تحرّك عربي ودولي يزيد الزخم حول «سد النهضة»

تحرّك عربي ودولي يزيد الزخم حول «سد النهضة»

مصر والسودان يتوجهان إلى مجلس الأمن رفضاً لمخطط الملء الإثيوبي
السبت - 9 ذو القعدة 1442 هـ - 19 يونيو 2021 مـ رقم العدد [ 15544]

تسابق مصر والسودان عامل الزمن في نزاعهما مع إثيوبيا حول «سد النهضة» على نهر النيل، بعدما فقد الجميع - على ما يبدو - الأمل في التوصل إلى اتفاق قانوني، قبل أقل من شهر، على شروع إثيوبيا في تنفيذ عملية الملء الثاني لخزان السد.

وأمام الإجراءات الأحادية لأديس أبابا، كثفت كل من القاهرة والخرطوم تحركاتهما على المستويين الإقليمي والدولي، في محاولة لإظهار «التعنت الإثيوبي» أمام العالم، والحصول على شرعية لانتهاج أي خيارات أخرى «غير تفاوضية» باعتبار أن إثيوبيا دولة «مارقة» في النظام الدولي، حال الفشل في إرغامها على التراجع تحت الضغط الدولي. وخلال أقل من أسبوع، تقدمت مصر برسالة إلى مجلس الأمن الدولي تطالبه بنظر القضية باعتبارها تهدد الأمن والسلم الدوليين، ونجحت مع السودان في إصدار قرار «عربي جماعي»، يدعم موقفهما بمواجهة إثيوبيا، فضلاً عن اتصالات ولقاءات أميركية وأوروبية وأفريقية.

ولعل ما يميز هذه التحركات، بعكس ما جرى على مدار السنوات الماضية، التناغم والتنسيق المصري - السوداني، بجانب التحولات الفارقة في الموقف الدولي لصالح مصر والسودان؛ ما قد يعزز موقفهما في النزاع.


تبني إثيوبيا «سد النهضة» على الرافد الرئيسي لنهر النيل، منذ عام 2011، ووصلت لنحو 80 في المائة من حجم إنشاءاته. وهي تُصر على ملء خزان السد، مع بدء موسم الأمطار في يوليو (تموز) المقبل، بصرف النظر عن إبرام الاتفاق، في حين تخشى مصر والسودان على حصتيهما من مياه النيل، وتتهمان إثيوبيا بالتعنت وإفشال المفاوضات التي أُجريت على مدار نحو 10 سنوات بشكل متقطع.

مصر لا تعوّل كثيراً على استئناف المفاوضات، التي فشلت آخر جولاتها خلال أبريل (نيسان) الماضي. إذ يقول وزير الخارجية سامح شكري «إننا نتحسب لاستمرار تعثّر العملية التفاوضية وأن يقدِم الجانب الإثيوبي، بعد التعنت الذي أظهره في مفاوضات كينشاسا، على اتخاذ إجراء أحادي من دون التوصل إلى اتفاق بالملء الثاني... وستواجه كل من مصر والسودان بكل حزم في الإطار السياسي وتتخذان جميع الإجراءات الكفيلة بحماية مصلحة الدولتين». ويرى محمد العرابي، وزير الخارجية المصري الأسبق، أن بلاده نجحت عبر زخم دولي واسع أخيراً، في نقل الصورة إلى العالم أجمع، موضحاً لـ«الشرق الأوسط»، أن التحركات المصرية الأخيرة «تأتي في ظل وضع مغاير؛ فالتعنت الإثيوبي يزداد، وبات كثيرون - بخلاف أطراف النزاع – مقتنعين بأن إثيوبيا صارت تشكل خطراً على القارة الأفريقية، كما أضحت قيادتها عبئاً على شعبها، خاصة مع الحرب في إقليم التيغراي والتي بعثت برسائل سلبية عن الوضع الداخلي الإثيوبي».


