الصين تطمح إلى «الانسجام السماوي» في الفضاء

حققت نقلة نوعية في أبحاث الكون

نموذج محطة الفضاء الصينية التي سيجري تجميعها في الفضاء
نموذج محطة الفضاء الصينية التي سيجري تجميعها في الفضاء
TT

الصين تطمح إلى «الانسجام السماوي» في الفضاء

نموذج محطة الفضاء الصينية التي سيجري تجميعها في الفضاء
نموذج محطة الفضاء الصينية التي سيجري تجميعها في الفضاء

أطلقت الصين الخميس الماضي مركبة «شينتشو - 12» وعلى متنها ثلاثة رواد فضاء في صاروخ «لونغ مارش - 2FY12» من مركز جيوغوان لإطلاق الأقمار الصناعية في منغوليا الداخلية. وكانت هذه الدفعة الأولى من رواد الفضاء الذين سيصلون إلى وحدة «تيانهي» (تعني «الانسجام، أو التناغم، السماوي» باللغة العربية) التي تزن 22 طناً وأطلقت إلى مدار الأرض المنخفض في أبريل (نيسان)، وتنتظر حالياً تجميعها وبناءها في المدار لاستكمال محطة «تيانغونغ» الصينية الفضائية بحلول العام المقبل.
محطة فضائية صينية
تلعب «تيانهي» دور مركز الإدارة والتحكم وتتسع لثلاثة رواد فضاء يقضون مدة تتراوح بين ثلاثة وستة أشهر، والتي ستكون أطول إقامة فضائية لرواد صينيين في مدار الأرض المنخفض إذا ما تكللت بالنجاح. وكانت الإقامة الأطول السابقة لرواد فضاء صينيين في مدار الأرض المنخفض، استمرت لثلاثة وثلاثين يوما على متن وحدة «تيانغونغ 2». وتجدر الإشارة إلى أن «تيانهي» هي أكبر سفينة فضائية بنتها الصين وأطلقتها إلى الفضاء حتى يومنا هذا.
ومن المفترض أن تتصل الوحدتان المخبريتان الإضافيتان «وينتيان» (وتعني بالعربية «طلب السماء») و«منغتيان» (وتعني بالعربية «الحلم بالسماء») بـ«تيانهي» بحلول عام 2022، ليبلغ وزنها مجتمعة 66 طناً. وبعد التحام المركبات الفضائية بـ«تيانهي» خلال بعثات التحميل ونقل البعثات البشرية الأخرى، سيرتفع الوزن حتى 100 طن. صممت محطة «تيانغونغ» الفضائية لتدوم عشر سنوات، ويمكن تمديد فترة خدمتها حتى 15 سنة بتنفيذ الصيانات والتعديلات اللازمة. وفي ظل الحديث عن تقاعد المحطة الفضائية الدولية التي ينتهي تمويلها في عام 2024، يبدو أن المحطة الصينية ستكون الخيار الوحيد للوجود البشري والبحث العلمي في مدار الأرض المنخفض بعد هذا التاريخ.
قدرات الصين الكونية
تعتبر محطة «تيانغونغ» الفضائية تطوراً مهماً جداً في البنية التحتية الفضائية الصينية.
> أولاً، تعتزم الصين تطوير قدراتها لتجميع محطة فضائية على شكل حرف «T» اللاتيني مؤلفة من وحدات عدة، وللتوصل إلى سبل لدعم الحياة البشرية في مدار الأرض المنخفض لفترات طويلة. وسيتعلم الرواد الصينيون القيام بنشاطات خارج المركبات، والعمل مع الأذرع الميكانيكية لتنفيذ عمليات التركيب والاختبار والتحديث في المدار. وفي تصريح رسمي له، قال باي لينهو، نائب رئيس قسم تصميم المحطة الفضائية الصينية في الأكاديمية الصينية لتكنولوجيا الفضاء، والتي تعمل تحت إشراف شركة الصين للعلوم والتقنيات الجوفضائية: «سنتعلم كيف نجمع ونشغل ونصون المركبات الفضائية في المدار، ونعتزم تحويل «تيانغونغ» إلى مختبر فضائي بمستوى حكومي يدعم الإقامة الطويلة لرواد الفضاء والتجارب والتطبيقات العلمية والتقنية العالية المستوى... ومن المتوقع أيضاً أن تساهم هذه المحطة في تطوير واستخدام الموارد الفضائية سلمياً بالتعاون مع دول أخرى، بالإضافة إلى تعزيز التقنيات والتجارب الخاصة باستكشافات الصين المستقبلية في الفضاء العميق». وسيعمد رواد الفضاء الصينيون للمرة الأولى إلى إعادة تدوير البول وتحويله إلى مياه مقطرة، وزيادة صفائها لاستخدامها في التوليد الكهربائي للأكسجين. تعتبر هذه الخطوة جديدة بالنسبة للصين منذ إرسالها لأولى بعثتها البشرية الأولى إلى محطة «تيانغونغ 2» ومعها مخزون من المياه والأكسجين من الأرض، لأن إقامة روادها كانت قصيرة. ولكن البعثات التي ستمتد لستة أشهر تتطلب نظاماً أكثر تطوراً للحياة الفضائية. تساعد إعادة تدوير المياه في تخفيف عبء سفن الشحن، وتقلص التكاليف التشغيلية للمحطة الفضائية.
