رغم كل ما يقال عن أسبوع ميلانو إنه بدأ يعاني من بعض الترهل والشيخوخة، في إشارة إلى أن أغلب مصمميه المهمين، تعدوا الخمسين بكثير، إلا أنه أكد في موسمه لخريف 2015 وشتاء 2016، بأنه يفهم لغة الصغار. والأهم من هذا بأن الكبار أكثر من يفهم ويقدر الصبا والجمال، بحكم تجاربهم وخبراتهم في العمل والحياة على حد سواء، بدليل أن كل ما قدموه كان يضج بالحيوية وبروح شبابية لا تخطئها العين.
ما لا يختلف عليه اثنان أن ميلانو أكدت في أسبوعها الذي انتهى منذ يومين، أنها تدفع بحدود الإبداع والتصميم إلى الأمام. فقد تكون نيويورك تجارية و«سبور»، ولندن مبتكرة تحب خوض التجارب واستكشاف الجديد، إلا أن أي أنيقة تعرف أنه عندما يتعلق الأمر بتصاميم تجمع الأناقة العصرية بالجرأة وروح المغامرة، فإن ميلانو لا تخيب الظن أبدا، فمنها تولد الكثير من توجهات الموضة التي نعانقها بحميمية ولا نمل منها. فميلانو عاصمة تعرف كيف تبيع نفسها وبضاعتها أكثر من غيرها، أكثر من نيويورك رغم سمعة هذه الأخيرة. ما يساعدها، أي ميلانو، أنها تتميز بفنية أكبر، وليس أدل على هذا مما قدمته ميوتشا برادا يوم الخميس الماضي. هذه الفنية تنجح دائما في منح الأسبوع ديناميكية ترتقي به من العادي إلى فوق العادي.
في عرض غوتشي مثلا، ضرب مصممها الجديد، أليساندور ميشيل في أول تشكيلة يقدمها للدار، بالمتعارف عليه عرض الحائط، وبدأ صفحة جديدة، غلبت عليها فساتين بكشاكش، ومعاطف تفوح منها رائحة الـ«فينتاج» وأحذية غريبة من الفرو عادت بنا إلى العصر الحجري تقريبا لولا أنها تتمتع بشقاوة وروح نكتة. غابت صورة غوتشي القديمة بتصاميمها المنمقة وخطوطها الكلاسيكية العصرية، وحلت محلها صورة رومانسية، لكن من نوع مختلف. فهي رومانسية غلبت عليها تصاميم مستوحاة من خزانة الرجل، وتخاطب سوقا شابة تطمح إلى قطع جريئة. للمزيد من هذه الجرأة، جمع المصمم متناقضات مختلفة في القطعة الواحدة، مثل الأقمشة الشفافة في تنورات طويلة مثلا. ولأن أليساندرو ميشيل عمل في مجال الإكسسوارات قبل أن يحصل على وظيفة مصمم أزياء، فإن تفوقه في هذا المجال كان واضحا في حقائب اليد.
الحديث عن أسبوع ميلانو لا يكتمل دون الحديث عن عرض برادا، فهو البوصلة التي لا تؤثر على أذواقنا وما نختاره فحسب بل تؤثر أيضا على اتجاهات الموضة المقبلة وعلى المصممين الذين سيترجمون ما قدمته في المواسم المقبلة، كل بطريقته طبعا. هذا الموسم، تبنت ميوتشا برادا ثقافة البوب، التي ظهرت في ألوان بدرجات هادئة، لونت التويد كما لونت الجيرسيه والنيوبرين. المثير فيها أنها كانت مزيجا بين التصاميم الناضجة وبين التصاميم الشابة التي تخاطب صبية تريد أن تحاكي أسلوب الكبار حتى تؤخذ محمل الجد، على الأقل من ناحية المظهر والأناقة، وهو ما عززته تسريحات الشعر والماكياج، والبروشات التي تم شبكها بسخاء على الياقات أو على الصدر.
