مشهد سياسي متحرك في تونس

وسط دعوات لإقالة الرؤساء الثلاثة

مشهد سياسي متحرك في تونس
TT

مشهد سياسي متحرك في تونس

مشهد سياسي متحرك في تونس

تؤكد مؤشرات عديدة في تونس أن المشهد السياسي مقبل على تغييرات عميقة، من المقرّر أن يعجل بها الإعلان عن «تطوّر إيجابي» في علاقة رئاسة الجمهورية بكل من الحكومة والبرلمان، بما يضع حدا لحوالي عام من التوتر وتبادل الاتهامات.
وعلى الرغم من تصعيد عبير موسي، رئيسة الحزب الدستوري وبعض حلفائها في المعارضة من انتقاداتهم للغالبية البرلمانية والسياسية التي تحكم البلاد، فإن تحركات الكواليس تكشف بوادر «توافقات جديدة» قد تؤدي إلى تشكيل «حكومة سياسية» تنفتح أكثر على المعارضة والنقابات والخبراء المستقلين. ولقد صدرت الرسائل الأولى عن كون «التغيير قادم» عندما تزامن تصعيد الأطراف السياسية والنقابية المتصارعة لهجتها ضد رؤساء الجمهورية والبرلمان والحكومة مع اجتماعات «رفيعة المستوى» ناقشت سيناريوهات «حلحلة الأزمة»، بما في ذلك، عبر تشكيل حكومة بديلة عن الحكومة الحالية التي لم يباشر 11 من أعضائها مهامهم رسمياً بسبب «فيتو» مارسه ضدهم الرئيس قيس سعيِّد.

لعل أخطر تصعيد سجل على الساحة السياسية التونسية منذ الإطاحة بحكم الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، مطلع 2011، أن قيادة نقابات العمال - تحديداً «الاتحاد العام التونسي للشغل» - ، التي تلعب دوراً سياسياً كبيراً جداً في تونس، دعت إلى تنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية سابقة لأوانها، وسط مطالبات بإقالة الرؤساء الثلاثة (الجمهورية والحكومة والبرلمان) و«إعادة العهدة إلى الشعب».
لم تعلق رئاسة الجمهورية ولا رئاسة البرلمان ولا رئاسة الحكومة على هذه الدعوات، رغم الحملة التي شنتها قنوات إذاعية وتلفزيونية ووسائل إعلام محلية ودولية حول ما وصفته بـ«سابقة» مطالبة النقابات لرئيس الجمهورية وللبرلمان بالتنحّي.
وفي هذه الأثناء، حذّرت أطراف سياسية عديدة من مخاطر «القطيعة والصدام» بين القيادة النقابية والرؤساء الثلاثة إثر الانتقادات الحادة التي وجهتها لهم أعلى سلطة في «الاتحاد العام التونسي للشغل» بين مؤتمرين (الهيئة الإدارية) في بلاغ رسمي، تحضيراً لمؤتمر استثنائي من المقرّر أن تعقده المركزية النقابية قريباً.
في المقابل، رحّبت قيادات من أحزاب المعارضة، مثل الشعب والدستوري الحر والتيار، بالدعوات إلى «تنظيم انتخابات مبكّرة»، وأورد فتحي العيادي الناطق الرسمي باسم حزب حركة النهضة (الإسلامي) البرلماني أن حزبه «مستعد لمثل هذه الانتخابات».

- استفتاء شعبي...
مع هذا، فإن معظم خبراء القانون الدستوري في البلاد، بينهم الأكاديمي كمال بن مسعود والعميد السابق لكلية الحقوق رافع بن عاشور، استبعدوا تنظيم انتخابات مبكّرة من دون حصول «توافق سياسي» على أعلى المستويات يؤدي إلى تعديل القانون الانتخابي والدستور. واستدل هؤلاء بكون الدستور الحالي لا يخوّل لأي جهة سياسية، بما في ذلك رئيس الجمهورية أو البرلمان، إلغاء نتائج انتخابات 2019 والدعوة لانتخابات مبكّرة.
من جانبها، أوضحت الخبيرة القانونية الجامعية منى كريم أن الدستور يسمح لرئيس الجمهورية بحلّ البرلمان والدعوة لانتخابات سابقة لأوانها في «حالات نادرة، منها عدم حصول رئيس الحكومة الذي رشحه على تزكية الأغلبية البرلمانية مرتين متعاقبتين».
في حين رأى فتحي بالحاج، الوزير السابق والقيادي في حزب الشعب المعارض، والبرلماني فتحي العيادي، الناطق الرسمي باسم حزب حركة النهضة، أن «تنظيم انتخابات جديدة قبل تعديل القانون الانتخابي سيفرز المشهد السياسي نفسه تقريباً». ولذا، دعا عدد من النشطاء السياسيين، بينهم الوزيران السابقان محسن مرزوق وكمال الجندوبي وعميد المحامين السابق شوقي الطبيب، إلى تنظيم «استفتاء شعبي» حول تغيير طبيعة النظام السياسي من نظام برلماني إلى نظام رئاسي. وأطلق مجموعة من النشطاء اليساريين السابقين مبادرة «صمود» بهدف جمع عشرات آلاف تواقيع المواطنين الذين يدعمون تنظيم «الاستفتاء الشعبي».

- الرئاسة مدى الحياة؟
غير أن جلّ قادة الأحزاب الحاكمة والمعارضة، بما فيهم حمّة الهمّامي زعيم حزب العمال الشيوعي، والوزير السابق الدكتور رفيق عبد السلام، أعلنوا بوضوح معارضتهم لما نسب للرئيس قيس سعيّد ومناصرين له من دعوة إلى تنظيم «استفتاء شعبي» حول التخلّي عن «دستور الثورة» الصادر عام 2014 والعودة إلى دستور 1959، الذي انتقده معظم السياسيين منذ 2011 واتهموه بـ«التشريع للاستبداد والحكم الفردي والرئاسة مدى الحياة». وللعلم، نسب أمين عام نقابات العمال نور الدين الطبوبي للرئيس سعيّد، بعد مقابلات خاصة معه، أنه يفكر «في تنظيم استفتاء للعودة إلى دستور 1959» بحجة أن الدستور الجديد «قيّد صلاحيات رئيس الجمهورية وكرّس تضارب الصلاحيات بينه وبين رئيس الحكومة من جهة والبرلمان من جهة ثانية».
كذلك، نشرت الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية صوراً وفيديو عن اجتماع عقده قيس سعيّد مع البرلمانية السابقة والناشطة القومية العروبية مباركة البراهمي يعرض فيها صفحات من جريدة «العمل» الناطقة باسم الحزب الحاكم عام 1959 تنوّه بتصريحات الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة عن دستور يونيو 1959. وأثار نشر تلك الصور والأخبار في مزيد من الانتقادات للرئيس سعيّد وبعض مستشاريه مع اتهامهم بـ«التراجع عن المكاسب الديمقراطية في دستور 2014».