غزو القمر
> ثانياً، سيساهم تطوير تقنيات المحطة الفضائية لتشمل نظام دعم حياتي في توسيع قدرات الصين الفضائية لتحقيق أهدافها على القمر، والتي تتضمن قاعدة روبوتية للأبحاث وتواجدا بشريا على سطحه. وأضاف باي في تصريحه: «يعتبر نظام الدعم الحياتي ضرورةً لا غنى عنها لرواد الفضاء للبقاء على القمر أو استكشاف الفضاء العميق. سنطور هذه التقنية خطوةً بخطوة، بدءاً من إعادة تدوير المياه والأكسجين في «تيانغونغ»، وصولاً لزراعة الخضراوات والمحاصيل في الفضاء لتحقيق اكتفاء ذاتي تدريجي من الغذاء».
> ثالثاً، يتمتع بناء المحطة الفضائية الصينية بأهمية استراتيجية دولية لأنه يؤمّن بديلاً للمحطة الفضائية الدولية لإجراء الأبحاث العلمية في الفضاء وإطلاق رواد فضائيين من دول حليفة للصين. وكانت الصين، بالتعاون مع مكتب الأمم المتحدة لشؤون الفضاء الخارجي، قد أطلقت في مايو (أيار) 2018، دعوة لاستضافة الراغبين بإجراء تجارب علمية في محطتها الفضائية. اختارت الصين تسعة من أصل 42 طلبا قدمت لهذه الغاية من مؤسسات في بلجيكا والصين وفرنسا، وألمانيا، والهند، وإيطاليا، واليابان، وكينيا، وهولندا، والنرويج، والمكسيك، وبولندا، والبيرو، وروسيا، والمملكة العربية السعودية، وإسبانيا، وسويسرا. يسعى مقدمو هذه الطلبات إلى إجراء أبحاث في مجالات عدة أبرزها الطب، والهندسة الحيوية، والجاذبية الصغرى، وآثار الإشعاعات الفضائية، وزراعة النبات. ومن المقرر أن تستضيف محطة «تيانغونغ» 14 منفذا داخليا، و50 منفذا خارجيا للتجارب العلمية الفضائية.
طاقة شمسية فضائية
> رابعاً، ستساعد اللوجيستيات المخصصة للبناء والتجميع في المدار في تطوير محطة فضائية صينية شاملة ترقى إلى مستوى الأهداف التي حددتها الدولة في بناء أقمار صناعية عاملة بالطاقة الشمسية في المدار الأرضي الجغرافي المتزامن، وإرسال بعثات مستقبلية إلى القمر والمريخ والكويكبات. لعب نظام «بيدو» الملاحي الذي طورته الصين مثلاً، دوراً أساسياً في إطلاق والتحام سفينة الشحن الفضائية «تيانزو 2» التي حملت حوالي 6.8 طن من المؤن، مع وحدة «تيانهي» في 29 مايو (أيار) الفائت. وعلى عكس «تيانزو 1» التي احتاجت ليومين للوصول وتطلبت مساعدة بشرية للالتحام مع «تيانغونغ 2» في عام 2017، نجحت «تيانزو 2» في إرشاد نفسها آلياً والالتحام مع «تيانهي» في غضون ثماني ساعات من إطلاقها، باستخدامها بيانات الموقع التي قدمها نظام «بيدو». يدل قصر مدة الالتحام هذا على تمتع الصين بقدرة على الاستجابة السريعة في حالات الطوارئ، واتخاذ إجراءات الإغاثة في الكوارث، وإنقاذ رواد الفضاء عندما تقتضي الحاجة. علاوةً على ذلك، تساهم فترات الالتحام القصيرة في تقليص الكلفة، وتعزيز إمكانية جمع عدد أكبر من العينات البيولوجية، التي تهدف مجتمعة إلى تطوير قدرات روبوتية دائمة وناضجة، بالإضافة إلى نظام من الدعم الحياتي الحيوي المتجدد في الفضاء، وهو ما تعمل الصين لتحقيقه.
> خامساً، سيكون للمحطة الفضائية الصينية مرفآن للرسو سيتصلان بكبسولتين تحتويان على مختبرين، وبثلاثة مرافئ للالتحام في وحدة «تيانهي». ويهدف هذا الأمر إلى مساعدة الصين في تطوير قدرات الالتحام المتزامن الضرورية وإضافة وحدة إضافية للمحطة الفضائية إذا استدعت الحاجة.
> سادساً، تسعى الصين، وإلى جانب بناء محطتها الفضائية الخاصة، إلى إطلاق وحدة منظار «كسونتيان» (تعني بالعربية «مسوحات السماوات»)، الذي يوازي منظار «هابل» الشهير دقة، ولكن بمجال رؤية أكبر بثلاثمائة مرة. يملك هذا المنظار قدرات كثيرة، أبرزها القدرة على رصد الكويكبات القريبة من الأرض، لتحقيق أهداف الصين في التعدين والدفاع الكويكبي. علاوة على ذلك، من المقرر أن يستقر «كسونتيان» في مدار مواز للمحطة الفضائية وأن يتمتع بقدرة الالتحام معها بغية تسهيل عمليات الصيانة وإعادة التزود بالطاقة وتقليل كلفتها.
* خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

