سياسات موسكو وطموحاتها في الشرق الأوسط

الانسحاب الأميركي من المنطقة ترك فراغاً سهل لها التدخل

سياسات موسكو وطموحاتها في الشرق الأوسط
TT

سياسات موسكو وطموحاتها في الشرق الأوسط

سياسات موسكو وطموحاتها في الشرق الأوسط

حول إعادة صياغة روسيا سياستها الخارجية تجاه المنطقة العربية، بما يتناسب مع أولوياتها من جهة ومع المصالح العربية من جهة أخرى، وتباين الأدوار التي قامت بها موسكو في القضية السورية والخلاف المصري الإثيوبي حول سد النهضة، فضلاً عن الملف الليبي يدور كتاب «العلاقات العربية الروسية... رؤى استراتيجية وتحليلية حول الدور الروسي في المنطقة العربية»، الذي صدر حديثاً عن مركز الدراسات الاستراتيجية بمكتبة الإسكندرية. والذي قدم له الدكتور مصطفى الفقي مدير مكتبة الإسكندرية، موجزاً رؤيته لأهم القضايا التي تناولها الباحثون، كما عرض السفير الروسي بالقاهرة جيورجي بوريسينكو تقريراً حول محصلة التعاون بين مصر وموسكو لسنة 2020. تناول خلاله الوضع الحالي للعلاقات المصرية الروسية.
تناول الباحثون المشاركون في الكتاب محاور مختلفة كالدور الجيوسياسي لروسيا في الشرق الأوسط، والطموحات الروسية تجاه المنطقة العربية الأفريقية، والاستراتيجية الروسية تجاه المنطقة المغاربية، واقتصاديات النفط والغاز في الاستراتيجية الروسية بليبيا،، وكذلك السعي لاستئناف الهيمنة الروسية على المنطقة العربية في ظل تعاظم النفوذ الإيراني.

علاقات مركبة
في دراسة بعنوان «الدور الجيوسياسي لروسيا في الشرق الأوسط... معطيات جديدة لفاعل قديم»، كتبت الدكتورة مي مجيب أستاذ العلوم السياسية المساعد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، عن مفهوم «القوة الحادة»، الذي يسُتخدم في إطار وصف سياسات الاختراق الروسي لكثير من الأقاليم الجغرافية المجاورة، وإقليم الشرق الأوسط؛ وقالت إن روسيا أصبحت تتمتع بعلاقات مركبة مع الكثير من دول الإقليم، تنوعت ما بين أُطر التعاون الاقتصادي، ونُظم التعاقد التسليحي والعسكري، فضلاً عن مسارات الدعم الاستخباراتي المتبادلة.
ولفتت مي مجيب إلى أن هناك توجهاً روسياً جديداً نحو الشرق الأوسط، يهدف إلى تأمين النمو الاقتصادي المتسارع لموسكو، دعماً لدورها كقوة دولية كبرى، وتوظيف مخرجات هذا التحول لتأمين مصالح الأمن القومي الروسي، وتوسيع دائرة هذه الاستراتيجية على الصعيدين الإقليمي والدولي. وهو توجه أسهم في إدراك روسيا لفوائد إعادة تفعيل العلاقات التاريخية مع عدد من دول المنطقة وتطويرها مع البعض الآخر.
وفي حديثها عن أهمية منطقة الشرق الأوسط لروسيا، أشارت مي مجيب إلى أنها واجهت صعوبة كبيرة منذ بداية تسعينيات القرن الماضي في صياغة سياسة خارجية تمكنها من استعادة المكانة الدولية التي كان يحظى بها الاتحاد السوفياتي، وبعد نحو عقدين من الزمن، تمكنت من إعادة صياغة سياساتها الخارجية تجاه الشرق الأوسط، وإعادة ترتيب أولوياتها، وقد غيرت تماماً من أسس وملامح السياسات التي كان يتبناها السوفيات؛ حيث اختفت الاعتبارات الآيديولوجية التي كانت نقطة ارتكازهم في العلاقات بين عشرينيات القرن الماضي وتسعينياته وقت أن كانت العوامل الآيديولوجية، وتصدير أفكار الثورة البلشفية، والتنافس مع الولايات المتحدة الأميركية، تشكل جوهر مصالح موسكو خلال سنوات الحرب الباردة، أما الآن وبعد صعود بوتين وسيطرة حزبه على سدة الحكم، فقد أخذت حكومته تتوجه بوتيرة متزايدة نحو المصالح الاقتصادية، بديلاً عن الآيديولوجية والخلفيات السياسية السابقة، وقد شَكَّلت هذه التحولات جوهر السياسة الخارجية الروسية، وتوجهاتها في تعاملها مع البلدان العربية.
من هنا يمكن القول إن السياسة الخارجية الروسية في الشرق الأوسط، حسب رأي مجيب، تأتي في سياق قوة عالمية تريد أن تمارس دوراً في المنطقة، وتحاول امتلاك مقعد على طاولة المفاوضات والقرارات الرئيسية، مما يعني أن القوة التي ارتبطت تاريخيّاً بالتوسع الروسي ما زالت تُعدّ عنصراً أساسياً من عناصر الثقافة السياسية الروسية في ظل عدم قبولها أن تُصنف كقوة عالمية من الدرجة الثانية، ولهذا سعت روسيا إلى مزاحمة الولايات المتحدة الأميركية في المنطقة، والحصول على جزء من عمليات التجارة، والاضطلاع بدور في الاستقرار الإقليمي. ومع تطور الأحداث، وتعاظم القوة الروسية ونفوذها في المنطقة، ظهرت، بحسب مجيب، عناصر إضافية في سياستها تتميز بأنها غير آيديولوجية، استطاعت من خلالها مخاطبة جميع الأطراف في المنطقة؛ وقد أعطاها ذلك مرونة في التعامل مع ملفات عديدة، وميزة تفوقت بها على الغرب، وفق نوع من النفعية البرغماتية ذات الأمد البعيد مع الالتزام بعدد قليل من القيود السياسية التي يلتزم بها الغرب، مما أتاح لها أيضاً مرونة أكبر في التعامل مع القضايا العربية، وجعلها تحقق مكاسب داخلية ترتبط بالتنمية الاقتصادية وتعزيز الاستقرار، ودعم حلفائها ومساندتهم من جهة، والبحث عن حلفاء جدد لخدمة مصالحها القومية من جهة أخرى.
وأشارت مي مجيب إلى أن الاستراتيجيات التي تحرك السياسة الروسية تنحصر في تخوفها الأمني من انتشار الإرهاب الدولي وتمدده إليها، ورغبتها في المحافظة على الهياكل القائمة حاليّاً في الشرق الأوسط ضد التدخل الخارجي والتمرد الداخلي، حيث ترى أن أي تغيير يجب أن يحدث بالوسائل الدستورية، فضلاً عن أن استقرار المنطقة، من المنظور الروسي، يضمن استقرار حدودها الجنوبية؛ ويساعدها في فك العزلة الدولية التي فُرضت عليها بعد الأزمة الأوكرانية، ويُمكّنها من تقديم أوراق اعتمادها كقوة فاعلة وقادرة على الإسهام في حل الأزمات الأكثر تعقيداً.

