مجدي الشاعري: «داعش» لا يزال يلعب على الإبهار الإعلامي في توجيه رسائله

رئيس قناة «ليبيا تي في» قال لـ«الشرق الأوسط»: قلنا لمراسلينا في بنغازي وطرابلس ومصراته «ابقوا في بيوتكم»

مجدي الشاعري: «داعش» لا يزال يلعب على الإبهار الإعلامي في توجيه رسائله
TT

مجدي الشاعري: «داعش» لا يزال يلعب على الإبهار الإعلامي في توجيه رسائله

مجدي الشاعري: «داعش» لا يزال يلعب على الإبهار الإعلامي في توجيه رسائله

في ضاحية الرحاب بالقاهرة الجديدة (شرق العاصمة) المصرية، وبداخل أحد الاستوديوهات ينطلق بث «ليبيا تي في»، وهي إحدى القنوات الفضائية التي انطلقت عقب ثورة «17 فبراير» عام 2011 لتنقل البث الحي من داخل الأراضي الليبية.
وفي جو من الألفة الذي يجمع فريق عمل القناة التقت «الشرق الأوسط» رئيسها الإعلامي مجدي الشاعري، فأكد أنه «بشهادة الإعلاميين والسياسيين فإن قناته لم تقف إلا مع التيار الذي يخدم مصلحة لبيبا»، مضيفا: «لدى القناة استوديو في طرابلس وآخر في بنغازي لكنهما تحت الحصار.. وقلنا لمراسلينا في بنغازي وطرابلس ومصراتة (ابقوا في بيوتكم)، فالإعلامي في ليبيا مشروع شهيد».
ولفت الشاعري إلى أن الإعلام كان له الدور الأسوأ منذ ثورة «17 فبراير» عام 2011 وللأسف أجج الأحداث، موضحا أن «القناة بها مذيعات من مصر وسوريا والسعودية وهناك توجه للاستعانة باللبنانيات»، مؤكدا أن الإعلامي المهني يطرح الآراء كلها ويترك للمشاهد القرار. وإلى أهم ما جاء في الحوار..
* ما طبيعة عمل قناة «ليبيا تي في»؟
- «ليبيا تي في» من أوائل القنوات التي دشنت بعد ثورة «17 فبراير»، وكانت مواكبة للحدث الذي أطاح بحكم العقيد الراحل معمر القذافي، وكان الغرض منها دعم الثورة والوقوف مع الثوار.. والآن أصبح عمرها 4 سنوات، وأعتقد أنها أثرت جدا في الرأي العام، وكان لها دور كبير في توجيه الرأي العام للمصالحة والوحدة الوطنية وعدم تقسيم ليبيا.
* وماذا عن المحتوى الإعلامي الذي تقدمه القناة؟
- القناة موجهة إلى ليبيا ولدينا بعض المشاهدين من الوطن العربي، والليبيون خارج ليبيا متابعون للقناة.. عندما تم تحرير ليبيا بالكامل من النظام السابق (نظام القذافي)، شعرنا أن المواطن لا بد أن يحصل على راحة بعد الأحداث التي شهدتها البلاد، فاتجهنا للبرامج الترفيهية بدلا من أن يكون أغلب المحتوى سياسيا، وتم بالفعل تقديم عدد من البرامج كان لها صدى واسع.. وفي شهر رمضان عقب الثورة بدأنا في تقديم برنامج مسابقات على الهواء، واتجهنا إلى البرامج العامة التي فيها جرعة سياسية ورياضية وفنية ودينية كأي قناة معتدلة غير موجهة، أما من الناحية السياسية فإن القناة لم تقف إلا مع التيار الذي يخدم مصلحة ليبيا، وكنا في الوسط ما بين كل الآراء وأثبتنا ذلك بشهادة الإعلاميين والسياسيين الليبيين، ويحسب لنا في ظل صراع الفضائيات الكبير الذي حدث بعد الثورة والتي كانت أغلبها تحمل توجه تيار معين، أننا كنا في المنتصف رغم الضغوط التي مورست علينا خاصة المادية.
* وماذا عن برامج المنوعات والمسابقات والسياسة في القناة؟
- لدينا «كلام حواء»، وهو برنامج اجتماعي يقدم للمرأة، وبرنامج «الطبيب» ويتحدث في كل ما يخص الطب، و«الدين والناس» والذي يستضيف عالم دين للرد على استفسارات المشاهدين، وبرنامج «وينها»، و«الملك» وهو برنامج مسابقات بنفس فكرة برنامج «من سيربح المليون». وسياسيا، نقدم 4 برامج هواء شأن ليبي، وبرنامج «تغطية خاصة 1و2» وهو خاص بالأحداث التي تقع في الشرق والغرب، و«المشهد الليبي» ويضم جميع الأحداث في ليبيا، و«لمة خوت» وهو برنامج حواري لضيوف من ليبيا.
* ومن أين تبث القناة إرسالها الآن؟
- القناة لا تبث من ليبيا وتبث على القمر «نايل سات» ولدينا استوديو في طرابلس وآخر في بنغازي؛ لكنهما تحت الحصار.. وبالتالي نعمل من خارج ليبيا حتى نستمر وحتى الأمور تستقر، وفي بداية عمل القناة أنشأنا المركز الرئيسي في القاهرة لأسباب اتضحت للمشاهد بعد ذلك، بأن ليبيا أمامها فترة طويلة حتى تستقر، وبالتالي سنكون في مهب الريح لو وضعنا معدات القناة داخل الأراضي الليبية.
