بعد غيابه عن الأنظار.. فاروق الشرع يعود للواجهة عبر «الرواية المفقودة»

السيرة الذاتية ترصد أيام طفولة نائب الرئيس السوري والعمل السياسي وخلافات دموية سادت حزب البعث

غلاف «الرواية المفقودة» لفاروق الشرع.. السيرة التي تنتهي بوفاة  حافظ الأسد («الشرق الأوسط»)
غلاف «الرواية المفقودة» لفاروق الشرع.. السيرة التي تنتهي بوفاة حافظ الأسد («الشرق الأوسط»)
TT

بعد غيابه عن الأنظار.. فاروق الشرع يعود للواجهة عبر «الرواية المفقودة»

غلاف «الرواية المفقودة» لفاروق الشرع.. السيرة التي تنتهي بوفاة  حافظ الأسد («الشرق الأوسط»)
غلاف «الرواية المفقودة» لفاروق الشرع.. السيرة التي تنتهي بوفاة حافظ الأسد («الشرق الأوسط»)

أثار كتاب «الرواية المفقودة»، الذي كتبه نائب الرئيس السوري فاروق الشرع، وصدر مؤخرا، صدى واسعا، نظرا لما أحاط بالشرع من شائعات، منذ بدء الثورة السورية، تحدثت عن انشقاقه أو مغادرته سوريا أو حتى توتر علاقته بالنظام، وإلزامه بالإقامة الجبرية.
يخرج الكتاب وكأنما ليثبت أن الشرع لا يزال حرا، إن لم يكن في اتخاذ قرارات سياسية، ففي البوح ونشر كواليس مرحلة لا بد أنها كانت دقيقة أيام الرئيس حافظ الأسد، لكنها بالتأكيد ليست ما ينتظره القارئ الشغوف بما دار في السنوات الأربع الأخيرة، إذ تقف المذكرات التي يبدو أن الشرع كان يدونها أولا بأول عند وفاة حافظ الأسد عام 2000 وتشييعه من «قصر الشعب».
المذكرات والشهادات التي حواها الكتاب ربما لا تكمن أهميتها فقط في بعض الأسرار التي يكشف عنها للمرة الأولى، وإنما أيضا في إبراز شخصية الرجل، ونهجه في التفكير، وخلفياته الفكرية، كما أسلوبه السلس في السرد، ومهارته في فن الكتابة الذاتية. وهو ما يتأتى، على ما يبدو، من حب قديم للأدب وقراءة للروايات، كما يذكر في كتابه.
وجه آخر، إذن، لفاروق الشرع السياسي، يكشفه الكتاب وهو طفل ومن ثم موظف في البنك العربي، وبعدها في شركة الكرنك، ومؤسسة الطيران حيث تعرف هناك على حافظ الأسد عام 1961 الذي كان طيارا مسرّحا ويعمل في مديرية النقل البحري.
ومن مفاجآت الكتاب أن يصدر عن «المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات» الذي أنشأته قطر، رغم العلاقة السيئة بين قطر وسوريا في الوقت الراهن. ولمن يتساءل عن توقيت الإصدار فإن الجهة الناشرة توضح في مقدمة الكتاب: «كان هذا الكتاب كاملا بين أيدينا في أبريل (أبريل) 2011، لكننا قررنا التريث بسبب الأوضاع في سوريا، غير أن المدة طالت، ومؤخرا شعرنا بأنه لا يمكن التأجيل أكثر من ذلك، فنحن لا ندري ما تخبئ لنا الأيام، لذلك قررنا نشره بعد استئذان الكاتب».
يلتزم الكاتب بـ«الدقة والموضوعية» حسبما يقول، لكنه لا يعتبر ما يسرده «تسجيلا توثيقيا للأحداث بالمعنى الحرفي للكلمة»، بقدر ما هو وجهة نظر، وقراءة من زاوية رجل شارك وكان فاعلا في الحدث.
