بن دايل: نعمل على أن يكون الاستثمار في الثقافة السعودية جاذباً ومربحاً

الرئيس التنفيذي لصندوق التنمية الثقافية يقول إن القطاع غني بالفرص الاستثمارية

محمد بن عبد الرحمن بن دايل
محمد بن عبد الرحمن بن دايل
TT

بن دايل: نعمل على أن يكون الاستثمار في الثقافة السعودية جاذباً ومربحاً

محمد بن عبد الرحمن بن دايل
محمد بن عبد الرحمن بن دايل

أكد محمد بن عبد الرحمن بن دايل، الرئيس التنفيذي لصندوق التنمية الثقافية في السعودية، أن الصندوق الذي تمّ تأسيسه برأسمال يبلغ نصف مليار ريال (نحو 133.32 مليون دولار) سيعمل على دعم التنمية الثقافية، واستدامتها عبر تخصيص تمويل مستدام من القطاعين العام والخاص بآليات تمويل مثلى لدعم المشاريع الثقافية وضمان نجاحها.
واعتبر بن دايل في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن «الصندوق هو دليل جاد على اهتمام الدولة بدعم القطاع الثقافي، لكنها أيضاً تسعى لأن يكون قطاعاً منتجاً ومساهماً في الاقتصاد دون اعتماد كلي على الدعم الحكومي»، وهنا نص الحوار...

> مع تأسيس الصندوق السعودي للتنمية الثقافية، ماذا يمكن أن يحقق في تنمية قطاع الثقافة السعودي مع ميزانية ضخمة تبلغ نصف مليار ريال؟
- يعمل الصندوق على دعم التنمية الثقافية والمجالات المتصلة بها، واستدامتها عبر تخصيص تمويل مستدام من القطاعين العام والخاص بآليات تمويل مثلى لدعم المشاريع الثقافية وضمان نجاحها؛ مجالات الدعم التي يقدمها الصندوق تتنوع بحسب حاجات القطاعات الثقافية التي تمت دراستها ضمن الاستراتيجية الوطنية للثقافة من التطوير والإنتاج حتى التوزيع والعوامل الممكنة.
> ما هي الموارد الإضافية لهذا الصندوق؟
- بالإضافة إلى رأس مال الصندوق الذي خصص له من الدولة، يحق للصندوق قبول الهبات والتبرعات والمنح والوصايا والأوقاف، ويسعى إلى تفعيل دور القطاع الخاص في تمويل مبادرات القطاع الثقافي، بالإضافة إلى إشراك المجتمع عبر آليات التمويل الجماعي.
> يستهدف الصندوق تحفيز الجهات العاملة في المجال الثقافي للمساهمة والاستثمار في القطاع، لكنكم تعلمون أن هذا القطاع نشأ ونما على الدعم الحكومي، هل يمكن فعلاً أن تصبح الثقافة جاذبة للاستثمار؟
- تأسيس الصندوق هو دليل جاد على اهتمام الدولة بدعم القطاع الثقافي، لكنها أيضاً تسعى لأن يكون قطاعاً منتجاً ومساهماً في الاقتصاد دون اعتماد كلي على الدعم الحكومي؛ سيكون للصندوق تدخلات مالية بآليات تمويل مدروسة تتناسب وحاجات القطاع الثقافي وتتفاوت بحسب طبيعة المشاريع المستفيدة، تتنوع الآليات ما بين قروض ميسرة، ضمانات بنكية، حزم تحفيز، واستثمارات مقابل حصص في بعض الشركات.
يعزز ذلك أن المملكة شهدت - بدعم موجه من الحكومة - حراكاً عالياً في السنوات القليلة الماضية في قطاعات لم تكن مفعلة بشكلٍ كافٍ في السابق (مثل قطاع السياحة، الترفيه، الرياضة والثقافة)؛ مما أثبت للجميع أن هناك طلباً متزايداً عليها من المواطن، وقوة استهلاكية عالية تعزز الثقة لدى المستثمر الذكي الذي يرى الفرص الواعدة في هذه القطاعات إذا نجح في تقديم مشاريع ومنتجات بجودة عالية تخدم المواطن وتحسن جودة الحياة.
> دعنا نفهم، هل سيقوم الصندوق بتقديم التمويل أو الإقراض، أم الاكتفاء بتقديم الاستشارات؟ هل من مهامه تقديم مشاريع استثمارية وتأسيس شراكات؟
- توجهنا في الصندوق تنموي بحت، ونسعى لتقديم الحلول التكاملية التي تضمن استمرارية ربحية القطاع ونجاحه؛ يقدم الصندوق خدماتٍ مالية كالقروض، والضمانات البنكية ويكملها بتقديم خدمات غير مالية أيضاً كالاستشارات الإدارية والقانونية وبعض البرامج التوعوية والتدريبية بهدف رفع مستوى المشاريع وتحسين ربحيتها وتعزيز فرص نجاحها واستفادتها من الخدمات المالية التي تقدم لها.
واستكمالاً لدوره في تقديم الخدمات المالية، يسعى الصندوق لتأسيس شراكات فعّالة مع القطاع الحكومي، الخاص والجهات غير الربحية لتساهم هذه الشراكات في تمويل المشاريع الثقافية وتقديم مشاريع استثمارية قد يستثمر فيها الصندوق استثماراً لا ينافس فيه القطاع الخاص ولكن يعزز الثقة في المشاريع الاستثمارية الكبرى.
> هل ثمة تصورات لمشاريع يمكن للصندوق البدء بها؟
- نعمل حالياً مع الهيئات الثقافية لحصر المشاريع الثقافية الجاهزة لتمويلها، ونتوقع أن تبدأ عمليات التمويل في القريب العاجل، وتتنوع المشاريع المحصورة ما بين إنتاج وتطوير المحتوى الثقافي، دعم تشغيل المرافق الثقافية، فرص التعليم والتدريب، النشر والأبحاث ودعم البني التحتية، كما سيقوم الصندوق بفتح الباب لعموم المستفيدين للتقدم بطلباتهم على برنامج تحفيز المشاريع الثقافية في شهر أغسطس (آب) المقبل.