* وهل للقناة مراسلون في ليبيا الآن.. وما وضعهم؟
- نعم.. لدينا مراسلون في بنغازي وطرابلس ومصراتة، ووضعهم صعب جدا، لأننا مضطرون نقول لهم «ابقوا في بيوتكم»، حتى لا تتحمل القناة مسؤولية شخص يحدث له مكروه.
* حدثنا عن طبيعة عمل الإعلامي داخل الأراضي الليبية الآن؟
- أغلبية القنوات التي كانت تعمل في ليبيا تم إغلاقها عقب نهبها وحرقها من قبل المسلحين، فالإعلامي في ليبيا «مشروع شهيد» وليس مشروع إعلامي، لأن أي إعلامي يخرج ويتحدث للأسف لو أن كلامه لا يعجب أحد التيارات يتعرض للخطر، وعلى الأخص الخطر القادم من جماعة «فجر ليبيا» فهم مجموعة متطرفة دينيا لا يعجبهم أن يوجه لهم أي نقد، فأغلب الإعلاميين الآن خارج الوطن والمحطات التي أغلقت في الداخل تحاول أن تعمل من الخارج.. وهناك من استطاع أن يستمر في الأمر والآخر الذي لم يستطع، وخصوصا أن المحطات الآن ليس لديها موارد مالية، فالقناة لا بد أن يكون وراءها تيار سياسي معين لكي يدعمها وتستمر، بعكس القنوات التي تعتمد من الأساس على الإعلانات دون أي غطاء سياسي.
* وهل الإعلام عليه دور خلال هذه الفترة في ليبيا؟
- الإعلام كان له الدور الأسوأ منذ 17 فبراير عام 2011، فالإعلام الليبي للأسف أجج الأحداث، وكل تيار استولى على قناة معينة وفرض رأيه وتوجهاته فيها، والشعب مسكين في النهاية يصدق ما يأتيه من القنوات.. وللأسف جزء كبير من الإعلاميين شاركوا في المأساة التي تعيشها ليبيا الآن. فالإعلام المعتدل الذي كان من المفروض أن يوجه الناس لقبول الحوار والرأي الآخر، لم يكن موجودا.
* وما الذي ترجوه من الإعلاميين الليبيين؟
- أدعو الإعلاميين لجلسة هدوء مع النفس ليروا المكان الذي أوصلوا ليبيا إليه الآن. وبالنسبة لنا في قناة «ليبيا تي في» ورغم كل الضغوط التي واجهتنا وخصوصا من بعض التيارات التي حاولت تهديدنا وفجروا سيارات البث التي تمتلكها القناة، لم تُحِد القناة عن توضيح الصورة للمشاهد بطريقة مهنية محترمة دون إسفاف والدعوة إلى الحوار الهادف؛ وبعض القنوات الأخرى شاركتنا في ذلك وساروا في هذا الاتجاه أيضا؛ لكن لم يستمروا.
* تحدثت عن «حرب قنوات».. هل لازلت موجودة الآن؟
- موجودة؛ لكن ليس بكثرة مثل الفترة الأولى التي أعقبت الثورة.. الآن المشاهد بدأ يستوعب الذي يحدث وبدأ يتمسك بالقناة المعتدلة التي تتحدث عن الحوار، أكثر من التي تؤجج الفتن.
* وهل القناة بها مذيعات غير ليبيات؟
- نعم.. القناة بها مذيعات مصريات وسوريات ومذيعة واحدة سعودية.. أما اللبنانيات فهناك توجه للاستعانة بهن في المستقبل القريب.
* وهل العاملون في القناة ليبيون فقط؟
- الفنيون أغلبهم مصريون وهذا من أسباب نجاح القناة، لأن الفكر والرؤية مختلفة والخبرة أيضا، وهذا ليس تقليلا من شأن الليبيين؛ لكن الليبيين الآن صعب يقومون بهذا العمل في ظل ظروفهم الحالية.
* مشهد مقتل الـ21 قبطيا مصريا على يد «داعش».. تردد أن ما قام بتصويره إعلامي ليبي؟
- مع احترامي لكل الفنيين الليبيين؛ لكن معلوماتي أنهم ليسوا مصورين ليبيين؛ بل أجانب «بريطانيين».. وهذا المشهد أراه أكبر من أنه إرهابي؛ لكنه يضعنا أمام تساؤل كبير كيف لـ«داعش» وهو تنظيم لم يظهر إلا منذ فترة قصيرة، الاستفادة من الإبهار الإعلامي في توجيه رسائله وما زال يلعب على ذلك؟، في حين فشلت كثير من القنوات الليبية التي بدأت مع الثورة، أن تقدم أي إبهار إعلامي لمشاهديها.
* وماذا عن خطة القناة في المستقبل؟
- منذ فترة بدأنا في عمل «بروموهات» فنية وكلها تعتمد على لم الشمل والحوار والوحدة الوطنية، فالقناة كلها متجهة الآن للوحدة الوطنية ولم الشمل.. وهو الخطاب الذي سنظل مستمرين فيه حتى يلقى طريقه، لكن الأمر ليس سهلا.. فنحن نتحدث مع أشخاص معهم سلاح ويتعاملون بالدم.
