اللجاة في جنوب سوريا... منطقة نائية أهلها منسيون

ترصد الواقع المعيشي والتعليمي والأمني بعد ثلاث سنوات من اتفاق التسوية

قرية مهجورة في منطقة اللجاة بريف درعا جنوب سوريا (الشرق الأوسط)
قرية مهجورة في منطقة اللجاة بريف درعا جنوب سوريا (الشرق الأوسط)
TT

اللجاة في جنوب سوريا... منطقة نائية أهلها منسيون

قرية مهجورة في منطقة اللجاة بريف درعا جنوب سوريا (الشرق الأوسط)
قرية مهجورة في منطقة اللجاة بريف درعا جنوب سوريا (الشرق الأوسط)

في شمال محافظة درعا على أطراف محافظة السويداء جنوبي سوريا، أرض تسمى اللجاة. قرى نائية وناس منسيون، يعاني أهلها صعوبة العيش. الوصول إليها يستلزم قطع مسافات طويلة، سكانها يعيشون في شبه عزلة، هم من العشائر البدوية المشهورة جنوب سوريا، يعيشون في تجمعات صغيرة متباعدة منذ عشرات السنين ويقتاتون من تربية المواشي، عصفت بهم الحرب في سوريا وكان لهم نصيب من آثارها، معظم سكانها تركها ومنهم من عاد إليها بعد غياب سنوات، فيما البعض الآخر لا يزال يعاني النزوح في قرى حوران.
هناك قرى في اللجاة لم يعد أبناؤها إليها بعد تهجيرهم بفعل المعارك رغم دخولها ضمن مناطق اتفاق التسوية الذي جرى جنوب سوريا عام 2018. ومنها قرى الشياح، والشومرة، والعلالي، والمدورة، والظهر، والطف. وكلها قرى دمرت منازلها بشكل شبه كامل ولم يعد إليها سكانها الذين هجروا منها منذ أكثر من 8 سنوات بفعل قوات النظام السوري، بسبب قرب هذه القرى من ثكنات ومقرات عسكرية لقوات النظام السوري، وفقاً للناشط حسان محمد من منطقة اللجاة.
ويقول حسان محمد، مدير تحرير موقع «اللجاة برس» لـ«الشرق الأوسط» إن سبب عدم عودة سكان معظم قرى اللجاة إلى منازلهم، بعد اتفاق التسوية، هو أن قوات النظام السوري حولت هذه القرى التي هُجر أهلها إلى نقاط عسكرية. ورغم محاولات الأهالي في العودة إلى قراهم، عن طريق التواصل مع مسؤولين مدنيين في محافظة درعا، واللواء الثامن التابع للفيلق الخامس المدعوم من روسيا، وحتى مع الجانب الروسي نفسه، فإن جهودهم لم تثمر، وحتى استجابت الجانب الروسي أيضاً كانت محدودة وغير كافية بنسبة لطلبات الأهالي، لأنهم سهلوا عودة أهالي بلدة أيب شمال غربي منطقة اللجاة عام 2020 دون غيرها من القرى.
ويوضح محمد أن منطقة اللجاة تشهد كباقي مناطق درعا حالة عدم استقرار وانفلات أمني، شكلت القوات الروسية مجموعة تابعة للفيلق الخامس من عناصر فصائل التسويات الموجودين في منطقة اللجاة، بهدف منع ارتكاب خروقات وتجاوزات من قبل قوات النظام السوري في المنطقة، ولمنع تشكيل أي قوة عسكرية غير سورية في المنطقة.
وبحسب تعبيره لا توجد مقرات أو مجموعات تابعة لـ«حزب الله» أو الميليشيات الإيرانية في منطقة اللجاة، وأن «حزب الله» حاول تجنيد عدد من أبناء المنطقة بداية التسويات عام 2018، لكنه لم ينجح بذلك، نتيجة طبيعة أبناء المنطقة وهم من العشائر العربية الأصيلة، وانتشار مجموعات للفيلق الخامس المدعوم في روسيا هناك، حيث لاقت هذه المجموعات تأييداً شعبياً باعتبار أن عناصر المجموعة من أبناء منطقة اللجاة، كما توجد في اللجاة مجموعة من فصائل التسويات تابعة للفرقة الرابعة والمخابرات الجوية، أعدادهم بالعشرات ولا تحظى هذه المجموعة بتأييد شعبي، وليس لها مهام في منطقة اللجاة، ولكن يتم نقلهم على حواجز ضمن مناطق التسويات في درعا، وخاصة في مناطق ريف درعا الغربي. ويشير محمد إلى «فشل حزب الله في استقطاب منتسبين من السكان المحليين، ولم تسجل حتى الآن أي عملية انتساب لأي شخص من منطقة اللجاة مع الحزب بشكل مباشر، ولكن تم تجنيد عدد من الأشخاص في ميليشيات متهمة بالتعامل مع إيران وتتلقى التدريب على يد قادة (حزب الله) مثل ميليشيات الفرقة الرابعة والمخابرات الجوية الموجودة في منطقة اللجاة».
وخلال ثلاث سنوات، لم تحصل تغييرات إيجابية على الخدمات الأساسية في منطقة اللجاة شمال شرقي محافظة درعا، حيث الترهل والفساد واضح في جميع المجالات مثل الصحة والتعليم والخدمات العامة، ووعود بتقديم الخدمات الأساسية للأهالي، وعودة مؤسسات الدولة إليها بما فيها التعليمية، لم تثمر حتى الآن، وفق ما قاله فراس وهو مدرس من منطقة اللجاة.
يعتبر قطاع التعليم من أكثر القطاعات التي تضررت خلال السنوات الماضية، حيث تم تدمير غالبية المدراس في منطقة اللجاة، ويعتبر التسرب التعليمي من أبرز المشكلات التي تواجه القطاع التعليمي في اللجاة، فقد أدت الأعمال العسكرية إلى نزوح مستمر للأهالي متسببة بانقطاع التلاميذ عن مدارسهم، وترك عدد كبير من الطلاب مدارسهم، بالإضافة إلى نقص الكوادر التعليمية، نتيجة النزوح والأوضاع الاقتصادية والأمنية السيئة، إضافة لفصل عدد كبير من الموظفين الأساتذة، بسبب أوضاعهم الأمنية، ولم يتم ترميم أي مدرسة تعرضت للقصف أو التدمير حتى الآن، ولم يشهد القطاع التعليمي أي تحسن.
ويقول نشطاء إنه يتم تدريس طلاب المرحلة الابتدائية حالياً في المناطق التي دمرت بها المدارس في منازل قديمة من الحجر عبارة عن غرفتين، وهي لا تصلح أن تكون مكاناً للتعليم، وأن معظم هذه المنازل تنعدم فيها المستلزمات والوسائل اللوجيستية التعليمية والخدمات المدرسية مثل مشارب المياه الصحية ودورات المياه وأماكن مخصصة لقضاء الاستراحة بين الحصص الدراسية، كحال أبناء قرية الجسري وسط منطقة اللجاة.
ويقول طالب في الصف الثالث الإعدادي تبعد مدرسته عن القرية التي يسكنها ثمانية كيلومترات: «نريد مستقبلاً أفضل، مستعدون لأن نتحمل تكاليف ومعناة الذهاب إلى المدرسة، ولكن أعدادنا قليلة في المدرسة، نحن 20 طالباً فقط في الصف الثالث الإعدادي، بعض المدارس أجبر الكثيرون من الذين دمرت المدارس في قراهم إلى ترك الدراسة، وحتى مستوى تعليمنا يختلف عن أبناء الأرياف والمدن، بسبب نقص الكادر التدريسي المتخصص واللوازم المدرسة الحديثة». وبسبب بعد المدرسة فإن الكثير من الطلاب يتركون التعليم ويتسربون من المدارس، كما أن أهالي بعض الطلاب لا يسمحون لهم بالذهاب إلى المدرسة البعيدة وخاصة الإناث.

تراجع خدمي
ويوضح حسان أن ما يقرب من 90 في المائة من سكان منطقة اللجاة يعانون من تدني الخدمات الأساسية وانعدامها في كثير من الأحيان، حتى على أبسط مستلزمات الحياة كمادة الخبز، حيث إن فرن الخبز في بلدة جدل يغطي أكثر من عشرة قرى، مما يؤدي إلى تزاحم بين المواطنين وتجمعهم لساعات طويلة من أجل الحصول على مادة الخبز في الوقت الذي يعاني فيه الفرن من شح في مادة الطحين، والانقطاع المتكرر للكهرباء مما يؤثر على جودة مادة الخبز، ونقص الكمية التي تغطي حاجة الأهالي. ويضيف أن المواطنين في المنطقة يعانون في تأمين مياه الشرب بسبب عدم صيانة الآبار، والانقطاع المتكرر للكهرباء، بالإضافة إلى تضرر كبير في شبكات التوزيع الداخلية ضمن القرى والبلدات، ويعتمدون على الصهاريج الخاصة باهظة الثمن لتأمين مياه الشرب والخدمة، حيث يصل سعر الخزان إلى أكثر من 5 آلاف ليرة سورية تحتاجه العائلة بشكل يومي.
من جهته، يوضح أبو جهاد البالغ من العمر 55 عاماً، وهو أحد سكان منطقة اللجاة، أن معظم قرى منطقة اللجاة مهمشة ومنسية، وبعضها الآخر يعاني انقطاعاً كاملاً لكافة مقومات الحياة، كالكهرباء والصرف الصحي ومياه الشرب وخدمات التعليم والخدمات الصحية والإغاثية.
وأوضح أن عدد بلديات منطقة اللجاة المفعلة حالياً تبلغ ثماني بلديات ولا مشاريع إنمائية أو إغاثية تنهض بالمنطقة، رغم عدة شكاوى من المواطنين، حتى المشاريع الغذائية والسلات الغذائية التي كانت تقدم للأهالي، هيمن عليها بعض الشخصيات، التي باتت تقدم إحصائيات غير دقيقة للمنظمات الداعمة والإدارة المحلية، مما أدى إلى حرمان نسبة كبيرة من الأهالي من حقوقهم في السلال الغذائية.

