«موجة دلتا»... انتشار سريع وقيود جديدة

عودة الإغلاق الكامل بسيدني... وتفشٍ واسع للفيروس في بريطانيا والبرتغال

دورية للشرطة في اليوم الأول من إغلاق سيدني أمس (رويترز)
دورية للشرطة في اليوم الأول من إغلاق سيدني أمس (رويترز)
TT

«موجة دلتا»... انتشار سريع وقيود جديدة

دورية للشرطة في اليوم الأول من إغلاق سيدني أمس (رويترز)
دورية للشرطة في اليوم الأول من إغلاق سيدني أمس (رويترز)

تهدد طفرة «دلتا» الأشد عدوى من سلالات «كوفيد - 19» بإعادة فرض القيود على نطاق واسع، رغم حملات التلقيح الناجحة في الدول الغنية. وفيما يشهد الوضع الوبائي تحسناً نسبياً مع تسجيل أدنى عدد من الإصابات الجديدة في العالم منذ فبراير (شباط) بحسب منظمة الصحة العالمية، قد تؤدي المتحورة «دلتا» إلى ارتفاع جديد في الحالات خلال الصيف، في حال لم تتخذ إجراءات بشكل مبكر لاحتوائها، على ما حذر خبراء وسلطات صحية.
- وفيات قياسية
سجلت مدينة سان بطرسبورغ التي تستضيف مباريات ضمن بطولة أوروبا لكرة القدم، أمس (السبت)، أكبر عدد من الوفيات اليومية الناتجة من «كوفيد - 19» في روسيا منذ بدء الوباء، في وقت فُرض فيه إغلاق تام مجدداً بسيدني التي تواجه ارتفاعاً في الإصابات بفيروس كورونا جراء المتحورة «دلتا» الأشد عدوى والتي تثير قلقاً في العالم بأسره.
وسجلت روسيا، السبت، 21 ألفاً و665 إصابة جديدة في رقم قياسي منذ يناير (كانون الثاني) مع تفشي المتحورة «دلتا» على نطاق واسع، خصوصاً في سان بطرسبورغ والعاصمة موسكو ومنطقتها، كما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية. وأحصت سان بطرسبورغ، ثاني المدن الروسية، السبت 107 وفيات في الساعات الأربع والعشرين الأخيرة، بحسب تعداد رسمي. وهذه أكبر حصيلة وفيات يومية بكوفيد في كل مدن البلاد منذ بدء الوباء، وفق وكالات الأنباء الروسية.
وفي مجمل أنحاء روسيا، فإن عدد الوفيات اليومية السبت، هو الأكبر منذ ديسمبر (كانون الأول) مع 619 وفاة، لترتفع الحصيلة إلى 132 ألفاً و683 وفاة منذ بدء الجائحة، وفق إحصاء رسمي.
- عودة الإغلاق التام
أما في أستراليا، بعدما فرضت السلطات إغلاقاً الجمعة، في أربعة أحياء بوسط سيدني، قررت توسيع نطاق هذا الإجراء ليشمل كل أرجاء المدينة مترامية الأطراف والأكبر في أستراليا لأسبوعين. وبدت السبت، شوارع سيدني التي يقطنها أكثر من خمسة ملايين شخص شبه خالية.
وفي أستراليا التي احتوت حتى الآن بشكل جيد هذه الأزمة الصحية، ثبتت إصابة ثمانين شخصاً خلال الأسبوع الحالي على ارتباط بسائق كان ينقل طواقم شركات طيران من مطار سيدني إلى الفنادق التي يمضون فيها فترة الحجر.
وقالت رئيسة الوزراء في ولاية نيو ساوث ويلز، غلاديس بيريجيكليان: «حين نواجه متحورة شديدة العدوى مثل دلتا، فإن إغلاقاً لثلاثة أيام لن ينجح. علينا أن نستعد لعدد كبير من الحالات في الأيام المقبلة». وسط هذا الوضع، علّقت نيوزيلندا السبت، لثلاثة أيام، الرحلات الجوية المستثناة من الحجر مع أستراليا.
وأعلن الوزير النيوزيلندي المكلّف مكافحة «كوفيد - 19» كريس هيبكينز أن هذا القرار سيمنح المسؤولين وقتاً لاتخاذ إجراءات «تجعل الرحلات أكثر أماناً، على غرار فحوص قبل إقلاع كل الرحلات» بين البلدين.
وعلى غرار أستراليا، تشهد دول عدة ارتفاعاً في الإصابات الجديدة العائدة بجزء منها على الأقل إلى المتحورة «دلتا» التي ظهرت أولاً في الهند، والمسؤولة عن تجدد الوباء في المملكة المتحدة منذ أسابيع قليلة.
وفي ظل زيادة «خطيرة ومقلقة» في الإصابات الناجمة عن «دلتا»، تفرض بنغلاديش إغلاقاً مشدداً جديداً بدءاً من الاثنين. وقالت الحكومة إن كل الإدارات العامة والشركات في القطاع الخاص ستغلق لأسبوع، مع السماح فقط بالخروج لأسباب طبية.
- قيود جديدة
وفي جنوب أفريقيا، قالت الحكومة السبت، إن المتحورة «دلتا» هي السبب وراء زيادة الإصابات الجديدة بكوفيد، في الوقت الذي تدرس فيه فرض قيود أكثر صرامة. وسجّلت الدولة الأشد تضرراً في أفريقيا 18762 إصابة جديدة يوم السبت، وهو أعلى رقم يومي منذ يناير (كانون الثاني) - ما رفع العدد الإجمالي للحالات المؤكدة مختبرياً إلى 1.895.905، توفيت 59621 منها.
وجنوب أفريقيا هي أكثر دول القارة الأفريقية تضرراً، من حيث عدد حالات الإصابة والوفاة المؤكدة بـ«كوفيد - 19»، وفق وكالة «رويترز». وتواجه البلاد «موجة ثالثة» من العدوى. وقالت مامولوكو كوباي - نجوباني القائمة بأعمال وزير الصحة خلال المؤتمر، إن ذروة الموجة الثالثة ستتجاوز على الأرجح ذروة الموجة الثانية التي كانت في يناير (كانون الثاني).
بدورها، أعلنت إسرائيل الجمعة، قيوداً جديدة أمام ارتفاع الحالات. فهذا البلد الذي كان يعتد بأنه الأول في العالم الذي خرج من الأزمة الصحية بفضل حملة تلقيح واسعة النطاق، أعاد فرض وضع الكمامات في الأماكن العامة المغلقة وفي الشركات.
- تباين أوروبي
وبدا المشهد الوبائي في أوروبا متبايناً، بين تخفيف القيود والتحذير من موجة إصابات جديدة.
وأعلنت فرنسا وفاة مريضين مصابين بالمتحورة «دلتا» في جير بجنوب غربي البلاد، وفق ما أفادت السلطات الصحية المحلية. وقالت وكالة الصحة الإقليمية في منطقة أوكسيتاني، لوكالة الصحافة الفرنسية إن هذين الشخصين في الـ42 والـ60 من العمر لم يتلقيا اللقاح، و«كان وضعهما الصحي ينطوي على عوامل خطر»، وقد تُوفيا في مستشفى أوش. وتم إحصاء سبع حالات أخرى محتملة للمتحورة «دلتا» في جير. وأضافت أنه «يتم حالياً التدقيق في كثير من الحالات المشبوهة وتعقب المخالطين». كما أوضحت أن «الفيروس لا يتوقف عند حدود المقاطعات»، مشيرة إلى أن دائرة لاند المجاورة لجير «تشهد زيادة كبيرة في عدد المصابين بهذه المتحورة».