من النكبتين عامي 1948 و1967 وما قبلهما، يبدأ الكتاب. ولادة في ريف حماه عام 1938، وانتقال بين عدة بلدات، قبل عودة الأهل إلى مسقط رأسيهما في درعا وهو في التاسعة، ومشاركة في المظاهرات صغيرا، حين كان لا يزال في العاشرة بعد احتلال فلسطين. هذا الجانب الإنساني الذاتي الذي يتمفصل مع التاريخ ومعايشة المسار الحزين للمنطقة يُقرأ بمتعة، إذ سرعان ما نرى تطورات الأحداث السياسية في سوريا امتدادا لكل ما سبق. فمعظم شباب سوريا انخرط في السياسة «وتكونت دورة حياة سياسية وطنية في سوريا والمشرق العربي، لا سيما في أوساط الطلاب وبعض المعلمين والمدرسين». وتأتي الانقلابات العسكرية المتوالية بعد ذلك كنتيجة طبيعية للغليان والنقاشات السياسية المحتدمة حينها.
باكرا انخرط فاروق الشرع في حزب البعث الذي كان قريبه موفق الشرع من واضعي مداميكه الأولى في محافظة درعا. يعرج الكتاب على الأحداث الجسام التي مرت بها سوريا، وعلى الخلافات الدموية العميقة التي سادت حزب البعث في سنواته الأولى، وفترة تعيينه سفيرا في إيطاليا وتجربته هناك بدءا من عام 1976 وحتى عام 1980، ومن ثم تجربته بعدها كوزير للشؤون الخارجية، ومن بعدها كوزير للخارجية، وهي الفترة الأهم التي يسردها في كتابه. ويتحدث عن لقاء أحيط بتكتم شديد عقده الملك حسين في الأردن بين حافظ الأسد وصدام حسين دام 11 سنة، كان خلاله الملك يوصل الطعام للمجتمعين، كي لا ينكشف أمرهما. ولقاءات ومفاوضات أخرى استكملها الشرع وطارق عزيز لم تثمر عن نتيجة.
يتحدث الكتاب أيضا عن محاولة لـ«الإخوان» لاغتيال حافظ الأسد باءت بالفشل، وعن العلاقة بين رفعت الأسد وأخيه والتي غالبا ما كان يعتبر الرئيس أن أخاه مغرر به. لكن ما يبحث عنه القارئ هو ذلك الحيز الذي يستغرق نحو نصف الكتاب، عن المفاوضات السورية - الإسرائيلية التي بدأت عربية جامعة في مدريد، وصولا إلى فشل المسار السوري، في جنيف، بين بيل كلينتون وحافظ الأسد.
لعلنا لا نعثر في الكتاب على أسرار كبيرة، بقدر ما هي التفاصيل السورية التي تروى للمرة الأولى بقلم أحد المشاركين الرئيسيين في تلك المفاوضات، فقد كلف الشرع بتشكيل الوفد السوري، وقيادة المفاوضات، وتم السعي السوري أولا لنقل المفاوضات من هولندا إلى مدريد، لتأمين أجواء مواتية للعرب كون هولندا أكثر قربا من إسرائيل. ويروي الكتاب أيضا المحاولات الشاقة التي قام بها الشرع لإبقاء التنسيق العربي - العربي مستمرا في مدريد طوال فترة المفاوضات مع محاولات مستميتة من قبل الإسرائيليين، لإبعاد الوفود العربية عن بعضها البعض، هذا غير كلامه عن نوع من الخدع كانت تمارس على هذه الوفود، حتى إن الشرع قام بجهد كبير جدا كي يبقي المفاوضات مع الوفود العربية في مكان واحد وهو ما كانت ترفضه إسرائيل.
ما لم تنجح به إسرائيل في مدريد حققته في أوسلو. يروي الشرع «كان هدف الإسرائيليين كسر التنسيق القائم بين دول الطوق، ومن ثم إلغاء شمولية الحل، وقد نجحوا في فصل المسار الفلسطيني». ويقول أيضا «شعرنا بأن لعبة ما حدثت في الجولة الأخيرة من المفاوضات، تتمثل في أن رابين استخدم كريستوفر لإيهامنا بأنه تقدم على المسار السوري، لإرباك الفلسطينيين، والإيحاء لهم بأن يقبلوا بسرعة ما هو معروض عليهم».