- تحرك ثنائي ودعم عربي

في ظل ترسخ اقتناع كل من مصر والسودان بصعوبة إيجاد مخرج للحالة الراهنة، فإنهما بدأتا تحركات ثنائية متناغمة، عبر تنسيق مشترك وموقف موحد بدأ منذ نحو سنة، وتجسد في بيان مشترك صدر الأسبوع الماضي، دعا إلى «تدخل نشط من قبل المجتمع الدولي لدرء المخاطر المتصلة باستمرار إثيوبيا في انتهاج سياستها القائمة على السعي لفرض الأمر الواقع على دولتي المصب». وأعربت الدولتان فيه عن قلقهما من «الآثار والأضرار المحتملة لملء وتشغيل سد النهضة بشكل أحادي، ودون اتفاق ملزم قانوناً ينظم عمل هذا السد الضخم على حقوق السودان ومصر ومصالحهما المائية».

وتلت البيان المشترك رسالة وجهتها مصر إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة – هي الثانية من نوعها - تندد فيها بخطة أديس أبابا للمضي قدماً من جانب واحد في الملء الثاني لسد النهضة الإثيوبي في يوليو المقبل. وفيها عرضت القاهرة أحدث تطورات الخلاف والمفاوضات التي استمرت أكثر من عشر سنوات، وكيف أدى تعنت أديس أبابا إلى عرقلة المفاوضات بوساطتين أميركية وأفريقية. وأرفقت مصر بالرسالة بيانات الاتفاقات السابقة حول النزاع واتفاق المبادئ الذي وقّعته الدول الثلاث عام 2015، وقالت الرسالة، إن محادثات الاتحاد الأفريقية تعثرت بسبب سياسة إثيوبيا القائمة على اتخاذ قرارات أحادية والتصلب في اتخاذ مواقف متشددة غير بناءة.

أيضاً، نجحت مصر والسودان، الثلاثاء، في إصدار قرار من مجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية، دعا مجلس الأمن الدولي للانعقاد بشكل عاجل لبحث الخلاف بشأن اعتزام إثيوبيا ملء سد النهضة، مع خطوات سيجري اتخاذها تدريجياً لدعم مصر والسودان في النزاع حول السد. ودعا القرار العربي الأطراف إلى التفاوض الجاد والامتناع عن أي خطوات أحادية الجانب تضر بالدول الأخرى، ووصف القرار «الأمن المائي» لمصر والسودان بأنه «جزء لا يتجزأ من الأمن القومي العربي».

ثمة متغيرات في موقف الجامعة العربية الأخير بشأن سد النهضة، لا بد من النظر إليها، كما يشير السفير ماجد عبد الفتاح، المندوب الدائم للجامعة بالأمم المتحدة، أبرزها أنه جاء بطلب مصري - سوداني مشترك بعكس قرار صدر قبل عام كان بطلب مصري فقط، كما أن القرار لم يرد عليه تحفظ من جيبوتي والصومال مثلما حدث في المرة الماضية، وهي دول عربية - أفريقية، تعول عليها إثيوبيا في كسر أي إجماع عربي. وأوضح عبد الفتاح، أن التحركات المصرية والعربية في ملف سد النهضة لن تتوقف، وأن الجامعة العربية تنفذ ما تتفق عليه الدول الأطراف، بما فيها اجتماعات المجلس الوزاري والأطراف المعنية في القضية كما وردت في التوجيهات الخاصة بالقرار الصادر. لكن، وفق السفير محمد مرسي، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، فإن ثمة أمرين مهمين سيحددان مدى قيمة القرار العربي وتأثيره، الأول هو إطلاق الدول العربية، خاصة الخليجية، اتصالات مكثفة وممارسة ضغوط على أعضاء مجلس الأمن لتأمين انعقاد المجلس، ثم الخروج بقرار يلبي الحد الأدنى من مطالب مصر والسودان.