في هذا السياق، «يتم استخدام جميع الموارد لتعزيز وسائل العمل وتجنب عودة تفشي الوباء»، كما ذكرت الوكالة التي دعت السكان إلى المشاركة «بشكل مكثف في عمليات الفحص والتحصين». وقال المتحدث باسم الحكومة غابرييل أتال، الأربعاء، إن المتحورة دلتا الأشد عدوى بين متحورات فيروس كورونا باتت تمثل «ما بين 9 و10 في المائة» من الحالات الجديدة في فرنسا، بارتفاع حاد مقارنة بالأسبوع الماضي.
أما في إسبانيا، حيث وضع الكمامة لم يعد إلزامياً بدءاً من أمس في الخارج، فقد تسببت رحلة طلاب إلى أرخبيل باليار بـ«بؤرة» هائلة مع مئات الإصابات، ووضع آلاف الشباب في الحجر بسبع مناطق من البلاد.
ومن البرتغال، أفاد تقرير بأن ما يزيد على 70 في المائة من حالات الإصابة بفيروس كورونا في منطقة لشبونة هي من سلالة دلتا الأشد عدوى والتي تنتشر بسرعة إلى أنحاء أخرى من البلاد، حيث تبذل السلطات جهوداً حثيثة لوقف ارتفاع مقلق في عدد الإصابات، كما ذكرت «رويترز».
وقال معهد الصحة الوطني، ريكاردو جورجي، في تقريره الذي صدر في ساعة متأخرة من مساء الجمعة، إن السلالة دلتا تمثّل 51 في المائة من الإصابات بالبر الرئيسي للبرتغال، ما يدل على أن هذه السلالة «تنتشر بسرعة»، كما حدث في بريطانيا.
وارتفعت الإصابات الجديدة بواقع 1604 الجمعة، وهي أكبر قفزة منذ 19 فبراير (شباط) عندما كانت الدولة التي يزيد عدد سكانها قليلاً على عشرة ملايين تفرض إجراءات العزل العام. وإجمالاً، سجلت البرتغال 871483 إصابة و17081 وفاة منذ بدء الوباء.
وأوضح التقرير أنه على الرغم من أن معظم الحالات الجديدة لا تزال في منطقة لشبونة المكتظة بالسكان، فإن منطقة الغرب الجنوبية المشهورة بالشواطئ وملاعب الغولف بها أعلى معدل تكاثر لـ«كوفيد - 19». وتأتي القفزة في الإصابات بعد أن فتحت البرتغال التي تعتمد على السياحة أبوابها للزوار من الاتحاد الأوروبي وبريطانيا في منتصف مايو (أيار). كما فتحت معظم الشركات أبوابها، ومع بداية موسم الصيف شهدت الشواطئ ازدحاماً.
من جهة أخرى، سجلت المملكة المتحدة 18270 حالة إصابة جديدة بفيروس كورونا أمس، في أكبر عدد يومي للإصابات منذ الخامس من فبراير (شباط)، و23 وفاة. وتزداد الإصابات اليومية في بريطانيا منذ شهر، لكن يبدو أن برنامج التطعيم السريع كسر إلى حد كبير الصلة بين العدوى والوفيات، مع بقاء الوفيات اليومية في نطاق 20 أو أقل.
في المقابل، قررت سويسرا بدءاً من السبت، رفع جزء كبير من القيود المتواصلة، لا سيما وضع الكمامة في الخارج، كما سهّلت الدخول إلى أراضيها.
وأصبحت آيسلندا الجمعة، أول بلد أوروبي يرفع كل القيود الوطنية المرتبطة بهذه الجائحة بفضل تقدم حملة التلقيح. وفي إيطاليا، يُرفع بدءاً من يوم الاثنين لزوم وضع الكمامة في الخارج. كما سيرفع حظر التجول في منطقة وادي أوستا الأخيرة التي كان لا يزال سارياً فيها.


مقالات ذات صلة

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.