، في حين حمّلها جاكسون مسؤولية سياسية عن التمويل.

وفي ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها مسافة عن إدارته. لكن انتقالها من تأييد الحرب في البداية إلى دعم تقييد صلاحياته العسكرية يمنح خصمها فرصة للسؤال عن توقيت الاعتراض، لا عن وجوده وحده.

في المقابل، تهاجم كولينز سجلّ جاكسون التشريعي وتحمّله مسؤولية سياسات تقول إنها رفعت تكاليف الطاقة والسكن. وبالتالي، ما عادت المواجهة بين مرشحة بلا إنجازات وخصم بلا سجل، بل بين تفسيرين للغلاء وللجهة الأقدر على تخفيفه: نفوذ جمهوري داخل الإدارة، أم غالبية ديمقراطية تراقبها وتواجهها.

غالبية أم جسر؟

عام 2020، فازت كولينز بفارق نحو 9 نقاط مئوية، في حين خسر ترمب ولاية ماين بفارق مماثل. يومها استطاع الناخب أن يرفض الرئيس ويحتفظ بالسيناتورة على ورقة الاقتراع نفسها. أما الآن، فلا انتخابات رئاسية تتيح الفصل ذاته، بل أصبح مقعدها إحدى الأدوات المباشرة لمعاقبة البيت الأبيض.

وفي تحقيقات للـ«نيويورك تايمز» والـ«واشنطن بوست»، تلتقط شهادات الناخبين هذه النقلة، حيث لا ينكرون خدماتها ولا يشككون في كفاءتها، لكنهم يريدون ببساطة مجلساً يضع قيوداً على ترمب. في المقابل، لا يزال ديمقراطيون ومستقلون يعدّونها ممثلة موثوقة، ويرفضون التضحية بها لمجرد انتمائها الحزبي. من هنا، يرى البعض أن خسارتها قد تبدو ربحاً واضحاً للديمقراطيين في حساب المقاعد، لكنها تحمل احتمال خسارة شريكة تفاوض داخل الحزب الآخر. ولا تناقض حتمياً بين الأمرين: يستطيع الديمقراطي أن يقدّر دورها، ثم يرى أن تغيير الأغلبية أرجح كفة من الاحتفاظ بذلك الدور.

وبالمثل، لن يكون فوزها هزيمة صافية لترمب؛ فهو يحتفظ للجمهوريين بمقعد بالغ الأهمية، وربما يساعدهم على حماية الغالبية. لكنه سيبرهن أيضاً على أن الفوز في بعض الولايات يتطلب الابتعاد عن الرئيس، وأن الصيغة الجمهورية القابلة للتسويق وطنياً ليست بالضرورة الصيغة الأكثر ولاءً له.

وتزداد المفارقة مع رئاسة كولينز لجنة المخصصات في مجلس الشيوخ. فهي تطلب من الناخب حماية نفوذ يصعب تعويضه سريعاً، في حين يردّ خصومها بأن النفوذ يقاس بما يمنعه أيضاً. وإذا استطاعت الإدارة تعطيل إنفاق أقره الكونغرس أو الالتفاف على أولوياته، تغدو قدرة كولينز على حماية صلاحيات الكونغرس في إقرار الإنفاق جزءاً من تقييم نفوذها نفسه.

بل حتى الطرفان اللذان يريدان حسم المعركة يجدان نفسيهما أمام حسابات متعارضة: فالجمهوريون يحتاجون إلى أصوات ناخبين ينفرون من زعيمهم، والديمقراطيون يحتاجون إلى إقناع ناخبين بأن إعجابهم بسيناتورة جمهورية لا ينبغي أن يتقدّم على تغيير اتجاه الحكم.

الوسط يبحث عن جدواه

بالتالي، لا تعني هذه المعركة أن الساحة خلت تماماً من الوسطيين، ولا أن الشعبوية احتكرت الحزبين بالقدر نفسه. كما أن الوسطية ليست مرادفاً دائماً للانتماء إلى المؤسسة. فقد يكون السياسي المخضرم شديد الحزبية، وقد يكون جديداً وقادراً على بناء تسويات. وجاكسون - نفسه الذي ينافس كولينز - يعقّد الثنائية المبسطة. فهو تقدمي طبقي، لكنه صاحب خبرة في قيادة مؤسسة تشريعية. ولذلك؛ لا يكفي وضعه في خانة الشعبوية ثم اعتبار هزيمة كولينز إذا حصلت، دليلاً تلقائياً على انتصار التطرف. فالاختبار الأهم هو ما سيقدمه الفائز من سياسات، وكيف سيتعامل مع حدود السلطة وخصومه.

مع ذلك، تكشف كولينز عن أزمة حقيقية في نموذج الوساطة القديم. فحين يُطالب الناخب بمنع قرار يمس حقوقه أو معيشته، لا تكفيه الإشارة إلى حوار مستمر مع صانعيه. بل يحتاج المعتدل إلى شرح الرابط بين قدرته على الوصول إلى المسؤولين وقدرته على تغيير ما يفعلونه، وإلّا بدت التسوية امتيازاً لأهل السياسة لا منفعة للمواطنين.