- استشارة... وليست قانوناً
ولكن بعض الخبراء المتخصصين في القانون الدستوري، بينهم الأكاديمي والخبير القضائي الدولي هيكل بن محفوظ، طالبوا بـ«إخراج البلاد من أزمته السياسية ومن دوامة الصراعات حول الصلاحيات بين كبار المسؤولين في الدولة عبر استفتاء شعبي استشاري يدعو له رئيس الجمهورية». وأوضح هيكل بن محفوظ في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «دستور 2014 حدد مجالات تنظيم الاستفتاء العام بالقضايا التي لديها علاقة بملفات حقوق الإنسان، لكنه لا يمنع رئيس الدولة من الدعوة إلى استفتاء عام استشاري بما في ذلك حول التعديل الجزئي للنظام السياسي. واعتبر بن محفوظ أن «الاستفتاء الاستشاري ليس مُلزماً» لكنه يمكن أن يساعد صناع القرار على حلحلة الملفات وإخراج البلاد من (الدوامة) و(الدوران في حلقة مفرغة)».

- صلاحيات رئيس الدولة
في المقابل، تعالت في الفترة الماضية دعوات مسانِدة لتوسيع صلاحيات رئيس الجمهورية على حساب البرلمان والحكومة.
وصدرت مثل هذه الدعوات بالخصوص عن وزيري العدل والتعليم العالي قبل 2011 الصادق شعبان والبشير التكاري، اللذين اعتبرا أن «الدستور الحالي يسمح لرئيس الجمهورية بإعلان إجراءات طوارئ عندما يكون الأمن الوطني مُهدداً، بما في ذلك عبر إجراءات استثنائية قانونية توسّع صلاحياته، وتحدّ من دور البرلمان والحكومة اللذين شلتهما الصراعات السياسية والنزاعات الحزبية والشخصية». ومن بين المفاجآت أنه كان من بين من دعوا إلى توسيع صلاحيات رئيس الجمهورية الوزير السابق والقيادي المنشق عن حركة النهضة لطفي زيتون. إذ انتقد زيتون البرلمان والحكومة و«كامل المنظومة السياسية الحاكمة منذ 2011» مراراً، ثم التقى الرئيس سعيّد في قصر قرطاج، ودعا إلى «احترام مقام رئيس الجمهورية وتوسيع دور مؤسسة الرئاسة بهدف إنقاذ البلاد من أزمتها».
وكان زيتون أعلن عن موقف مماثل عندما برزت خلافات بين الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي ورئيس حكومته يوسف الشاهد - الذي كان حينذاك متحالفاً مع قيادة حركة النهضة ، وكان زيتون من الأقلية «النهضوية» التي انحازت إلى قصر قرطاج في صراعه مع الشاهد وحكومته.

- وساطات... واتفاق
وبموازاة التصريحات النارية ورفع سقف المطالب في الخطابات النقابية والسياسية، أكدت مصادر مسؤولة من عدة أحزاب وفي مصادر صنع القرار أن تونس مقبلة على مرحلة جديدة من «التوافق السياسي» تبدأ بحسم الخلافات بين قصري رئاسة الجمهورية والبرلمان من جهة... وبين قيس سعيّد وراشد الغنوشي وبعض المقرّبين منه من جهة ثانية.
وبدأ تغيير المسار بعد الإعلان عن جلسات حوار وتشاور سياسي عقدها الرئيس سعيّد مع عدة شخصيات دبلوماسية وسياسية بينها لطفي زيتون ومع صديقه القديم والزعيم اليساري السابق رضا شهاب المكَي، المعروف بلقب «رضا لينين». وبعد ذلك بأيام عقد سعيّد اجتماعا على انفراد لمدة ساعة ونصف الساعة، كان الأول من نوعه منذ العام الماضي، مع رئيس البرلمان راشد الغنوشي، الزعيم التاريخي لحزب حركة النهضة.
وحسب مصادر عديدة، أسفر الاجتماع عن «توافق شامل» على تسوية الأزمة السياسية الحالية، بما في ذلك عبر احتمال إعلان تعديل حكومي واسع، واستبعاد الوزراء الذين اعترض عليهم سعيّد منذ 6 أشهر بعد الحديث عن «شبهات فساد» تحفّ بهم.