وهذا يتطلب بدوره إعداد مصر والسودان نقاط مشروع قرار يمكن أن يصدر عن مجلس الأمن تضعان فيه بكل وضوح ما تريدانه تحديداً. فانعقاد مجلس الأمن، ثم صدور قرار أو بيان متفق عليه، وفق الدبلوماسي المصري، يتطلب جهداً مصرياً وعربياً كبيراً، خاصة، مع تباين مواقف الدول الخمس الدائمة العضوية، وصعوبة تأمين صدور قرار عن المجلس يتضمن ضغوطاً حقيقية على إثيوبيا ويفرض عليها التزامات محددة. والأمر الآخر، هو ممارسة دول الخليج العربية لنفوذها الاقتصادي على إثيوبيا وربط استثماراتها هناك بمدى ما ستبديه من تجاوب ومرونة في ملف السد. وأن يكون التهديد العربي بهذه الورقة واضحاً وحقيقياً وجاداً.


- مساندة خليجية

المساندة العربية لم تتوقف عند المواقف الثنائية والجامعة العربية فقط، بل امتدت لتشمل مجلس التعاون الخليجي، الذي وجّه رسالة قوية، بشأن من «يمس حقوق مصر والسودان المائية». وأعلن وزراء دول المجلس خلال اجتماعهم في العاصمة السعودية الرياض، الأسبوع الماضي، «رفضهم أي إجراء يمس حقوق مصر والسودان المائية في نهر النيل من قِبل إثيوبيا». وأكد الوزراء رفضهم التدخلات الأجنبية في شؤون الدول العربية، وأي إجراءات تمس حقوق مصر والسودان المائية على نهر النيل.

ويترافق الموقف الخليجي الجماعي، مع تحركات دبلوماسية لحلحة الأزمة؛ إذ التقى أحمد قطان، وزير الشؤون الأفريقية والسفير السعودي السابق لدى مصر، رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، قبل أسبوع، ضمن جولة أفريقية شملت جنوب السودان ورواندا وبوروندي وسيشيل.

ورغم عدم الإعلان عن لعب دور الوساطة أو مناقشة القضية، قال الدكتور طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية المصري، في تصريحات إعلامية، إن زيارة قطان إلى إثيوبيا ولقاءه برئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، يكشفان عن سعي المملكة لإيجاد حل توافقي لقضية سد النهضة بين الأطراف الثلاثة. أيضاً، يعتقد السفير محمد مرسي، بوجود صلة بين هذه الزيارة والاتصالات المصرية السعودية، وكذا الاجتماع الوزاري العربي بالدوحة.


- رأي عام دولي

على صعيد متصل، قالت الدكتورة سماء سليمان، وكيل لجنة الشؤون الخارجية والعربية والأفريقية بمجلس الشيوخ المصري، لـ«الشرق الأوسط»، إن القاهرة تسعى من خلال تحركاتها الدبلوماسية على الصعيدين العربي والدولي إلى تشكيل رأي عام دولي تجاه قضيتها التي تصفها بـ«العادلة والوجودية»؛ فمنذ بداية النزاع واجهت كل من مصر والسودان تعنتاً إثيوبياً رافضاً توقيع أي اتفاق ملزم... ومع ذلك، لم تدخر مصر جهداً في سبيل إنجاح المفاوضات الثلاثية وإبداء حسن النية وقّعت إعلان المبادئ كنوع من الاعتراف بأحقية إثيوبيا في تحقيق التنمية. فضلاً عن اتجاه القاهرة للوساطة من البنك الدولي أولاً ثم الولايات المتحدة، وعندما رفضت إثيوبيا التوقيع على «اتفاق واشنطن»، فإنها لجأت إلى مجلس الأمن الذي رجّح حل القضية في إطار الاتحاد الأفريقي. ولذا؛ كانت عودة مصر والسودان للمرة الثانية لمجلس الأمن لإعلان فشل المفاوضات تحت رعاية الاتحاد الأفريقي.

هذا، ولم توقف مصر سعيها للحصول على دعم دولي، وهو الملاحظ في الاتصال المستمر والزيارات التي شملت العديد من الدول الأفريقية ومنها بوروندي وكينيا وأوغندا وجيبوتي، والأوروبية مثل فرنسا، والتنسيق مع أميركا والصين وروسيا التي أعربت عن تبنيها ودعمها وجهة النظر المصرية والسودانية.