يدافع الشرع عن موقف القيادة السورية حينها من القضية الفلسطينية، متحدثا عن علاقة صعبة مع ياسر عرفات «وحرصت دائما على أن تبقى الجسور مفتوحة بيننا، في أحلك اللحظات، وتحملت معاتبة القيادة لي على رفض القطيعة معه». ويدافع الشرع في كتابه عن الموقف السوري من القضية الفلسطينية قائلا «إذا ما كان لقائد فلسطيني أن يرمينا بالشبهات حول محاولة سيطرتنا على القرار الوطني الفلسطيني المستقل واحتكاره، فإنه لا يستطيع أن يرمينا بنقص ربط مصيرنا بمصير فلسطين. هذا تنطق به مجريات مفاوضاتنا ووثائقها المدونة لدينا ولدى الآخرين، وإلا هل كان حكام إسرائيل أغبياء إلى الحد الذي لا يعيدون فيه الجولان إلى سوريا مقابل التخلي السوري عن حقوق الفلسطينيين؟».
بعد اتفاق «وادي عربة» الذي يعتبره الشرع «سقوطا للجبهة الأردنية»، يتحدث عن «وديعة رابين»، ومن ثم المفاوضات الطويلة والشاقة التي كانت تصطدم باستمرار بترسيم حدود 4 يونيو (حزيران) 1967 وبالطلب السوري للاستفادة من مياه بحيرة طبريا التي لا تريد إسرائيل التخلي عنها. يروي الشرع تفاصيل طويلة ومسهبة حول المفاوضات التي دارت، بين الإسرائيليين والسوريين برعاية أميركية منذ عام 1991 وحتى فشل قمة جنيف عام 2000.
ولا يبدو أن علاقة سوريا بلبنان في فترة تولي الشرع الخارجية كانت مما يحب التدخل فيه. يظهر تكرارا ارتياحه لإسناد غالبية مهام هذا الملف لعبد الحليم خدام، متبرما من ألاعيب السياسيين اللبنانيين الذين يرى أن غالبيتهم على استعداد لتغيير وجهاتهم حيث تدعو مصلحتهم الذاتية والآنية.
ويقول عن الاتفاق الثلاثي الذي أفضت إليه اتصالات أجراها عبد الحليم خدام بين «القوات اللبنانية» و«حركة أمل» و«الحزب التقدمي الاشتراكي»، في ديسمبر (كانون الأول) عام 1985 «كانت اللعبة أعقد من تقديراتي، لم أستطع تفسير السرّ الحقيقي لعناد الجميل في تسلم الاتفاق على الرغم من تلهفه للقاء الرئيس الأسد، إلا بعد أسبوعين، وزادتني هذه المعرفة نفورا من الغوص في الشأن اللبناني الذي لا تنفع فيه الذمم واحترام العهود، فكل شيء قابل للانقلاب عليه والنكوص عنه. هذا ليس عمل وزير خارجية بل عمل رجال أمن يجيدون عمل الميليشيات. كان الجميل قد أخذ يومئذ بالعمل مع سمير جعجع لإسقاط الاتفاق الثلاثي».
ورغم بعض التفاصيل التي تهم المختصين أو محبي الاطلاع على كواليس ما يحدث في عالم السياسة، لعل الكتاب ذو أهمية، كما أنه مكتوب بلغة عذبة، فإنه قليلا ما يتحدث عن خبايا النظام السوري نفسه في تلك المرحلة.
ثمة كلام عن فساد وأخطاء تسود، وعن انزعاج للرئيس حافظ الأسد من أوضاع كان يصعب عليه إصلاحها، رغم رغبته في ذلك. لكن فاروق الشرع يبقى أمينا لصديقه الذي حكم برفقته، وينهي كتابه برحيله وتوريث ابنه بشار. يكتب عن أسلوب الرئيس حافظ الأسد في الاجتماع بالزوار وطقوسه بشيء من الإعجاب، كما يقدمه كصديق صدوق يوم جاء يزوره في المستشفى أثناء مرضه، رغم أنه قليلا ما يفعل ذلك.
لا يحاول فاروق الشرع في هذا الكتاب أن يتنصل، لا من حزب البعث ولا من النظام السوري، أقله في الفترة التي يكتب عنها. فهو صانع جزء من تلك المرحلة، كانت له مهامه التي يدافع عن موقفه منها، وموقف القيادة السورية يومها. وبالتالي فهو يكتب أشبه بمذكرات لرجل عاش قناعاته قدر استطاعته، في ظل نظام، يعتبره عروبيا مدافعا عن فلسطين.