- انهيار «الحزام السياسي»؟
في هذه الأثناء صدرت عن قياديين في حزب قلب تونس، بينهم البرلماني أسامة الخليفي، انتقادات للتقارب بين حليفهم رئيس البرلمان وحزبه مع الرئيس سعيّد وحلفائه أعضاء «الكتلة الديمقراطية» في البرلمان (حزبا الشعب والتيار). وحذّر عدد من نواب «الحزام البرلماني والسياسي» للحكومة من تصدّع الائتلاف الحاكم في حال «تلويح» الغنوشي وقيادة النهضة «بإمكانية» التنازل عن رئيس الحكومة الحالي هشام المشيشي، الذي يحظى بدعم عشرات النواب المحسوبين على أحزاب خرجت من رحم الحزب الحاكم قبل 2011... أي التجمع الدستوري الديمقراطي.
وبعد الإفراج عن زعيم حزب قلب تونس رجل الأعمال نبيل القروي، الذي نافس قيس سعيّد في الجولة النهائية من انتخابات 2019، تعالت مجددا دعوات إلى تشكيل «تحالف سياسي جديد» يشمل مَن يوصفون بـ«الحداثيين والليبيراليين» ضد خصومهم «الإسلاميين» أي نواب حزب حركة النهضة وائتلاف الكرامة وحلفائهما. وإذا ما قام هذا «التحالف» يمكن تشكيل حكومة جديدة برئاسة المشيشي يدعمهما حزب عبير موسي الدستوري، وقد يدعمها قصر قرطاج (الرئيس سعيّد)، تتعهّد في الكواليس بغلق الملفات المالية والقضائية التي تسبّبت في إيقاف نبيل القروي مرتين عام 2019 وهذا العام، وإصدار قرارات بمصادرة كل أمواله وممتلكاته مؤقتاً.
غير أن التصريحات المتفائلة التي صدرت عن شخصيات عرفت بـ«تشددها» مثل وزير الصحة السابق ونائب رئيس حركة النهضة عبد اللطيف المكي، تتزامن مع بوادر عودة التجاذبات السياسية مجدّداً. ولذلك، فإن تونس تجد نفسها مرة أخرى وهي «تدور في حلقة مفرغة» مع مسلسل «خطوة إلى الأمام.. خطوة إلى الوراء» على حد تعبير الإعلامي والأكاديمي المُنجي المبروكي. بل توشك الأوضاع أن تتعقد أكثر سلباً، بعد دخول مجموعات سياسية محسوبة على «أقصى اليسار» على الخط، وعودتها إلى اتهام قيادة حزب حركة النهضة بالتورّط في العنف والإرهاب.. بما في ذلك قتل المعارضين اليساريين شكري بلعيد ومحمد الإبراهيمي عام 2013.
ولقد لوّح المحامي رضا الرداوي، عضو هيئة الدفاع عن بلعيد والإبراهيمي، خلال مؤتمر صحافي جديد عقده مع رفاقه في الهيئة بالكشف عن «تورّط قضاة ومسؤولين كبار في الدولة منذ 10 سنوات في قضايا العنف والإرهاب»، بينهم عدد من المسؤولين في الحكومة التي سيطرت عليها شخصيات قيادية من حزب حركة النهضة عامي 2012 و2013 برئاسة المهندسين حمادي الجبالي وعلي العريّض.
في الوقت ذاته، بدأت جمعيات نسائية وحقوقية محسوبة على أحزاب يسارية تونسية حملة إعلامية شديدة اللهجة ضد مَن تصفهم بـ«الأصوليين» و«المتطرفين» الذين اتهمتهم بالنيل من حقوق المرأة والإساءة إلى زعيمة الحزب الدستوري عبير موسى ورفاقها.
أيضاً تشكلت مجموعات من الجمعيات والأحزاب التي تنظم تحركات تطالب بـ«إسقاط حكومة هشام المشيشي والبرلمان وكامل المنظومة السياسية التي أفرزتها انتخابات 2019»... وذلك عبر تشجيع «الاحتجاجات الشبابية» و«المظاهرات في الأحياء الشعبية» ردا على غلاء الأسعار وتضخم نسب البطالة والفقر والجريمة. وهي آفات تحمّل هذه المجموعات مسؤوليتها عن ـ«إخفاقات السياسيين» والمضاعفات الاجتماعية والاقتصادية لجائحة كوفيد - 19 وقرارات الطوارئ الحكومية بعد إغلاق الحدود والشلل الذي أصاب قطاعات عديدة من بينها السياحة والصناعات التقليدية والخدمات.
في كل الحالات يتضح أن المشهد السياسي في تونس يعيش اليوم فترة من التحرك النشط: بعض الأفرقاء يدفعه نحو دعم الائتلاف البرلماني السياسي الحالي عبر المصالحة مع قصر قرطاج (أي رئيس الجمهورية) وبعض الأحزاب المعارضة القريبة منه، في حين يسعى البعض الآخر إلى «تفجير التناقضات» داخل هذا الائتلاف تمهيدا لتشكيل تحالفات جديدة، من شأنها أن تؤثر في مسار الانتخابات البرلمانية والرئاسية القادمة سواء نظمت هذه الانتخابات في موعدها خلال عام 2024 أو تقرر إجراؤها مبكرا موفّى العام الحالي أو مطلع العام المقبل.


مقالات ذات صلة

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

حصاد الأسبوع الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

في عام 2020، أطلق السياسي الروسي الراحل والمثير للجدل فلاديمير جيرينوفسكي نبوءة لافتة؛ إذ قال إن الولايات المتحدة سوف تسيطر على فنزويلا، وإن الطريق سيكون ممهداً

رائد جبر (موسكو)
حصاد الأسبوع بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن

ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

العملية العسكرية الخاطفة التي نفّذتها قوات النخبة الأميركية في مقرّ الرئاسة الفنزويلية، انتهت فجر الثالث من هذا الشهر بإلقاء القبض على نيكولاس مادورو واقتياده

شوقي الريّس (مدريد)
حصاد الأسبوع ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)

رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ليس الانتقال السياسي تحت الوصاية الأميركية هو التحدي الوحيد الذي تقف أمامه الرئيسة الفنزويلية بالوكالة، ديلسي رودريغيز، التي قررت إدارة دونالد ترمب الرهان

«الشرق الأوسط» ( مدريد)
حصاد الأسبوع مناورات بحرية أميركية في بحر الصين الجنوبي (أ.ب)

أميركا والصين... تحوّلات في ميزان القوى بين الاقتصاد والدفاع

تتصاعد في السنوات الأخيرة النقاشات حول لحظة التحول الحاسمة في ميزان القوى العالمي بين الولايات المتحدة والصين، وسط تنامي المؤشرات على انتقال مركز الثقل الدولي

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع «مقام السيدة زينب» من الداخل ويبدو خالياً من الزوار ومن أعلام إيران ورموزها ورايات ميليشياتها (الشرق الأوسط)

«السيدة زينب»... حي دمشقي يطوي صفحة «التغيير الديموغرافي» الإيراني

تعود التركيبة السكانية إلى طبيعتها بوتيرة متسارعة في منطقة «السيدة زينب» جنوب دمشق، بعد عام على إسقاط حكم بشار الأسد وإنهاء الوجود الإيراني وميليشياته في سوريا،

موفق محمد (دمشق)

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
TT

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)