وحسب وكيل لجنة الشؤون الخارجية، «تصبّ هذه التحركات لمصلحة توضيح وجهة نظر مصر والسودان وإظهار التعنت الإثيوبي وإفشاله للمفاوضات. وتبني وجهة النظر للبلدين؛ وهو ما انعكس في تصريحات الدول العربية والدولية حول ضرورة التوصل لاتفاق ملزم». ومن ثم، فإن هذه الدول قادرة على الضغط على إثيوبيا للموافقة على الاتفاق، ولكن من خلال موقفها في مجلس الأمن لضمان حقوق دول المصب.

وضمن الرسائل المصرية إلى أوروبا، أجرى وزير الخارجية سامح شكري، الأربعاء الماضي، مباحثات مع وزير خارجية لوكسمبورغ جان اسيلبورن، الذي تستضيف بلاده عدداً من المؤسسات المهمة للاتحاد الأوروبي، عرض فيها مواقف الجانب الإثيوبي بشأن التوصل إلى اتفاق حول ملء وتشغيل سد النهضة، مؤكداً «التعنت ومحاولة إثيوبيا التنصل من الهدف». وحمّل شكري «المجتمع الدولي مسؤولياته لما قد ينتج من استمرار هذا الوضع من توتر وتصعيد، قد يكون لهما آثار سلبية على الأمن والاستقرار في المنطقة بكل المشاكل التي تواجهها وأيضاً القارة الأفريقية». وذكر «أن هناك تفهماً أوروبياً نظراً لوجود مجالات للتعاون في الأنهار الأوروبية، وكثيراً ما عرضنا على إثيوبيا أن نقتبس من تجارب أوروبا الناجحة في مجال إدارة الموارد المائية وأيضاً التجارب الأفريقية».


- استياء إثيوبي

التحركات المصرية والسودانية الأخيرة، وما أحدثتاه من زخم دولي، أثارا استياء إثيوبيا التي انتقدت دعوة الجامعة العربية لمجلس الأمن إلى عقد جلسة طارئة بشأن سد النهضة، وأعربت عن انزعاجها من قرار الجامعة العربية. كذلك، رفضت وزارة الخارجية الإثيوبية، الثلاثاء، البيان الصادر عن الجامعة العربية، واعتبرته إهداراً لـ«فرص لعب دور بنّاء في مفاوضات استمرت سنوات». وقالت، إنها ليست المرة الأولى التي تعبّر الجامعة عن دعمها لمطالب مصر والسودان، مشيرة إلى أن «على الجامعة العربية أن تذكر حق الإثيوبيين في الاستفادة من مياه النيل والتنمية التي تحدث من سد النهضة لملايين الإثيوبيين».

وزعم البيان الإثيوبي، أن أديس أبابا تحترم القوانين الدولية بشأن المياه، وأنها لم تضر بمصالح مصر والسودان، «بل بذلت ما بوسعها لإزالة مخاوف البلدين من سد النهضة». واعتبر «محاولات تدويل قضية سد النهضة وتسييسها لن تؤدي إلى تعاون إقليمي مستدام لاستغلال وإدارة نهر النيل... وأن إثيوبيا تؤمن بأنه لا يمكن تحقيق الأمن المائي لدول حوض النيل إلا من خلال التعاون والحوار».

لكن السفير محمد العرابي يرى أن إثيوبيا - حيث مقر الاتحاد الأفريقي - تسعى إلى «تأليب دول القارة الأفريقية ضد الجامعة العربية، ودفع مصر خارج الإطار الأفريقي عبر ترديد شعارات قديمة مردود عليها، بينما تنتهك هي القوانين الدولية والحريات وحقوق الإنسان وتصدّر صورة سلبية عن أفريقيا».


السودان ايثوبيا مصر سد النهضة

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة