«ثلاثة أهداف» أميركية في سوريا تبدأ بـ«تمديد وتوسيع» المساعدات

بلينكن أطلع نظراءه في روما على أولويات واشنطن قبل لقاء مع الروس في جنيف

وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن في مؤتمر صحافي بروما أول من أمس (رويترز)
وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن في مؤتمر صحافي بروما أول من أمس (رويترز)
TT

«ثلاثة أهداف» أميركية في سوريا تبدأ بـ«تمديد وتوسيع» المساعدات

وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن في مؤتمر صحافي بروما أول من أمس (رويترز)
وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن في مؤتمر صحافي بروما أول من أمس (رويترز)

«ثلاثة أهداف» حددها وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن لبلاده في سوريا خلال الجلسة المغلقة لمؤتمر روما أول من أمس؛ أولها -وهو «الأكثر إلحاحاً»- إقناع روسيا بـ«تمديد وتوسيع» القرار الدولي الخاص بالمساعدات الإنسانية «عبر الحدود»، ما يفسر قرار موسكو وواشنطن عقد اجتماع غير معلن في جنيف الأسبوع المقبل بين مسؤولين رفيعي المستوى من الطرفين، يرجح أن يضم ألكسندر لافرينييف مبعوث الرئيس الروسي، وبريت ماغورك مسؤول ملف الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي الأميركي.
وبحسب قول مسؤولين غربيين حضروا اجتماع روما لـ«الشرق الأوسط»، فإن دعوة الوزير بلينكن لمؤتمر روما كانت أول خطوة سياسية رفيعة يقوم بها فريق بايدن منذ تسلمه الحكم، ومنذ تلاشي «المجموعة الدولية لدعم سوريا» التي نتجت عن عملية فيينا نهاية 2015، وضمت أكثر من 20 دولة، بما فيها روسيا وإيران.
وشكل مؤتمر روما مناسبة لاستعادة واشنطن دورها القيادي في التنسيق مع حلفائها، وتوسيع «المجموعة المصغرة» التي ضمت سبع دول كبرى وعربية، إضافة إلى استعادة نوع من التشاور مع قطر وتركيا اللتين انضويتا مع روسيا في «مجموعة آستانة» أو «منصة الدوحة»، ومد جسور مع كتلتين رئيستين في الملف السوري، هما الجامعة العربية والاتحاد الأوروبي.
- إغاثة ملحة
وبحسب المعلومات المتوفرة، فإن بلينكن أبلغ الوزراء المشاركين في الجلسة المغلقة بأولويات أهداف سياسة أميركا في سوريا حالياً، وهي ثلاث:
_ الهدف الأول «عاجل»، وهو يخص القرار الدولي لإيصال المساعدات الإنسانية عبر الحدود وتوسيع نطاقه، إذ إن الرئيس بايدن أثار -خلال لقائه نظيره الروسي فلاديمير بوتين في جنيف في الـ16 من الشهر الماضي- ملف تمديد القرار الدولي الخاص الذي تنتهي فترة العمل به في 10 يوليو (تموز) المقبل. وبالفعل، كان موقف إدارة بايدن واضحاً، وهو أن الموقف الروسي من هذا الموضوع سيكون حاسماً في قرارات إدارة بايدن في المرحلة المقبلة. وقال دبلوماسي غربي لـ«الشرق الأوسط» إن «الرسالة الأميركية هي: إذا استجابت روسيا لرغبة أميركا، يمكن استئناف الحوار الثنائي وتوسيعه حول سوريا، واتخاذ إجراءات إيجابية أخرى؛ وإذا صوتت موسكو ضد تمديد القرار وتوسيعه (من معبر إلى ثلاثة معابر)، فإن الجمود هو مصير الملف السوري، وسط دعوات في واشنطن لتصعيد الضغوط، واستئناف فرض العقوبات».
وفي هذا السياق، يأتي الحوار الأميركي - الروسي في جنيف بعد أيام الذي سيكون الأول في زمن إدارة بايدن، في ضوء أن آخر لقاء عقده المسؤول الروسي كان مع المبعوث الأميركي السابق جيمس جيفري في فيينا في يوليو (تموز) الماضي، علماً بأنه لم يحضر الاجتماع الأميركي - الروسي اللاحق في جنيف في أغسطس (آب) الماضي، لأنه كان مصاباً بـ«كورونا». كما يشار أيضاً إلى أن فريشنين وماغورك أطلقا قبل سنوات هذا المسار الثنائي غير المعلن.
وكان القائم بأعمال مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى، جوي هود، قد قال في إفادة صحافية علنية: «أعتقد أننا نرى هناك فرصة للعمل بشكل بناء مع روسيا بشأن هذه المسألة، المتمثلة في إيصال المساعدة الإنسانية إلى السوريين في جميع أنحاء البلاد، خصوصاً الآن، بعد انتشار وباء (كوفيد) وضرورة التعامل معه، حيث لم يتم إيصال أي مساعدة تقريباً لمحاربة (كوفيد) إلى شمال شرقي سوريا على وجه الخصوص. لذا، فهي مشكلة إنسانية متنامية، ولا أعتقد أن أي شخص يريد مفاقمتها»، فيما قال بايدن في روما إنه «أثار هذه المسألة خلال لقائه ببوتين»، ذلك أن هذا الأمر «بالغ الأهمية» لواشنطن.