* وكيف ترى الإعلام المصري والعربي بشكل عام؟
- الإعلاميون العرب يسيرون في الخط السليم ويسعون للحفاظ على الاستقرار في الوطن العربي ومحاربة الإرهاب والتطرف، وأذكر بالقفزة الكبيرة التي قفزتها المملكة العربية السعودية في العشرين عاما الماضية وهي طبعا تشهد للقائمين على هذا البلد، الذين أثروا في الرأي العام بطريقة معتدلة.. وهذا هو الذي يحتاجه المشاهد العربي.
* هل ترى أن المستقبل للإعلام الخاص في مصر والدول العربية؟
- التلفزيونات الحكومية سوف تظل على وتيرتها المعتادة، لأن القائم عليها موظف حكومي؛ والإعلام الآن يعتمد على الإبهار البصري، والموظف الحكومي لا يفعل ذلك لأنه لو تقدم بمقترح لرؤسائه بعمل ديكورات مبهرة سوف يتم رفضها؛ لكن الإعلام الخاص الإبهار شيء أساسي لديه، فالقنوات الخاصة مشروع تجاري عكس قنوات الدولة.
* بعض الإعلاميين تحولوا لمحللين سياسيين ونقاد.. كيف ترى ذلك؟
- لا يمكن أن يكون الإعلامي محللا، فالإعلامي المهني لا يطرح رأيه، وإنما يطرح الآراء كلها والمشاهد هو من يقرر، ففي بعض الدول وليس في مصر يكون المشاهد متعلقا بمذيع معين، فيتم استغلاله من بعض الأجهزة لتوصيل فكرة معينة أو رأي معين، وبالتالي التوصيل سيكون أسرع من استضافة ضيف ومحاورته.
* في تصورك.. أين «ليبيا تي في» من القنوات الليبية؟
- في جميع الاستفتاءات سواء داخل ليبيا أو من الدول المجاورة حصدنا المرتبة الأولى، فبسبب سياسة القناة المعتدلة أصبح لنا مصداقية عند المشاهد، وأصبح يلجأ لنا عندما يكون هناك خبر معين للتعرف على حقيقته.
* وهل الجمهور المصري متابع للقناة؟
- لا.. ليس بكثرة، لأن التوجه كان ليبيا فقط، ووضعنا المالي لا يسمح بمجارات القنوات الفضائية الأخرى في مصر، ماديا لا نستطيع عمل برامج أو نشتري أفلاما أو مسلسلات جديدة؛ لكن فنيا نستطيع. لكن عندما يريد المشاهد توضيح عن الشأن الليبي يترك القنوات المصرية ليأتي إلينا.
* يوجد قنوات متشددة في ليبيا الآن؛ لكن أنتم حاليا خارج ليبيا.. ألا ترى أنكم أخليتم الساحة لهم لنشر فكرهم المتشدد؟
- المشاهد لن يقول ذلك وخصوصا أنني أمنحه الحدث؛ لكن طريقة الطرح مختلفة والمشاهد أصبح يفهم ويعرف الأسباب.. وهذا ما نقوم به، نأتي بالطرفين وهذا ليس له علاقة بأنك داخل البلد أو خارجها.
* بالنسبة لقناة الجزيرة.. هل مارست نفس الأسلوب الذي مارسته مع القاهرة؟
- طبعا.. الجزيرة كانت واحدة من القنوات التي أفسدت وأشعلت الفتنة في ليبيا، الطرح لم يكن موضوعيا وتعاملها مع ليبيا لم يكن مهنيا.. وهي مستمرة إلى الآن فهي تسلك مسلك جماعة الإخوان المسلمين وبكل قوة.
* وماذا عن القنوات الرسمية في ليبيا؟
- هناك قناتان.. لكن أصبحا أربعة الآن 2 تبع المنقطة الشرقية و2 تبع الغربية.
* البعض طالب بخطاب إعلامي عربي للم الشمل.. كيف تراه؟
- نأمل في ذلك، وأعتقد أن المواطن العربي الآن أصبح أكثر نضجا من ذي قبل لكشف زيف المؤامرات على العالم العربي.. وأن المخطط أكبر منا جميعا.
* أنت شقيق المطرب حميد الشاعري.. لماذا لم يفكر في تقديم برنامج بالقناة؟
- حميد له جمهوره الخاص.. وأتمنى أن يقدم برنامجا لكشف المواهب في مجال الغناء والموسيقى في الوطن العربي؛ لكن هذا البرنامج والجميع يعرف يحتاج موارد كبيرة.
* ولماذا لم تلجأ القنوات الليبية للبحث عن ممولين؟
- جميع من يمولون لديهم توجهات؛ وفي قناة «ليبيا تي في» مثلا نرفض أي دعم يأخذنا لتوجهات سياسية.
* وهل تحلم بالعودة إلى ليبيا وبث القناة من أرضها؟
- مسألة الرجوع إلى ليبيا ليست الأهم.. أحلم بإعلام مهني يقدم الصورة المهنية الحقيقية، فبعد ثورة 17 فبراير شعرنا أن صورة الإعلام سوف تتغير؛ لكنها سارت من الأسوأ للأسوأ.. فإعلام القذافي كان فاشلا وموجها وكنت لا تستطيع متابعة أي قناة أكثر من 3 دقائق.. ولذلك أذكر رأيا بقول إن «الإعلام يبني دولا ويسقطها».