«مواقف الرياض»... تحول ذكي يرفع القيمة الاقتصادية للعاصمة

خاص سيارة في أحد المواقف الذكية التابعة لمشروع «مواقف الرياض» (أمانة منطقة الرياض)

«مواقف الرياض»... تحول ذكي يرفع القيمة الاقتصادية للعاصمة

تواصل مدينة الرياض تطوير منظومة مواقف السيارات ضمن توجهات رفع كفاءة البنية التحتية الحضرية، وتحسين تجربة التنقل، في خطوة تهدف إلى تنظيم المواقف، وتقليل الازدحام

دانه الدريس (الرياض)
خاص تنتشر المعلومات المضللة بسرعة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأزمات والصراعات (شاترستوك)

خاص الصور والفيديوهات المفبركة في زمن الحروب… كيف نميّز الحقيقة من التزييف؟

تصاعد الأخبار الزائفة والتزييف العميق خلال الأزمات يتطلب وعياً رقمياً والتحقق من المصادر والصور والفيديوهات قبل مشاركة المعلومات.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي يحلل التقييمات والصور لاقتراح أماكن «مدونة غوغل»

ميزات جديدة في «خرائط غوغل» تحول التطبيق إلى مساعد ذكي للتنقل

تشهد خدمات الخرائط الرقمية تحولاً متسارعاً مع دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى صلب تجربة المستخدم، في خطوة تسعى من خلالها الشركات التقنية إلى إعادة تعريف مفهوم…

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
تكنولوجيا تعتمد الطريقة الجديدة على استخراج المفاهيم من داخل النموذج نفسه بدلاً من فرض مفاهيم محددة مسبقاً من قبل الخبراء (أدوبي)

أبحاث جديدة لفهم تفكير الذكاء الاصطناعي وفتح «صندوقه الأسود»

أبحاث جديدة في جامعة MIT تطور تقنيات تساعد نماذج الذكاء الاصطناعي على تفسير قراراتها لتعزيز الشفافية والثقة في الأنظمة المؤتمتة.

نسيم رمضان (لندن)
خاص توسّع مفهوم المرونة الرقمية ليشمل استمرارية البرمجيات وليس الأمن السيبراني فقط (أدوبي)

خاص هل أصبحت مرونة البرمجيات شرطاً أساسياً لحماية الاقتصاد الرقمي في السعودية؟

توسّع مفهوم المرونة الرقمية ليشمل استمرارية البرمجيات ومخاطر الموردين مع بروز الحساب الضامن أداةً لحماية الخدمات الرقمية الحيوية.