تواضع صحي
أحد الممرضين من منطقة اللجاة رفض الكشف عن اسمه الصريح لضرورة أمنية، يوضح لـ«الشرق الأوسط» أن قوات النظام اتخذت من المركز الطبي الوحيد في المنطقة في بلدة صور غرب منطقة اللجاة مقراً لها، بالإضافة لعدد من المراكز الخدمية منها مبنى مؤسسة الكهرباء ومبنى المدرسة الإعدادية ومبنى البلدية ومبنى المقسم الآلي، كلها حولتها قوات النظام إلى مقرات عسكرية لها.
وتفتقر منطقة اللجاة للمشافي العامة رغم أنها تضم أكثر 70 قرية ولا يوجد بها من قبل الأحداث والحرب في سوريا أي مشفى عام، ويعتمد سكانها المحليون على المشافي في مناطق السويداء أو مدينة إزرع في درعا.
وأوضح أن دور المراكز الطبية الصغيرة الموجودة في اللجاة (المستوصفات الطبية) على خدمات بدائية مثل تضميد الجروح والكسور غير الخطيرة، واللقاحات الخاصة بالأطفال المقدمة من المنظمات الإنسانية وحتى أنها تنقطع أحياناً، وتحتوي على كادر طبي صغير وغير مختص، ولا يوجد في هذه المراكز أي معدات حديثة أو متوسطة الحداثة «ونظراً لضعف الإمكانيات الطبية والمهنية، وعدم الوعي من مخاطر فيروس (كوفيد - 19) نتيجة بساطة المجتمع والحياة في اللجاة، وعدم الاهتمام بالناس وتفعيل دور التوعية من مخاطر الفيروس، عانت منطقة اللجاة موجات حادة من مرضى (كوفيد - 19). ووفيات وصلت إلى أكثر من 200 حالة، وحالات مرضية وصلت إلى طلاب المدارس».
تشكلت هضبة اللجاة قبل ملايين السنين نتيجة البراكين والحمم التي قذفها بركان جبل العرب الخامد حالياً، يبلغ عدد سكانها 55 ألف نسمة، تحد منطقة اللجاة من جهة الشرق مدينة شهبا في محافظة السويداء، ومن الشمال قرية المسمية في درعا، ومن الغرب منطقة خبب في سهل حوران. جرت فيها معارك مع قوات النظام، تشكل فيها فصائل معارضة للنظام هي (لواء العمري) (جيش العشائر)، انتهت المعارك فيها بـتحريرها مطلع عام 2012. هجر العدد الأكبر من سكانها، وبقيت أعداد بسيطة فيها، ودخلت ضمن مناطق التسوية جنوب سوريا عام 2018.



هادي واليمن... وداع أعقب مساراً حافلاً بالتحوّلات

الرئيس اليمني السابق خلال خطابه أمام الاجتماع السنوي للأمم المتحدة (الأمم للمتحدة)
الرئيس اليمني السابق خلال خطابه أمام الاجتماع السنوي للأمم المتحدة (الأمم للمتحدة)
TT

هادي واليمن... وداع أعقب مساراً حافلاً بالتحوّلات

الرئيس اليمني السابق خلال خطابه أمام الاجتماع السنوي للأمم المتحدة (الأمم للمتحدة)
الرئيس اليمني السابق خلال خطابه أمام الاجتماع السنوي للأمم المتحدة (الأمم للمتحدة)

رحل الرئيس اليمني السابق المشير عبد ربه منصور هادي، الخميس، في العاصمة السعودية الرياض عن عمر ناهز 81 عاماً، وبذلك يطوي اليمن أحدَ أعقد فصوله السياسية والعسكرية منذ قيام الوحدة عام 1990؛ إذ يغيب الرجل الذي ارتبط اسمه بالمرحلة الانتقالية، والحوار الوطني، ثم الحرب الممتدة التي اندلعت عقب انقلاب الحوثيين على الدولة في أواخر 2014.