- «داعش» والهدنة
الهدف الثاني لأميركا في سوريا هو التركيز على القضاء على «داعش»، وهو الأمر الذي يمثل السبب الوحيد لوجود أميركا شرق الفرات. وعن ذلك، قال بلينكن: «يجب أن نبقى معاً ملتزمين بأهداف تحقيق الاستقرار (شرق سوريا)، كما فعلنا في حملتنا العسكرية التي أدت إلى النصر في ساحة المعركة»، مشيراً إلى ضرورة حل مشكلة عشرة آلاف «داعشي» في سجون «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، حيث «تواصل الولايات المتحدة حث البلدان الأصلية، بما في ذلك شركاء التحالف، على استعادة مواطنيها وإعادة تأهيلهم ومقاضاتهم عند الاقتضاء». وهنا، أكد بيان المؤتمر الدولي للتحالف ضد «داعش» وقوفه إلى «جانب الشعب السوري لدعم تسوية سياسية دائمة وفقاً للقرار (2254)»، مضيفاً: «لا بد من أن يبقى التحالف يقظاً إزاء تهديدات الإرهاب بكل أشكاله وتعبيراته لكي يؤسس على النجاح الذي حققه، ولا بد من أن يستمر في العمل بشكل مشترك ضد أي تهديد لهذا النجاح، وأن يتجنب الفراغ الأمني الذي قد يستغله (داعش)».
أما الهدف الأميركي الثالث، فيتعلق بضرورة «استمرار تنفيذ وقف النار على أرض الواقع» في سوريا، حيث أشار الوزير الأميركي إلى أن وقف النار لم يمنع حصول انتهاكات حقوق الإنسان، واستمرار الاعتقالات، وعدم عودة اللاجئين.
- أهداف آجلة
وإلى جانب هذه الأهداف التي لم تعد تتضمن أهدافاً واسعة مثل «إخراج إيران»، كما كان الأمر في عهد الرئيس السابق دونالد ترمب، وفريقه بقيادة وزير الخارجية مايك بومبيو، والمبعوث لسوريا جيمس جيفري، حدد الوزير الأميركي هدفاً طويل الأجل، وهو الوصول إلى «حل سياسي»، بصفته الطريقة الوحيدة للمصالحة والسلام وإعمار سوريا. وهنا، لا بد من الإشارة إلى إضافة فقرة موسعة إلى البيان النهائي لمؤتمر روما، نصت على دعم جهود المبعوث الأممي غير بيدرسن لـ«تنفيذ القرار (2254) بجوانبه كافة، بما في ذلك استمرار دعم وقف إطلاق النار على مستوى البلاد بأسرها، وإيصال المساعدات من دون عوائق، وبشكل آمن، واللجنة الدستورية، وكذلك مكافحة الإرهاب بجميع أشكاله ومظاهره». كما أضيفت فقرة سياسية في آخر البيان، تضمنت تأكيد الوزراء على «وحدة سوريا وسلامة أراضيها، وسنظل ملتزمين بمواصلة العمل بدأب للتوصل إلى حل سياسي موثوق به مستدام شامل، استناداً إلى القرار (2254)، وهو الحل الوحيد الذي سينهي الصراع السوري الذي فاق عقداً من الزمان، ويضمن أمن الشعب السوري، ويحقق تطلعاته».
وأجمع الوزراء العرب في المؤتمر على أن «الحل السياسي هو الحل الوحيد للأزمة السورية وفق القرار (2254) والقرارات الدولية الأخرى»، مع تحذيرات من أن «غياب الإرادة الدولية الفاعلة في حل الأزمة أسهم في إتاحة الفرصة لتنفيذ بعض الأطراف مشاريع توسعية وطائفية وديمغرافية تستهدف تغيير هوية سوريا، وتنذر بطول أمد الأزمة السورية، وتأثيراتها الإقليمية والدولية».
وكان لافتاً حديث أطراف عربية عن ضرورة تحقيق الاستقرار ومحاربة الإرهاب في جنوب سوريا، وإبعاد ميليشيات تابعة لإيران منها، إضافة إلى ضرورة عودة الدور العربي إلى سوريا، مع تأكيدات على أن عودة دمشق إلى الجامعة العربية تتطلب «توافقاً عربياً» غير موجود في الظرف الراهن، إضافة إلى أن وجود «قانون قيصر» الأميركي يحد من إمكانات المساهمة في الإعمار، بحيث تبقى محصورة في الأمور الإنسانية والطبية ومواجهة «كورونا»، وفق الاستثناءات التي وفرها القانون الأميركي، واستثناءات وزارة الخزانة في واشنطن.
وعليه، فإن الموقف الأميركي الراهن هو عدم الخوض في اقتراح المبعوث الأممي غير بيدرسن لبدء مقاربة «خطوة مقابل خطوة»، وتشكيل مجموعة اتصال دولية - إقليمية خاصة بسوريا، وحث الدول العربية على التريث في «التطبيع» مع دمشق، وتذكيرها بـعقوبات «قانون قيصر» وملف «المساءلة والمحاسبة»، وذلك بانتظار: أولاً اللقاء الروسي - الأميركي في جنيف؛ ثانياً نتائج اجتماع «آستانة» في الـ7 من الشهر المقبل؛ ثالثاً التصويت في مجلس الأمن على قرار المساعدات قبل 10 يوليو (تموز) المقبل.



كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)

رفعت الحرب الإيرانية من أعباء الطاقة على مصر، التي تعدُّ أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان، وتستهلك سنوياً قرابة 12 مليون طن من السولار، ونحو 6.7 مليون طن من البنزين، وتحتاج لاستيراد كميات إضافية من الغاز في حدود مليارَي قدم.

وبحسب مسؤولين مصريين سابقين وخبراء بقطاع الطاقة تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإنَّ مصر تعتمد لوجيستياً على تعاقدات رئيسية للطاقة مع السعودية والكويت والعراق والولايات المتحدة، بخلاف الأسواق الفورية، ومع الأزمة الحالية دخلت ليبيا بوصفها مساراً جديداً مؤقتاً، مشيرين إلى أن مصر تموِّل تلك التعاقدات عبر مسارات عدة، مثل عائدات صادرات المشتقات النفطية، وتسهيلات البنوك، ودعم البنك المركزي، وسط أعباء مالية تزداد مع ارتفاع الأسعار العالمية جراء استمرار حرب إيران منذ نحو شهر.

وتستعد مصر لاستيراد مليون برميل على الأقل شهرياً من النفط الليبي لتعويض توقف إمدادات النفط الخام الكويتي؛ نتيجة الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، بحسب ما نقلت وكالة «بلومبرغ» عن مصادر مطلعة في 29 مارس (آذار)، لافتة إلى أن ليبيا سترسل الآن شحنتين شهرياً إلى جارتها الشرقية، بإجمالي 1.2 مليون برميل، وهو ما أكدته مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط».

وتعتمد المصافي المصرية جزئياً على النفط الخام الكويتي، إذ تستورد منه ما بين مليون ومليونَي برميل شهرياً، بالإضافة إلى نحو مليون برميل من شركة «أرامكو السعودية»، لكن بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، خفَّضت الكويت إنتاجها النفطي وعمليات التكرير عندما تباطأت حركة الشحن عبر مضيق هرمز، وأعلنت مؤسسة البترول الكويتية حالة «القوة القاهرة» على مبيعات النفط الخام.