نسيم رمضان (لندن)

أقمشة مطلية بالألماس تُحافظ على برودة الجسم في الأجواء الحارة

أقمشة مطلية بالألماس تُحافظ على برودة الجسم في الأجواء الحارة
TT

أقمشة مطلية بالألماس تُحافظ على برودة الجسم في الأجواء الحارة

أقمشة مطلية بالألماس تُحافظ على برودة الجسم في الأجواء الحارة

في الأيام الحارة، تحبس معظم الملابس الحرارة. لكن الأقمشة المطلية بجزيئات الألماس النانوية -وهي جسيمات ماسية ​​متناهية الصغر- يمكنها بدلاً من ذلك إطلاق الحرارة، الأمر الذي يُساعد على تقليل استهلاك أجهزة التكييف للطاقة الكهربائية.

جسيمات الألماس النانوية

تتميز جسيمات الألماس النانوية، التي يقل امتداد كل منها عن جزء من ألف من عرض شعرة الإنسان، بالبنية البلورية الكربونية نفسها للألماس الأكبر حجماً. وهذه البنية تجعلها فعالة للغاية في نقل الحرارة.

كما أنها لا تحتاج إلى أن تكون مثالية الشكل؛ لذا يمكن تصنيعها من نفايات الكربون مثل البلاستيك، وبذلك تقل تكلفة تصنيعها نسبياً.

نسيج مطلي بالألماس

يقول شادي هوشيار، أستاذ الهندسة في جامعة «RMIT» الأسترالية، الذي طوّر فريقه نسيجاً مطلياً بالألماس النانوي في مركز ابتكار المواد والأزياء المستقبلية بالجامعة: «نظراً لخصائص الكربون الحرارية الاستثنائية، فإنه قادر على امتصاص الطاقة والحرارة بسرعة، وإطلاقها بسرعة عبر هذا النظام».

ويُستخدم الألماس بالفعل في الإلكترونيات للمساعدة في تبريد أجزاء مثل رقائق الكمبيوتر؛ لذا أدرك الباحثون إمكانية تطبيق الفكرة نفسها في الملابس.

امتصاص حرارة الجسم

يقول هوشيار: «قررنا إضافة الألماس النانوي إلى المنسوجات. فعند ملامسته الجلد، يمتص الحرارة بسرعة من الجسم، ثم يُطلقها. وهو مفيد بشكل خاص في المناطق التي ترتفع حرارتها مثل البدن».

ويضيف: «يتمتع الألماس النانوي بقدرة عالية على امتصاص الحرارة، لذا يمكنه سحب الحرارة من الجسم لساعات طويلة». ويشير إلى أنه على الرغم من إمكانية استخدامه في أي نوع من الملابس، فإنه قد يكون مفيداً أيضاً في معدات الحماية الشخصية لرجال الإطفاء.

خفض درجة الحرارة

يمكن للملابس المصنوعة من هذا النسيج أن تخفض درجة حرارة الجسم بمقدار 4 إلى 5 درجات فهرنهايت (2 إلى 3 درجات مئوية)، وهو ما يكفي لتقليل الحاجة إلى تشغيل مكيف الهواء بأقصى طاقته للشعور بالراحة في الحر الشديد. كما يمكن للستائر المصنوعة من نسيج مطلي بجزيئات نانوية من الألماس أن تحافظ على برودة المنازل؛ ويمكن أيضاً دمج هذه الجزيئات في طلاء المنازل.

لإضافة هذه المادة إلى النسيج، يستخدم العلماء مادة رابطة مستدامة، يقول هوشيار إنها قادرة على تثبيت جسيمات الألماس النانوية بإحكام لمدة 50 دورة غسيل على الأقل. ويعمل الفريق حالياً على تطوير طريقة لطلاء الخيوط بطبقة من هذه المادة في مرحلة مبكرة من عملية التصنيع.

تصنيع جسيمات الألماس

ويمكن تصنيع جزيئات الألماس النانوية من نفايات الكربون، بما في ذلك النفايات البلاستيكية، عن طريق تعريض الكربون لضغط ودرجة حرارة عاليتين في مفاعل، ما يؤدي إلى إعادة ترتيب الذرات في بنية ماسية. ومن خلال تعديل العملية، يمكن منح المادة خصائص أخرى، بما في ذلك القدرة على امتصاص الرطوبة أو إطلاقها.