زافين قيومجيان: أعيش اليوم «مراهقة الخمسين» الإعلامية

أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)
أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)
TT

زافين قيومجيان: أعيش اليوم «مراهقة الخمسين» الإعلامية

أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)
أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)

سيرته الإعلامية ومشواره المهني لا يشبهان أحداً سواه. منذ خطواته الأولى في عالم الإعلام، اختار الإعلامي اللبناني زافين قيومجيان أن يسلك طريق الاختلاف، فغرّد خارج السّرب وترك بصمة غير تقليدية في الإعلام المرئي والمسموع. وتمكّن من تكريس هوية خاصة به.حتى منشوراته، ومنها «أسعد الله مساءكم»، و«لبنان فلبنان»، و«لبنان على ال اشة»، عكست حبّه العميق للبنان والشاشة، فطعّمها بذكرياته ومشاهداته وتعلّقه بالوطن، لتتحوّل مع الوقت إلى مرجع للذاكرة الجماعية.

«الإعلامي الأميز عربياً»

في كل لقاء مع زافين، لا بدّ من اكتشاف جديد عنه. وأخيراً، من أخباره أنه تُوّج بلقب «الإعلامي الأميز عربياً» لعام 2025، إثر استفتاء شمل 18600 مشارك من مختلف أنحاء العالم العربي، أجراه فريق هيئة «الملتقى الإعلامي العربي». وهذا لقب لا يُعدّ جديداً على مسيرته، إذ سبق أن صنّفته مجلة «نيوزويك» الأميركية ضمن الـ43 شخصية الأكثر تأثيراً في العالم العربي. كما احتل المرتبة الثالثة على قائمة «الشخصيات الـ30 الأكثر تأثيراً على تويتر» في لبنان. وهذا، إلى جانب عشرات الجوائز التكريمية التي حصدها عن برامجه التلفزيونية، لا سيما فئة البرامج الحوارية الاجتماعية.

شغفه بالعمل الإخباري

على الصعيد المهني، يقول زافين إن أجمل تجاربه الإعلامية، والأقرب إلى قلبه على امتداد 35 سنة، تبقى التجربة الإخبارية. ويوضح: «أحِب العمل الإخباري وكل ما يتعلّق بتلفزيون الواقع. ولقد أحببت كثيراً فترة عملي مراسل أخبار، وأيضاً في التحقيقات الاستقصائية، والحوارات السياسية، وإذاعة الأخبار... إذ إنني عندما اخترت دراسة الصحافة كان العمل الإخباري هدفي الأول».

اختبر الزمن... ولم يبدّل مبادئه

يعزو زافين قيومجيان «استمراريته» الناجحة إلى جرأته الدائمة على التغيير. وبحسب رأيه: «إذا لم يبدّل الإنسان قشرته الخارجية يذبُل ويموت، وشرط البقاء هو الحفاظ على المبادئ. التغيير يمكن أن يصيب الشكل لكن لا يجوز أن يمسَّ المضمون. وبالتالي، فإن قاعدتي الذهبية ترتكز على (ثلاثية) الحرفية والاحترام والقيَم».

وحقاً، يقتنع بنفسه ويدعو الآخرين إلى الإيمان بذواتهم، بحثاً عن الأفضل على الدوام. ثم يعلّق: «أنا لا أكتفي بالنتيجة الإيجابية... لأنني أرغب بما هو أفضل. أن تكون إعلامياً مخضرماً، وتواكب الأجيال يعني أن تنجح في اختبار الزمن والعمر. قلّة فقط تملك هذه القدرة لأن الثمن المدفوع يكون مرتفعاً».