لغة المصالح
وفي دراسة بعنوان «الطموحات الروسية تجاه المنطقة العربية الأفريقية»، ركز الدكتور محمود عزت نائب مدير مركز الدراسات الاستراتيجية بمكتبة الإسكندرية على سعي روسيا المستمر إلى تحقيق عمق استراتيجي يتوازى مع طموحات القوى العظمى والعلاقات غير المستقرة مع أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، وقال إن ذلك ترك بصمة مستديمة على سياسة روسيا الخارجية، حيث تمدد النطاق الجغرافي لسياستها الخارجية من خلال الانتشار النشط في أجزاء من العالم، واتجهت إلى تقوية علاقتها بالقارة الأفريقية بعد عقود من الغياب بهدف الخروج من نطاقها الضيق كقوة إقليمية آسيوية أوروبية كبرى.
ومن جانبه، ركز الباحث محمد العربي في دراسته «الطموحات الروسية تجاه المنطقة العربية الأفريقية» على تدهور الأوضاع في ليبيا وإخفاق المجتمع الدولي في إعادة بناء الدولة في ليبيا، وتركها نهباً للميليشيات المحلية وعصابات التهريب والجماعات الإرهابية، وقال إن ذلك أسهم في إعادة تأكيد موسكو على رفض التدخل الغربي لتغيير النظم العربية.
وفي بحثها الذي جاء بعنوان «الاستراتيجية الروسية تجاه المنطقة المغاربية» ذكرت الباحث المغربية الدكتورة آمال الحواسني أن روسيا تسعى جاهدة إلى الظهور كقوة فاعلة في المنطقة المغاربية، بعد أن أجرت مراجعات شاملة لمحددات سياستها الخارجية، بإعطاء العامل الجيوبوليتكي أولوية كبرى. وقالت إن الاهتمام والنفوذ الممتد لموسكو في منطقة شمال أفريقيا عامة، والمنطقة المغاربية خاصة يطرح تساؤلات حول طبيعة الاستراتيجية الروسية، وسياساتها تجاه الدول المغاربية.

ولفتت إلى أن الأدوار التي يمكن أن تنهض بها في حل النزاع في ليبيا تنطلق من فرضية مفادها أن روسيا تحاول رسم معالم جديدة لاستراتيجيتها تجاه المنطقة ومنافسة الوجود الأوروبي والأميركي، وقد سعت لاستقراء ملامح استراتيجيتها الجديدة، لا سيما بعد الحراك العربي، والآليات المعتمدة لإيجاد موطئ قدم لها في المنطقة التي تحتل مكانة جيواستراتيجية جعلتها محط تنافس قوى عظمى، وقد شكل الحراك العربي الذي شهدته بعض دول المنطقة خاصة في ليبيا وتونس عاملاً حاسماً في إعادة صياغة الاستراتيجية الروسية تجاه المنطقة المغاربية، كما خلَّف الانسحاب الأميركي من المنطقة الذي بدأ في عهد إدارة الرئيس باراك أوباما، واستمر مع إدارة دونالد ترمب فراغاً سهل على روسيا التدخل وترسيخ نفوذها هناك.


مقالات ذات صلة

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

ثقافة وفنون سلوى بكر

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً