بيدرو كاستيّو يعيد اليسار إلى الرئاسة في البيرو... بدعم أميركي

ابن الأسرة الفلاحية الاشتراكي وصاحب البرنامج السياسي المرتبك

بيدرو كاستيّو يعيد اليسار إلى الرئاسة في البيرو... بدعم أميركي
TT

بيدرو كاستيّو يعيد اليسار إلى الرئاسة في البيرو... بدعم أميركي

بيدرو كاستيّو يعيد اليسار إلى الرئاسة في البيرو... بدعم أميركي

محاطاً بالمفاجآت والألغاز كان وصول بيدرو كاستيّو إلى رئاسة البيرو في انتخابات استغرق فرز أصواتها أكثر من أسبوعين بسبب الطعون التي قدّمتها منافسته كيكو فوجيموري. بيد أن الحسم جاء مع بيان صدر يوم الاثنين الفائت عن الإدارة الأميركية، وصف الانتخابات بأنها كانت «عادلة» و«نموذجية»، هذا، بينما كانت تُسمع قرقعة في الثكنات العسكرية تهدد بدخول الجيش على الخط واستعادة التقاليد الغابرة التي ما زال كثيرون يحنّون إليها في أميركا اللاتينية.
لكن الألغاز التي تحيط بوصول كاستيّو إلى الرئاسة بعد فوزه على ابنة الرئيس الأسبق ألبرتو فوجيموري، الذي أعيد إلى السجن حيث يمضي عقوبة بتهم كثيرة بعد إلغاء العفو الذي صدر عنه سابقاً، ليست ناشئة عن سبل هذا الوصول... بل عن الغموض الذي اكتنف حملة كاستيّو الانتخابية ومواقفه الملتبسة من معظم القضايا الرئيسة والملفات الاقتصادية والاجتماعية المطروحة في البيرو، فضلاً عن تلميحاته المتكررة إلى تعديل الدستور وتغيير النظام.
أبصر بيدرو كاستيّو النور منذ 51 سنة في قرية صغيرة على أطراف جبال الأنديز المطلّة على موقع «ماتشو بيتشو» الأثري الشهير. وفي الكوخ الذي تسكنه العائلة، كان يستيقظ كل يوم قبل بزوغ الفجر ليحضّر طعامه على ضوء الشمعة قبل أن يتوجّه سيراً على قدميه طيلة ساعتين في الطرق الجبلية والمنحدرات الصعبة ليصل إلى المدرسة الصغيرة التي تقع على علو 3 آلاف متر عن سطح البحر. يقول كاستيّو إنه درس على «سطح العالم» وإن الغيوم الكثيفة التي تحيط بالمكان كانت تمنعه من رؤية الهوة الساحقة التي يطلّ عليها.
يروي جيرانه أن ذلك الصبي النحيل، والقصير القامة، كان يسير دوماً بسرعة ويحرّك يديه مثل قائد الأوركسترا عندما يمرّ أمام المزارعين في حقوق الذرة والبطاطا، إلى أن ذهب أحدهم لينبّه والدته ويطلب إليها أن تعرض ابنها على الطبيب، «لأنه يبدو فاقداً لتوازنه العقلي». وعندما استفسرت منه أمه عن الأمر لدى عودته من المدرسة، قال لها: «ليس هناك ما يدعو إلى القلق... أنا لست مريضاً. لكنني أراجع دروسي في الطريق، وأكتب على الهواء... وعندما أصل إلى المدرسة أكون متأكداً من أنني حفظت كل دروسي».