«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحفظات أبدتها «حماس» على مسار نزع سلاحها في اجتماعات القاهرة، تزامنت مع تشدد إسرائيل في عدم تقديم تنازلات بشأن انسحابها قبل تنفيذ الحركة ذلك المسار أولاً، في ظل تعثر اتفاق وقف إطلاق النار منذ اندلاع حرب إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي.

تلك التحفظات التي أكدتها مصادر لـ«الشرق الأوسط»، يراها خبراء تشي بأن الحركة وإسرائيل باتتا على قناعة بشراء الوقت وعدم تنفيذ بنود الاتفاق والابتعاد عن التزام نزع السلاح أو بدء الانسحاب، خاصة في ظل عام انتخابي إسرائيلي سيسعى فيه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لكسب أصوات انتخابية.

ويشير الخبراء في أحاديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الفرص محدودة أمام الوسطاء لإحياء الاتفاق وعدم الذهاب لحالة جمود جديدة أو تعثر، وسط سيناريوهات ثلاثة؛ هي بقاء الأوضاع على ما هي عليه، أو التصعيد العسكري الإسرائيلي، أو الدفع بقوات الاستقرار الدولية والقوات الشرطية ودخول لجنة إدارة غزة لبدء عملها، وفرض تغييرات على الأرض لدفع طرفي الحرب للالتزام ببنود الاتفاق.

مفاوضات متعثرة

وتعثرت المفاوضات التي شهدتها القاهرة، بحسب تصريحات سابقة لمصادر تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، حيث تتشبث «حماس» والفصائل بتنفيذ التزامات إسرائيل في المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار، المتعلقة بالأعمال الإغاثية وإدخال الشاحنات إلى القطاع قبل مطالبتها بأي التزامات، بينما تضغط إسرائيل والولايات المتحدة باتجاه المضي الفوري إلى أبرز بنود المرحلة الثانية، وهو «نزع السلاح».

ولم يسفر لقاء القاهرة، بين رئيس فريق «حماس» المفاوض، خليل الحية، والدبلوماسي الأميركي آرييه لايتستون، الذي يعمل حالياً ضمن كبار مستشاري «مجلس السلام»، عن جديد يذكر، بحسب المصادر ذاتها.

وبحسب صحيفة «جيروزاليم بوست»، الخميس، رفضت «حماس» خطة نزع السلاح التي طرحها «مجلس السلام» بقيادة الولايات المتحدة، مطالبةً بإدخال تعديلات عليها، خلال اجتماعات القاهرة.

وقال نتنياهو خلال اجتماع للكابينت، إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يفهم أن ائتلافاً أجنبياً لن ينجح في نزع سلاح حركة «حماس»، مضيفاً أننا «سنضطر نحن إلى فعل ذلك»، وفق ما أوردته القناتان «14» و«آي نيوز 24» الإسرائيليتان، الاثنين الماضي.

وإزاء تلك التعقيدات، يرى المحلل السياسي الفلسطيني الدكتور عبد المهدي مطاوع، أن التحفظات التي شهدتها اجتماعات القاهرة، لا سيما من «حماس»، هي نتيجة فقدان الثقة بين طرفي الحرب، وعدم سهولة تنفيذ الحركة بند نزع السلاح، فضلاً عن انشغال أميركي بملف إيران وعدم تركيزها في ملف الوساطة، ومن ثمّ لا ضغوط حقيقية على إسرائيل حتى الآن.

ويعتقد مطاوع، أن أولويات الوضع الداخلي لنتنياهو لا تسمح له بتقديم أي تنازلات فيما يتعلق بقطاع غزة مع قرب حدوث انتخابات، وبالتالي هذا الوضع المتعثر لاتفاق غزة مريح له في ظل توتر جبهتي إيران وغزة وعدم الاضطرار لدفع أثمان سياسية كالانسحاب وغيره، بخلاف أنه سيكون مريحاً أيضاً «لحماس»، لعدم رغبتها في تقديم قرارات حاسمة بشأن نزع السلاح.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى أستاذ العلوم السياسية المتخصص في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أنه على الرغم من الجهد الكبير الذي يبذله المفاوض المصري، عبر اللقاءات التي استضافتها القاهرة، فلا تزال هناك تحفظات، والمشكلة الأساسية تكمن في التحركات الإسرائيلية المناوئة التي أدت إلى مزيد من التوتر، حيث يعمل الإسرائيليون حالياً على تنفيذ مخطط لنقاط ارتكاز رئيسية في عمق غزة، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى إفشال المفاوضات، خاصة أن هذا التوجه يعني إعادة تموضع وليس انسحاباً.

وأشار فهمي إلى أن «حماس»، تنتظر ما سيسفر عنه ملف (إيران - إسرائيل - أميركا) من نتائج، وإسرائيل تؤجل ملف غزة لوقت لاحق، وهي لا تريد الاصطدام بالجميع، ودليل ذلك فتح المعابر ودخول الشاحنات، لكنها في الوقت ذاته تراهن على بقاء حركة «حماس» في الجانب الآخر لتكريس استراتيجية الأمر الواقع.

مساعٍ مستمرة للوسطاء

وتحدثت مصادر عدة في «حماس» والفصائل الفلسطينية في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، عن محاولات يقوم بها الوسطاء للبدء الفوري في تنفيذ ما تبقى من خطوات المرحلة الأولى، بالتوازي مع إجراء مباحثات حول المرحلة الثانية، على ألا يُنفذ أي جزء من هذه المرحلة قبل استكمال إسرائيل التزاماتها الإنسانية وغيرها ضمن المرحلة الأولى.

وأضاف أحد المصادر: «يسعى الوسطاء إلى جسر الهوة من خلال طرح يقضي بأن يكون العمل في المرحلة الثانية، و(تحديداً مسألة نزع السلاح)، تدريجياً ومشروطاً بالتنفيذ الكامل للمرحلة الأولى».

ويتوقع فهمي أن يبقى المشهد كما هو بحيث لا تقوم إسرائيل بعمل عسكري كامل أو احتلال القطاع، بينما تواصل «حماس» المناورة في المساحة التي توجد فيها لإعادة تدوير دورها، سواء في الملفات التي لم تحل مثل الجهاز الإداري، والسلاح، والشرطة.

وبالتالي سيكون المشهد حسب فهمي أمام مرحلة انتقالية قد تطول، حيث سيطرح كل طرف ترتيباته دون حسم، لتبقى إدارة الأوضاع في غزة هي المطروحة حالياً لأي مساعٍ لتغيير الجمود الحالي.

وفي هذا الصدد، يرى مطاوع أن الفرص محدودة أمام الوسطاء، لإحياء الاتفاق في ضوء موقف الطرفين، ولذا يتوقع أولاً أن يبقى الوضع على ما هو عليه مع إبقاء كل طرف على تحفظاته وشراء الوقت دون تصعيد كبير، في مقابل احتمال عودة الحرب بهدف رفع نتنياهو أسهمه في عام الانتخابات، حال لم يحصد مكاسب داخلية من جبهتي إيران ولبنان.

ويرى أن السيناريو الثالث يتمثل في نشر القوات الدولية والشرطة الفلسطينية، وعمل لجنة قطاع غزة لإيجاد مسار مختلف وواقعي يلزم «حماس» وإسرائيل بإجراءات عملية.


«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
TT

«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)

اعتبر الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، قيام إسرائيل بتعيين سفير فيما يسمى «أرض الصومال»، وهو إقليم الشمال الغربي لجمهورية الصومال الفيدرالية، «خطوة باطلة»، وأعرب عن إدانته البالغة للقرار الذي جاء بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي كدولة مستقلة.