في عام 2020، أطلق السياسي الروسي الراحل والمثير للجدل فلاديمير جيرينوفسكي نبوءة لافتة؛ إذ قال إن الولايات المتحدة سوف تسيطر على فنزويلا، وإن الطريق سيكون ممهداً لصفقة مُرضية للطرفين: فنزويلا للأميركيين، وأوكرانيا لروسيا! جيرينوفسكي عُرف على مدى سنوات طويلة بإطلاق توقعات صاخبة، أصابت في أكثر من مناسبة، بينها بالنسبة للشرق الأوسط مثلاً انفجار مواجهة كبرى في الشرق الأوسط بين عامي 2023 و2024، وتعرض إيران لهجوم قوي من جانب واشنطن وتل أبيب. وسقوط مدوٍ لنظام بشار الأسد في سوريا، فضلاً عن بعض التوقعات الدقيقة لتطورات جرت في روسيا وحولها، مثل اندلاع الحرب الكبرى في أوكرانيا في 2023. كان السياسي الراحل (توفي عام 2022) يتكلم حينذاك في برنامج «توك شو» تلفزيوني، وقال إن الرئيس دونالد ترمب سيعود بقوة إلى البيت الأبيض بعد انتخابات 2024... و«علينا أن نساعده»(!)، قبل أن يضيف أن التوافق مع الرئيس الجمهوري في عدد من الملفات الحيوية «ممكن وضروري». وبعد ذلك أطلق عباراته المشهورة: «سوف يستولي (ترمب) على فنزويلا... هذا أمر واضح وأكيد، ونحن سنحكم سيطرتنا على أوكرانيا»، ورأى أن تلك ستكون «صفقة عادلة».

ليس من قبيل المصادفة أن يتذكّر الجميع في روسيا كلمات فلاديمير جيرينوفسكي بعد «العملية الخارقة» الأميركية التي أسفرت عن إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي اليساري نيكولاس مادورو ونقله إلى نيويورك بالطريقة التي تابعها العالم. ولا شك أن السياسي الشعبوي الروسي، الذي كان مقرّباً جداً من دوائر اتخاذ القرار في روسيا لسنوات طويلة، لم يكن ليطلق نبوءاته السياسية جزافاً، وهذا على الرغم من أن الكثير منها بدا للوهلة الأولى «ساذجاً» - حسب وصْف معلقين - أو «سخيفة وغير محتملة إطلاقاً»، مثل حديثه عن «انهيار سريع لنظام الأسد»، في وقت كانت فيه موسكو تؤكد انتهاء الحرب السورية، واستقرار الوضع نهائياً في هذا البلد.

لكن، عندما يستعيد الروس حالياً شريط توقعاته بشأن فنزويلا والصفقة المحتملة مع واشنطن، فإن النظرة إليها تختلف بالتأكيد عن نظرتهم لعباراته الصاخبة في أوقات سابقة.

جيرينوفسكي (آ ب)

ارتباك في أوساط النخب السياسية

واقع الأمر أن العملية الأميركية الخاطفة في فنزويلا، أصابت بعض النخب السياسية الروسية بنوع من الارتباك. ولقد برز هذا في تعليقات أظهرت انقساماً واضحاً حيال الحدث الفنزويلي بين طرفين:

إذ يرى الطرف الأول أن العملية الأميركية تشكل «فرصة مهمة» أمام موسكو لإطلاق عمليات مماثلة تجاه أوكرانيا، وللتشدد أكثر تجاه ملف التسوية.

أما الطرف الثاني فمال إلى تغليب الموقف التقليدي المتحفّظ، منطلقاً في حساباته من أن واشنطن، على الرغم من اختطاف الرئيس مادورو، «ليست قريبة أبداً من فرض سيطرة مطلقة في فنزويلا التي يحافظ التشافيزيون (نسبة إلى الرئيس السابق الراحل هوغو تشافيز) على تماسك مواقعهم وسيطرتهم في البلاد، بل يرى أصحاب هذا الرأي، الذي عبّرت عنه وكالة «نوفوستي» الحكومية في مقالة لمعلّقها السياسي، أن الطريق ما زالت طويلة أمام ترمب لإحكام السيطرة على نفط فنزويلا، وأن تهديداته للقادة الحاليين في هذا البلد لن تنعكس خطوات عملية؛ لأن هذا سوف يعني إدخال فنزويلا في حرب أهلية دامية.

لا تأثير يذكر لموقف روسيا والصين

في أي حال، هذا الرأي (الثاني)، وفقاً لمعلّقين، لن تكون له تأثيرات كبرى على آليات تعامل الكرملين مع الحدث الكبير، وخصوصاً أنه مهما كانت طبيعة التطورات اللاحقة، فإن مستوى التأثير الروسي أو الصيني على الأحداث اللاحقة سيكون محدوداً للغاية. وهذا ما يعني الحاجة إلى الإقرار بأن واشنطن انتقلت بالفعل إلى استخدام «القوة الخشنة» لتأمين مصالحها، وبدأت بفرض واقع جديد ينطلق من فكرة إحياء «شرعة مونرو»، وإحباط أي جهد خارجي للتأثير في منطقة نفوذ الولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي.

بعبارة أخرى، فإن الرؤية الروسية التي تجري بلورتها حالياً، قد تقوم على تحاشي تصعيد المواجهة مع واشنطن، والانطلاق - بدلاً عن ذلك - من تفحّص الفرص التي يمكن أن يوفرها الحدث الفنزويلي لتحقيق مكاسب لروسيا.

في هذا الإطار، يستبعد خبراء روس أن تذهب موسكو باتجاه تكرار «سيناريو» فنزويلا حرفياً. ذلك أنها ليست بحاجة إلى اختطاف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، لكن الأولوية ستكون باتجاه تصعيد الضغط العسكري على كييف لحملها على تقديم تنازلات مؤلمة. ومن جهة أخرى، تصعيد الضغط السياسي على العواصم الأوروبية، بهدف تقليص الأخيرة مطالبها حول الضمانات الأمنية التي تجري مناقشتها راهناً. ومن ثم، بالتوازي مع هذا المسار، يتوقع خبراء أن تعمل موسكو على تثبيت مبدأ «عدم شرعية زيلينسكي»، وأنه لن يكون مقبولاً في أي مرحلة مقبلة كـ«شريك في السلام».

بين حسابات الصفقات والتعامل مع الدخل

بطبيعة الحال، تعود هنا إلى الأذهان فكرة «الصفقة» المحتملة لاحقاً مع واشنطن، وهذا على الرغم من الضجة التي أثارها ترمب أخيراً حول تشديد العقوبات على موسكو.

في المقابل، ثمة مخاوف أخرى لدى الروس برزت بعد العملية الأميركية في فنزويلا. وهي تقوم على انتهاج القيادة الأميركية سياسة جديدة متشددة في التعامل مع ملفات إقليمية عدة، في جوهرها استخدام القوة العسكرية والتدخل المباشر بدلاً من استخدام أدوات «القوة الناعمة» التي لطالما استُخدمت في أوقات سابقة.