بيئة فلاحية وشخصية عصامية
تقول والدته إنها أدركت منذ ذلك اليوم أن ابنها سيصل بعيداً في الحياة، رغم أنه ولد في تلك المنطقة الفقيرة والنائية من البيرو. أما والده الذي لا يعرف القراءة أو الكتابة، فيقول: «أجل، بعيداً، لكن ليس حيث وصل بيدرو... فنحن لسنا سوى فلّاحين». وهنا يذكر الوالد أنه أمضى عمره يعمل في زراعة حقل يدفع بدل إيجاره لأصحابه حتى العام 1969 عندما قرّر الجنرال خوان فيلاسكو ألفارادو (ذو الميول الاشتراكية)، بعد أيام من الانقلاب العسكري الذي قاده، خطة الإصلاح الزراعي التي وزّعت الأراضي التي كانت في حوزة حفنة من الأثرياء على الفلاحين. ويقول الوالد متذكراً: «يومها انتهت العبودية بالنسبة لنا». وبالفعل، لقد اعتاد بيدرو كاستيّو في مهرجاناته الانتخابية أن يعلّق وراءه دائماً صورة لذلك الجنرال اليساري الذي أعتق والديه وملايين الفلاحين في البيرو من العبودية.
خلال الجولة الأولى من الانتخابات، أخذ بيدرو كاستيّو حملته إلى ساحات القرى والدساكر النائية بعيداً عن مراكز السلطة في العاصمة ليما، وفي تلك المرحلة لم ترصد «الرادارات» الإعلامية هذا المُعلّم الريفي، الذي يرتدي ملابس الفلاحين ويعتمر قبّعة القش التقليدية، التي لا تفارق رؤوس السكان الأصليين في البيرو، خارج غربلة المرشحين الذين يتنافسون للوصول إلى الجولة الثانية. لكن ما كادت الجولة الأولى تشرف على نهاياتها حتى كان كاستيّو يتصدّر الاستطلاعات، محمولاً على خطاب شعبوي يساري ضد النظام القائم... واقفاً إلى جانب الفئات المحرومة والمنسيّة في الأرياف ومناطق السكان الأصليين. ومع هذا، جاء خطابه مطعّماً باقتراحات يمينية متطرفة لمكافحة الهجرة والجريمة، ورفض المساواة بين الأجناس، وإعادة التفاوض على العقود المُبرمة مع الشركات الأجنبية. ومن ثم، فإن كل الاقتراحات الأساسية التي من شأنها تغيير وجه الدولة ما زالت غير واضحة في برنامج كاستيّو الذي وصفه أحد المحللين بأنه «لوحة تجريدية في بلد يعاني من ضبابية مفرطة في المشهد السياسي منذ سنوات».
من جهة أخرى، جاء فوز كاستيّو على منافسته اليمينية المتشددة اليابانية الأصل فوجيموري بفارق ضئيل جداً (44 ألف صوت)، بعدما تعاقب على البيرو 4 رؤساء في أقل من 5 سنوات. وهو أمر يطرح مزيداً من التساؤلات حول تصوّره للدولة، ولا سيما بعد تعهده، في حال الوصول إلى سدة الرئاسة، أن ينصرف فوراً إلى وضع دستور جديد «يقرّره الشعب في جمعية تأسيسية تكرّس العمل والصحة من الحقوق الأساسية لجميع المواطنين».
هذا، وفي حين يتهم معارضو كاستيّو الرئيس الجديد بأن التعديل الدستوري الواسع الذي يرمي إليه ليس سوى «مناورة شبيهة بتلك التي قام بها هوغو شافيز في فنزويلا» لتغيير النظام ووأد الحرّيات العامة، يقول أنصاره إن الاقتراح يستلهم التجربة التشيلية الأخيرة حيث دُعي الشعب أواخر العام الفائت إلى انتخاب أعضاء الجمعية التأسيسية المكلّفة وضع دستور جديد للبلاد يطوي نهائياً حقبة ديكتاتورية الجنرال الراحل أوغوستو بينوتشيت. لكن يبدو من الصعب أن يتمكّن كاستيّو من تحقيق هذا الوعد الانتخابي الذي كان المرمى الرئيس الذي انصبّت عليه انتقادات خصومه، إذ سيحتاج لذلك إلى ثلثي أعضاء البرلمان، في حين لا يسيطر حزبه سوى على 37 مقعداً من أصل 130. وللعلم، كان كاستيّو قد وعد خلال الحملة الانتخابية بأن الاقتراح يبقى مشروطاً بالموافقة الشعبية، وأنه سيتراجع عنه إذا قرّر الشعب رفض المساس بالدستور.

بداية سياسية متأخرة
أما حول بدايات كاستيّو السياسية الجدية، فإنه لم يظهر في المشهد السياسي حتى العام 2017 عندما قاد إضراباً نقابياً للمعلّمين، حاول بعده أن يؤسّس حزباً وطنياً للمعلمين... لكنه لم يتمكّن من جمع التواقيع اللازمة مع بداية جائحة «كوفيد 19». وبعد ذلك انخرط في الحزب الإقليمي «البيرو الحرّة» الذي يرأسه الزعيم اليساري الشعبوي فلاديمير سيرّون، المعروف بطروحاته الراديكالية، ما يطرح تساؤلات عدة عن دوره وتأثيره في الدائرة الضيّقة حول الرئيس الجديد، لكن ما يجدر ذكره هنا أن كاستيّو فكّ ارتباطه به مراراً خلال الحملة الانتخابية، إدراكاً منه بأن سيرّون يواجه معارضة شديدة بين الأوساط اليسارية في المدن الكبرى.
الشركات الأجنبية الناشطة في البيرو، وكذلك المؤسسات الرسمية التي تنظر إليها الأوساط الشعبية كمدافع عن مصالح النخب الاقتصادية والاجتماعية، كانت هدفاً رئيساً لانتقادات كاستيّو ووعوده إبان الحملة الانتخابية. وخلال أحد المهرجانات في منطقة أسبينار التي تعاني منذ سنوات من أزمات واضطرابات اجتماعية بين الفلاحين وشركات المناجم الصينية والسويسرية والأميركية، قال كاستيّو: «هذه الشركات أصبحت ساعاتها معدودة». ووعد أيضاً بإنهاء بعض المؤسسات الرسمية التي اتهمها بهدر المال العام وخدمة مصالح المجموعات النافذة وملاحقة المعارضين للنظام القائم.
مثل هذه التصريحات والمواقف، إلى جانب تحذيرات خصومه من وصول مرشّح «شيوعي خطر» إلى الرئاسة، فضلاً عن الحملة الشرسة التي شنّتها ضده مراكز القوى التقليدية، وغيّبته عن وسائل الإعلام، كانت عوامل أدّت إلى تدنّي شعبيته وتراجعه في الاستطلاعات. وظل الوضع كذلك إلى أن أعلن تجمّع القوى اليسارية المعتدلة تأييده له مطلع مايو (أيار) الفائت، وهكذا بدأ بتعديل مواقفه وتصريحاته.
وحقاً، منذ بداية الشوط الأخير في الحملة الانتخابية استعاض كاستيّو عن خطاب «إلغاء» المؤسسات التي كان ينتقدها... بتعهده «بتقويتها وتصويب مسارها». إذ قال: «إن الطريق إلى قيام الدولة التي أحلم بها لأولادي وطلابي، يمرّ بتوطيد الديمقراطية وضمان الحرّيات وتعزيز المؤسسات في دورها لخدمة الشعب».
أما الشركات الأجنبية التي كان يفتح النار عليها في كل تصريحاته، ويهدد أحياناً بتأميمها، فقد بدأ يتحدث عن الجهود التي سيبذلها كي تسدّد مزيداً من الضرائب، وتنفّذ مشروعات تعود بالمنفعة على السكّان الذين يعيشون في المناطق المحيطة بالمناجم التي تستغلّها. وفي آخر خطاب ألقاه أمام عمّال مناجم الذهب، قال: «نرحّب بالشركات الخاصة الأجنبية لتعمل في بلادنا وفقاً لقواعد وشروط واضحة... علينا أن نعيد النظر في العقود المبرمة معها».
في الواقع، لم يظهر كاستيّو براعة في إطلالاته ومناظراته التلفزيونية القليلة، بل غالباً ما كان يبدو متردداً وضعيف الحجّة. غير أنه كان عندما يذهب إلى القرى والأرياف، يملأ الشوارع والساحات ويتحوّل إلى شخص آخر يتكلّم لغة أخرى تستحوذ على اهتمام أنصاره الذين كانوا يتكاثرون كل يوم.
شعبوي تقدمي تعلّم
البراغماتية متأخراً

