باسيل يقلق من الاحتضان الدولي والداخلي للمؤسسة العسكرية

TT

باسيل يقلق من الاحتضان الدولي والداخلي للمؤسسة العسكرية

لم يكن رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل مرتاحاً لقرار المجتمع الدولي باحتضان المؤسسة العسكرية والقوى الأمنية الأخرى بتوفيره شروط الصمود لها لتمكينها من الحفاظ على الاستقرار في لبنان والذي تجلى في الاجتماع الدولي الذي عُقد أخيراً في باريس والذي فتح الباب أمام الوقوف على احتياجات الجيش اللبناني التي طرحها قائده العماد جوزف عون وتتلخّص بتأمين قطع الغيار والعتاد وبدعم الطبابة العسكرية وبتوفير احتياجاته لسد النقص الذي يعاني منه البرنامج الغذائي في ظل تراجع القدرة الشرائية للعملة الوطنية وخلو الأسواق من معظم المشتقات الغذائية.
فباسيل لم يتردد في تنظيم هجوم مضاد باتهام الأجهزة الأمنية ونواب وسياسيين بالوقوف وراء التهريب لأنه يتوجس من الاحتضان الدولي للمؤسسة العسكرية التي يُنظر إليها على أنها الوحيدة الباقية إلى جانب القوى الأمنية من معالم الدولة بعد أن انهارت جميع إداراتها ومؤسساتها وأصبحت مشلولة في ظل غياب الحكومة المستقيلة عن السمع بعد أن أوكل رئيسها حسان دياب أمره إلى المجلس الأعلى للدفاع.
ومع أن باسيل استهدف الأجهزة الأمنية بقصف عشوائي في محاولة لتحميلها مسؤولية استمرار التهريب، فإنه توخّى من اتهاماته التحريض عليها لدى السواد الأعظم من اللبنانيين الذين يفتقرون إلى لقمة العيش ويشكون من الجوع بعد أن استنزف الدعم مليارات الدولارات من احتياطي المصرف المركزي أُنفقت لتغطية ارتفاع منسوب التهريب إلى سوريا.
كما أن باسيل حاول أن يضع الأجهزة الأمنية في قفص الاتهام لإقحام اللبنانيين في مواجهة مفتوحة معها، وتحاشى تسليط الأضواء على دور بعض المؤسسات الرسمية في منح التراخيص للصهاريج المحمّلة بالمشتقّات النفطية أو الشاحنات المخصصة لنقل البضائع المفقودة في الأسواق السورية في ضوء العقوبات المفروضة على النظام في سوريا.
وعلمت «الشرق الأوسط» أن التحقيقات تجري بعيداً عن الأضواء للتأكد من عدم التلاعب في إعطاء التراخيص بذريعة أن أصحاب الصهاريج والشاحنات قد استُوفيت منهم الرسوم الجمركية المتوجبة عليهم، علماً بأن معظم هذه التراخيص جاهزة ولا ينقصها سوى ملء القسيمة التي تُجيز لأصحابها نقل البضائع، وهذا ما يذكّرنا بشهادات المنشأ الذي استُخدمت لتهريب المخدرات وتبين لاحقاً أنها مزوّرة.
وفي هذا السياق كشفت مصادر أمنية بارزة أن التحقيقات تتواصل لتبيان الحقيقة، خصوصاً أن الأجهزة الأمنية توقف الصهاريج والشاحنات للتدقيق في حمولتها ويتبين لها أن بحوزة أصحابها تراخيص، ما يضطرها إلى الإفراج عنها، وهذا ما أثير في الاجتماع الأخير لمجلس الدفاع الأعلى برئاسة رئيس الجمهورية ميشال عون.
ولفتت إلى أن بعض الأطراف التي تتصدى للتهريب إعلامياً تقف وراء تسهيل دخول الشاحنات والآليات إلى داخل الأراضي السورية وقد تضطر إلى التدخّل للإفراج عنها، وهذا ما ينطبق أيضاً على توقيف المطلوبين بموجب مذكرات قضائية صادرة بحقهم، وسألت: هل الأجهزة الأمنية مسؤولة عن عشرات محطات بيع الوقود التي تعمل من دون حصولها على تراخيص من الجهات الرسمية المعنية؟
بدورها عدّت مصادر سياسية أن من حق باسيل أن يقلق حيال الاحتضان الدولي للجيش بوصفه يبقى بالتعاون مع الأجهزة الأمنية صمّام الأمان للحفاظ على الاستقرار ومنع لبنان من السقوط في الانهيار في ظل استمرار الفراغ المترتّب على تعذّر تشكيل الحكومة، وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن مؤتمر باريس لم يشكّل منصّة دولية لإعلان التضامن مع المؤسسة العسكرية فقط من دون أن يُستكمل بخطوات عملية لدعم الأجهزة الأمنية وإنما لا يزال يتابع مع قيادة الجيش لترجمة ما رسمه إلى خطوات ملموسة.