وفي 10 مارس، أكد أحمد كجوك وزير المالية، خلال مؤتمر صحافي آنذاك، أن الحكومة قامت بتأمين نحو 50 في المائة من احتياجاتها من الوقود بأسعار محددة، وهو ما يغطي النصف الأول من العام المالي.

وزير البترول المصري يتفقد قبل أيام سفينة حفر آبار غاز جديدة لصالح «بى بي» و«أركيوس» (وزارة البترول المصرية)

ويقول وزير البترول المصري الأسبق، رئيس لجنة الطاقة في مجلس الشيوخ أسامة كمال، لـ«الشرق الأوسط»: «هناك عقود مبرمة لتوريد الغاز الطبيعي من الولايات المتحدة، وهي عقود مستقرة وتعمل بشكل طبيعي حتى الآن دون معوقات في التدفق»، مشيراً إلى أن «المتغيرات تتركز بشكل أساسي في أسعار الغاز وتكاليف النقل التي تتأثر بالارتفاع العالمي لأسعار النفط».

ووفق تقديرات رسمية، تبلغ احتياجات مصر من الغاز قرابة 6.2 مليار قدم مكعبة يومياً، بينما يصل إنتاجها اليومي إلى نحو 4.2 مليار قدم مكعبة.

كما اتخذت الحكومة حزمة إجراءات احترازية؛ منها تخفيض ساعات العمل المسائية في المحال العامة والمراكز التجارية، وهو إجراء تحوطي لترشيد استهلاك الطاقة، وفق الوزير الأسبق.

وحول كيفية تمويل الواردات البترولية في ظلِّ الارتفاع القياسي للأسعار العالمية، قال المسؤول السابق: «قبل اندلاع الحرب تجاوز الاحتياطي النقدي الأجنبي حاجز الـ52 مليار دولار، والشهر الماضي وحده شهد سحب ما يزيد على مليار دولار لتغطية تكاليف الاستيراد، ومن المتوقع أن تتجاوز فاتورة مارس حاجز المليارَي دولار»، متوقعاً ألا تستمر الأزمة إلى الأسبوع الثالث من أبريل (نيسان) «وإلا ستكون خسارة فادحة للعالم وليس لمصر فقط».

وبمزيد من التفاصيل عن آليات تأمين النفط الخام والمنتجات البترولية، أوضح نائب رئيس «هيئة البترول المصرية للعمليات» سابقاً مدحت يوسف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «مصر تعتمد في الوقت الحالي على واردات الخام من الكويت والعراق بخلاف تعاقدات مستمرة مع شركة (أرامكو السعودية)؛ لتوريد النفط الخام إلى معامل تكرير ميدور والمعامل المصرية الأخرى عبر ميناء ينبع»، مشدداً على أن «(أرامكو) ملتزمة بتعاقداتها مع مصر، وهناك صعوبة تحُول دون زيادة الكميات التعاقدية فوق المتفق عليه، نظراً لالتزاماتها ومصداقيتها مع عملائها الدوليِّين».

وأضاف: «هناك مشكلة تواجه مصر مع الحرب وتأثر توريدات الخام من الكويت والعراق؛ مما دفع للبحث عن بدائل، منها محاولة التعاقد على الخام الليبي، بالإضافة إلى اللجوء إلى السوق الفورية التي تحمل ميزةً وعيباً، حيث توفِّر الخام عالمياً لكنه يُشكِّل ضغطاً مالياً كونه يتطلب سداداً فورياً وبأسعار مرتفعة، على عكس التعاقدات الكويتية مثلاً، التي كانت تمنح مصر تسهيلات مرنة جيدة تصل إلى 9 أشهر».

وأكد يوسف، أن ميناء ينبع السعودي يظل المورد الأكبر لمصر، والالتزامات لا تزال قائمة من خلال مناقصات ربع سنوية وأساليب سداد قائمة أيضاً.

وعن الغاز، كشف يوسف عن أنه «يحمل مشكلة كبيرة مع توقف إمدادات الغاز من الجانب الإسرائيلي مع بدء الحرب»، لافتاً إلى غياب التعاقدات المباشرة بين الدول مثل الإمارات أو قطر، حيث تتم التوريدات عبر موردين عالميِّين ملتزمين بالتوريد، لكن بأسعار مرتبطة بمتغيرات السوق العالمية المرتبطة بسعر غاز «TTF» الهولندي، الذي سجَّل مستويات مرتفعة بلغت 21 دولاراً للتسليم في مصر.