لقد كان يعرّف نفسه معلّماً ابتدائياً في القرى النائية التي لم تصل إليها خدمات الدولة، وفلّاحاً، وعاملاً بنى بيته بيديه، وخاصة «حارساً جوّالاً» Rondero في المنظمات الشعبية المستقلّة التي أُسست في سبعينات القرن الماضي لمكافحة الجرائم في الأرياف البعيدة عن مراقبة أجهزة الأمن الرسمية. وما زالت هذه المنظمات ناشطة حتى اليوم في معظم المناطق الريفية البعيدة، تسهر على الماشية وتمنع سرقتها. أفراد هذه المنظمات من المتطوعين، يرتدون لباساً تقليدياً ويمضغون ورق الكوكا الذي يساعدهم على البقاء مستيقظين أثناء الليل. ومن عاداتهم، قبل تسليم لصوص الماشية إلى العدالة، معاقبتهم بالسياط وتوبيخهم على فعلاتهم.
وفي هذا الإطار، كان كاستيّو قد وعد خلال حملته الانتخابية باللجوء إلى هذه المنظمات لمكافحة الجريمة المستشرية في البلاد. وأعرب عن نيّته في استنساخ هذه التجربة وتعميمها على المدن وأرباضها. كذلك دعا إلى تخصيص ميزانية لها ولقوات الأمن لمؤازرتها وتدريبها، «ليس لحماية الماشية فحسب، بل للمساهمة أيضاً في توطيد الأمن والطمأنينة في البلاد». ولكن بعدما أثار هذا الاقتراح مخاوف واسعة من أن تتحوّل هذه المنظمات إلى جهاز أمني موازٍ على غرار تنظيمات مماثلة في كوبا وفنزويلا، طوى كاستيّو الفكرة وسحبها من التداول. وسحب أيضاً من البرنامج الذي أطلقه في بداية الحملة الانتخابية، اقتراحاً بإلغاء النظام التقاعدي الذي تديره الشركات الخاصة وتعويضه بخطة لتحسين هذا النظام وتعزيز الضمانات التي يوفّرها للمودعين.
لقد تردّد كاستيّو وتعثّر كثيراً في مواقفه وتصريحاته خلال الحملة الانتخابية، وبدّل كثيراً من هذه التصريحات والمواقف بين الجولتين الأولى والثانية، حتى بات من الصعب معرفة ما إذا كان موقفه من القضايا والملفات الرسمية على اليسار أو على اليمين أو في منزلة بين المنزلتين. أما الأمر الأكيد في الوقت الحاضر فهو ضبابية المشروع الذي يحمله في رأسه هذا المعلّم الريفي، الذي يعترف كثيرون من مؤيديه، والذين عايشوه، أنهم يذرفون الدمع تأثراً لدى سماعه... ويقولون إنهم على استعداد في كل لحظة للزحف مجدداً بمئات الآلاف إلى العاصمة للدفاع عن فوزه ضد أي تهديد كما حصل في الأسبوعين المنصرمين عندما تأخر إعلان النتائج النهائية للانتخابات، وسرت إشاعات حول احتمال تدخل القوات المسلحة للإمساك بالسلطة.
لكن اليوم بات بإمكان كاستيّو أن ينام مطمئناً في قصر الرئاسة، والفضل في ذلك للدعم الصريح لفوزه من الإدارة الأميركية التي كانت منافسته اليمينية تغازلها عن بعد في الأيام الأخيرة.



واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
TT

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)

لم تعد المواجهة الأميركية - الإيرانية تدور عند هامش الهدنة، أو في منطقة الالتباس بين الحرب والتفاوض؛ فمع الضربات الجوية الأميركية، دخلت الأزمة طور «التفاوض تحت النار»؛ إذ نفّذ الرئيس الأميركي دونالد ترمب تهديداته بعدما اتهم طهران بالمماطلة و«اللعب على الوقت»، وأمر بموجة ضربات على أهداف في جنوب إيران، شملت، بحسب مسؤولين أميركيين، منظومات دفاع جوي ورادارات ووحدات قيادة وسيطرة للطائرات المسيّرة. كذلك، لم تعد واشنطن تعرض القوة باعتبارها رداً محدوداً على إسقاط مروحية «أباتشي» أميركية قرب مضيق هرمز فحسب، بل كأداة ضغط لإجبار إيران على القبول باتفاق بشروط أميركية. وبهذا المعنى، انتقلت إدارة ترمب من الردع الدفاعي إلى «الدبلوماسية القسرية» المكشوفة. وتصريحات وزير الدفاع بيت هيغسيث، بأن واشنطن «ستفاوض بالقنابل إذا لزم الأمر»، أوضحت الهدف السياسي من الضربات. لكن المفارقة الخطرة أن استخدام القوة لتقصير طريق الاتفاق قد يدفع طهران إلى رد يوسّع الاشتباك، ويفتح الباب أمام حرب تقول واشنطن إنها لا تريدها.