وأكدت أن قيادة الجيش تتواصل مع الملحقين العسكريين للدول التي شاركت في مؤتمر باريس أو لتلك التي لم تشارك، مبديةً استعدادها للمساهمة في رفع المعاناة عن المؤسسة العسكرية للوقوف على احتياجاتها تمهيداً لتلبيتها، وقالت إن العسكريين يبدون كل إيجابية للتقشّف من خلال الوجبات الغذائية التي تقدّم إليهم ويمكنهم أن يأكلوا «مجدرة أو برغل مع بندورة» ولكنهم لا يستطيعون الصمود أمام تراجع الخدمات الطبية وهذا ما تلحظه القيادة كبند أساسي يتصدر لائحة احتياجاتها.
ورأت أن الاحتضان الدولي للمؤسسة العسكرية لم يكن معزولاً عن الاحتضان الشعبي المدعوم من القوى الرئيسة في الموالاة والمعارضة التي تنظر إليها على أنها خشبة الخلاص لمنع الانهيار ليعاد تركيب البلد سياسياً، وقالت إن باسيل بموقفه منها يغرّد خارج سرب الإجماع اللبناني الذي يحتضن القوى الأمنية وأولها المؤسسة العسكرية التي تشكّل رأس حربة لمنع تدحرج البلد نحو الفوضى، ولذلك لم يكن موفّقاً في تحميلها مسؤولية حيال استمرار التهريب.
ولفتت إلى أن شهادة حسن السلوك التي منحها المجتمع الدولي للمؤسسة العسكرية ليست في منأى عن الشهادة الأخرى الممنوحة لها من الأكثرية الساحقة من اللبنانيين، وقالت إن باسيل أخطأ في العنوان في استهدافه الأجهزة الأمنية التي رفضت استخدام القوة أو العنف في مواجهة الحركات الاحتجاجية كما كان يحلو للفريق السياسي المحسوب على رئيس الجمهورية وتياره، مع أن البعض سعى لاستغلالها باستخدامها منصة لتمرير الرسائل السياسية.
لذلك يحق لباسيل أن يقلق على مستقبله السياسي -كما تقول المصادر السياسية- بعد أن عجز عن تعويم نفسه وبات همه الهجوم بطريقة أو بأخرى على الأجهزة الأمنية غامزاً من قناة قائد الجيش من دون أن يسميه، رغم أن الأخير لا يعمل ليكون في عداد المنافسين وهمه هو تحييد المؤسسة العسكرية عن الصراع السياسي، وهذا ما حققه في حفاظه على الاستقرار رغم أن المنظومة الحاكمة بعنادها ومكابرتها تصر على أن يكون الحل الأمني بالتصدي للمحتجين بديلاً عن الحل السياسي لأن الأزمة سياسية بامتياز.
وعليه فإن استحضار باسيل لعمليات التهريب واستخدامها مادة مشتعلة في حملته على الأجهزة الأمنية لن تبدّل من واقع الحال السياسي حتى لو اعتمد على «فائض القوة» الذي يستمده عون من خلال ترؤسه اجتماعات المجلس الأعلى للدفاع، لأنه يدرك أن هذا الفائض لن يُصرف في مكان لأن القوى الأمنية لن تكون أداة بيد أي طرف لتصفية حساباته أو أن تنصاع للأوامر بضرب الاحتجاجات الشعبية، لأن دور المؤسسة العسكرية يكمن في حماية الوفاق، وبالتالي توفير الحصانة للحل السياسي.
فالمؤسسة العسكرية ليست مَن يصنع الحل أو يؤمّن الوفاق كبديل عن الطبقة السياسية، مع الإشارة إلى أن إلصاق القرارات بمجلس الدفاع ليس في محله لأن صلاحيته تبقى في رفع التوصيات إلى مجلس الوزراء.
وهكذا فإن الخروج عن دور مجلس الدفاع يشكّل خرقاً للدستور، خصوصاً إذا أُريد من الأجهزة الأمنية الدخول في مواجهة مع الاحتجاجات الشعبية، إضافةً إلى أنه لا مبرر لانعقاده ويمكن أن ينوب عنه مجلس الأمن المركزي برئاسة وزير الداخلية أو اجتماعات مجالس الأمن الفرعية برئاسة المحافظين، إلا إذا أراد عون أن يتصرف على أنه «الحاكم بأمره» وصولاً إلى تمريره رسالة بأنه البديل عن تفعيل حكومة تصريف الأعمال، علماً بأن قادة الأجهزة الأمنية ليسوا أعضاء دائمين في مجلس الدفاع، وإنما هم بمثابة «ضيوف» يشاركون في اجتماعاته إذا اقتضت الضرورة.



حضرموت تفتح تحقيقاً عاجلاً في أحداث العنف بالمكلا

قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
TT

حضرموت تفتح تحقيقاً عاجلاً في أحداث العنف بالمكلا

قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)

في أعقاب فشل محاولة المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل في تسيير مظاهرة غير مرخصة في مدينة المكلا، عاصمة محافظة حضرموت اليمنية، ومقتل مدنيَّين اثنين وإصابة آخرين، فتحت السلطات المحلية تحقيقاً فورياً في الأحداث، وتعهدت بملاحقة المتسببين والتصدي لأي محاولة لزعزعة الأمن، واتهمت مندسين بإطلاق النار على قوات الأمن.

وخلال ترؤسه اجتماعاً للجنة الأمنية، تلقى عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، من القيادات الأمنية والعسكرية إحاطة شاملة حول الأوضاع، والإجراءات التي جرى اتخاذها للتعامل مع المستجدات، ووجّه بفتح تحقيق عاجل وشفاف في الأحداث «المؤسفة» التي شهدتها عاصمة المحافظة، مؤكداً ضرورة محاسبة كل من يثبت تورطه أو تسببه فيها.

وعبّرت اللجنة الأمنية في المحافظة عن أسفها الشديد لإصرار ما وصفتها بـ«أدوات المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل» على تنظيم مظاهرة غير مرخصة، في مخالفة صريحة للقوانين، وما ترتب على ذلك من تداعيات مؤسفة ألحقت الضرر بالأمن والاستقرار والسكينة العامة.

نواب ووجهاء حضرموت يجددون دعمهم للسلطة المحلية في تثبيت الأمن (إعلام حكومي)

وأكدت اللجنة أن حماية المدنيين تمثل أولوية قصوى، رافضةً أي استهداف لهم أو للعسكريين، وتعهدت بضبط العناصر التخريبية وملاحقة كل من يسعى لزعزعة الأمن والاستقرار أو الإخلال بالسكينة العامة.

وحسب مصادر حكومية، ناقشت اللجنة الأمنية مستجدات الأوضاع، وجهود تثبيت الاستقرار وتعزيز الأمن، ورفع مستوى التنسيق بين الأجهزة الأمنية والعسكرية، واتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ على الأمن العام وصون أرواح المواطنين وممتلكاتهم.

تكاتف محلي وأمني

وحسب المصادر الرسمية، أعقب ذلك لقاء جمع الخنبشي بأعضاء مجلسي النواب والشورى، إلى جانب أعضاء هيئة التوافق الحضرمي، خُصص لمناقشة التطورات العامة التي تشهدها المحافظة على مختلف الأصعدة.

ووفقاً للمصادر، استعرض عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني أمام الحاضرين آخر التطورات الأمنية في المكلا وسائر مديريات حضرموت، وأكد جاهزية السلطة المحلية للتعامل مع أي مستجدات، وقال إنها لن تتهاون مع أي محاولات تستهدف أمن المواطنين أو تمس المصالح العامة. وشدد على أن المرحلة الراهنة تتطلب مضاعفة الجهود لترسيخ دعائم الأمن والاستقرار، بوصفهما الركيزة الأساسية لتحقيق التنمية وتحسين مستوى الخدمات.

وأبلغ الخنبشي نواب ووجهاء حضرموت باستمرار التنسيق مع مجلس القيادة الرئاسي والحكومة، والسعودية، لدعم جهود السلطة المحلية في مجالات الخدمات والبنية التحتية، وتعزيز الجوانب الأمنية والعسكرية، إضافةً إلى متابعة استحقاقات المحافظة من النفط الخام والوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء، ونصيبها من الإيرادات بما يخدم التنمية المحلية.

وعند مناقشة الأحداث الأخيرة ومحاولات زعزعة الأمن، استمع المحافظ إلى مداخلات الحاضرين التي عبّرت في مجملها عن دعمها لجهود السلطة المحلية، مؤكدين أهمية تكاتف الجميع للحفاظ على الأمن والاستقرار.

كما شددوا على ضرورة تعزيز قدرات الأجهزة الأمنية، وتطوير أداء قوات النخبة الحضرمية، وتشديد الرقابة على مداخل المحافظة، ومنع تسلل العناصر التخريبية، إلى جانب تطبيق النظام والقانون والحفاظ على هيبة الدولة، ومعالجة التحديات الخدمية والاجتماعية وتحسين الأوضاع المعيشية.

التصدي للفوضى

ونقلت المصادر الرسمية عن وجهاء حضرموت تأكيدهم أن أمن المحافظة واستقرارها يمثلان «خطاً أحمر» لا يمكن التهاون فيه، داعين أبناء حضرموت إلى الالتفاف حول قيادتهم المحلية ومساندة الأجهزة الأمنية والعسكرية، والتصدي لأي محاولات لزعزعة الأمن أو نشر الفوضى. كما شددوا على أهمية تعزيز الوعي المجتمعي والتكاتف الوطني لمواجهة التحديات.

في سياق متصل، زار وكيل المحافظة حسن الجيلاني، برفقة مدير عام مديرية مدينة المكلا فياض باعامر، أسر ضحايا الأحداث وعدداً من المصابين من المدنيين والعسكريين، مؤكدين حرص قيادة السلطة المحلية على متابعة أوضاع الجرحى وتقديم الرعاية اللازمة لهم حتى تماثلهم للشفاء. وتعهدا بمواصلة متابعة التحقيقات لكشف ملابسات الأحداث، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المتسببين.

وكيل محافظة حضرموت خلال زيارته جرحى أحداث المكلا (إعلام حكومي)

وفي بيان سابق، أكدت السلطة المحلية واللجنة الأمنية أن الأجهزة الأمنية نفَّذت انتشاراً محدوداً يندرج ضمن مهامها القانونية لحماية المدنيين وتأمين المرافق العامة، وأعلنت رصد عناصر مسلحة بلباس مدني أطلقت النار على القوات الأمنية في أثناء أداء مهامها، في «تصرف خطير» يعكس نيّات لجر المحافظة إلى العنف. وشددت على أن هذه الأعمال ستُواجه بحزم وفق القانون.

كما أعربت السلطة المحلية في حضرموت عن أسفها لعدم التزام بعض الجهات السياسية والأفراد بتوجيهات اللجنة الأمنية، ومضيّهم في تنظيم مظاهرات غير مرخصة، محمِّلةً الجهات المحرّضة كامل المسؤولية عن أي تداعيات تمس الأمن والاستقرار أو تعرِّض حياة المواطنين للخطر.

Your Premium trial has ended


غضب يمني إزاء شطب الحوثيين آلاف الوكالات التجارية

مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
TT

غضب يمني إزاء شطب الحوثيين آلاف الوكالات التجارية

مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

أثار قرار الجماعة الحوثية بشطب 4225 وكالة تجارية عاملة في مناطق سيطرتها، بذريعة عدم تجديد التراخيص، موجة غضب واسعة في الأوساط الاقتصادية اليمنية، وسط تحذيرات من تداعيات خطرة قد تطال استقرار السوق المحلية وتفاقم الأوضاع المعيشية.

وبحسب مصادر تجارية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، فإن القرار المفاجئ أحدث حالة من الارتباك لدى مئات الشركات والوكلاء، الذين وجدوا أنفسهم أمام واقع جديد يهدد استمرار أنشطتهم ويعرضهم لخسائر مالية فادحة، خصوصاً في ظل بيئة تنظيمية توصف بغير المستقرة.

ويرى مراقبون أن الخطوة لا يمكن فصلها عن سياق أوسع من الإجراءات الحوثية التي تستهدف إعادة تشكيل السوق في مناطق سيطرة الجماعة، بما يخدم مصالح فئات محددة على حساب بقية الفاعلين الاقتصاديين، وهو ما يثير تساؤلات حول مستقبل المنافسة التجارية في تلك المناطق.

ويأتي هذا القرار امتداداً لسلسلة من الإجراءات التي تنفذها ما تُسمى وزارة الصناعة والتجارة التابعة للحوثيين، والتي يصفها تجار بأنها تعسفية ومجحفة، إذ تستهدف ما تبقى من القطاع الخاص المحلي عبر فرض قيود معقدة ورسوم مرتفعة، إلى جانب تغييرات مستمرة في اللوائح والتعليمات.