حوار رئيس الجمهورية

من جهة ثانية، كان زافين أول إعلامي لبناني يُجري حواراً حصرياً مع رئيس الجمهورية، العماد جوزيف عون. وعنه يكشف: «كنت أرغب في هذه المقابلة عن سابق تصوّر وتصميم. وفعلاً، طلبت موعداً من القصر الجمهوري... ومشكورين، كان لي ما أردته. والحقيقة أن الرئيس يدرك طبيعة حواراتي وبساطة أسلوبي البعيد عن الادعاء». ثم يضيف: «كانت المرة الأولى التي ألتقيه فيها وجهاً لوجه وفي مناسبة غير عامة. قرأت الصدق في عينيه، وإصراره على العبور بلبنان إلى ضفة الازدهار والسلام. إنه يتمتع بتواضع وإرادة قوية لإجراء الإصلاحات اللازمة، وهو شخص لطيف وصادق جداً».

يقدم اليوم على شاشة "الجديد" برنامج "سيرة وكمّلت" (إنستغرام)

محطات وشخصيات صنعت الذاكرة

طوال مسيرته الإعلامية، التقى زافين شخصيات سياسية وفنية كثيرة تركت - كما يقول - أثرها في تجربته، من بينها الرئيسان الراحلان إلياس الهراوي ورفيق الحريري في ميدان السياسة، وفي المجال الفني الفنانتان إليسا ونوال الزغبي.

ويتابع: «تعرّفت إلى الهراوي والحريري عن قرب عندما كنت مراسلاً إخبارياً في القصرين الجمهوري والحكومي، ولمست وطنيتهما. فقد آمنا بلبنان وعَملا على نقله من زمن الحرب إلى زمن السلم... أنا أحب الأشخاص الذين يُحدثون تحوّلات ويوسّعون هامش الحرية. أما بالنسبة لأهل الفن فإن إليسا ونوال كسرتا القوالب التقليدية وصنعتا قوانين جديدة تشبه شخصيتيهما».

مهنياً، يعدّ زافين المديرَ العام السابق لـ«تلفزيون لبنان»، فؤاد نعيم، الداعمَ الأكبر له، مستطرداً: «لقد آمن بي وغامر معي في نقل الإعلام من التقليدي إلى الحديث. اكتشفني ووضع يده على روحي، ولولاه لكانت حياتي بالتأكيد أصعب».

الإنسانية: المدرسة الأولى... والأخيرة

في الواقع، تنقّل زافين قيومجيان بين أكثر من محطة تلفزيونية، من «تلفزيون لبنان» إلى «المستقبل» وصولاً إلى «الجديد». وذاع صيته عربياً بوصفه أحد أوائل مَن قدَّموا برامج حوارية جريئة على شاشة فضائية عربية، كاشفاً المسكوت عنه، وغائصاً في عمق البيوت ومشاكلها. وعن هذا الجانب يعلّق: «منذ بداياتي رغبت في تناول هذا النوع من القصص من دون أحكام مسبقة. أنا لا أركّز على الأرقام بل على التجربة الإنسانية. ولا يهمّني عدد الضحايا بقدر ما يهمّني ما عاشته الضحية. إنما أنتمي إلى المدرسة الإنسانية، وأعتزّ بذلك».

النجاح... قدرة على التأقلم

في مرحلة سابقة، غاب صاحب السؤال الشهير «شو حسّيت؟» (بماذا شعرت؟) عن وسائل التواصل الاجتماعي، مفضّلاً الانتقال من الانتشار الواسع إلى جمهور أصغر. وبالفعل، قدّم بودكاست «100 ع 100» بالتعاون مع الجامعة اللبنانية الأميركية (LAU). وشارك في مناظرات شبابية «30 - 31»، قبل أن يطلّ اليوم في «سيرة وكمّلت» على شاشة «الجديد»، ولعلها النُّسخة المعاصرة من برنامجه الشهير «سيرة وانفتحت». وهو أيضاً يشارك في برنامج «بونجورين» عبر إذاعة «صوت كل لبنان».

وهنا يقول: «لم أعد بحاجة لإثبات مكاني. أعمل بدافع الشغف. الإذاعة نابعة من حبّي للتواصل مع جيل لا يزال وفياً لها، وفي المقابل أحرص على التواصل مع جمهور أصغر سناً». وفي هذا السياق، كونه أستاذاً جامعياً في الإعلام في الـ«LAU»- حيث تلقى تعليمه الجامعي - يبقى زافين على تماسٍ مباشر مع جيل الشباب. ويوضح: «مهما كانت خبرتي طويلة، أدرك ضرورة الإصغاء إلى الأصغر سناً، تماماً كالفنان النجم الذي يتعاون مع ملحّن مغمور... هذه التنازلات ضرورية لأنها تحمل تحدّيات التجديد».

الشاشة الصغيرة... الرهان المستمر

رغم تنوّع منصّاته، يعود زافين دائماً إلى التلفزيون، مؤمناً بدوره الجامع. ويقول: «أريد أن أشارك في الولادة الجديدة للتلفزيون. صحيح أن الناس استعاضت عنه بالهواتف، لكن الشاشة الصغيرة تبقى التجربة المشتركة الوحيدة للعائلة. طبعاً لن أعيده إلى عصره الذهبي... لكنني سأعمل على تطويره. هذه الولادات تحتاج إلى إعلاميين مخضرمين يكونون جسر عبور بين جيل وآخر».