مواد آمنة

ويقول هوشيار: «هناك احتمال أن يحل هذا محل المركبات الكيميائية الأبدية. ولذا وعلى عكس الطلاءات الكيميائية الأبدية المستخدمة في صناعة سترات المطر وغيرها من الملابس المقاومة للماء، فإن جسيمات الألماس النانوية غير سامة وآمنة بيئياً».

إعادة تصميم الملابس

مع ازدياد احتمالات ظهور موجات الحر الشديدة نتيجة تغير المناخ، يبحث باحثون آخرون عن طرق جديدة لإعادة تصميم الملابس للحفاظ على برودة الجسم. استخدم مهندسون في جامعة ماساتشوستس أمهيرست حديثاً كربونات الكالسيوم -وهي مادة طباشيرية منخفضة التكلفة- لطلاء أقمشة انخفضت درجة حرارتها عدة درجات في الاختبارات. ويجري باحثون آخرون تجارب على مواد مثل أسلاك الفضة النانوية وأكسيد الزنك.

ويبحث فريق هوشيار الآن عن تمويل لتحويل هذا البحث إلى شركة ناشئة.

* مجلة «فاست كومباني».


هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكير الطبيب؟

القرار الطبي لا يكتب بالخوارزمية وحدها
القرار الطبي لا يكتب بالخوارزمية وحدها
TT

هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكير الطبيب؟

القرار الطبي لا يكتب بالخوارزمية وحدها
القرار الطبي لا يكتب بالخوارزمية وحدها

عندما ينظر الطبيب إلى شاشة التحليل، قد لا يكون ما يراه مجرد بيانات طبية، بل اقتراحاً كاملاً للتشخيص صاغته خوارزمية خلال ثوانٍ... في تلك اللحظة، لا يدور السؤال حول دقة هذا الاقتراح فحسب، بل حول تأثيره الخفي: هل يساعد هذا الاقتراح الطبيب على التفكير، أم يغيّر طريقته في التفكير دون أن يشعر؟

الذكاء الاصطناعي... طرف غير مرئي في القرار

هذا التحول الصامت في العلاقة بين الطبيب والمعلومة هو ما بدأت الأبحاث الحديثة في استكشافه، مع دخول أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى صميم القرار السريري. فلم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة لتحليل البيانات، بل أصبح طرفاً غير مرئي في تشكيل الحكم الطبي، يؤثر في كيفية قراءة المعلومات وربطها، وربما في المسار الذهني الذي يقود إلى القرار النهائي.

دراسة علمية حديثة

هذا السؤال حاولت الإجابة عنه دراسة علمية حديثة نُشرت في فبراير (شباط) 2026 في مجلة نيتشر ميديسن (Nature Medicine)، حيث صمم الباحثون تجربة سريرية محكمة لاختبار تأثير أنظمة الذكاء الاصطناعي على طريقة تحليل الأطباء للحالات الطبية واتخاذهم للقرارات التشخيصية.

قاد الدراسة فريق بحثي دولي من جامعة ستانفورد في ولاية كاليفورنيا الأميركية بالتعاون مع باحثين من مختبرات «غوغل ريسيرش» و«غوغل ديب مايند». وشارك في الإشراف على البحث الطبيب والعالم الأميركي إيوان آشلي (Euan Ashley)، إلى جانب الباحثين جاك أوسوليفان (Jack W. O’Sullivan) وتاو تو (Tao Tu)، وعدد من المتخصصين في الطب والذكاء الاصطناعي.

التجارب السريرية للذكاء الاصطناعي الطبي

تجربة سريرية تحاكي الواقع الطبي

اعتمد الباحثون في هذه الدراسة على تصميم علمي يعرف باسم «التجربة العشوائية المحكمة»، وهو من أكثر الأساليب العلمية دقة وموثوقية في تقييم التقنيات الطبية.

ولمحاكاة الظروف الحقيقية للعمل داخل العيادات، طُلب من مجموعة من أطباء القلب تحليل حالات سريرية حقيقية لمرضى، باستخدام بيانات طبية متعددة، شملت تخطيط القلب الكهربائي وصور القلب واختبارات الجهد وغيرها من المعلومات السريرية المعقدة.