- الاستثمار في الثقافة
> حين نتحدث عن الاستثمار في القطاع الثقافي، نتحدث عن القطاع الخاص، ونتحدث بالضرورة عن «الربحية»، هل يمكن أن يحقق الاستثمار الثقافي عائدات دون رفع القيود ومنحه الحرية اللازمة؟
- منذ تأسيس وزارة الثقافة في عام 1439هـ - 2018م وهي تسعى جاهدة لمنح الحرية الإبداعية للمثقفين والممارسين في القطاع الثقافي بما لا يتعارض مع توجهات وقيم الدولة؛ في ظل العرض الحالي، فرص ربحية القطاع عالية والمجتمع متعطش لخيارات ثقافية منوعة، والمستثمر الجيد يدرك ضخامة الفرص الموجودة حالياً ويعمل على الاستفادة منها، كما أن المنظومة الثقافية التي نعمل ضمنها بقيادة وزير الثقافة حريصة جداً على التجديد والابتكار، وتعمل بشكل مستمر لضمان نمو القطاع وتيسير أعماله ورفع أي قيود أو اشتراطات غير ضرورية أو معيقة.
> من يتحمل إنشاء البنية التحتية التي نفتقدها حتى الآن؛ نحن نفتقد دور المسارح وصالات العرض والمباني اللازمة، جنباً إلى جنب مع الطاقم المتفرغ للعمل الثقافي؟
- الاهتمام الذي توليه الحكومة للقطاع الثقافي غير مسبوق، وتأسيس الصندوق هو لتسريع التطور المرغوب في هذا الشأن؛ يعمل الصندوق من خلال برامجه التمويلية على تقديم الدعم للبنى التحتية الثقافية بالتكامل مع مبادرات برامج الرؤية التنفيذية والأجهزة الحكومية والشركات والمشاريع المملوكة للدولة ضمن خططها التطويرية، بالإضافة إلى سعي الصندوق لتفعيل دور القطاع الخاص وإسهامه في الاستثمار في هذه المشاريع؛ كما أوضحتم في سؤالكم، حاجتنا إلى البنى التحتية توازيها حاجتنا إلى الطاقم المؤهل والمتفرغ للعمل الثقافي الذي يبث الحياة في هذه البنى التحتية، سواء في إداراتها أو تزويدها بالمحتوى الذي يضمن استمراريتها؛ ولهذا نعمل في الصندوق على توفير برامج تمويلية تلبي كل هذه الحاجات وتعنى بتطوير العنصر البشري جنباً إلى جنب مع العنصر المادي.
> يُعد برنامج جودة الحياة، الذي أطلقه مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية السعودي أحد برامج تحقيق «رؤية المملكة 2030»، ومن بينها الأهداف بجعل المدن السعودية من بين أفضل المدن على مستوى العالم للعيش، ومن الوسائل إنشاء بنية تحتية للأنشطة الثقافية، ما هو دور الصندوق في هذا الجانب؟
- تأسيس صندوق التنمية الثقافي هو إحدى مبادرات برنامج جودة الحياة، حيث يعمل الصندوق تكاملياً مع باقي مبادرات البرنامج لتحقيق المستهدفات والمخرجات الثقافية للبرنامج مما يسهم في تحقيق أهداف البرنامج الرئيسية؛ هناك بنى تحتية كبرى تتبنى إنشاءها مبادرات شقيقة ومشاريع كبيرة في الدولة، وهناك بنى تحتية يساهم الصندوق في تمويلها ودعمها.
> تعلمون أن الطريق لتشجيع التبرعات والأوقاف لصالح التنمية الثقافية في حاجة إلى تعزيز التفاعل المجتمعي، وتحفيز الجانب القيمي للثقافة، هل لديكم خطة في هذا المجال؟