وأشار أبو الغيط، في بيان صادر عن «الجامعة العربية»، الجمعة، إلى أن الإجراء الإسرائيلي «خطوة باطلة وغير قانونية وتمثّل تصعيداً خطيراً وانتهاكاً صارخاً لسيادة جمهورية الصومال ووحدة أراضيها، ومخالفة صريحة لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي، وإجراء لا يترتب عليه أي أثر قانوني».

وأكد المتحدث باسم الأمين العام للجامعة، جمال رشدي، على «الموقف العربي الحازم الذي عبر عنه مجلس جامعة الدول العربية، في اجتماعه غير العادي بتاريخ 28 من شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، والذي رفض بشكل قاطع أي شكل من أشكال الاعتراف أو التعامل مع الإقليم خارج إطار السيادة الصومالية».

ولفت إلى أن «التحركات الإسرائيلية تمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي وللسلم والأمن في البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي، ومحاولة خطيرة لإعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية في المنطقة بما يهدد حرية الملاحة والتجارة الدولية».

ويأتي الإعلان عن تعيين سفير إسرائيلي في إقليم «أرض الصومال» وسط تسريبات ببدء تدشين قاعدة إسرائيلية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الحالي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وكانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.


الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)

في تحرك يعكس توجهاً لتعزيز مسار التعافي الشامل، كثّفت الحكومة اليمنية خلال مشاركتها في اجتماعات الربيع 2026 لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في واشنطن، جهودها لتوسيع الشراكات الدولية، مع التركيز على ثلاثة مسارات رئيسية، هي: تمكين السلطات المحلية، دعم الإصلاحات الاقتصادية، معالجة أزمة المياه المتفاقمة، خصوصاً في مدينة عدن.

وتُظهر هذه التحركات، التي قادها عدد من الوزراء والمسؤولين الاقتصاديين، محاولة لإعادة بناء الثقة مع المؤسسات المالية الدولية، واستقطاب الدعم الفني والمالي اللازمين لمواجهة التحديات المتراكمة التي خلفتها سنوات الحرب، إلى جانب تداعيات التوترات الإقليمية على الاقتصاد اليمني الهش.

وتصدر ملف تمكين السلطات المحلية جدول أعمال اللقاءات مع البنك الدولي، حيث ناقشت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع فريق البنك سبل دعم الحكومة في تطوير العلاقة بين المركز والمحافظات، بما يعزز تقديم الخدمات والتنمية الاقتصادية على المستوى المحلي.

وأكد وزير الإدارة المحلية، بدر سلمة، أن هذا الملف يحظى بأولوية لدى مجلس القيادة الرئاسي، مشيراً إلى اعتماد نهج تدريجي يقوم على تأهيل السلطات المحلية أولاً، ثم تطبيق نماذج اللامركزية في عدد محدود من المحافظات قبل التوسع.

ويهدف هذا التوجه، حسب المسؤولين، إلى تقليل المخاطر المرتبطة بالتحول السريع، والاستفادة من التجارب التطبيقية، بما يضمن بناء نموذج مستدام للحكم المحلي، قادر على الاستجابة لاحتياجات المواطنين.

من جانبها، شددت أفراح الزوبة على أن تمكين السلطات المحلية يمثل ركيزة أساسية في بناء «عقد اجتماعي جديد» بين الدولة والمواطن، معتبرة أن هذا المسار يسهم في تعزيز الاستقرار المؤسسي وتهيئة بيئة مواتية للتنمية.

وأبدى البنك الدولي استعداده للعب دور الشريك التقني، عبر تقديم الدعم الفني والاستفادة من التجارب الدولية المقارنة، فيما اتفق الجانبان على تشكيل فريق فني مشترك لمتابعة هذا الملف، والتحضير لمؤتمر دولي مرتقب في يونيو (حزيران) المقبل.