إعادة الشريط المهني بقالب حديث

ويُسعد زافين اللقاء بالقول عن مرحلته الحالية إنها «مراهقة الخمسين» الإعلامية (جَهْلة الخمسين المهنية)، وفق تعبيره. وفيها يعيد تقديم القصص الاجتماعية التي اشتهر بها بشروط جديدة... ويختتم: «أشعر بالحنين إلى الإعلام التقليدي، وأحاول عبر الإذاعة والبودكاست والتدريس الجامعي الابتعاد عن ضغوط الإعلام السائد، وتحسين قواعد اللعبة الإعلامية على طريقتي».


ما هي انعكاسات تراجع التفاعل «السوشيالي» لصالح الفيديوهات على عمل الناشرين؟

شعار "تيك توك" (رويترز)
شعار "تيك توك" (رويترز)
TT

ما هي انعكاسات تراجع التفاعل «السوشيالي» لصالح الفيديوهات على عمل الناشرين؟

شعار "تيك توك" (رويترز)
شعار "تيك توك" (رويترز)

يبدو أن منصات التواصل الاجتماعي تمر بـ«أزمة»، إذ بدا الدور الأصيل لها -وهو التواصل، وبناء الروابط الاجتماعية- يتلاشى، ليبرز الترفيه، ومتابعة الفيديوهات الخاصة بأشخاص «غرباء» باعتبار أنه احتياج أوّلي للمُستخدمين.

هذا الاتجاه يطرح تساؤلات بشأن ماذا سيحدث لاستراتيجيات عمل الناشرين حين يصبح الفيديو لغة المنصات الأولى؟ وكان معهد رويترز لدراسة الصحافة قد لفت في التقرير السنوي «لاتجاهات وتوقعات الصحافة والإعلام والتكنولوجيا لعام 2026»، أخيراً، إلى أن وسائل التواصل باتت أقل «اجتماعية»، بسبب تحوّل جذري في سلوك المستخدمين إزاء منصات «السوشيال ميديا» التقليدية، مع تراجع المحتوى الآتي من دائرة الأصدقاء لصالح موجز تقوده توصيات الذكاء الاصطناعي، ومقاطع الفيديو.

الدكتور أنس النجداوي، مدير جامعة أبوظبي-فرع دبي، وأستاذ الأعمال الرقمية المشارك، مستشار قناتي «العربية» و«الحدث» للتكنولوجيا ووسائل التواصل، يرى أن منصّات التواصل الاجتماعي تُغير خوارزمياتها بشكل مستمر، غير أن ما برز خلال العامين الماضيين هو انتقال اهتمام هذه المنصات من «مَن تتابع؟» إلى «ماذا يشدّ انتباهك ويبقيك وقتاً أطول على المنصة؟».

وأوضح النجداوي لـ«الشرق الأوسط» أنه «في السابق كانت منصات (السوشيال ميديا) تقوم بتحليل الرسم البياني الاجتماعي، أو Social Graph Analysis لمعرفة شبكة علاقات المستخدم، والأصدقاء، والحسابات التي يتابعها، ومن خلال هذه البيانات تبني ملف اهتمام يحدد سلوك المستخدم بدقة... غير أن الفيديو القصير هو الآن الأداة الأقوى لرفع مؤشر البقاء داخل التطبيق، لأنه سريع، ومتلاحق، ويدفع المستخدم من مقطع إلى آخر، وهو ما يترجم إلى أرباح إعلانية أعلى». وأردف: «وفي المقابل، تصبح النصوص الطويلة، والروابط الخارجية عبئاً، لأنها تخرج المستخدم من المنصة، فتتراجع فرص انتشارها».

عن انعكاس هذا التغير على استراتيجيات عمل الناشرين، يرى النجداوي أن «المؤسسات الصحافية والإعلامية أمام أزمة، لأن النموذج المعتاد للوصول للجمهور تغيّر... ذلك أننا نعيش الآن عصر (الزيرو كليك)، أي أن الروابط لم تعد مُجدية، وزيارات المواقع الصحافية انخفضت، ما يعكس ضرورة أن تغير نموذج العمل». وأوضح من ثم أن هذا التحوّل صنع ما يُسمّى بـ«النيوز إنفلونسر».

وتابع الدكتور النجداوي بقلق قائلاً إن «السرعة يمكن أن تدفع البعض للتبسيط المُخِلّ، أو للإثارة، ما يعني أن مُجاراة الخوارزميات يمكن أن تدفع الناشرين لتقديم محتوى بلا تأثير حقيقي، أو معلومة واضحة، فالمعادلة صارت صعبة؛ كيف تصنع فيديو يناسب الخوارزمية من دون أن تخسر التحقق، والدقة، والثقة؟».