الحوثيون يفرضون إتاوات متعددة على التجار ما دفع الكثير إلى الإفلاس أو الهجرة (أ.ف.ب)

وتؤكد مصادر أن شطب هذا العدد الكبير من الوكالات قد يفتح الباب أمام منح تلك التراخيص لاحقاً لجهات محسوبة على الجماعة، في خطوة يُعتقد أنها تسعى إلى إحكام السيطرة على مفاصل النشاط التجاري، خصوصاً في القطاعات الحيوية مثل الاستيراد والتوزيع.

ويحذر اقتصاديون من أن تقليص عدد الوكالات الفاعلة في السوق قد يؤدي إلى اضطرابات في سلاسل الإمداد، ويزيد من احتمالات حدوث نقص في بعض السلع، فضلاً عن ارتفاع الأسعار نتيجة تراجع المنافسة. كما قد يدفع ذلك العديد من المستثمرين إلى تقليص أعمالهم أو مغادرة السوق بالكامل.

تبعات متنوعة

في هذا السياق، عبَّر عدد من ملاك الوكالات التجارية في صنعاء عن استيائهم من القرار، مؤكدين أنه جاء دون إنذار كافٍ، وأنهم واجهوا صعوبات كبيرة في استكمال إجراءات التجديد، نتيجة التعقيدات الإدارية وارتفاع الرسوم.

ويقول أحد التجار: «فوجئنا بإيقاف نشاطنا رغم محاولاتنا الالتزام بالإجراءات. التعليمات كانت تتغير باستمرار، ولم تكن هناك شفافية كافية بشأن المتطلبات، مما جعل من الصعب إتمام عملية التجديد في الوقت المحدد».

ولا تقتصر تداعيات القرار على الجانب التجاري فحسب، بل تمتد لتشمل أبعاداً اجتماعية مقلقة، إذ يهدد توقف هذه الوكالات بفقدان آلاف الوظائف، في بلد يعاني أصلاً من معدلات بطالة مرتفعة وأزمة إنسانية متفاقمة.

الحوثيون متهمون بإنهاك التجار وتدمير القطاع الاقتصادي اليمني (أ.ف.ب)

ويشير مالك شركة توزيع مواد غذائية، إلى أن القرار قد يجبره على تسريح عدد كبير من الموظفين، قائلاً: «نحن لا نتحدث عن شركات فقط، بل عن أسر تعتمد بشكل كامل على هذه الأعمال كمصدر وحيد للدخل».

ويضيف أن بيئة العمل في مناطق سيطرة الحوثيين أصبحت طاردة للاستثمار، نتيجة تكرار فرض الإتاوات غير القانونية، إلى جانب القرارات المفاجئة التي تفتقر إلى الوضوح والاستقرار، مما يدفع كثيراً من رجال الأعمال إلى البحث عن بدائل خارج تلك المناطق.


اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
TT

اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)

تصاعدت خلال الأيام الأخيرة حملات الملاحقة والاعتقال التي تنفذها الجماعة الحوثية في عدد من المحافظات اليمنية الخاضعة لسيطرتها، مستهدفة المدنيين الرافضين الانخراط في صفوفها، في وقت أصدرت فيه أجهزتها الأمنية بياناً أعلنت فيه ضبط ما وصفتها بـ«خلايا تجسس» مرتبطة بإسرائيل، في خطوة يرى مراقبون أنها تُستخدم لتبرير تشديد الإجراءات الأمنية والتوسع في حملات القمع.

ويأتي هذا التصعيد في ظل خطاب حوثي يربط بين التطورات الداخلية في اليمن والصراع الإقليمي، حيث تؤكد الجماعة أن تحركاتها تأتي في إطار دعم ما تسميه «المحور الإيراني» ونصرة القضايا الإقليمية، في حين يحذر مراقبون من انعكاسات ذلك على الوضع الإنساني والأمني داخل البلاد.

وفي هذا السياق، أعلن ما يسمى جهاز الأمن والمخابرات، التابع للجماعة الحوثية، إلقاء القبض على عدد من الأشخاص الذين قال إنهم عملوا بصورة مباشرة مع أجهزة استخبارات إسرائيلية، بينها «أمان» و«الموساد»، إلى جانب جهات أخرى.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك بسلاح رشاش على متن عربة أمنية (إ.ب.أ)

وزعم البيان أن المعتقلين متهمون بتنفيذ أعمال تجسسية، شملت تزويد جهات خارجية بمعلومات عسكرية وأمنية، وإحداثيات لمواقع حساسة، فضلاً عن بيانات تتعلق بمنشآت اقتصادية.