ولا شك أن هذا العنصر سيضيف هاجساً جديداً للسياسة الروسية، التي استشعرت - على الرغم من كل المؤشرات - اقتراب الرئيس ترمب من فهم أوسع لمطالب موسكو في أوكرانيا؛ إذ إن خطوته العملية الأخيرة في فنزويلا، من شأنها التسبب بأضرار فادحة للكرملين على المدى البعيد.

من الأمثلة على ذلك في الفترة القصيرة الفائتة، استبعاد موسكو عملياً من مناقشة الملفات الإقليمءية، كما ظهر في ملف التسوية في غزة، وأيضاً استبعادها من الملف النووي الإيراني. وهذا وذاك فضلاً عن سياسات «عزل» موسكو في آسيا الوسطى التي هي تقليدياً منطقة نفوذ حيوي روسي، وتفاقم المنافسة الأميركية (والصينية) في هذا الإقليم.

جنوب القوقاز... أو الخاصرة الرخوة

غير أن الأخطر من كل هذا، أن موسكو واجهت تطوراً غير مسبوق في منطقة جنوب القوقاز، التي لا تقل في أهميتها وخطورتها بالنسبة إلى الكرملين عن آسيا الوسطى... فهي «الخاصرة الرخوة» لروسيا على مدى قرون.

في هذه المنطقة لم تكتف واشنطن بإبعاد موسكو عن مباحثات التسوية بين أرمينيا وأذربيجان، بل فرضت واقعاً جديداً عبر إبرام اتفاق «ممر زانغزور». وهذا اتفاق يسمح للولايات المتحدة، وللمرة الأولى في التاريخ، أن يكون لها وجود أمني واقتصادي - وربما عسكري لاحقاً - في هذه المنطقة، الأمر الذي يهدد بشكل مباشر المصالح الاستراتيجية لروسيا، ولإيران أيضاً.

كل هذا حدث خلال العام الأول من ولاية دونالد ترمب الثانية فقط. وهذا المنحى مرشح للتصاعد أكثر في سياق العملية الأميركية في فنزويلا، وليس فقط بسبب التوقعات المتشائمة في موسكو بانخفاض حاد على أسعار النفط. فهذه توقعات لم ترتبط فقط بالحدث الفنزويلي بل سبقتها مؤشرات عدة.

مع هذا البعد الاقتصادي، الحيوي جداً للكرملين في هذه الظروف، تبدو الأبعاد السياسية المحتملة لانتقال واشنطن إلى استخدام القوة الخشنة لفرض سياساتها مسألة أكثر إلحاحاً للكرملين.

خلال الفترة القصيرة الفائتة جرى استبعاد موسكو عملياً

من مناقشة الملفات الإقليمية كملفي التسوية في غزة

و«النووي» الإيراني

الفهم الروسي لإزاحة مادورو

ينطلق الفهم الروسي من أن الولايات المتحدة لم تكتف في فنزويلا بالإطاحة برئيسٍ عجزت عن السيطرة عليه؛ إذ عبر خطف نيكولاس مادورو، كشفت واشنطن عن «تقنية» جديدة تستثمرها للتأثير الدولي. وبعد هذا الاستعراض الباهر الذي تعمّد ترمب وفريقه إبراز كل تفاصيله، يتوقع على نطاق واسع «استنساخ» هذه «التقنية»، بل تصديرها.

ما يستحق الإشارة إليه في هذا السياق، ما كتبه محلل سياسي روسي عن أنه في السنوات الأخيرة، برزت شكوك قوية حول قدرة الولايات المتحدة على التأثير في حياة وسياسات الدول الأخرى.

فلقد كانت التقنية الرئيسة للتأثير الأميركي في الخارج بأواخر القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين هي ما يُسمى بـ«الثورات الملوّنة»، أي تغيير الأنظمة الناتج عن اضطرابات جماهيرية تُدبّرها شبكات من وسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية وقادة الرأي الموالين للغرب.

أما اليوم، فبات من الواضح أن هذه التقنية قد توقّفت عن العمل. وكان هذا جلياً من خلال فشل الثورات الملوّنة في جورجيا وبيلاروسيا (روسيا البيضاء) وصربيا والمكسيك، وفنزويلا أيضاً.

هنا يرى فريق من الخبراء الروس أن هذا فقط واحد من الأسباب - وليس لأن الحزب الديمقراطي الأميركي كان يتولى السلطة في واشنطن - التي دفعت دونالد ترمب إلى حلّ الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) العام الماضي. ومعلومٌ أن تلك الوكالة كانت أكبر جهة مانحة وراعية لجميع هؤلاء «القادة الشعبيين للاحتجاج» حول العالم، لكنها فقدت كل فاعليتها.

انطلاقاً من هذه الحقيقة، بات واضحاً أن البيت الأبيض لن يتقبّل بعد اليوم بسهولة فقدان النفوذ الأميركي في الخارج، بل سيسعى إلى أدوات جديدة أكثر فاعلية.

الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران... نموذجاً

وبهذا الفهم، تحديداً، يفسّر الخبراء الروس الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران، العام الماضي، بوصفه «تجربة أولية» للمبدأ الجديد للسياسة الأميركية القائم على استخدام القوة المباشرة.

هذا المبدأ يقوم على تغيير الأنظمة التي تناكف واشنطن من خلال تدخل عسكري خارجي مباشر، مدعوم بخيانة داخلية. وهنا يجوز القول إنه ما كان من الممكن، مثلاً، القضاء على القيادة العسكرية الإيرانية لولا عملاء «الموساد» الإسرائيلي، الذين قدموا «التوجيهات» داخل العاصمة الإيرانية طهران. وحالياً، لا تنكر واشنطن البتة عامل التواطؤ مع بعض عناصر الدائرة المقرّبة من مادورو.

باختصار، عند هذه النقطة، تعود الولايات المتحدة إلى ممارسة قديمة، وإن كانت مُحسّنة قليلاً، ألا وهي «الانقلابات العسكرية». ولإعادة إحياء «القوة الناعمة» الأميركية، طُوّرت معادلة «الغزو بالإضافة إلى التآمر داخل النخبة».

ومن ثم، يرى بعض الخبراء أن التجربة الأميركية قد لا تقتصر على بلدان في فناء أميركا الخلفي بل قد تمتد إلى مناطق عدة، بينها حتى أوروبا، التي لا تبدي بعض دولها ارتياحاً كبيراً للتحركات الأميركية.