من جهة ثانية، وفق بيانات وفرها «تشارتبيت» لصالح تقرير «رويترز» تراجع متوسط الإحالات إلى مواقع الأخبار من «فيسبوك» بنحو 43 في المائة خلال العامين الماضيين ونصف العام، بينما انخفضت الإحالات من «إكس» بنسبة 46 في المائة، في مؤشر على أن الانتشار عبر الروابط لم يعد يضمن حركة زيارات كما كان سابقاً.

وهنا علّق محمد عاطف، الباحث المتخصص في الإعلام الرقمي بدولة الإمارات المتحدة، قائلاً إن الاستثمار في منصات الفيديو مثل «يوتيوب» و«تيك توك» بات خياراً أكثر جدوى من الاعتماد المفرط على الوصول من خلال المنصات التقليدية للتواصل الاجتماعي، أو «غوغل».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» شارحاً: «صحيح أن (غوغل ديسكوفر) كان مصدراً ضخماً للزيارات، غير أن السنوات الأخيرة شهدت تحولات جذرية، وبات من الصعب الاعتماد عليه، لا سيما أنه يخضع بالكامل لخوارزميات تتغير باستمرار، وقد ترفع أو تخفض الزيارات بشكل حاد خلال أيام». وتابع أن «سياسة (غوغل) أصبحت واضحة في استهداف إبقاء المستخدم داخل منظومتها عبر ملخصات الذكاء الاصطناعي، ما يقلل من قيمة الزيارة نفسها، ويضعف العائد التحريري والاقتصادي للناشر».

أيضاً اعتبر عاطف أن «يوتيوب» و«تيك توك» باتتا بيئة استهلاك حقيقية للجمهور اليومي، و«الاستثمار فيهما، لا يعني فقط تحقيق مشاهدات، بل بناء حضور متكرّر، وهوية بصرية، ونمط سردي يتعرف عليه الجمهور بسهولة». وحسب رأيه فإن «الاستراتيجية الأكثر واقعية في 2026 هي التحول من عقلية مصادر الزيارات إلى عقلية أماكن وجود الجمهور، لأن الفيديو القصير أصبح اللغة السائدة... بل حتى (غوغل) نفسها باتت تكافئه داخل (ديسكوفر)، لذلك الاستثمار في الفيديو لم يعد خياراً إضافياً».

واختتم موضحاً أن «إدراج الفيديو القصير ضمن منتجات المؤسسات الصحافية بات ضرورة، لضمان الوصول إلى فئات عمرية جديدة من الجمهور... لكن الفيديو القصير يعد تحدياً أمام الناشرين، لأنه يفرض منطقاً مختلفاً بالكامل في السرد الصحافي. وعلينا أن نقر بأن الجمهور بات أسرع في سلوكه التفاعلي، فهو لا يمنح أكثر من ثوانٍ قليلة قبل اتخاذ قرار المشاهدة، أو التمرير، ما يجعل نوع المحتوى وزاوية تقديمه عاملين حاسمين في النجاح».


الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
TT

الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)

في مشهد إعلامي عربي يتسم بالتنوع البالغ، تبدو الشاشات المتناقضة وكأنها تتلاعب بمشاعر المشاهدين بين الفرح والخشوع والحزن في غضون ساعات قليلة.

هذا التباين الشديد يفرض تحدياً على المتلقي، فبينما يتابع بلهفة إبراز المواهب الغنائية يوم الأربعاء على برنامج «ذا فويس»، يجد نفسه منغمساً في أجواء روحانية خاشعة الجمعة والسبت مع برنامج «دولة التلاوة» المختص بترتيل القرآن الكريم.

أما الأحد، فيتحول المزاج إلى طاقة وحيوية مع رقصة الدبكة الصاخبة في برنامج «يلا ندبك». وباقي أيام الأسبوع، تأتي الأخبار لتلقي بظلالها على كل ذلك، لتملأ الشاشات بتقارير عن الحروب، والموت، والتطورات السياسية المؤلمة في المنطقة.

هذا التناوب الحاد بين الترفيه والروحانية والمأساة يولد تجربة مشاهدة فريدة ومتقلبة، يتأرجح فيها المشاهد بين الانغماس في المحتوى المرح والروحاني والهروب من واقع الصراعات.

جذب الجمهور

لا تتوقف تأثيرات هذه البرامج عند حدود الشاشات التقليدية، بل تمتد لتغزو منصات التواصل الاجتماعي، لتُغذيها بكم هائل من المشاهدات والتفاعلات التي تعزز انتشارها وتأثيرها.

كل برنامج ينجح في جذب انتباه الجمهور بطريقته الخاصة: «ذا فويس» يشعل روح المنافسة الغنائية ويدفع إلى تفاعلات واسعة النطاق، بينما «دولة التلاوة» يجذب شرائح واسعة من محبي الروحانية وتلاوة القرآن الكريم.