بدأ التصعيد الأخير في «الحرب الإيرانية - الأميركية - الإسرائيلية» بردّ أميركي على إسقاط مروحية من نوع «أباتشي» في منطقة مضيق هرمز. وفي حينه بدت الضربات الأولى محسوبة: استهداف رادارات ومنظومات دفاعية ومواقع تحكّم، مع الحرص على تجنب سقوط قتلى إيرانيين يفرضون على طهران ردّاً أكبر. إلا أن موجة الأربعاء غيّرت المعنى السياسي والعسكري للعملية. ذلك أن الضربة الثانية لم تُقدَّم فقط بوصفها انتقاماً من حادث بعينه، بل كجزء من قرار أميركي بزيادة الكلفة على إيران كلما تأخرت في توقيع اتفاق.

أكبر من رسالة وأقل من حرب

هذا التدرّج يشرح حسابات ترمب، أي: ضربات كبيرة بما يكفي لإيصال رسالة، ومحدودة بما يكفي لتجنب حرب شاملة.

إنه يريد إثبات أن تهديداته ليست كلاماً انتخابياً، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام صفقة. غير أن المعادلة باتت أكثر هشاشة، بعدما تحوّلت التهديدات إلى ضربات مباشرة داخل أراضٍ إيرانية حساسة بجنوب البلاد وقرب مضيق هرمز.

فرزين نديمي، الباحث المتخصص في شؤون الأمن والدفاع في إيران ومنطقة الخليج في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى»، رأى في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن الطرفين يحاولان في هذه المرحلة «فرض إرادتيهما ووضع القواعد». وهنا لا يستبعد نديمي كلياً أن يكون اصطدام المسيّرة الإيرانية بالمروحية الأميركية حادثاً غير مقصود، لكنه يقرأ السلوك الإيراني في سياقه الأوسع، أي أنه محاولة لإظهار مَن يملك اليد العليا في المضيق، والتدخل في العمليات الأميركية، واختبار حدود الردع الأميركي. ولذا، في رأيه، جاء رد ترمب السريع على أهداف عسكرية داخل إيران لإفهام طهران أن العبث بحرية الحركة الأميركية في الخليج لن يبقى بلا ثمن.

في المقابل، تدرك واشنطن أن مقتل جنود أميركيين أو إصابة منشآت خليجية كبرى قد يخرج الأزمة من دائرة «الضغط من أجل الاتفاق» إلى دائرة الحرب. ولهذا فإن عبارة «الضرب من أجل التفاوض» لا تلغي خطر الانزلاق، بل تكشف عنه. فالقوة هنا محاولة لإعادة ترتيب الطاولة قبل الجلوس إليها، لكن الطرف الآخر قد يردّ على الطاولة نفسها بالقوة أيضاً.

ربط الساحات

في خلفية التصعيد، تواصل إيران العمل بمنطق «ربط الساحات». وهي اليوم لا تتعامل مع مضيق هرمز، والملف النووي، ولبنان، وإسرائيل، والقواعد الأميركية كملفات منفصلة، بل تحاول تحويلها إلى أوراق داخل مساومة واحدة مع واشنطن: فإذا ضُغط عليها نووياً، لوّحت بالملاحة؛ وإذا استُنزف «حزب الله» في لبنان، أمكنها التصعيد ضد إسرائيل أو في الخليج؛ وإذا طُلبت منها تنازلات قاسية، حضرت ورقة القواعد الأميركية والسفن ومنشآت النفط.

نديمي، بالتالي، يضع المسألة في إطارها السياسي الأوضح. فهو يقول إن النظام الإيراني يريد إدخال لبنان، أو على الأقل بيروت وضواحيها، في أي «صفقة» مع الولايات المتحدة، لكنه يستبعد قبول إسرائيل بذلك. وبحسب هذه القراءة، لا يقتصر «ربط الساحات» على تحريك حلفاء أو إطلاق صواريخ، بل يشمل أيضاً استخدام خطر اشتعال الجبهة الإيرانية - الإسرائيلية، وتهديد المضيق والقواعد الأميركية، من أجل منع إسرائيل من استكمال تقويض «حزب الله» في لبنان، ومنع الدولة اللبنانية من احتكار القرارين الأمني والعسكري.

لكن هذه الاستراتيجية تعكس القدرة على التعطيل أكثر مما تعكس قدرة على فرض تسوية مستقرة؛ فإيران تستطيع إرباك الملاحة، لكنها لا تتحمل إغلاقاً طويلاً للمضيق من دون رد عسكري واقتصادي واسع. وهي تستطيع أيضاً استخدام «حزب الله» كورقة ردع، لكنها لا تستطيع بسهولة إعادة بناء موقعه السابق بعد الحرب والضربات الإسرائيلية والضغط الأميركي. ثم إن تفوّق الولايات المتحدة وإسرائيل الجوي والاستخباراتي يجعل كلفة المواجهة المفتوحة باهظة.

لا تتعامل واشنطن مع هرمز والنووي ولبنان وإسرائيل والقواعد الأميركية كملفات منفصلة

مضيق هرمز: ورقة الضغط الأخطر

يبقى مضيق هرمز قلب الأزمة. فإسقاط المروحية الأميركية، والحديث عن مضايقة السفن، والضربات على الرادارات والدفاعات الجوية في الجنوب الإيراني، عناصر تؤكد أن الصراع على المضيق صار أحد مفاتيح التفاوض.