لم يكن هادي قائداً صدامياً أو خطيباً شعبوياً، بل ظهر طيلة مسيرته بوصفه رجل المؤسسة الهادئ، الذي فضل العمل بصمت، وتجنب المواجهات الحادة، حتى وهو في قلب أخطر الأزمات في تاريخ اليمن الحديث؛ مما جعله بين رؤيتين، فهناك من يراه شخصية توافقية جنبت البلاد انهيارات أكبر، وهناك من يحمله مسؤولية التراخي أمام تمدد الحوثيين وسقوط معظم مناطق شمال البلاد.

وُلد عبد ربه منصور هادي في 1 سبتمبر (أيلول) 1945 بقرية ذكين التابعة لمديرية الوضيع بمحافظة أبين جنوب اليمن، ونشأ في بيئة ريفية بسيطة قبل أن يتجه مبكراً إلى الحياة العسكرية.

تلقى تعليمه العسكري في عدد من الأكاديميات الخارجية، أبرزها «أكاديمية ساندهيرست» العسكرية الملكية في بريطانيا التي تخرج فيها عام 1966، كما حصل على دراسات عليا عسكرية في «أكاديمية ناصر» بمصر، ودورات تخصصية في الاتحاد السوفياتي السابق.

الرئيس اليمني السابق عبد ربه منصور هادي يغادر الحياة بعد تاريخ حافل (إعلام حكومي)

تدرج هادي في المناصب العسكرية داخل جيش جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (جنوب اليمن سابقاً)، وتولى مواقع قيادية في سلاح المدرعات، قبل أن تشكل أحداث يناير (كانون الثاني) 1986 الدامية نقطة التحول الأبرز في حياته السياسية والعسكرية.

فبعد خسارة جناح الرئيس الجنوبي السابق علي ناصر محمد في تلك المواجهات، غادر هادي إلى صنعاء مع آلاف العسكريين الجنوبيين، ليبدأ مرحلة جديدة داخل الدولة اليمنية الشمالية، قبل قيام الوحدة بين الشطرين عام 1990.

برز اسم هادي بصورة أوضح خلال حرب صيف 1994، حين عينه الرئيس الراحل علي عبد الله صالح وزيراً للدفاع في مواجهة محاولة الانفصال التي قادها نائب الرئيس حينها الراحل علي سالم البيض.

وبعد انتهاء الحرب وتثبيت الوحدة، اختاره صالح نائباً لرئيس الجمهورية في أكتوبر (تشرين الأول) 1994، ليبقى في المنصب نحو 18 عاماً، في إحدى أطول فترات شغل منصب نائب الرئيس في تاريخ اليمن.

خلال تلك السنوات، عُرف هادي بأنه «الرجل الصامت» داخل السلطة؛ إذ نادراً ما دخل في صراعات مراكز النفوذ، أو ظهر طرفاً في التنافسات القبلية والعسكرية التي أحاطت بالرئيس صالح. كما حافظ على صورة المسؤول الإداري والعسكري المنضبط؛ الأمر الذي جعله مقبولاً لدى أطراف داخلية وخارجية بوصفه شخصية غير صدامية.

رئيس المرحلة الانتقالية

مع اندلاع احتجاجات عام 2011 ضد حكم صالح، دخل اليمن مرحلة سياسية شديدة الاضطراب، انتهت بتوقيع «المبادرة الخليجية» التي نقلت السلطة إلى هادي بوصفه رئيساً توافقياً للمرحلة الانتقالية.

وفي فبراير (شباط) 2012، انتُخب هادي رئيساً توافقياً لليمن بدعم محلي وإقليمي ودولي واسع، وسط آمال بإنقاذ البلاد من الانهيار، وإعادة بناء الدولة على أسس جديدة.

وتمثلت أبرز محطات عهده المبكرة في رعايته «مؤتمر الحوار الوطني الشامل» بين 2013 و2014، وهو المؤتمر الذي جمع مختلف القوى السياسية والمجتمعية، بمن فيهم الحوثيون والحراك الجنوبي؛ بهدف صياغة مشروع دولة اتحادية حديثة.