الجميل في عروض برادا أنها دائما تفاجئ الحضور بتقديم غير المتوقع. ولأنها تشكيلة موجهة للخريف والشتاء، فإن المتوقع كان أن تغلب عليها الألوان داكنة أو على الأقل الدرجات الترابية، لكن المفاجأة كانت أنها جاءت بألوان الحلوى وسكر بنات في أغلبها. والحقيقة أنها كانت أيضا شهية بتصاميمها المفصلة بهندسية فنية تتقنها ميوتشا برادا جيدا، سواء تعلق الأمر بفساتين ناعمة بقصة الإمباير من النيوبرين، أو أخرى مزينة بالفرو على مستوى الجيوب أو الأكمام، أو تعلق بتايورات من التويد، مفصلة، ببنطلونات قصيرة، تمنح الفرصة لظهور أحذية في غاية الراحة. حتى هذه التايورات، بكل إيحاءاتها الرجالية، كانت مفعمة بالأنوثة، فضلا عن فساتين كوكتيل لعبت فيها القفازات الجلدية الطويلة دور الأكمام لتذكرنا بأمل كلوني وظهورها في حفل توزيع جوائز الأوسكار الأخير بفستان أسود وقفازات بالأبيض، أثارت الكثير من الجدل عن إتيكيت القفازات وكيف يمكن ارتداؤها. ما ظهرت به عارضات ميوتشا لن يفتح أي باب للجدل، بل العكس، ستجمع كل أنيقات العالم أنها إضافة مطلوبة لمظهر أنثوي حيوي. فهي من الجلد عوض الساتان، وهذا وحده كاف ليدخلها الألفية من أوسع الأبواب، عدا عن ألوانها التي أضفت الكثير من الجمال على الفساتين التي تم تنسيقها معها. فساتين استحضرت موضة الستينات، في لحظة من اللحظات، بسبب طولها الذي يعلو الركبة، وخصورها العالية وأيضا استعمالها للجيرسيه، إلا أن هذه الصورة سرعان ما تتبخر بالنظر إلى مدى مناسبتها للحاضر والمستقبل. فميوتشا قد تحترم الماضي ولا تلغيه تماما، لكنها تركيزها يكون دائما نحو المستقبل، لكي تستبقه، من جهة، وتحدد معالمه من جهة ثانية. ومع ذلك لا بد من الإشارة إلى أن قوة هذه التشكيلة لم تقتصر على الأزياء فحسب، بل امتدت إلى الإكسسوارات، من الحقائب ذات المظهر المزدوج بسحابتها المبتكرة، إلى الأحذية التي تأخذ بدورها عناصر من الماضي لكن تحملنا إلى المستقبل بخطى واثقة ومريحة، وإن كانت هناك أحذية مصنوعة من المطاط لن تروق لكل الأذواق، ويمكن القول إنها تميل إلى القبح. الطريف أننا سنجد دائما من يجادل بأنه قبح تخفي وراءه ميوتشا برادا الكثير من التميز الذي لن نفهمه إلا بعد سنوات.
تخرج من العرض وآلاف الصور والأفكار تتسارع في ذهنك، ما بين صورة البوب الناعمة، والازدواجية بين الأنثوي والذكوري، لكن بعد مرور لحظات، تستجمع فيها أفكارك وتلتقط أنفاسك، تكتشف أن كل هذه الأفكار والصور قد اختزلت في صورة واحدة لامرأة شابة تعانق العملي والفانتازي، قد تكون واحدة منا كما قد تكون أميرة من عصرنا.
هذا التوجه إلى شريحة الشابات شمل أيضا دار «موسكينو»، التي منذ أن تسلم المصمم جيريمي سكوت زمامها، وهو يتحفنا بالمثير والصادم، الذي يبيع بالملايين، كما تؤكد تشكيلاته السابقة التي لمست وترا حساسا لدى عشاق الموضة والبوب أرت على حد سواء. لأنه اكتشف أن هذه الوصفة تبيع، فإنه كررها في تشكيلته الأخيرة بإرساله مجموعة من العارضات بكنزات مطبوعة برسمات تجسد أبطال الكارتون في أفلام وولت ديزني. عاد أيضا إلى التسعينات ليغرف منها ثقافة الهيب هوب، التي تجد هوى في نفوس زبوناته الشابات، من دون أن يستكين لفكرة واحدة. فلضمان تسويق هذه التشكيلة كان لا بد من التنوع، وهو ما كان حاضرا بقوة، سواء في كنزات من الصوف أو في الطبعات الكرتونية، أو في قطع عملية مصنوعة من الدينم أضفت عليها إكسسوارات على شكل قلادات طويلة تتدلى إلى الخصر، أناقة شبه متمردة، لكن بأسلوب إيطالي. للمساء والسهرة، قدم فساتين طويلة طبعتها هي الأخرى رسمات «الغرافيتي» ستروق لشابة شقية واستعراضية في الوقت ذاته.
إذا كان معظم المصممين خاطبوا الصبايا والشابات فإن الثنائي «دولتشي أند غابانا» أخذا مفهوم الصغر في السن إلى أقصى حد وترجماه بأسلوب حرفي. فقد قدمها تصاميم للأطفال وحديثي الولادة في عرض مثير أطلقا عليه «فيفا لا ماما» Viva La Mamma، قال المصممان إن الفكرة من ورائه تقديم تحية للأمهات أينما كن. وشرح ستيفانو غابانا قائلا إن الأم هي «الشخص الوحيد الذي يمكن الاتصال به في أي وقت ودائما مستعد للاستماع ومد يد العون والحب غير المشروط» لهذا كان لا بد من تقديم هذه التحية لكل الأمهات بغض النظر عن جنسياتهن.
اللافت في العرض أن ملابس الأطفال لم تقل أناقة ولا ابتكارا عن تلك التي قدماها للأمهات. حتى التي ظهرت عليها خربشات ابنة أخ دومينكو دولتشي، كانت أقرب إلى قطع للمناسبات المهمة منها إلى قطع للعب مع بنات الجيران. ما يترسخ في الذهن خلال العرض هي تلك الصورة التي تبجل مفهوم العائلة عموما، وتحتفل بامرأة شابة للأبد خصوصا. امرأة لا تؤثر الأمومة على شكلها أو أناقتها بل العكس، فأطفالها إكسسوارات، أو بالأحرى أوسمة، يزدنها تألقا ولفتا للأنظار، إلى حد القول إن مشاركتهم في العرض غطى على الورود الحمراء التي زينت بعض التصاميم، كما غطى على جمال الدانتيل، ماركتهما المسجلة.
في عرض «تودز» أكدت المصمم الشابة أليساندرا فاتشينيتي بأنها مسكت بزمام الدار بكلتا يديها، ولسان حالها يقول إنها وجدت أخيرا الدار التي تشعر فيها بالانتماء، الذي راوغها في السابق. فمنذ أن التحقت بها وهي ترتقي بأزيائها من جمال إلى آخر، متبعة أسلوب «السهل الممتنع»، من خلال اللعب على الأنوثة الهادئة مستغلة قوة الجلود، التي تتوفر عليها الدار. فنحن لا يمكن أن ننسى أنها بنت سمعتها العالمية أساسا على الإكسسوارات الجلدية. أليساندار طوعت هذه الخامة وترجمتها تارة في قطع منفصلة مطرزة، وتارة في فساتين ناعمة بخطوط واضحة ومفصلة على الجسم. حتى القمصان البيضاء، التي يمكن القول إنها من القطع العملية والبسيطة جدا، اكتسبت رقيا على يدها، نستمده من إحساس غامض بالانتعاش والخفة، ينبعث من ثناياها وأكمامها التي تميل إلى الانتفاخ أحيانا. قد يعود الفضل إلى تمتعها بروح «سبور» خول لها الانضمام إلى لائحة المصممين الذين تبنوا الأسلوب الشبابي.
من جهتها لا تؤمن، دار سلفاتوري فيرغامو، بقيادة مصممها الفن ماسيمليانو جيورنيتي، بالصراعات أو حتى الاتجاهات الجريئة، وتفضل في المقابل أن تقدم اقتراحات كلاسيكية من خلال قطع تبقى مع المرأة لسنوات، تحرص أن تكون من خامات مترفة وألوان حيادية. قد لا تروق الفكرة لفتيات صغيرات يردن لفت الأنظار، لكنهن يفهمهن، إما عاجلا أو آجلا، إن سياسة الدار لا تعني مخاصمتهن بل فقط عدم تغذية الموضة الاستهلاكية التي تستهدف الربح الآني. وهذا ما أكسبها لائحة طويلة من الزبونات المخلصات، والكثير من الجاذبية رغم سنواتها التي تقارب الـ90.
لخريف والشتاء المقبلين، اقترح ماسيمليانو الكثير من الخطوط الهندسية والألوان المتنوعة، بحيث غطت حتى سجاد مكان العرض، لكن دائما في تصاميم أنيقة سواء تعلق الأمر بفساتين النهار أو فساتين السهرة والمساء، ودائما بتفصيل يقارب نحت الجسد من حيث تحديد الخصر خصوصا لإبراز ضموره.
الأسبوع الإيطالي يتودد للمرأة العصرية بكل الأساليب لخريف 2015 وشتاء 2016
ميلانو تكتسب حيوية غير مسبوقة تستمدها من روح الشباب
من عرض «دولتشي أند غابانا»
الأسبوع الإيطالي يتودد للمرأة العصرية بكل الأساليب لخريف 2015 وشتاء 2016
من عرض «دولتشي أند غابانا»
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة



