واشنطن تريد تثبيت أن المرور في هذا الشريان العالمي لن يخضع لإذن إيراني، وأن أي محاولة لفرض «رسوم سياسية» أو أمنية على الملاحة ستواجه بالقوة. أما إيران فتريد إثبات أن أي اتفاق يتجاهل قدرتها على التأثير في المضيق سيكون اتفاقاً ناقصاً.

وتنسجم هذه القراءة مع ما يقوله نديمي عن أن طهران لا تختبر فقط قدرة واشنطن على الرد، بل تختبر أيضاً مدى استعدادها لفرض قواعد اشتباك جديدة في الممر البحري الأكثر حساسية في العالم. وهي مع محاولة إظهار اليد العليا في المضيق لا تهدف فقط إلى إحراج الجيش الأميركي، بل إلى تثبيت فكرة أن أي تفاهم حول النووي أو العقوبات أو خفض التصعيد لا يمكن أن يتجاهل موقع إيران الجغرافي وقدرتها على تهديد خطوط الطاقة.

هذه النقطة تكتسب أهمية أكبر بعد كشف ترمب عن عمليات أميركية لمرافقة سفن تجارية عبر المضيق، وكلامه عن استمرار تدفق كميات كبيرة من النفط على الرغم من التهديدات الإيرانية. وحتى لو بالغ في تصوير العملية باعتبارها «سرية»، تظل الرسالة السياسية واضحة وهي واشنطن تريد كسر الانطباع بأن إيران تستطيع خنق السوق النفطية العالمية متى شاءت. فاضطراب التأمين والشحن يمنح طهران ورقة ضغط، بينما نجاح واشنطن في تأمين المرور يضعفها.

... لبنان داخل «الصفقة الكبرى»

وسط هذه المواجهة، لا يغيب لبنان عن الحسابات الإيرانية والأميركية والإسرائيلية. فإيران تنظر إلى «حزب الله» باعتباره آخر أوراق نفوذها الكبرى في المشرق، وأي تسوية لا تحمي موقعه أو تمنع استكمال إضعافه ستُقرأ في طهران كهزيمة استراتيجية. لذا تحاول إيران، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إدخال لبنان في أي تفاهم مع واشنطن، أو على الأقل منع إسرائيل من استثمار اللحظة لإعادة رسم ميزان القوى جنوب لبنان.

في المقابل، لا تريد واشنطن أن تتحوّل المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية إلى رهينة إيرانية. ويشرح ديفيد شينكر، نائب وزير الخارجية الأميركي الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، أن إدارة ترمب تدرك مخاوف الحكومة اللبنانية من مواجهة مباشرة مع «حزب الله»، لذلك تدفع بخطة تقلل احتمالات الصدام تتضمن نشر وحدات الجيش اللبناني في مناطق تكون إسرائيل قد أخلتها من عناصر الحزب ومخازنه، ثم تتولى منع عودة المقاتلين والسلاح إليها. ويضيف شينكر أن عودة السكان، وبالذات الشيعة، قد تمنح الحكومة رصيداً إذا نجحت في تأمين المناطق. لكنه يحذّر من أن «حزب الله» سيختبر الجيش ويحاول إعادة بناء حضوره، وأن الخطة ستفشل ما لم يتخذ الجيش خطوات فعلية لمنع ذلك.

هنا تدخل العقوبات الأميركية كأداة ضغط موازية للضغط العسكري في الخليج. وبحسب شينكر، فإن صدور عقوبات جديدة مسألة «شبه مضمونة»، وأن استهداف معاوني رئيس مجلس النواب نبيه برّي الأمنيين «كان رسالة بأنه نفسه سيحاسَب إذا عرقل المسارين السياسي والعسكري بين لبنان وإسرائيل». أما العقوبات على ضباط في الأمن العام واستخبارات الجيش، فهي في رأيه أهم؛ لأنها تستهدف نمطاً قديماً من التنسيق والتسريب والتعايش بين مؤسسات أمنية لبنانية و«حزب الله». وبالتالي، فالرسالة الأميركية ليست موجهة إلى الحزب وحده، بل أيضاً إلى بنية الدولة التي سمحت له بالبقاء داخل القرار الأمني.

عقدة «النووي» والصفقة الناقصة

في سياق متصل، في قلب التصعيد كله، تبقى المفاوضات النووية. فواشنطن لا تريد تهدئة عسكرية فقط، بل «اتفاقاً ذا معنى»، كما قال ترمب، يقيّد البرنامج النووي الإيراني لسنوات.

الملفات المطروحة معقدة: تعليق التخصيب، التعامل مع مخزون اليورانيوم المخصب، تعطيل أو تفكيك منشآت رئيسية، وقبول تفتيش مفاجئ. وهذه ليست تنازلات تقنية بسيطة، بل تمسّ ما تعدّه إيران سيادة وطنية ورمزاً لقدرتها على تحدي الضغوط الغربية.

لذلك، تبدو طهران مترددة. فهي تريد تخفيف العقوبات والإفراج عن الأموال المجمّدة والاعتراف بدورها الإقليمي، لكنها لا تريد الظهور كأنها وقّعت تحت القصف.

ثم إنها تخشى من أن يؤدي اتفاق نووي صارم إلى تقليص أوراق قوتها من دون ضمانات لبقاء نفوذها الإقليمي. لكن مغادرة الوفد القطري المفاوض للعاصمة طهران، مساء الأربعاء، من دون تحقيق أي خرق دبلوماسي، أكدت أن الفجوة لا تزال عميقة. وفي المقابل، يعتقد ترمب أن الوقت الذي منحته واشنطن لإيران استُهلك بلا نتيجة، وأن الضربات قد تكسر المراوحة وتدفع طهران إلى قرار سريع.