وعدّ كثير من اليمنيين آنذاك «الحوار الوطني» فرصةً تاريخية لإنهاء الصراعات المزمنة والتأسيس لدولة جديدة، غير أن الأحداث اللاحقة دفعت البلاد إلى مسار مغاير تماماً، حيث اجتاح الحوثيون في سبتمبر (أيلول) 2014 العاصمة صنعاء وسيطروا على مؤسسات الدولة، قبل أن يفرضوا الإقامة الجبرية على الرئيس هادي.

الرئيس اليمني الراحل عبد ربه منصور هادي (إعلام حكومي)

ورغم تقديمه استقالته تحت الضغط، فإن هادي تمكن في فبراير (شباط) 2015 من الفرار إلى عدن، وأعلن تمسكه بشرعيته الدستورية، قبل أن تتوسع الهجمات الحوثية وتدفعه لاحقاً إلى الانتقال للرياض.

ومن العاصمة السعودية، قاد هادي السلطة الشرعية المعترف بها دولياً طيلة سنوات الحرب، مستنداً إلى دعم واسع من التحالف العربي بقيادة السعودية، وإلى غطاء سياسي وقانوني وفره قرار مجلس الأمن الدولي «2216».

وخلال تلك السنوات، احتفظت حكومته باعتراف الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، وظل يمثل اليمن في المحافل الدولية رغم فقدان سلطته الفعلية على العاصمة المختطفة صنعاء وأجزاء واسعة من شمال البلاد.

جدل بشأن شخصيته وأدائه

أثارت شخصية هادي وأسلوبه في الحكم انقساماً واسعاً بين اليمنيين والمراقبين. فمنتقدوه رأوا أن طبيعته الهادئة، وميله إلى التريث، أضعفا مؤسسات الدولة في لحظات مصيرية، وأن بطء قراراته سمح للحوثيين بالتمدد والسيطرة على صنعاء. كما وُجهت إليه انتقادات تتعلق باعتماده على شبكات نفوذ حزبية وقبلية لم تنجح في حسم المعركة.

في المقابل، يرى مؤيدوه أن الرجل تسلم بلداً منهكاً وجيشاً منقسماً، وأنه واجه مشروعاً مسلحاً مدعوماً إقليمياً وسط ظروف جد استثنائية، ويرى هؤلاء أن هادي نجح في الحفاظ على الشرعية القانونية للدولة اليمنية، ومنع سقوطها الكامل في العزلة الدولية.

كما يشير مقربون منه إلى أن تمسكه بخيار الحوار والتوافق لم يكن ضعفاً، بل قناعة سياسية جنبت اليمن حروباً أوسع في المراحل الأولى من الأزمة.

اليمنيون انقسموا بشأن هادي بين مؤيد جهوده ومنتقد طريقة قيادته البلاد (أ.ف.ب)

حظي هادي طيلة فترة حكمه بدعم إقليمي ودولي استثنائي؛ إذ تبنت دول الخليج، وفي مقدمها السعودية، مسار انتقال السلطة في اليمن عبر المبادرة الخليجية.

كما تحول بعد انقلاب الحوثيين عنواناً للشرعية اليمنية الوحيدة المعترف بها دولياً، وحصل على دعم سياسي وعسكري واسع من التحالف العربي، إضافة إلى مساندة من الولايات المتحدة والدول الأوروبية.

واحتفظ اليمن خلال سنوات الحرب بمقعده في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية باسم حكومة هادي، وهو ما عُدّ أحد أبرز إنجازاته السياسية، خصوصاً في ظل مساعي الحوثيين للحصول على اعتراف دولي.

مغادرة السلطة بهدوء

في أبريل (نيسان) 2022، أعلن هادي نقل كامل صلاحياته إلى مجلس القيادة الرئاسي برئاسة رشاد العليمي، في خطوة عدّها كثيرون تحولاً مفصلياً داخل معسكر الشرعية.

وجاء القرار عقب مشاورات يمنية - يمنية استضافتها الرياض، وسط ضغوط لإعادة ترتيب القوى المناهضة للحوثيين، وتوحيد مكوناتها السياسية والعسكرية.

ولقيت الخطوة ترحيباً إقليمياً ودولياً واسعاً، بوصفها انتقالاً سلمياً ومنظماً للسلطة، بينما اختار هادي الابتعاد عن المشهد السياسي بصورة شبه كاملة خلال سنواته الأخيرة.

الرئيس اليمني السابق هادي رحل بهدوء بعد 4 سنوات من تسليمه قيادة الشرعية (رويترز)

وأعلنت الرئاسة اليمنية، الخميس، وفاة هادي بعد معاناة صحية، مشيدة بما وصفتها بـ«مواقفه الوطنية» ودوره في الحفاظ على الشرعية ووحدة اليمن.