ثم قُسم الأطباء إلى مجموعتين: الأولى قامت بتقييم الحالات بالطريقة التقليدية دون أي مساعدة رقمية، بينما حصلت المجموعة الثانية على دعم من نظام ذكاء اصطناعي طبي يُعرف باسم AMIE، وهو نموذج يعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي لتحليل البيانات الطبية وتقديم تقييم أولي للحالة.

وكان الهدف من هذه التجربة معرفة ما إذا كانت مساعدة الذكاء الاصطناعي يمكن أن تؤثر في طريقة تحليل الطبيب للحالة الطبية أو في جودة القرار السريري الذي يتخذه.

تقييم القرارات دون معرفة مصدرها

ولضمان حياد النتائج، اتبع الباحثون خطوة منهجية مهمة. فقد عُرضت تحليلات الأطباء للحالات على مجموعة من أطباء القلب المتخصصين ليقوموا بمراجعتها وتقدير جودتها العلمية.

غير أن هؤلاء الخبراء لم يكونوا على علم بما إذا كانت تلك التحليلات قد أُعدّت بمساعدة نظام الذكاء الاصطناعي أم من دونه. وقد سمح هذا الأسلوب العلمي، المعروف باسم «التقييم المعمّى» (Blinded Evaluation)، بمقارنة مستوى القرارات الطبية بصورة موضوعية، بعيداً عن أي تأثير لمعرفة مصدر التقييم.

 

 

* الأطباء تعاملوا مع توصيات النظام الذكي بوصفها أداة تحليل إضافية وليس بوصفها قراراً نهائياً *

ماذا كشفت الدراسة؟

أظهرت نتائج التجربة أن استخدام الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد الأطباء على تنظيم المعلومات الطبية وتحليل البيانات المعقدة بصورة أكثر شمولاً. ففي الحالات التي تضمنت كميات كبيرة من البيانات السريرية، ساهم النظام الذكي في تسهيل تجميع المعلومات وربطها ببعضها، وهو ما قد يساعد الطبيب على تكوين صورة أوضح للحالة المرضية.

لكن النتائج أشارت أيضاً إلى جانب مهم في طبيعة العلاقة بين الطبيب وهذه الأنظمة. فقد تعامل الأطباء مع التوصيات التي قدمها النظام الذكي بوصفها أداة تحليل إضافية، وليس بوصفها قراراً نهائياً.

بمعنى آخر، أظهر الأطباء ميلاً إلى استخدام مخرجات الذكاء الاصطناعي كوسيلة لدعم التفكير السريري وإعادة فحص المعلومات الطبية، مع بقاء عملية الحكم الطبي النهائي قائمة على خبرتهم السريرية وتقييمهم الشامل لحالة المريض.

 

الطبيب يقود والذكاء الاصطناعي يدعم القرار الطبي

استقلالية الحكم السريري

واللافت في النتائج أن الأطباء لم يتعاملوا مع توصيات النظام بوصفها إجابة جاهزة، بل كمنطلق لإعادة التفكير، وهو ما يعكس بقاء الحكم السريري مستقلاً رغم حضور الذكاء الاصطناعي.

ولم يكن هدف الباحثين قياس دقة القرارات الطبية فقط، بل فهم تأثير الذكاء الاصطناعي في طريقة تفكير الطبيب نفسه أثناء تحليل الحالة. فالدراسة حاولت اختبار ما إذا كانت التوصيات التي يقدمها النظام الذكي يمكن أن تؤثر في المسار الذهني الذي يتبعه الطبيب عند تقييم المعلومات السريرية، وهو مجال بحثي جديد يدرس التفاعل بين الإنسان والذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرار الطبي.

كيف يتغير التفكير الطبي؟

تشير نتائج هذه الدراسة إلى تحول تدريجي في طريقة عمل الأطباء داخل البيئة الطبية الحديثة. فمع ظهور أنظمة الذكاء الاصطناعي القادرة على تحليل كميات هائلة من البيانات الطبية، لم يعد الطبيب يعمل مع المعلومات وحده، بل أصبح يتعامل مع طبقة إضافية من التحليل الرقمي تساعده على قراءة المعطيات المعقدة بسرعة أكبر.

وفي هذا النموذج الجديد من الممارسة الطبية، تقوم الأنظمة الذكية بدور تحليل البيانات واكتشاف الأنماط الإحصائية الخفية، بينما يبقى دور الطبيب في تفسير هذه النتائج وربطها بالسياق السريري الكامل للمريض.

وبذلك لا يصبح الذكاء الاصطناعي صانع القرار الطبي، بل أداة تحليل متقدمة قد تساعد الطبيب على رؤية تفاصيل في البيانات لم تكن واضحة من قبل، ما قد يساهم في تحسين دقة التقييم السريري واتخاذ القرار العلاجي.

ما الذي يعنيه هذا للأنظمة الصحية؟

تشير نتائج هذه الدراسة إلى أن نجاح الذكاء الاصطناعي في الطب لا يعتمد على تطور الخوارزميات وحده، بل على الطريقة التي تُدمج بها هذه التقنيات داخل منظومة الرعاية الصحية. فالتكنولوجيا، مهما بلغت دقتها، لا يمكن أن تحقق فائدتها الكاملة ما لم تعمل ضمن بيئة طبية منظمة تسمح بتبادل البيانات وتحليلها بصورة آمنة وموثوقة.

ولهذا السبب تؤكد دراسات الصحة الرقمية أن أحد أهم شروط الاستفادة من الذكاء الاصطناعي هو وجود بنية رقمية متطورة تشمل السجلات الطبية الإلكترونية وقواعد البيانات السريرية القابلة للتحليل.

وتبرز أهمية هذا التحول في الدول التي تستثمر في التحول الصحي الرقمي، مثل المملكة العربية السعودية، حيث تعمل مبادرات «رؤية 2030» على تطوير السجلات الصحية الإلكترونية وتوسيع استخدام التقنيات الذكية في المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية.

وفي مثل هذه البيئات الرقمية يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد الأطباء على تحليل كميات كبيرة من البيانات الطبية بسرعة أكبر، مما قد يساهم في تحسين دقة التشخيص ودعم اتخاذ القرار السريري.

مستقبل القرار الطبي

تشير هذه الدراسة إلى أن تأثير الذكاء الاصطناعي في الطب قد يتجاوز مجرد إدخال أدوات تقنية جديدة إلى العيادة. فمع استخدام هذه الأنظمة في تحليل البيانات الطبية المعقدة، قد يتغير أيضاً الأسلوب الذي يتعامل به الأطباء مع المعلومات السريرية عند تقييم الحالات المرضية.

غير أن نتائج التجربة تشير في الوقت نفسه إلى حقيقة أساسية: فالذكاء الاصطناعي قد يساعد في تحليل البيانات وتنظيمها، لكنه لا يستطيع أن يحل محل الخبرة السريرية للطبيب أو قدرته على فهم السياق الكامل لحالة المريض.

ولهذا قد يكون مستقبل القرار الطبي في السنوات القادمة قائماً على تفاعل جديد بين الإنسان والتكنولوجيا، حيث تساعد الأنظمة الذكية في قراءة البيانات الطبية، بينما يبقى الطبيب المسؤول عن تفسير هذه المعطيات وربطها بالإنسان الذي يقف خلفها.

أما في العالم العربي، فإن الاستفادة الحقيقية من هذه التطورات تتطلب الاستثمار في السجلات الطبية الرقمية وتطوير البنية التحتية للبيانات الصحية، إضافة إلى تدريب الأطباء على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بوصفها أدوات دعم للقرار الطبي لا بديلاً عنه.

 


«طريقة النوم العسكرية»... للإغفاء في غضون دقيقتين

«طريقة النوم العسكرية»... للإغفاء في غضون دقيقتين
TT

«طريقة النوم العسكرية»... للإغفاء في غضون دقيقتين

«طريقة النوم العسكرية»... للإغفاء في غضون دقيقتين

الحصول على قسط كافٍ من النوم أمر بالغ الأهمية. فقد وجدت دراسة أجريت عام 2018 أن الأشخاص الذين ينامون من خمس إلى ست ساعات أقل إنتاجية بنسبة 19 في المائة من أولئك الذين ينامون بانتظام من سبع إلى ثماني ساعات في الليلة. أما الأشخاص الذين ينامون أقل من خمس ساعات، فتكون إنتاجيتهم أقل بنسبة 30 في المائة تقريباً... صحيح أنهم يبقون مستيقظين لفترة أطول، لكنهم في الواقع ينجزون أقل.