الدبلوماسي الأميركي المخضرم دينيس روس رأى في مقالة رأي أن لجوء ترمب لسياسات الضغط القصوى دفع القادة الإيرانيين إلى الشعور بأنه ليس لديهم ما يخسرونه، فاستخدموا أوراقاً قصوى كتعطيل الملاحة. لكن روس يشدد على أن الاقتصاد الإيراني بات على حافة الانهيار، وأن تدمير الرادارات والدفاعات الجوية وشبكات المياه - كما حدث في مقاطعة سيريك الإيرانية - يعمّق أزمات النظام الداخلية.

ويضيف روس أن «الخطر الأكبر ليس في انهيار المفاوضات فقط، بل في التوصل إلى صفقة ناقصة». فقد ينجح الطرفان في وقف الضربات وفتح المضيق وتجميد بعض عناصر البرنامج النووي، لكن من دون معالجة آليات التصعيد الأخرى، مثل: المضايقات البحرية، ونشاط «حزب الله» في لبنان، وحرية إسرائيل في تنفيذ ضربات ضد أهداف إيرانية أو حليفة لإيران. عندها لن تنتهي الحرب، بل سيعاد تنظيمها في اشتباكات محسوبة قابلة للانفجار في أي لحظة.

أيضاً فإن تخفيفاً اقتصادياً واسعاً وغير مشروط للعقوبات قد يمنح النظام الإيراني فرصة لإعادة ترميم قدراته وشبكاته الإقليمية، بينما قد يدفعه الضغط بلا أفق سياسي إلى تصعيد أوسع. لذلك تبدو واشنطن أمام توازن بالغ الدقة: أن تقدم لإيران مخرجاً لا يبدو إنقاذاً مجانياً، وأن تفرض قيوداً لا تجعل التوقيع مستحيلاً، وأن تردع من دون أن تنزلق إلى حرب لا تريدها.


أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)

على الرغم من حدة الاشتباكات الميدانية، فقد كشفت التقارير الدبلوماسية عن أن خلف الكواليس تستمر مفاوضات صاغ فيها مساعدو الرئيس ترمب مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الخطوط العريضة لاتفاق نووي محتمل مدته 15 سنة، يتجاوز مجرد تأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز المغلق منذ ما يزيد على 100 يوم. وبحسب صحيفة الـ«نيويورك تايمز»، الخلاصات الأساسية لهذه المفاوضات المعقدة، تتمحور حول أربعة ملفات شائكة:

- مدة تعليق التخصيب: تطالب واشنطن بوقف كامل لتخصيب اليورانيوم لمدة لا تقل عن 20 عاماً، في حين تصر طهران على 10 سنوات، مع وجود مؤشرات على إمكانية التسوية عند 15 عاماً.

- مصير المخزون المخصب: تسعى الولايات المتحدة بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لـ«تخفيف» كامل المخزون الإيراني البالغ 11 طناً (بما في ذلك الوقود القريب من درجة إنتاج الأسلحة)، وسط خلاف حول ما إذا كان التدمير سيجري محلياً أم بنقله خارج البلاد.

- تفكيك المنشآت الحصينة: تصرّ واشنطن على التفكيك التام لمواقع نطنز وفوردو وأصفهان، التي تضررت سابقاً في ضربات «مطرقة منتصف الليل»، بينما ترفض إيران التخلي عما تسميه «حق التخصيب» وتطالب بالإبقاء على منشأة واحدة مفتوحة.

- التفتيش الفجائي والصارم: يطالب الجانب الأميركي بمنح المفتشين الدوليين صلاحية الدخول «في أي وقت وإلى أي مكان»، وهو ما يواجه ممانعة إيرانية شديدة؛ نظراً لوجود العديد من المواقع المشتبه بها داخل القواعد العسكرية المغلقة التابعة لـ«الحرس الثوري».

وتُظهر الخلاصات أن أي اتفاق نووي مستقبلي - رغم أفضليته الفنية مقارنة باتفاق عام 2015 - سيبقى رهينة لمدى التزام النظام الإيراني على أرض الواقع، وقدرته على كبح جماح التيار المتشدد داخل «الحرس الثوري»، الذي يرى في هذه الشروط استسلاماً كاملاً. وهو ما يفسر لجوء طهران لرفع وتيرة التصعيد العسكري كأداة لتحسين شروط التفاوض هرباً من تقديم تنازلات استراتيجية تمس جوهر بقاء النظام ونفوذه الإقليمي.


عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
TT

عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم

في أحد أحياء العاصمة الصومالية مقديشو ووسط أجواء حرب أهلية، أبصر عمر أرتان النور يوم يونيو (حزيران) 1992، ليشق طريقه وسط ظروف قاسية نحو عالم كرة القدم. لم يكن نجماً يطارد الأهداف؛ بل كان حكماً حمل الصافرة ليصبح وجهاً صومالياً بارزاً في الملاعب الأفريقية. وبعد 34 سنة وبالشهر ذاته، يونيو 2026، كاد أرتان يولد من جديد ويدخل منصة الكبار عبر حلم «المونديال» بالمشاركة في نهائيات كأس العالم التي انطلقت الخميس، لولا «كارت أحمر» أصدرته واشنطن ضده في مطار ميامي الأميركي، بزعم «تطبيق قانون يمنع دخول جنسيات من بينها الصومال». وهكذا تحوّل عمر إلى «أيقونة عالمية»، وتصدّر اسمه النشرات الإخبارية وسط مواقف دعم من مختلف البلدان، واستقبلته بلاده استقبال الملوك في احتفال غير مسبوق، وتقدّم المستقبلين الرئيس حسن شيخ محمود.

في مسيرة الـ34 سنة، نجاحات عديدة خطّها عمر عبد القادر أرتان، الحاصل على بكالوريوس في التنمية. وفي دولة أنهكتها الحرب الأهلية، يواجه كثيرون تحدّيات جمة في رسم مستقبل ناجح، ولكن كان لأرتان رأي آخر تكشفه الأرقام؛ إذ سرعان ما حصل على الشارة الدولية في عام 2018، وأدرج رسمياً في قائمة حكام «الفيفا» (الاتحاد الدولي لكرة القدم) الدوليين بعد سنتين فقط من حصوله على فرصة التحكيم في دوري الدرجة الأولى الصومالي عام 2016، و4 سنوات من ولوجه تدريبات التحكيم الرياضي عام 2014، وبدء إدارة الدرجة الثالثة بالدوري الصومالي.

اعتماده حكماً دولياً

كانت أول مباراة تولّى أرتان تحكيمها خارج النطاق المحلي، بعد اعتماده حكماً دولياً، مباراة أجريت في كينيا بين فريقي ناديين من كينيا ومدغشقر. وبعدها شارك أرتان حكماً في دورة اتحاد شمال أفريقيا تحت 20 سنة في عام 2022، وفي كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة في عام 2023.

ثم، في يناير (كانون الثاني) 2024، أصبح أول صومالي يدير مباراة في كأس الأمم الأفريقية بكوت ديفوار، لدى إشرافه على لقاء تونس وناميبيا ضمن دور المجموعات، وقد وصفت وكالة الأنباء الصومالية (صونا) تلك المباراة يومذاك، بـ«المباراة الصعبة».

هذا السجل المشرّف لم يتوقف؛ إذ صار أرتان أول صومالي يحكم مباراة نهائي أفريقيا، حين أدار مباراة الإياب بين بيراميدز المصري وماميلودي صنداونز الجنوب أفريقي في القاهرة، وكانت تلك الخطوة المتفردة في شهر يونيو (حزيران) في عام 2025.

وفي يوليو (تموز) 2025، اختير الحكم الصومالي الموهوب ضمن قائمة «الفيفا» التي يدير حكامها مباريات كأس العالم للشباب تحت 20 سنة، التي نظمت في تشيلي. وبعدها، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، عرف أرتان نجاحاً جديداً وكبيراً عندما توّج بجائزة «أفضل حكم في أفريقيا» لعام 2025، خلال حفل جوائز الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (الكاف) الذي استضافته العاصمة المغربية الرباط، وكان هذا الإنجاز وفق وكالة الأنباء الصومالية «الأكبر في تاريخ التحكيم الصومالي».

حكم أفريقيا البارز

جاء اختيار أرتان، في حينه، بعد منافسة قوية مع حكمين من جنوب أفريقيا وموريشيوس. وأعلنت لجنة الجوائز في «الكاف» فوزه تقديراً لأدائه الاستثنائي خلال العام الحالي، وإدارته عدداً من أهم المباريات القارية والدولية، وعلى رأسها نهائي دوري أبطال أفريقيا، ومباريات كأس العالم تحت 20 سنة التي تُوِّج بها المنتخب المغربي.

وحقاً، يُعدّ هذا التتويج محطة بارزة في مسيرة أرتان، الذي لمع اسمه خلال السنوات الأخيرة بفضل انضباطه، وحرفيته، وقراراته الدقيقة داخل الملعب، ما جعله - بحسب وكالة الأنباء الصومالية - واحداً من أبرز حكام القارة.

ومن ثم، دفع هذا التتويج رئيس الصومال، حسن شيخ محمود، للقاء أرتان والإشادة به، واعتبار نجاحه «إنجازاً تاريخياً يعكس صورة مشرقة للشباب الصومالي وقدرته على التنافس في الميادين الدولية». وأردف أنه «يمثل نموذجاً للإصرار والتميز... وفوزه يشرف الصومال وشعبها».

في مصاف «الكبار»... وصدمة مؤلمة

في أبريل (نيسان) 2026، دخل عمر أرتان مكانة الكبار في كرة القدم باختياره للمشاركة في نهائيات كأس العالم لكرة القدم، ليصبح بذلك أول حكم صومالي يبلغ هذا الإنجاز التاريخي في مسيرة الرياضة الوطنية. وهذه المحطة دفعت رئيس البلاد لتهنئته للمرة الثانية، واعتباره «نموذجاً مُلهماً ومصدر فخر للأجيال الصاعدة من الشباب الطامح إلى التميز».

غير أن فرحة مقديشو وعمر أرتان لم تدُم سوى شهرين؛ إذ صدمه قرار رسمي أميركي من واشنطن منعه في يونيو الحالي من دخول البلاد.

فلقد أوقف أرتان في مطار ميامي ومنع من دخول الولايات المتحدة، ونقلت وكالة «رويترز» الأربعاء، عن إدارة الجمارك وحماية الحدود الأميركية في بيان، أن مواطناً صومالياً، دون ذكر اسمه، وصل إلى مطار ميامي الدولي آتياً من إسطنبول يوم السبت الماضي، واعتُبر غير مسموح له بالدخول بسبب مخاوف تتعلق بالتحريات الأمنية. وجاء القرار بعد أشهر من فرض واشنطن حظراً شاملاً على سفر مواطني 12 دولة منها الصومال في عام 2025.