أما من الناحية الاستراتيجية، فقد يصبح «الفضاء ما بعد السوفياتي» بأكمله هدفاً لهذه الممارسة الأميركية القديمة – الجديدة؛ كونه منطقة حساسة لاثنين من منافسي أميركا العالميين: روسيا والصين. وبالتالي، فإن كازاخستان وتركمانستان وبيلاروسيا (روسيا البيضاء)، جميعها دول مُعرّضة للهجوم.

لوكاشينكو (آ ب)

حالة بيلاروسيا

في بيلاروسيا، على سبيل المثال، وعلى مدار السنوات الثلاثين التي تولت السلطة فيها حكومة متحالفة مع روسيا، جرت ست أو سبع محاولات لـ«ثورات ملوّنة» هزّت العاصمة مينسك، غير أنها باءت جميعها بالفشل. مع هذا لا يزال الغرب يرفض الاعتراف بأن دولة رئيسة (بيلوروسيا) في أوروبا الشرقية لا تزال متحالفة عسكرياً وسياسياً مع موسكو.

من هذا المنطلق، يحذر خبراء في موسكو من أن الغرب قد يحاول التخلّص من الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو باستخدام «سيناريو مادورو». ولعل «صياغة» اتهامات ضد لوكاشينكو تُصنّفه كـ«مجرم» لن تشكّل مشكلةً للأميركيين. علاوة على ذلك، هناك بولندا، «جارة» بيلاروسيا، التي تتهم لوكاشينكو «بتصدير الفوضى والسلاح والمهاجرين غير الشرعيين» إليها. وبالمناسبة، يرى البعض في روسيا أن «وظيفة» بولندا بالنسبة إلى سياسات ترمب في أوروبا تكاد تكون مُطابقة لوظيفة إسرائيل في الشرق الأوسط.بالتأكيد، لا يعني وجود هذا التهديد حتمية تطبيقه، لكن حقيقة أن تعليقات ومقالات كثيرة في روسيا باتت ترسل إشارات وتنبيهات من هذا النوع، تعكس درجة من القلق المتزايد بسبب سياسات ترمب.  


ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
TT

ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن

العملية العسكرية الخاطفة التي نفّذتها قوات النخبة الأميركية في مقرّ الرئاسة الفنزويلية، انتهت فجر الثالث من هذا الشهر بإلقاء القبض على نيكولاس مادورو واقتياده مع زوجته إلى نيويورك للمحاكمة أمام القضاء الأميركي بتهم «الإرهاب المرتبطة بالمخدرات». وبعد القرار المفاجئ الذي أعلنته إدارة الرئيس دونالد ترمب بتهميش المعارضة الفنزويلية - على الأقل في المرحلة الراهنة – وإبعادها عن مسار انتقال السلطة، يبدو أنها راهنت على بعض أركان النظام لتحقيق أهداف هذه العملية غير المسبوقة التي لا يُعرَف منها إلى الآن سوى إحياء قطاع النفط الفنزويلي وتسليمه للشركات الأميركية. ثم، تتجه كل الأنظار الآن إلى ديلسي رودريغيز، نائبة مادورو التي تولّت الرئاسة بالإنابة، كما تولّت منصب القائد العام للقوات المسلحة، وبدأت تشرف على توجيه وإدارة «المرحلة» الانتقالية على وقع تهديدات ترمب، الذي ما انفكّ يكرّر: «الأمر لي في فنزويلا»، ويتوعّد من يخالف تعليماته بعواقب أين منها تلك التي نزلت بالرئيس المخلوع.

ديلسي رودريغيز ليست شخصية طارئة، أو حديثة العهد على المشهد السياسي الفنزويلي المضطرب والمعقّد. فهي في الصورة منذ صعود شخصية هوغو تشافيز الذي وضع أركان النظام الحالي، مروراً بفشل محاولته الانقلابية ودخوله السجن، إلى إطلاق سراحه وتوليه رئاسة البلاد، حتى مرضه ورحيله... ومجيء نيكولاس مادورو إلى سدّة الرئاسة.

خلفية يسارية ملتزمة

بل يمكن القول إن رودريغيز، التي «تدير» اليوم أخطر أزمة مرّت بها فنزويلا في تاريخها الحديث، تحمل السياسة في «حمضها النووي». وحكايتها مع السياسة تتمة لحكاية والدها خورخي أنطونيو الذي كان من قادة حركة «اليسار الثوري» الماركسية في ستينات القرن الماضي، وهو الذي أسّس «الرابطة الاشتراكية»... أي الحركة التي تدرّج فيها نيكولاس مادورو ناشطاً نقابياً، وكانت المدماك الأساسي في علاقة ديلسي وشقيقها خورخي مع «وريث» هوغو تشافيز.

الأب، خورخي أنطونيو، لقي حتفه عندما كان في عهدة الشرطة عام 1976 بعد اعتقاله بتهمة الضلوع في خطف أحد رجال الأعمال الأميركيين، وكانت ديلسي لا تزال في السابعة من عمرها. ولقد أثارت وفاته الناجمة عن تعرضه للتعذيب وسوء المعاملة على يد الاستخبارات السياسية، غضباً واسعاً في الأوساط الشعبية، سيما وأن فنزويلا كانت تنعم يومذاك بأجواء من الحرية السياسية النسبية على عهد الرئيس الاشتراكي الديمقراطي كارلوس أندريس بيريز. وهنا تقول رودريغيز إن تلك الواقعة هي التي حفزتها لدراسة الحقوق، حيث تخرجت محامية من جامعة فنزويلا المركزية في كاراكاس، ثم تابعت تخصصها في القانون النقابي في باريس ولندن.

ديلسي ترعرعت مع شقيقها الأكبر خورخي في أجواء اليسار الفنزويلي المتشدد والحزب الذي أسسه والدهما... وكان أنصاره يعاملون الشقيقين دائماً بوصفهما ولدَي «شهيد الحركة اليسارية»، وكانا يشاركان خطيبَين في الاحتفالات بذكرى استشهاد أبيهما.

التأثر بهوغو تشافيز

وتعترف رودريغيز بأن «الثورة البوليفارية» التي حملت «القائد» هوغو تشافيز إلى رئاسة البلاد كانت بمثابة «انتقام شخصي» لذكرى أبيها، وحافزاً قوياً لها لدخول المعترك السياسي، وأيضاً لشقيقها خورخي الذي يتولّى حالياً رئاسة البرلمان... وسبق له أن أشرف على المفاوضات التي أجراها النظام على مراحل مع الإدارة الأميركية.

وحقاً، بدأت ديلسي رودريغيز صعودها السياسي في تراتبية النظام مع تشكيل حكومة تشافيز الأولى، حين تولت حقيبة مكتب الرئاسة التي غادرتها بعد أشهر قليلة بسبب اعتراضها العلني على بعض القرارات التي اتخذها تشافيز، وانتقلت للعمل مع شقيقها خورخي الذي كان يومذاك رئيساً لبلدية كاراكاس.

ولكن مع وصول مادورو إلى السلطة بدأ حضورها يترسّخ في المشهد السياسي الفنزويلي، فتولّت حقائب وزارية مهمة مثل الإعلام والاقتصاد والخارجية. كذلك اختارها مادورو نائبة له وكلّفها حقيبة النفط المهمة بعد إقالة الوزير السابق طارق العيسمي، المتحدر من أصول سورية - لبنانية، وسط فضائح مالية، وصارت تُعرف بلقب «سيّدة النفط».

شخصية بارزة ومؤثرة

رودريغيز تولّت أيضاً رئاسة «المجلس الوطني الدستوري التأسيسي»، وهو منصب بالغ الأهمية؛ إذ يمنحه الدستور سلطة أعلى من سلطة رئيس الجمهورية. وعلى غرار شقيقها الأكبر خورخي، الذي أقسمت اليمين الدستورية أمامه، كانت ركناً أساسياً في نظام مادورو، داخل فنزويلا وخارجها؛ إذ كانت المُحاور الرئيس مع الدول الحليفة مثل روسيا والصين وتركيا وإيران. واليوم تشكّل ديلسي، مع شقيقها خورخي، ووزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، وسيليا فلوريس زوجة مادورو، الدائرة الضيّقة التي يقوم كان يرتكز إليها نظام مادورو بشكل أساس.

ووفق مقربين منها، فإنها تعمل دائماً بتنسيق تام مع شقيقها، ويتمتع كلاهما باحترام كبير في أوساط النظام لما يحملان من مؤهلات وخبرة وتمرّس، خاصة بعد انكفاء عدد كبير من الساسة المخضرمين عن المشهد السياسي مع مجيء مادورو. وفي عام 2018، فرضت الإدارة الأميركية عقوبات على ديلسي وشقيقها خورخي ووزير الدفاع فلاديمير بادرينو و«السيدة الأولى» سيليا فلوريس (زوجة مادورو). وهي تخضع أيضاً لعقوبات من الاتحاد الأوروبي بتهم انتهاكات حقوق الإنسان وتدهور النظام الديمقراطي في فنزويلا. وللعلم، رودريغيز متزوجة من رجل الأعمال المتحدر من أصول لبنانية يوسف أبو ناصيف الصميلي.

مثقفة ومنفتحة طبقياً

من جهة أخرى، يتفق الدبلوماسيون ورجال الأعمال الأجانب الذين تعاطوا مع رودريغيز خلال السنوات المنصرمة، على أنها تتمتع بثقافة عالية ولها علاقات جيّدة مع الأوساط البورجوازية الفنزويلية، وتعرف عنها مهارة فائقة في التفاوض حول الملفات الشائكة.

أيضاً، يذكر مطلعون أنها تدرك جيداً وجود «عالم» خارج معركتها الثورية، يقوم على المفاوضات والتفاهمات. وهذا ما ظهر إبان توليها حقيبة النفط بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في هذا القطاع الحيوي بالنسبة لفنزويلا على عهد سلفها في المنصب؛ إذ حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن، وهي التي كانت وراء بقاء عملاق النفط الأميركي «شيفرون» في فنزويلا.

ولا شك، أنه بعد انكشاف هدف واشنطن الرئيس من وراء عملية اعتقال مادورو وإبعاد المعارضة في هذه المرحلة، أسهمت هذه الصفات في دفع إدارة دونالد ترمب، ووزير خارجيته ماركو روبيو «المهندس الحالي» للسياسة اللاتينية في الولايات المتحدة، إلى المراهنة على ديلسي رودريغيز في إدارة المرحلة الانتقالية.

بيد أنها، في المقابل، تعرَف ديلسي باحتقارها الشديد للمعارضة الفنزويلية، وقسوة تصريحاتها حول الكثير من قياداتها وفي رأسهم كورينا ماتشادو؛ إذ تسكنها قناعة بأن مهمتها الرئيسة هي ترسيخ الثورة التي بدأها هوغو تشافيز. ثم أن رودريغيز شديدة الإعجاب بالزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو، وغالباً ما تستشهد بإنجازات الثورة الكوبية وبـ«الحركة الساندينية» في نيكاراغوا، ومفكّرها المفضّل هو الكاتب المعروف إدواردو غاليانو، أحد كبار منظّري اليسار الأميركي اللاتيني وصاحب المؤلف الشهير «أوردة أميركا اللاتينية المفتوحة».

امتحانها الأول...بعد إطاحة مادورو

الامتحان الأول الذي يفترض برودريغيز أن تتجاوزه، وبسرعة، هو الموقف الذي سيتخذه وزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، الذي يعدّ «الرجل الثاني في النظام»، وهو القادر على إثارة الفوضى عن طريق سيطرته الكاملة على قوى الأمن والشرطة، وبخاصة على الميليشيا الشعبية المسلّحة التي تجوب شوارع المدن على دراجاتها النارية وتزرع الرعب في صفوف المواطنين منذ سنوات. وهذا الواقع دفع واشنطن إلى تحذيره من أنه قد يلقى مصير مادورو إذا امتنع عن تسهيل مهمة ديلسي رودريغيز كرئيسة مؤقتة للبلاد.

للعلم، كان لافتاً أن كابيّو، بخلاف بقية أركان النظام، خرج إلى الشارع بعد ساعات قليلة على اختطاف مادورو، معتمراً خوذة فولاذية وسترة واقية من الرصاص ومحاطاً بأفراد من الشرطة والجيش المسلحين. لكن معلومات تداولتها بعض أجهزة الإعلام الأميركية أفادت بأن إدارة الرئيس ترمب، بإيعاز من وزير الخارجية روبيو، قرّرت أيضاً المراهنة مرحلياً على كابيّو للحفاظ على الأمن خلال المرحلة الانتقالية، وعلى وزير الدفاع فلاديمير بادرينو لوبيز الذي يقود التيّار الأكثر تشدداً داخل النظام. ويذكر أنه سبق لواشنطن أن أعلنت في الماضي عن جائزة مقدارها 25 مليون دولار لمن يساعد في القبض على كابيّو، وأخرى بقيمة 15 مليون دولار على رأس وزير الدفاع.