أزمة المياه في عدن

في موازاة ذلك، برز ملف المياه بوصفه من أكثر القضايا إلحاحاً، خصوصاً في مدينة عدن التي تواجه أزمة حادة نتيجة تراجع الموارد المائية وتداخل مياه البحر مع الخزانات الجوفية.

وخلال لقاء جمع وزير المياه والبيئة، توفيق الشرجبي، مع مسؤولي البنك الدولي، جرى استعراض واقع الأزمة، حيث تعتمد المدينة بشكل رئيسي على خزان دلتا تُبن الذي يشهد انخفاضاً مستمراً في منسوب المياه.

وتسعى الحكومة إلى إطلاق مشروع استراتيجي لتحلية مياه البحر، بوصفه حلاً طويل الأمد لأزمة المياه، ضمن برنامج متعدد المراحل يمتد لعشر سنوات، ويُعد الأول من نوعه في اليمن.

اجتماعات يمنية في واشنطن لاستجلاب الدعم الدولي (سبأ)

ويتضمن البرنامج ثلاث مراحل رئيسية، تبدأ بإدارة الموارد المائية وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، إلى جانب تجريب محطات تحلية صغيرة تعمل بالطاقة الشمسية، قبل الانتقال إلى إنشاء محطة تحلية كبرى لعدن، ثم التوسع إلى مناطق أخرى.

وأكدت وزيرة التخطيط أهمية إشراك القطاع الخاص ومؤسسات التمويل الدولية منذ المراحل الأولى، بما يعزز فرص الاستثمار ويضمن استدامة المشاريع، في ظل توجه حكومي لتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

كما اتفق الجانبان على تشكيل لجنة فنية مشتركة للتحضير لمشروع محطة التحلية الكبرى، واستكمال متطلبات عرض المرحلة الأولى على مجلس إدارة البنك الدولي خلال مايو (أيار) المقبل، مع التحضير المبكر للمراحل اللاحقة.

استئناف الحوار مع صندوق النقد

على صعيد الإصلاحات الاقتصادية، شهدت اجتماعات واشنطن تقدماً في استئناف مشاورات المادة الرابعة بين اليمن وصندوق النقد الدولي، بعد انقطاع دام سنوات، في خطوة تعكس رغبة الحكومة في إعادة الانخراط في مسار الإصلاحات الاقتصادية.

وخلال لقاء جمع محافظ البنك المركزي اليمني ووزير المالية مع مسؤولين في الصندوق، جرى بحث الخيارات المتاحة لدعم المرحلة المقبلة، بما يشمل معالجة الاختلالات في السياسات المالية والنقدية.

ويُنظر إلى هذه المشاورات بوصفها مدخلاً أساسياً للاستفادة من برامج التمويل التي يقدمها الصندوق، إلى جانب تعزيز الثقة الدولية بالاقتصاد اليمني.

الإصلاحات التي تقودها الحكومة اليمنية تحظى بدعم دولي (سبأ)

وأكد المسؤولون اليمنيون التزامهم بمواصلة تنفيذ الإصلاحات اللازمة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، في وقت يواجه فيه الاقتصاد ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وأسعار السلع والطاقة.

كما تناولت اللقاءات تداعيات التصعيد الإقليمي في الشرق الأوسط، وتأثيره على الاقتصادات الهشة، بما في ذلك اليمن، حيث تسببت هذه التطورات في زيادة الأعباء على المالية العامة وميزان المدفوعات.

في سياق موازٍ، بحث وزير المالية ومحافظ البنك المركزي مع رئيس صندوق النقد العربي تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة، مع التركيز على البيانات المالية ومستوى التقدم في تنفيذ مصفوفة الإصلاحات.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة الإصلاحات في المجالات المالية والنقدية، بما يسهم في تعزيز الموارد العامة، ومكافحة الفساد، وترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة.

وأشاد المسؤولون بالدعم المقدم من السعودية وصندوق النقد العربي، معتبرين أنه يشكل ركيزة أساسية لجهود التعافي الاقتصادي.

من جانبه، جدد صندوق النقد العربي تأكيده على مواصلة دعم الحكومة اليمنية، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي ويحسن الأوضاع العامة في البلاد.