وبرحيله، يغيب آخر رئيس قاد اليمن الموحد في ظل الاعتراف الدولي الكامل قبل تشظي مؤسسات الدولة والحرب المفتوحة التي فجرها الحوثيون المدعومون من إيران، تاركاً وراءه إرثاً سياسياً وعسكرياً سيظل محل نقاش طويل بين اليمنيين.

فالرجل الذي جاء إلى السلطة بوصفه «مرشح التوافق» وجد نفسه يقود بلداً ينهار تحت وطأة الانقسامات والانقلاب الحوثي، وظل حتى لحظة مغادرته الحكم متمسكاً بشرعية الدولة، قبل أن يرحل بهدوء، مسدلاً الستار على فصل بالغ التعقيد من تاريخ اليمن المعاصر.

اقرأ أيضاً


«ضيوف مصر» يستحضرون طقوسهم في العيد

سودانيون وسوريون وفلسطينيون يحرصون على التمسك بتقاليد بلدانهم (أرشيفية - مفوضية شؤون اللاجئين)
سودانيون وسوريون وفلسطينيون يحرصون على التمسك بتقاليد بلدانهم (أرشيفية - مفوضية شؤون اللاجئين)
TT

«ضيوف مصر» يستحضرون طقوسهم في العيد

سودانيون وسوريون وفلسطينيون يحرصون على التمسك بتقاليد بلدانهم (أرشيفية - مفوضية شؤون اللاجئين)
سودانيون وسوريون وفلسطينيون يحرصون على التمسك بتقاليد بلدانهم (أرشيفية - مفوضية شؤون اللاجئين)

مع استضافة مصر أكثر من 9 ملايين وافد ولاجئ على أراضيها تبرز طقوس مختلفة للاحتفاء بعيد الأضحى، ويحرص من تطلق عليهم الحكومة «ضيوف مصر»، من سوريين ويمنيين وسودانيين وفلسطينيين وغيرهم، على التمسك بتقاليد بلادهم عبر مظاهر وعادات تعزز التقارب بين العائلات والأصدقاء، وتتشابه إلى حدٍّ ما مع طقوس مصرية راسخة.

وتسيطر «الأكلات التراثية» واللحوم بأنواعها المختلفة على الجزء الأكبر من مظاهر الاحتفاء بعيد الأضحى، ويبقى لدى من يقبعون داخل الأراضي المصرية رغبة في الشعور بالألفة والتكافل الاجتماعي في ظل أوضاع اقتصادية يعانيها بعضهم، وتوترات إقليمية تتصاعد وتيرتها في المنطقة وتؤثر عليهم وهم خارج حدود أوطانهم.

طقوس سودانية وأكلات تراثية

وللزيارات الاجتماعية أهمية كبيرة في عيد الأضحى، خاصة مع ظروف الحرب واللجوء.

مصلون يؤدون صلاة العيد في ساحات المساجد بمحافظات مصر (محافظة بورسعيد)

وتقول السودانية نوسيبا سعيد لـ«الشرق الأوسط» إن طقوس احتفالات السودانيين في مصر بعيد الأضحى تبدأ مبكراً قبل وقفة عرفات بنحو أسبوع؛ إذ يتم تجهيز «الحِنة» الحمراء التي تستخدمها النساء كأحد أهم مظاهر التزيّن في المناسبات، ثم صنع الحلوى السودانية. أما في ليلة العيد، فتبدأ الأسر في تجهيز بعض المكونات الخاصة بأكلات العيد.

وتحدثت نوسيبا، التي تقيم بمنطقة ترسا في محافظة الجيزة ولديها خمسة أطفال، عن أول أيام العيد قائلة: «البعض يشتري ذبيحة أو يتشارك مع مجموعة في أضحية واحدة بسبب الوضع الاقتصادي، وبعضنا يلجأ إلى شراء اللحوم، لكننا نحرص على توزيع أكبر قدر من الذبيحة على العائلات السودانية، ثم ننتقل إلى الزيارات العائلية».

تتناول نوسيبا إفطار اليوم الأول في أحد منازل أقاربها، ويكون حسب طقوس سودانية عبارة عن طهي «الكرشة»، ثم يكون الغداء في منزل آخر، ويتكون من الأكلات التراثية مثل «العصيدة والملاح والكبدة».