وعدّ أنَّ الميزة الحالية لمصر هي أنَّ الأزمة وقعت في فصل الشتاء، حيث ينخفض استهلاك الكهرباء إلى 29.5 غيغاواط، مقارنة بـ40 غيغاواط في فصل الصيف، محذراً من أنه في حال استمرار الأزمة حتى ذروة الاستهلاك الصيفي، قد تضطر الدولة لتخفيف الأحمال عن بعض الصناعات أو المنازل، أو الاعتماد على بدائل مكلفة جداً مثل المازوت والسولار لتوليد الكهرباء.

وبشأن سبل تمويل هذه الواردات، أوضح يوسف أنَّ الهيئة العامة للبترول تعتمد على مسارات عدة؛ أولها عائد الصادرات عبر تصدير بعض المنتجات البترولية والغاز المسال، وتصدير خام خليط غارب في حدود 65 ألف برميل يومياً، بالإضافة إلى حصيلة صادرات وقود النفاثات وشركات البتروكيماويات.

وأضاف أن تلك العائدات تغطي «جزءاً كبيراً من التمويلات بالخارج، لكنها لا تكفي، وبالتالي تلجأ هيئة البترول لأمرين آخرين بالحصول على تسهيلات من البنوك المصرية ودعم البنك المركزي؛ كي لا يحدث أي اختناق بالسوق المحلية»، محذراً من أنَّ استمرار الحرب سيؤدي إلى مزيد من الاستنزاف الاقتصادي، ما يتطلب جاهزيةً تامةً للسيناريوهات كافة.

وفي 18 مارس الحالي، قال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، في مؤتمر صحافي، إن فاتورة واردات الطاقة في مصر ازدادت بأكثر من المثلين منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ‌مؤكداً الضغوط المتزايدة على الموارد المالية للبلاد مع ارتفاع أسعار الوقود العالمية.

وبلغت قيمة واردات مصر من الغاز في عام 2025 نحو 8.9 مليار دولار مقابل 4.9 مليار دولار في عام 2024، وفق بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء»، بينما قفزت فاتورة واردات مصر البترولية بنسبة 23 في المائة، لتصل إلى 21 مليار دولار، بنهاية عام 2025.


ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
TT

ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)

قبل أيام من عيد الفطر، استقلَّ السوداني محمد السيد (33 عاماً) حافلةً من حي فيصل، بمحافظة الجيزة المصرية، إلى مدينة أسوان جنوب البلاد، حيث المنفذ البري الرابط بين البلدين، بعد 10 أشهر فقط قضاها في مصر، بينما عائلته في منطقة الجزيرة بالسودان، مرجعاً قرار العودة السريع، دون استكمال علاجه الذي جاء من أجله، إلى «حملات الترحيل المصرية لمخالفي الإقامة».

وتشهد رحلات العودة الطوعية زيادةً لافتةً في الأسبوعين الماضيين، رغم تراجع رحلات العودة المجانية، وفق ما أكدته مصادر سودانية لـ«الشرق الأوسط»؛ وذلك بسبب الحملات الأمنية لترحيل السودانيين ممَّن ليست لديهم إقامات سارية، «ما جعل كثيراً من الأسر تفضِّل الإنفاق على العودة، بدلاً من تحمل تكلفة البقاء في مصر، ودفع إيجار شقة بمبلغ كبير لشهر آخر، مع مواجهة خطر الترحيل»، حسب أمين عام الجالية السودانية في مدينة العاشر من رمضان، شرق القاهرة، إبراهيم عز الدين.

تكدس العائدين في «معبر أرقين» خلال أزمة الضرائب (حملة راجعين لي بلد الطيبين)

وتسبَّبت الحرب بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو 1.5 مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. لكن منذ مطلع 2024 وحتى نهاية 2025، غادر عبر المنافذ البرية أكثر من 428 ألف سوداني، وفق تقديرات سودانية رسمية.

وقال عز الدين لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعداد الأسر التي رحلت بعد عيد الفطر، أضعاف من كانت تغادر قبله... وبعد انتهاء امتحانات الشهادة السودانية في مايو (أيار) المقبل، ستتضاعف الأعداد أكثر وأكثر».

الأمر نفسه أكده مؤسِّس حملة «راجعين لي بلد الطيبين»، محمد سليمان، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن لدى الحملة قوائم طويلة مُسجَّلة سيتم تفويجها تباعاً للعودة، لافتاً، إلى «أنَّ الأعداد شهدت زيادةً كبيرةً منذ عيد الفطر وحتى الآن، وأنَّ الرحلات تسير بسلاسة بعدما تداركت السلطات السودانية أزمةً كادت تؤثر على حركة العودة قبل أيام في ميناء أرقين البري».

وكان ميناء أرقين البري، شهد يوم الجمعة الماضي تكدساً للعائدين، بعدما أعلن سائقو الحافلات الإضراب؛ اعتراضاً على زيادة الضرائب المفروضة على حافلاتهم. وافترش العائدون من النساء والأطفال الأرض إلى جانب حقائبهم الكثيرة... وبعد ساعات من الأزمة، قرَّر رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، رفع الضرائب، واستأنف السائقون رحلاتهم إلى الداخل السوداني.

وعلق سليمان: «لو لم تحل الأزمة سريعاً لأثَّر ذلك على أعداد الوافدين يومياً، بعدما شهدت أعدادهم زيادةً ملحوظةً».

والزيادة في أعداد العائدين، أكدها أيضاً مدير معبر أرقين، والمشرف على المعابر، العميد مبارك داؤود سليمان، قائلاً في تصريح صحافي: «إن المعبر يشهد زيادةً مستمرةً في أعداد العائدين عقب عطلة عيد الفطر؛ حيث يتراوح عدد القادمين يومياً ما بين 1500 و2000 مواطن، رغم أن الرحلات المنتظمة لمنظومة الصناعات الدفاعية لم تبدأ بعد».

سودانيون يبحثون عن أسمائهم في قائمة المسافرين ضمن إحدى رحلات قطارات العودة (مجلس الوزراء المصري)

وبعد انتظار لشهور، تفكر السودانية لمياء محمد (32 عاماً) في استبدال الحافلات المدفوعة، بالعودة الطوعية المجانية، في ظلِّ تأخر الأخيرة، وغموض مواعيد رحلاتها، رغم أنَّ تدبير المبلغ الذي تحتاج إليه العودة المدفوعة بعد زيادة أسعارها، ليس سهلاً.

وارتفت أسعار الرحلات نحو ألف جنيه مصري، حسب منسق حملة «راجعين لي بلد الطيبين» عبد الناصر جعفر، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن الرحلات أصبحت بـ3500 جنيه (الدولار نحو 53 جنيهاً) للفرد بعدما كانت بـ2500 جنيه، مرجعاً ذلك إلى زيادة أسعار المحروقات.

تقول لمياء لـ«الشرق الأوسط»، إنها سجَّلت في المرحلة السابقة لـ«العودة الطوعية المجانية» قبل غلق باب التسجيل في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وظلَّت تنتظر اتصالاً يخبرها بموعد رحلتها، ولم يحدث ذلك، وبعد فتح باب التسجيل مجدداً، حاولت التسجيل، لكنها تفاجأت بالتعقيد في الأمر، سواء من حيث حجم البيانات المطلوبة، أو صعوبة تحميل الموقع.

وأسهمت رحلات العودة المجانية التي انطلقت في يوليو (تموز) من العام الماضي واستمرَّت حتى نهاية العام، في إعادة عشرات الآلاف من السودانيين، لكنها توقَّفت بداية العام في انتظار توفير تمويل لاستئنافها.

وقبل أسبوعين، فتحت الحملة باب التسجيل للراغبين في العودة مجاناً، دون إعلان موعد استئناف تفويج الرحلات، علماً بأن المرحلة الجديدة ستتضمن رحلات بحرية من أسوان إلى ميناء وادي حلفا السوداني.

ترغب لمياء، وعائلتها الكبيرة التي تتكوَّن من 9 أشخاص، في العودة خلال الشهر المقبل، وبحد أقصى قبل نهايته. وتقول: «نخشى حملات الترحيل، وفي الوقت نفسه لا نعلم متى ستستأنف رحلات العودة المجانية... سنحاول تدبير مبلغ العودة المدفوعة».

سيدتان سودانيتان تتجولان في شارع فيصل بمصر (الشرق الأوسط)

وبدأت قوات الأمن المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حملات موسَّعة في مناطق تمركز الوافدين، وفي الطرق، لتدقيق الإقامات وتوقيف المخالفين وفق شهادات متنوعة.

وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين وافد، ما بين مهاجر ولاجئ وطالب لجوء، من 62 جنسية مختلفة، في مقدمتهم السودانيون والسوريون. ويكلّف ذلك الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات حكومية مصرية.

وقال مدير عام «هيئة وادي النيل البحرية»، العقيد محمد آدم محمد أبكر، لـ«الشرق الأوسط»، «إن العمل في ميناء وادي حلفا البديل، يجري على قدم وساق، وسيكون جاهزاً خلال أسبوعين»، متوقعاً أن تُستأنف رحلات العودة الطوعية منتصف أبريل (نيسان)، لكنه أشار في الوقت نفسه، إلى أنَّ ذلك، «ليس موعداً نهائياً».


«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
TT

«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)

أعلنت المهمة البحرية الأوروبية (أسبيدس) تعزيز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن، ودعت سفن الشحن إلى توخي أقصى درجات الحذر، تحسباً لأي هجمات محتملة.

وتشير تقارير دولية -من بينها ما صدر عن مجموعة الأزمات الدولية- إلى أن توقيت دخول الحوثيين في المواجهة بين إيران وأميركا وإسرائيل يحمل دلالات سياسية؛ إذ يسعى إلى تعزيز موقف إيران التفاوضي، عبر فتح جبهة إضافية تزيد الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها.

كما توضح هذه التقارير أن امتناع الحوثيين حتى الآن عن استهداف السفن بشكل مباشر، قد يكون مرتبطاً برغبتهم في عدم خرق تفاهمات سابقة مع واشنطن بشأن الملاحة.

حسابات استراتيجية

وفي خضم التصعيد الإقليمي المتسارع، يبرز انخراط الجماعة الحوثية في الهجمات الموجهة نحو إسرائيل، بوصفه جزءاً من حسابات استراتيجية أوسع تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.

وتشير تقديرات مسؤولين يمنيين ومحللين إلى أن الهجمات الحوثية الأخيرة -رغم رمزيتها- لا تمثل سوى واجهة لتحركات أكثر خطورة تمنح طهران ورقة تفاوضية حساسة، في أي حوار مع الولايات المتحدة أو القوى الغربية.

وعلى الرغم من تبنِّي الحوثيين أولى هجماتهم بالصواريخ والطائرات المُسيَّرة باتجاه إسرائيل، فإن هذه العمليات تُوصف بأنها محدودة التأثير من الناحية العسكرية، وسبق أن جرى اختبار نمطها خلال الحرب في قطاع غزة.

الحوثيون استبقوا دخول الحرب إلى جانب إيران بمناورات ونقل أسلحة قرب سواحل البحر الأحمر (رويترز)

ويرى محللون أن الهدف منها ليس إحداث تحول ميداني؛ بل تأكيد الحضور ضمن ما يُعرف بمحور «المقاومة»، وإرسال رسائل سياسية محسوبة.

تحركات ميدانية

ويرى الباحث اليمني في شؤون الجماعة الحوثية عدنان الجبرني، أن التحرك الحوثي يرتبط بما يسميه «الضرورة العملياتية» التي تحددها غرفة عمليات مشتركة تضم أطرافاً من «الحرس الثوري» الإيراني وحلفائه في المنطقة.

الحوثيون خسروا سابقاً أبرز قادتهم العسكريين وفي مقدمهم رئيس أركانهم محمد الغماري (إعلام محلي)

ويصف الجبرني الهجمات الأخيرة بأنها «تمهيدية وتجريبية» تهدف إلى اختبار القدرات وتنسيق الهجمات المتزامنة، بما يسمح بإدخال الجماعة كطرف فاعل في أي تصعيد واسع. ويضيف أن الحوثيين يمثلون «خط الدفاع الأخير» لإيران؛ خصوصاً في حال توسعت الحرب أو تعرضت طهران لضغوط مباشرة.

وفي هذا السياق، سبقت الجماعة انخراطها الحالي بسلسلة من التحركات الميدانية، شملت نقل أسلحة إلى مناطق قريبة من الساحل الغربي، وتنفيذ مناورات بحرية، إضافة إلى تكثيف تدريبات وحدات الصواريخ والطائرات المُسيَّرة، ما يعكس استعداداً واضحاً لمرحلة تصعيد محتملة.