وفي صورة ساخرة من الحملة، وصل خطأً إعلان يهاجم جاكسون، موَّلته مجموعة جمهورية، إلى مدينة بورتلاند بولاية أوريغون بدلاً من مدينة بورتلاند في ماين. ثم صحح الخطأ وأعيدت الأموال، لكنه أتاح لخصوم كولينز التشكيك في اتصال حلفائها بالولاية. وهذه واقعة صغيرة في سباق يختبر صدقية القرب من الناس.

الأرجح، أن انتخابات ماين لن تحسم مصير الاعتدال الأميركي، لكنها ستكشف عن الشروط الجديدة لبقائه. فنجاة كولينز ستعني أن الرصيد الشخصي والخدمات والاستقلال النسبي ما زالت قادرة على مقاومة الاستقطاب. وخسارتها ستشير إلى أن ناخبين باتوا يفضّلون تغيير ميزان السلطة على الاحتفاظ بوسيط داخلها.


وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
TT

وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)

لا يواجه جميع المعتدلين نسخة مطابقة لاختبار السيناتورة سوزان كولينز في ولاية ماين؛ إذ بعضهم يحاول النجاة في دوائر تميل إلى الحزب الآخر، وبعضهم الآخر يدافع عن استقلاليته أمام قاعدته. ومن أبرز هؤلاء من دون افتراض أن فرصهم الانتخابية ومواقفهم متساوية، الساسة التالية أسماؤهم:

• النائب الجمهوري براين فيتزباتريك في بنسلفانيا، الذي يمثل الدائرة الأولى ويواجه الديمقراطي بوب هارفي، المفوض في مقاطعة باكس والمدرّس السابق. يبني العضو السابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي صورته على العمل عبر الحزبين ومخالفة ترمب في ملفات محددة. لكن خصمه يسعى إلى تحويل الاقتراع من تقييم لشخص النائب إلى حكم على الغالبية الجمهورية. ومع ذلك، لا يصح افتراض أن مجرد تشابه مأزقه مع كولينز يجعل حظوظهما متطابقة.

• النائب الجمهوري مايك لولر في نيويورك، يخوض مواجهة مع الديمقراطية كيت كونلي، صاحبة الخبرة العسكرية والأمنية، في الدائرة السابعة عشرة التي فازت فيها كامالا هاريس عام 2024. لولر يقدم نفسه جمهورياً براغماتياً قادراً على العمل مع الديمقراطيين، لكنه يحتاج إلى الاحتفاظ بالقاعدة الجمهورية أيضاً. امتحانه هو إقناع الناخب بأن استقلاله يترك أثراً ملموساً، في حين تسعى منافسته إلى جعل العلاقة بترمب محور الاختبار.

• النائبة الديمقراطية ماري غلوسنكامب بيريز في ولاية واشنطن، التي تواجه الجمهوري جون براون في الدائرة الثالثة، وتقدم نموذجاً معكوساً لكولينز؛ فهي ديمقراطية تحاول الاحتفاظ بدائرة أيدت ترمب، وتستند إلى خطاب محلي واهتمام بالمهن والتكاليف اليومية، وتخالف حزبها في بعض القضايا. لكن استمالة المحافظين لا تضمن رضا الديمقراطيين، وقد وثّقت الإذاعة العامة المحلية استياء ناخبين من خيارات السباق. ويكشف اختبارها أن بناء ائتلاف عابر للحزبين يحتاج إلى بقاء قاعدة متحمسة، لا مجرد الوصول إلى الطرف الآخر.

• النائب الديمقراطي دون ديفيس في نورث كارولينا، يواجه الجمهورية لوري باكهاوت في الدائرة الأولى، بعدما جعلت إعادة ترسيم الخريطة الانتخابية التي فرضها الجمهوريون، الفوز فيها أكثر صعوبة على الديمقراطيين. ديفيس يروّج لوسطيته، لكن الخريطة تضع حدوداً لما تستطيع السمعة الشخصية تحقيقه.

توضح هذه الحالات أن بقاء الوسط لا يعتمد فقط على اعتدال الناخبين، بل هو يتأثر بحدود الدوائر، وصورة الرئيس، وتعبئة القواعد، وقدرة المرشح على تحويل المخالفة الحزبية إلى منفعة مفهومة... ثم إن فوز معتدل من حزب قد يعني هزيمة معتدل من الآخر، لا انتصاراً تلقائياً على التطرف. لذلك قد يكون الاختبار الأعمق بعد الانتخابات: هل يملك الناجون استعداداً ونفوذاً لبناء تشريعات مشتركة، أو تفرض معركة الغالبية عليهم العودة إلى الاصطفاف الذي وعدوا ناخبيهم بتجاوزه؟