وادّعت الجماعة الحوثية أن هذه العناصر استخدمت برامج «تجسسية» ووسائل اتصال خاصة لتنفيذ مهامها، وأن ضبطها يمثل «إنجازاً أمنياً» تحقق بفضل ما وصفته بتعاون المواطنين. كما دعا البيان السكان إلى مزيد من «اليقظة»، محذراً من مخاطر ما اعتبره «مؤامرات» تستهدف الجماعة.

ويرى محللون أن توقيت هذا البيان ليس معزولاً عن تصاعد حملات الاعتقال، إذ يُستخدم، بحسب تقديراتهم، لتعزيز السردية الأمنية التي تبرر ملاحقة المعارضين أو الرافضين للتجنيد، عبر ربطهم ضمنياً بتهديدات خارجية.

ملاحقات واعتقالات

وفي محافظة حجة، أفادت مصادر محلية بأن الجماعة كثّفت حملات الملاحقة بحقّ شبان رفضوا الاستجابة لدعوات التجنيد، حيث جرى اعتقال عدد منهم من منازلهم، فيما تم توقيف آخرين في نقاط تفتيش. وتحدثت المصادر عن استمرار احتجاز عشرات المدنيين منذ أسابيع، دون معلومات واضحة عن مصيرهم.

كما أشار شهود إلى استخدام قوائم بأسماء مطلوبين، إلى جانب تهديدات بفرض عقوبات على الرافضين، في إطار حملة تقودها جهات إشرافية محلية لتجنيد مزيد من المقاتلين، في ظل استنزاف بشري تشهده الجبهات.

حشد من الحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران (رويترز)

وفي محافظة الحديدة، شهدت مديرية جبل راس حملات مشابهة، طالت شباناً وأولياء أمور، على خلفية رفضهم إرسال أبنائهم إلى القتال. وأفاد سكان باستخدام وسائل ضغط متعددة، بينها التهديد بالعقوبات أو الاحتجاز، لإجبار العائلات على الامتثال.

ويقول مراقبون إن ربط هذه الحملات بملفات أمنية، مثل «التجسس»، يعكس اتجاهاً نحو توسيع دائرة الاشتباه، بما يسمح بملاحقة فئات أوسع من السكان تحت مبررات أمنية.

وفي محافظة إب، اتسعت دائرة الاستهداف لتشمل معلمين وموظفين وشرائح مدنية مختلفة، في عدد من المديريات. وأكدت مصادر محلية أن الحملات ترافقت مع خطاب تعبوي يربط بين التجنيد و«نصرة المحور الإيراني» ومواجهة ما تصفه الجماعة بالتحديات الإقليمية.

في المقابل، أدّت هذه التطورات إلى حالة من القلق داخل المجتمعات المحلية، حيث لجأت بعض الأسر إلى إخفاء أبنائها أو نقلهم إلى مناطق أخرى، خشية الاعتقال أو إجبارهم على القتال.

تداعيات حقوقية وإنسانية

يثير تصاعد حملات الاعتقال المرتبطة بالتجنيد القسري مخاوف حقوقية متزايدة، حيث يؤكد ناشطون أن العديد من المحتجزين يتم توقيفهم دون أوامر قضائية، مع حرمانهم من حقوقهم الأساسية، بما في ذلك التواصل مع أسرهم أو الحصول على تمثيل قانوني.

كما يشير هؤلاء إلى أن استخدام اتهامات مثل «التجسس» قد يفتح الباب أمام انتهاكات أوسع، في ظل غياب الشفافية والإجراءات القانونية الواضحة. ويرون أن هذه الممارسات تتعارض مع القوانين الدولية التي تحظر إجبار المدنيين على المشاركة في النزاعات المسلحة.

الجماعة الحوثية أعلنت الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (إ.ب.أ)

ويربط محللون تصاعد هذه الإجراءات بالضغوط التي تواجهها الجماعة لتعزيز قدراتها العسكرية، في وقت تشهد فيه الجبهات تعزيزات مستمرة، ما يدفعها إلى تكثيف عمليات التجنيد، حتى عبر وسائل قسرية.

وفي ظل هذه التطورات، دعت منظمات حقوقية إلى وقف حملات الاعتقال والتجنيد القسري، والإفراج عن المحتجزين، واحترام المعايير الدولية، محذرة من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، ويقوض فرص التوصل إلى تسوية سياسية في اليمن.