الحلوى الشامية تبرز في احتفالات السوريين

وتشكل «أكلات العيد» أحد أهم مظاهر احتفالات السوريين في مصر، بجانب الحلوى الشامية الشهيرة. يقول الشاب السوري خالد محمد لـ«الشرق الأوسط»: «المأكولات السورية والحلويات الشامية تكون حاضرة دائماً في عيد الأضحى، مثل (المنسف الحلبي) و(الشاكرية) و(المعمول)».

أطفال في احتفالية بمفوضية شؤون اللاجئين بمصر (أرشيفية - مفوضية شؤون اللاجئين)

ويسترسل خالد، الذي يعمل في أحد متاجر العطور بوسط القاهرة ويعيش بحي بولاق الدكرور، في الحديث عن مظاهر الاحتفال بالعيد فيقول: «أول أيام العيد يبدأ بزيارة العائلات والأصدقاء، ثم يتوجه الشباب أو العائلات إلى أماكن الترفيه في مصر مثل دور السينما والملاهي».

ومن أبرز مظاهر الاحتفال أيضاً التردد على المطاعم السورية المنتشرة بمناطق عديدة في القاهرة والمحافظات المختلفة. وقال: «السوريون المقتدرون يحرصون على توزيع لحوم الأضاحي على العائلات السورية غير المقتدرة، كما انتشر نظام (الشير)؛ إذ يتشارك مجموعة أشخاص في أضحية واحدة».

التقاليد التراثية الفلسطينية

على الرغم من بعض التشابه في طقوس الاحتفال بعيد الأضحى بين الشعبين، يحرص الفلسطينيون في مصر على التمسك بتقاليدهم التراثية بهدف الحفاظ على الهوية ونقلها إلى الأجيال الجديدة، بحسب عضو الهيئة الإدارية باتحاد الفنانين الفلسطينيين (فرع القاهرة) خالد أبو الفحم.

وأضاف أبو الفحم لـ«الشرق الأوسط»: «الفلسطينيون في مصر يمزجون بين التقاليد المصرية والفلسطينية. نحن نعيش ونعايش الطقوس المصرية بحكم إقامتنا منذ سنوات، ونحرص أيضاً على التمسك بطقوسنا الوطنية للحفاظ على هويتنا، سواء الأطعمة التقليدية أو الموسيقى التراثية».

أطفال يحتفلون بالعيد في مصر (أ.ب)

وكالسوريين والسودانيين، يحرص المقتدرون من الفلسطينيين والمنظمات والجمعيات الأهلية الفلسطينية على وصول لحوم الأضاحي إلى أبناء وطنهم في مصر «على أمل أن تقلل فرحة العيد معاناة التشرذم»، حسبما قال أبو الفحم في معرض حديثه عن أهمية التضامن الاجتماعي.

وأضاف: «نقدم أيضاً العيدية للأطفال، ونقوم بعد صلاة العيد بزيارات اجتماعية لأكبر عدد من الأسر الفلسطينية حيث نقسم أنفسنا إلى مجموعات، كما نحرص على زيارة الجرحى والمرضى الذين يتلقون العلاج بالمستشفيات المصرية».

تكافل اجتماعي بين اليمنيين

ولا يختلف الأمر في تفاصيل التضامن الاجتماعي والتمسك بالطقوس الوطنية عند اليمنيين. وتقول الثلاثينية فردوس سالم لـ«الشرق الأوسط»: «الأسر اليمنية في مصر تحرص على استدعاء الطقوس الوطنية خلال احتفالات عيد الأضحى؛ إذ نطهو الأطعمة اليمنية التقليدية، ونجهز الحلويات، ونشتري ملابس العيد للأطفال، ويحرص الكثيرون من كبار السن على ارتداء الملابس الوطنية اليمنية».

وتؤكد فردوس، التي تعيش في حي فيصل بمحافظة الجيزة: «أجواء العيد تبرز التكافل بين اليمنيين؛ إذ يقوم الكثيرون بإيصال لحوم الأضحية إلى منازل الأسر اليمنية، ثم نزور الأصدقاء والمعارف عقب صلاة العيد، يلي ذلك الخروج إلى المتنزهات أو التجمع في المطاعم اليمنية».


نبيل فهمي يستعد لقيادة الجامعة العربية خلال شهر

السفير نبيل فهمي المرشح لمنصب الأمين العام لجامعة الدول العربية (أرشيفية - الشرق الأوسط)
السفير نبيل فهمي المرشح لمنصب الأمين العام لجامعة الدول العربية (أرشيفية - الشرق الأوسط)
TT

نبيل فهمي يستعد لقيادة الجامعة العربية خلال شهر

السفير نبيل فهمي المرشح لمنصب الأمين العام لجامعة الدول العربية (أرشيفية - الشرق الأوسط)
السفير نبيل فهمي المرشح لمنصب الأمين العام لجامعة الدول العربية (أرشيفية - الشرق الأوسط)

يستعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير نبيل فهمي، لتسلم مهام منصبه أميناً عاماً لجامعة الدول العربية في الأول من يوليو (تموز) المقبل، خلفاً للأمين العام الحالي أحمد أبو الغيط الذي تنتهي ولايته في 30 يونيو (حزيران).