الاتحاد الدولي (الفيفا) أكد الاثنين الماضي، أن أرتان لن يتمكن من التدريب والتحكيم في نهائيات كأس العالم، التي انطلقت الخميس في كل من الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. ولم يجد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تبريراً في مواجهة انتقاد رياضي بدأ يتزايد إلى أن يخرج الأربعاء، مدّعياً أن الولايات المتحدة منعت دخول الحكم الصومالي بسبب صلته بأفراد «يشتبه في انتمائهم إلى منظمات إرهابية»، من دون أن يقدم دليلاً على ذلك.

غير أن اتهام ترمب كان بلا صدى؛ إذ كان ضجيج الاحتفالات والتضامن مع الحكم الصومالي الأعلى أصداءً. وأفادت وكالة الأنباء الصومالية الأربعاء، بأن «أرتان وصل إلى العاصمة مقديشو وسط استقبال حافل في مطار آدم عبد الله الدولي، تقدمه وزراء ونواب في البرلمان الفيدرالي، وممثلون عن الاتحاد الوطني لكرة القدم، بالإضافة إلى مسؤولين آخرين وشرائح المجتمع المدني المختلفة، بخلاف دعم دولي».

وبحسب الصورة التي نشرتها الوكالة، كانت ملامح وجه أرتان تشع بالفرحة وسط زحام كبير، عزّزته لغة صمود بدت في تصريحاته، وقال أثناء تلويح مئات الجماهير بعلم الصومال: «أعدكم، بمشيئة الله، أنني سأحضر البطولة التالية. أريد أن يطمئنّ الشعب الصومالي إلى هذا، وأن يظل واثقاً».

أما «وكالة الصحافة الفرنسية» (أ.ف.ب) فنقلت عن أرتان قوله: «على الرغم من الظروف التي أمرّ بها، فإنني في مزاج إيجابي وأركّز على التحدّيات المقبلة في مسيرتي التحكيمية». وتابع: «أود أن أشكر عائلة كرة القدم على رسائلها، وأتمنى لزملائي كل التوفيق والنجاح خلال كأس العالم، وأتطلع إلى الانضمام إليهم مجدّداً في مسابقات مستقبلية».

تعليقات صومالية

سعاد جالو، الرئيسة بالإنابة للجنة الأولمبية الوطنية الصومالية، قالت لـ«الشرق الأوسط» معلّقة، إنها «حزينة لما يحدث... وإذا كانت هناك اعتبارات أمنية، فلماذا مُنحت له التأشيرة أصلاً؟»، قبل أن تجيب: «عندما تغيب الشفافية عن الإجراءات، تتراجع الثقة في النظام بأكمله وتمسّ مصداقية (الفيفا)، وتتناقض مع الإرث الطويل من الانفتاح والاستضافة للولايات المتحدة».

أما المحلل السياسي الصومالي حسن نور، فقد اعتبر أن «الصومال ربح أكثر من مرة من هذا الحكم الصومالي المتميز»، وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، أن أرتان «رمز رياضي كبير استطاع أن يجمع الشعب الصومالي حكومة ومعارضة عليه، رغم خلافاتهما التي تجاوزت أكثر من سنة، والجميع توحّد خلف دعمه، في موقف غير مسبوق».

من جهة أخرى، رأى نور أن كأس العالم خسرت حكماً متميزاً، «وعرف العالم أن الصومال يضم نجوماً كباراً، فضلاً عن الاحتفاء الواسع والتضامن الكبير الذي لاقاه أرتان عقب عودته إلى بلاده، بخلاف دعم غير منقطع النظير من السلطات الحكومية».

بدوره، أعرب الاتحاد الصومالي لكرة القدم في بيان، عن «حزنه إزاء ما حدث»، واصفاً تعيين أرتان لإدارة مباريات كأس العالم بأنه إنجاز تاريخي للبلاد نتج عن سنوات من التفاني والمهنية والنزاهة. وتابع أنه «رغم أن نهائيات كأس العالم انطلقت الخميس بمشاركة 48 منتخباً، بحثاً عن تتويج وفوز عالمي يوم الختام 19 يوليو، فإن الحكم الصومالي المبعد عمر أرتان كان أول الفائزين باحتفاء عالمي غير مسبوق، كان ربما لا يصل إليه حال استمر بالبطولة، وكأنه ينطبق عليه عبارة (من رحم المعاناة يولد الأمل)».

على الصعيد الرسمي

أما على الصعيد الرسمي، فقد أعربت وزارة الخارجية الصومالية في بيان الأربعاء، عن أسفها الشديد إزاء قرار السلطات الأميركية منع دخول الحكم الدولي الصومالي، مشددة على أن أرتان «أحد أبرز الرموز الرياضية في الصومال، ومصدر فخر واعتزاز وطني لإسهاماته الكبيرة وإنجازاته التي ألهمت الشباب الصومالي».وقالت الوزارة إن الحكومة الفيدرالية بذلت جهوداً دبلوماسية مكثفة مع الجهات المعنية لتسهيل سفر أرتان، إلا أن تلك المساعي لم تفضِ إلى النتيجة المرجوة. وبالتالي، عاد الحكم إلى مقديشو وسيواصل أداء مهامه ومسؤولياته الوطنية والقارية بالمستوى نفسه من التفاني والمهنية العالية التي عُرف بها طوال مسيرته الرياضية. ووجّهت «الخارجية» الصومالية خالص شكرها وتقديرها لجميع الدول الشقيقة، والأفراد، والهيئات والمؤسسات الرياضية التي عبّرت عن تضامنها ودعمها خلال هذه الفترة. وشدد البيان على أن «الخارجية» ستواصل اتصالاتها مع الشركاء المعنيين للحصول على إيضاحات إضافية بشأن هذه المسألة، مؤكدةً التزامها الثابت بصون كرامة مواطنيها وحماية حقوقهم في الخارج.