في المقابل، يمثل «يلا ندبك» منصة لإحياء التراث والطاقة الشبابية. يشارك الجمهور بفاعلية عبر التصويت، التعليقات، مشاركة المقاطع، إنشاء الهاشتاغات، ما يعزز ليس فقط انتشار البرامج بل يزيد أيضاً من قيمة المشاهدات والمتابعين للقنوات والمنصات التي تبثها.

دولة التلاوة

في مصر، يقدم برنامج «دولة التلاوة» نافذة للروحانية المطلوبة في خضم واقع متغير مليء بالتحديات. آلاف المتسابقين من مختلف المحافظات المصرية يدخلون في منافسات قوية في ترتيل وتجويد القرآن الكريم، لتصل الحلقات النهائية إلى اختيار أفضل 32 قارئاً، وهم في تنافس على المرتبة الأولى.

صورة جماعية من برنامج «دولة التلاوة» (فيسبوك)

تُبث هذه الحلقات على قنوات رئيسية، كما تُعرض على منصات رقمية، ما يضمن وصولها لجمهور واسع داخل مصر وخارجها. يظهر التفاعل الكبير على منصات التواصل الاجتماعي بوضوح، حيث تصل الجوائز الإجمالية للفائزين إلى 3.5 مليون جنيه مصري (75 ألف دولار تقريباً).

وتشمل الجوائز أيضاً تسجيل المصحف الشريف بأصوات الفائزين وإمامة صلاة التراويح في شهر رمضان، ما يضيف بعداً معنوياً كبيراً للبرنامج. تضفي لجنة التحكيم التي تضم نخبة من كبار العلماء والقراء، مصداقية روحانية فريدة للبرنامج، وتجذب عشاق التلاوة والفن على حد سواء.

«ذا فويس»

أما من الأردن، فيطل برنامج «ذا فويس» كمنصة بارزة لاكتشاف المواهب الغنائية الصاعدة. تعتمد صيغة البرنامج على تقييم الصوت فقط في مرحلة «العروض العمياء» الأولى، ثم تتصاعد المنافسة لتشمل العروض المباشرة والعروض الحية.

«ذا فويس 6» والمدرّبون ناصيف زيتون وأحمد سعد ورحمة رياض (إنستغرام)

الموسم الحالي، وهو السادس لعامي 2025 - 2026، يضم لجنة تحكيم مكونة من نجوم الغناء ناصيف زيتون ورحمة رياض وأحمد سعد. يشارك الجمهور بفاعلية في تحديد الفائز من خلال التصويت، ما يعكس الشغف الجماهيري بالمواهب الفنية ويعيد إحياء برامج المواهب الكبرى بعد سنوات من الانقطاع، ليولد بذلك حالة من الترقب والحماس بين المشاهدين.

«يلا ندبك»

وفي لبنان، يقدم برنامج «يلا ندبك» تجربة مختلفة تماماً، حيث يركز على فرق الدبكة اللبنانية التقليدية التي تتنافس لتقديم أفضل أداء. يتكون الموسم من ست حلقات تُظهر التراث الفولكلوري اللبناني والطاقة الشبابية المفعمة بالحيوية.

«يلا ندبك» على شاشة «إم تي في» اللبنانية (إنستغرام)

يحتفي البرنامج بالهوية اللبنانية الغنية بالثقافة والفن. التفاعل الجماهيري معه كبير وملحوظ، حيث تتصدر هاشتاغات البرنامج منصات التواصل الاجتماعي، ما يعكس اهتمام الجمهور العميق بالتراث والمرح في آن واحد.

دمار ومآسٍ

على الرغم من هذا القدر من الترفيه والروحانية، لا يمكن تجاهل الواقع القاسي والمؤلم الذي يعيشه العالم العربي. نشرات الأخبار والبرامج السياسية تظل على مدار الساعة تتابع الحروب والمجاعات التي تضرب مناطق مثل غزة، السودان، اليمن، لبنان، سوريا، وغيرها. وتُقدم تحديثات شبه لحظية، وتحليلات معمقة، وتقارير ميدانية تظهر الدمار والمعاناة الإنسانية.

مرآة عربية

ينتقل المشاهد بسرعة من فرحة الأغاني والتلاوات والرقصات التراثية إلى صدمة الأخبار الثقيلة، ما يعكس الفجوة بين المحتوى المبهج المتنوع والواقع المأساوي الحقيقي.

هذا التنوع في المحتوى الإعلامي ليس مجرد ترفيه أو سباق على المشاهدات، بل هو مرآة لمجتمع عربي يبحث عن توازنه الخاص بين النقد اللاذع والاحتفال، بين الخشوع الديني والمرح العفوي.

وفي خضم أزيز أخبار الحروب التي لا تتوقف، تبقى الشاشات مساحة واسعة يحاول من خلالها كل فرد أن يجد جزءاً من ذاته، سواء في صوت جميل يلامس الروح، أو في دقة إيقاع تراثي يربطه بأصوله، أو في أداء غنائي آسر للقلوب.