وكانت الدورة العادية الـ165 لمجلس وزراء الخارجية العرب، التي عقدت في مارس (آذار) الماضي عن بُعد عبر تقنية الاتصال المرئي، قد اعتمدت بالإجماع قراراً برفع توصية إلى الدورة العادية الخامسة والثلاثين للقمة العربية المقبلة بالمملكة العربية السعودية بدعم ترشيح فهمي أميناً عاماً للجامعة لمدة خمس سنوات اعتباراً من الأول من يوليو 2026.

وقالت مصادر دبلوماسية عربية لـ«الشرق الأوسط» إن الأمين العام الجديد بدأ بالفعل الاستعداد لتولي مهام منصبه، مشيرة إلى أن فهمي «زار مقر الجامعة بالعاصمة المصرية القاهرة وعقد لقاءات للتعرف على طاقم العمل».

كما عقد فهمي لقاءات مع عدد من المندوبين الدائمين بجامعة الدول العربية تناولت تعزيز دور الجامعة في دعم قضايا العمل العربي المشترك، كما عرض رؤيته للجامعة العربية وتطوير آليات العمل المشترك.

نبيل فهمي يلتقي المندوب الدائم لدولة فلسطين لدى الجامعة العربية مهند العكلوك (مندوبية فلسطين)

وفي مطلع الشهر الحالي، التقى فهمي السفير مهند العكلوك، المندوب الدائم لدولة فلسطين لدى جامعة الدول العربية، في مكتبه بالقاهرة. ووفق بيان لمندوبية فلسطين «دار النقاش حول تعزيز فعالية جامعة الدول العربية في إطار الدفاع عن القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني، بما يشمل تنفيذ قرارات مجلس الجامعة على مستوى القمة ووزراء الخارجية والمندوبين الدائمين».

كما تناول الحديث «تعزيز الأمن القومي العربي وتطوير آليات العمل العربي المشترك في إطار جامعة الدول العربية وتعزيز دورها الإقليمي والدولي، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجه المنطقة العربية».

وقال أحد المصادر إن فهمي في طريقه للتثبيت أميناً عاماً للجامعة العربية من خلال تصديق القادة العرب على قرار وزراء الخارجية عبر عدة احتمالات، سواء عقدت قمة في موعدها أو أُرجئت.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «في ظل صعوبات عقد اجتماع على مستوى القادة العرب، فإن المشاورات الجارية حالياً قد تفضي إلى إتمام التصديق على تعيين فهمي عبر اجتماع افتراضي».

وقال مصدر دبلوماسي عربي آخر: «الوقت الضاغط يُصعّب التحضير للقمة وعقدها قبل موعد تولي الأمين العام الجديد مهام منصبه»، مضيفاً أن «الأمور قد تتضح بعد إجازة عيد الأضحى، لا سيما مع استمرار التوتر في المنطقة وعدم الوصول إلى اتفاق نهائي بين الولايات المتحدة وإيران».

ولفت مصدر ثالث إلى «إمكانية تسلم فهمي منصبه اعتماداً على قرار من وزراء الخارجية العرب أسوة بتجارب سابقة».

السفير نبيل فهمي خلال لقائه مندوب اليمن لدى جامعة الدول العربية (صفحة نبيل فهمي على «فيسبوك»)

وكان الأمين العام الحالي أبو الغيط قد عُين بقرار من مجلس وزراء الخارجية العرب، في دورة غير عادية عقدت بمقر الأمانة العامة بالقاهرة في مارس 2016، بناء على تفويض من القادة العرب إلى رؤساء الوفود المشاركين في الاجتماع. وتسلم مهام منصبه في يوليو من العام نفسه دون الحاجة إلى عقد قمة عربية للتصديق على قرار تعيينه.

يذكر أن نبيل فهمي شغل منصب وزير الخارجية المصري في الفترة من يونيو 2013 إلى يوليو 2014، كما عمل سفيراً للقاهرة في واشنطن خلال الفترة من 1999 إلى 2008، وفي اليابان من 1997 إلى 1999. وعمل والده إسماعيل فهمي، وزيراً للخارجية في عهد الرئيس المصري الراحل أنور السادات خلال الفترة من 1973 وحتى 1977.