... رهان أميركي

المتفائلون بنجاح الرهان الأميركي على كابّيو، يستندون إلى مساره السياسي بعد وفاة تشافيز الذي تردّد حتى اللحظات الأخيرة قبل رحيله، إثر مرض عضال، بين كابيّو ومادورو. وبعد اختيار الأخير لخلافة تشافيز، توقّع كثيرون أن الخصومة بين الاثنين قد تؤدي إلى ترنّح النظام وإسقاطه. لكن تبيّن لاحقاً أن المساكنة بينهما كانت ناجحة من حيث إنها حافظت على السلطة طيلة هذه السنوات الصعبة التي واجه فيها النظام مشاكل على صعيد الاعتراف بشرعيته إقليمياً ودولياً، وكان محط اتهامات عدّة بانتهاك حقوق الإنسان، وفرضت عليه عقوبات قاسية.

حقائق

رودريغيز... في سطور

> ولدت 18 مايو (أيار) 1969 في العاصمة الفنزويلية كاراكاس

> والدها القيادي اليساري البارز خورخي أنطونيو رودريغيز (زعيم حركة اليسار الثوري، ثم مؤسس حزب «الرابطة الاشتراكية») ووالدتها ديلسي غوميز

> أخوها القيادي اليساري خورخي رودريغيز، رئيس مجلس النواب الحالي والوزير السابق.

> شريك حياتها: يوسف أبو ناصيف الصميلي

> حياتها الحزبية: عضو الحزب الاشتراكي المتحد (2012 - 2018) ثم حركة «نحن فنزويلا»

> تعليمها: محامية تخرجت في كلية حقوق جامعة فنزويلا المركزية، بجانب دراسة قانون العمل (من دون أن تتخرج في جامعة باريس الأولى (باريس بانثيون - سوربون)

> مناصبها السياسية: وزيرة شؤون الرئاسة (2006) - وزيرة القوة الشعبية للاتصال والإعلام (2013 - 2014) - وزيرة الخارجية (2014 - 2017) - رئيسة المجلس الوطني الدستوري (2017 - 2018) - وزيرة الاقتصاد والمالية (2020 - 2024) - وزيرة النفط والثروة الهيدروكربونية (2024) - نائبة رئيس الجمهورية (2024 - 2026) - رئيسة الجمهورية بالوكالة (2026)



رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
TT

رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)

ليس الانتقال السياسي تحت الوصاية الأميركية هو التحدي الوحيد الذي تقف أمامه الرئيسة الفنزويلية بالوكالة، ديلسي رودريغيز، التي قررت إدارة دونالد ترمب الرهان عليها لإدارة هذه المرحلة مع أن العقوبات المفروضة عليها تمنعها من دخول الولايات المتحدة.

الواقع أنه عندما أقسمت رودريغيز اليمين الدستورية أخيراً، كان شبح التضخّم الجامح قد عاد يخيّم مجدداً على الاقتصاد الفنزويلي المنهك، ويهدد بتحطيم كل الأرقام القياسية السابقة، بعدما كان وصل إنتاج النفط إلى أدنى مستوياته التاريخية، وتراجع إجمالي الناتج القومي بنسبة 70 في المائة عن المستوى الذي كان عليه منذ عشر سنوات.

لكن قبل أن تتولى الرئيسة الحالية مهامها بالوكالة، سبق لها أن تولّت حقيبة المال والاقتصاد، وأيضاً حقيبة النفط، واعترفت علناً بفشل السياسات السابقة. ومن ثمّ قررت اللجوء إلى فريق جديد من الاستشاريين والخبراء، بعدما كان المصرف المركزي قد توقّف طوال حكم نيكولاس مادورو عن نشر تفاصيل الوضع الاقتصادي المتدهور، فيما واصلت رودريغيز «تغييراتها» بعيداً عن الأضواء. من التدابير التي اتخذتها رودريغيز إعادة الأصول المؤمّمة على عهد تشافيز إلى أصحابها، الذين كان معظمهم قد أعلن إفلاسه أو انهيار مؤسساته، ودخل الاقتصاد الفنزويلي في دائرة الدولار بعد رفع القيود والمراقبة على صرف العملات الأجنبية. وكذلك أمرت بوقف تجاوزات القوات المسلحة على القطاع الاقتصادي، وبدأت مرحلة من التفاهم والتنسيق مع أصحاب العمل الذين كان مادورو يصفهم بـ«البرجوازية الطفيلية» في خطبه الأولى.

ولذا يجمع المراقبون على أن التعافي النسبي الذي شهده الاقتصاد الفنزويلي في السنوات الثلاث المنصرمة، مدين للتدابير التي اتخذتها رودريغيز والفريق الاستشاري الذي كانت تستعين بخبراته، وبعلاقاتها الوطيدة مع مادورو الذي أقنعته بصواب تلك التدابير. بل كانت هي التي دفعت - داخل الحزب الحاكم - في اتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق بعد سنوات مديدة من تدخل الدولة العميق في إدارة الحركة الاقتصادية وانهيار قطاع النفط الذي يشكّل الشريان الأبهر لثروة البلاد.

أيضاً، كانت ديلسي رودريغيز «المُحاور» الأساسي للنظام مع المؤسسات التي ما زالت تنشط داخل فنزويلا، وهي التي حدّدت معها مجالات عمل مشترك وتحالفات في السنوات المنصرمة. وتحت إدارتها ارتفع إنتاج النفط الفنزويلي إلى مليون برميل يومياً بعدما كان انهار إلى 300 ألف عام 2016، بينما تبلغ قدرته الإنتاجية 3 ملايين برميل يومياً.

وللعلم، سجّل الاقتصاد الفنزويلي نمواً قياسياً خلال العام الماضي في حجم إجمالي الناتج القومي، بلغ 5 في المائة. لكن الضباب السياسي الذي يلفّ المرحلة الراهنة التي ترزح تحت الحضور الأميركي الطاغي، من شأنه أن يُلزم رودريغيز بخطاب معتدل تجاه واشنطن التي يتكلّم رئيسها عن مستقبل يختلف كل الاختلاف عن الواقع الذي تراه رودريغيز.