النوم مفيد لحل المشكلات الأصعب

يعود ذلك إلى أن أبحاثاً أخرى تُظهر أن الاكتفاء بست ساعات من النوم يجعل أي مهمة تتطلب تركيزاً أو تفكيراً عميقاً أو حلاً للمشكلات أكثر صعوبة.

*النوم 4 ساعات فقط يشبه شرب 5 أقداح مشروبات كحولية*

وفي الواقع، وفيما يتعلق بجوانب مثل الانتباه وسرعة رد الفعل، فإن النوم ست ساعات فقط يُشبه شرب بضعة أقداح من مشروبات كحولية، بينما يشبه النوم أربع ساعات فقط شرب خمسة أقداح مشروبات كحولية. كما تُظهر أبحاث أخرى أن الحرمان من النوم يجعل إنجاز أي نشاط يتطلب إجراء خطوات متعددة – إذ إن أي شيء تحاول القيام به تقريباً – يضحى أكثر صعوبة.

وإن لم يكن ذلك كافياً، فقد أظهرت دراسة أخرى أن قلة النوم تُسبب زيادة في نشاط مراكز المكافأة في الدماغ المسؤولة عن الطعام. كما أن اتباع نظام غذائي سيئ يُؤدي إلى قلة النوم، ما يُؤدي بدوره، للأسف، إلى اتباع نظام غذائي أسوأ.

«طريقة النوم العسكرية»

كيف تنام أسرع وبطريقة سهلة؟ في كتاب «استرخِ واربح: أداء البطولة» (Relax and Win: Championship Performance) الصادر عام 2012، يصف لويد باد وينتر روتيناً ابتكرته مدرسة الطيران التمهيدية التابعة للبحرية، لمساعدة الطيارين على النوم بشكل أسرع وأسهل.

وظهر أنه بعد ستة أسابيع من اتباع الطريقة، تمكّن 96 في المائة من الطيارين من النوم في غضون دقيقتين أو أقل: أثناء جلوسهم على كرسي، والاستماع إلى تسجيل لإطلاق نار رشاش، وبعد شرب القهوة.

خطوات الطريقة

إليك الطريقة:

* أرخِ عضلات وجهك بالكامل. أغمض عينيك. تنفّس ببطء وعمق. ثم أرخِ جميع عضلات وجهك ببطء. (ابدأ مثلاً بعضلات جبهتك وانزل تدريجياً). أرخِ فكّك، وخديك، وفمك، ولسانك، وكل شيء... حتى عينيك؛ دعهما يسترخيان.

* أرخِ كتفيك ويديك. تخلّص من أي توتر. أرخِ رقبتك، وعضلات ظهرك؛ اشعر وكأنك تغوص في الكرسي أو السرير. ثم ابدأ من أعلى ذراعك الأيمن، وأرخِ عضلات ذراعيك، وساعديك، ويديك ببطء. كرّر ذلك على الجانب الآخر. ولا تنسَ أن تستمر في التنفس ببطء وعمق.

* ازفر وأرخِ صدرك. مع استرخاء كتفيك وذراعيك، سيكون ذلك سهلاً.

* أرخِ ساقيك. ابدأ بفخذك اليمنى؛ دعها تغوص في الكرسي أو السرير. ثم افعل الشيء نفسه مع ساقك، وكاحلك، وقدمك. كرّر العملية مع ساقك اليسرى.

* الآن صفِّ ذهنك. صحيح أن من الصعب عدم التفكير في أي شيء. إذا كنت كذلك، فحاول أن تُبقي صورة في ذهنك. اختر شيئاً مُريحاً. تخيّل نفسك مُستلقياً بشكل مريح في الظلام. لكن إن لم ينجح ذلك، فجرّب تكرار عبارة «لا تُفكّر» لمدة عشر ثوانٍ. على الأقل، سيساعدك هذا على تشتيت انتباهك عن التفكير في أي شيء قد يُبقيك مستيقظاً.

الممارسة هي المفتاح

قد لا تُساعدك طريقة النوم العسكرية على النوم أسرع في المرات الأولى، ولكن كلما استخدمتها بانتظام، درّبت نفسك على الاسترخاء والتخلص من الأفكار.

* مجلة «فاست كومباني»