- منذ الدراسات الأولية لإنشاء الصندوق كان التمويل الجماعي بكل نماذجه، ومن ضمنها الهبات والمنح، أحد الخيارات التي نُعول أن تحدث حراكاً صحياً في القطاع الثقافي لسبب أساسي وهو ارتباط المخرج والفعل الثقافي بوجدان وهوية المواطن السعودي واهتمامه الشخصي بها؛ مما يعزز من فرصة مساهمته في تمويلها وازدهارها. ونعمل في الصندوق، ضمن المنظومة الثقافية، على مبادرات للتمويل الجماعي من شأنها تحفيز الجانب القيمي للثقافة وتحسين التفاعل المجتمعي معها، سترى هذه المبادرات النور قريباً بإذن الله، وإحدى هذه المبادرات تركز على تشجيع جانب المنح والهبات المجتمعية لصالح القطاع الثقافي.
> هل لديكم تصورات لعقد شراكات استراتيجية مع جهات في القطاع الخاص، ضمن مشاركتهم في المسؤولية الاجتماعية؟
- كما ذكرت سابقاً، توجه الصندوق منذ البداية قائم على تفعيل دور القطاع الخاص في دعم وتمويل القطاع الثقافي، وأحد قنوات التفعيل تكمن في إظهار الفرص الكامنة في القطاع الثقافي وتوجيه أنظار جهات القطاع الخاص لها كفرص جاذبة ذات تأثر عظيم على المجتمع وتستحق أن توجه لها جهودهم ومشاركتهم في المسؤولية الاجتماعية.
نعمل حالياً على تحديد هذه الفرص لعرضها على جهات القطاع الخاص، ومن منبركم نود أن ندعو جهات القطاع الخاص أيضاً بألا تنتظر دعوتنا وتبادر كبعض جهات القطاع الخاص الرائدة في خلق توجهها المميز في دعم القطاع الثقافي بمبادرات مختلفة وخلّاقة ضمن مسؤوليتها الاجتماعية، كما أننا نرحب بكل من يطرق باب الصندوق منهم باحثاً عن مشاريع ومبادرات ثقافية تستحق الدعم.
> ماذا يمكن أن يعمل الصندوق في دعم حركة الإبداع السعودي، من الكتابة والتأليف والنشر إلى صناعة الأفلام والمحتوى البصري؟
- مجالات الدعم التي يقدم من خلالها الصندوق برامجه التمويلية تركز على جميع الجوانب المذكورة، ويسعى إلى توفير الدعم المالي لمنشآت القطاع الخاص والجمعيات والمؤسسات الأهلية العاملة في المجالات الثقافية التي توفر الفرص من خلال مشاريعها للممارسين في القطاع الثقافي لتكثيف وتطوير ومشاركة إنتاجهم.

- محمد بن دايل... 20 عاماً في الاستثمار
> يمتلك محمد بن عبد الرحمن بن دايل، الذي تمّ تعيينه مؤخراً في منصب الرئيس التنفيذي لصندوق التنمية الثقافية في السعودية، خبرة مالية وإدارية وفي قطاع الاستثمار تزيد على 20 عاماً، شغل العديد من المناصب القيادية، كان آخرها المدير التنفيذي لعمليات الاستثمار في شركة رائدة للاستثمار. كما عمل في إدارة الخزينة في «أرامكو السعودية»، بالإضافة إلى عضويته في مجلس إدارة مصرف الإنماء. وهو حاصل على درجة الماجستير في إدارة الأعمال من الجامعة الأميركية بواشنطن ودرجة البكالوريوس في التمويل من جامعة جورج واشنطن، ولديه عدد من المؤهلات في إدارة الخزانة والاستثمار.



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.