تحرّك عربي ودولي يزيد الزخم حول «سد النهضة»

مصر والسودان يتوجهان إلى مجلس الأمن رفضاً لمخطط الملء الإثيوبي

تحرّك عربي ودولي يزيد الزخم حول «سد النهضة»
TT

تحرّك عربي ودولي يزيد الزخم حول «سد النهضة»

تحرّك عربي ودولي يزيد الزخم حول «سد النهضة»

تسابق مصر والسودان عامل الزمن في نزاعهما مع إثيوبيا حول «سد النهضة» على نهر النيل، بعدما فقد الجميع - على ما يبدو - الأمل في التوصل إلى اتفاق قانوني، قبل أقل من شهر، على شروع إثيوبيا في تنفيذ عملية الملء الثاني لخزان السد.
وأمام الإجراءات الأحادية لأديس أبابا، كثفت كل من القاهرة والخرطوم تحركاتهما على المستويين الإقليمي والدولي، في محاولة لإظهار «التعنت الإثيوبي» أمام العالم، والحصول على شرعية لانتهاج أي خيارات أخرى «غير تفاوضية» باعتبار أن إثيوبيا دولة «مارقة» في النظام الدولي، حال الفشل في إرغامها على التراجع تحت الضغط الدولي. وخلال أقل من أسبوع، تقدمت مصر برسالة إلى مجلس الأمن الدولي تطالبه بنظر القضية باعتبارها تهدد الأمن والسلم الدوليين، ونجحت مع السودان في إصدار قرار «عربي جماعي»، يدعم موقفهما بمواجهة إثيوبيا، فضلاً عن اتصالات ولقاءات أميركية وأوروبية وأفريقية.
ولعل ما يميز هذه التحركات، بعكس ما جرى على مدار السنوات الماضية، التناغم والتنسيق المصري - السوداني، بجانب التحولات الفارقة في الموقف الدولي لصالح مصر والسودان؛ ما قد يعزز موقفهما في النزاع.

تبني إثيوبيا «سد النهضة» على الرافد الرئيسي لنهر النيل، منذ عام 2011، ووصلت لنحو 80 في المائة من حجم إنشاءاته. وهي تُصر على ملء خزان السد، مع بدء موسم الأمطار في يوليو (تموز) المقبل، بصرف النظر عن إبرام الاتفاق، في حين تخشى مصر والسودان على حصتيهما من مياه النيل، وتتهمان إثيوبيا بالتعنت وإفشال المفاوضات التي أُجريت على مدار نحو 10 سنوات بشكل متقطع.
مصر لا تعوّل كثيراً على استئناف المفاوضات، التي فشلت آخر جولاتها خلال أبريل (نيسان) الماضي. إذ يقول وزير الخارجية سامح شكري «إننا نتحسب لاستمرار تعثّر العملية التفاوضية وأن يقدِم الجانب الإثيوبي، بعد التعنت الذي أظهره في مفاوضات كينشاسا، على اتخاذ إجراء أحادي من دون التوصل إلى اتفاق بالملء الثاني... وستواجه كل من مصر والسودان بكل حزم في الإطار السياسي وتتخذان جميع الإجراءات الكفيلة بحماية مصلحة الدولتين». ويرى محمد العرابي، وزير الخارجية المصري الأسبق، أن بلاده نجحت عبر زخم دولي واسع أخيراً، في نقل الصورة إلى العالم أجمع، موضحاً لـ«الشرق الأوسط»، أن التحركات المصرية الأخيرة «تأتي في ظل وضع مغاير؛ فالتعنت الإثيوبي يزداد، وبات كثيرون - بخلاف أطراف النزاع – مقتنعين بأن إثيوبيا صارت تشكل خطراً على القارة الأفريقية، كما أضحت قيادتها عبئاً على شعبها، خاصة مع الحرب في إقليم التيغراي والتي بعثت برسائل سلبية عن الوضع الداخلي الإثيوبي».

- تحرك ثنائي ودعم عربي
في ظل ترسخ اقتناع كل من مصر والسودان بصعوبة إيجاد مخرج للحالة الراهنة، فإنهما بدأتا تحركات ثنائية متناغمة، عبر تنسيق مشترك وموقف موحد بدأ منذ نحو سنة، وتجسد في بيان مشترك صدر الأسبوع الماضي، دعا إلى «تدخل نشط من قبل المجتمع الدولي لدرء المخاطر المتصلة باستمرار إثيوبيا في انتهاج سياستها القائمة على السعي لفرض الأمر الواقع على دولتي المصب». وأعربت الدولتان فيه عن قلقهما من «الآثار والأضرار المحتملة لملء وتشغيل سد النهضة بشكل أحادي، ودون اتفاق ملزم قانوناً ينظم عمل هذا السد الضخم على حقوق السودان ومصر ومصالحهما المائية».
وتلت البيان المشترك رسالة وجهتها مصر إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة – هي الثانية من نوعها - تندد فيها بخطة أديس أبابا للمضي قدماً من جانب واحد في الملء الثاني لسد النهضة الإثيوبي في يوليو المقبل. وفيها عرضت القاهرة أحدث تطورات الخلاف والمفاوضات التي استمرت أكثر من عشر سنوات، وكيف أدى تعنت أديس أبابا إلى عرقلة المفاوضات بوساطتين أميركية وأفريقية. وأرفقت مصر بالرسالة بيانات الاتفاقات السابقة حول النزاع واتفاق المبادئ الذي وقّعته الدول الثلاث عام 2015، وقالت الرسالة، إن محادثات الاتحاد الأفريقية تعثرت بسبب سياسة إثيوبيا القائمة على اتخاذ قرارات أحادية والتصلب في اتخاذ مواقف متشددة غير بناءة.
أيضاً، نجحت مصر والسودان، الثلاثاء، في إصدار قرار من مجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية، دعا مجلس الأمن الدولي للانعقاد بشكل عاجل لبحث الخلاف بشأن اعتزام إثيوبيا ملء سد النهضة، مع خطوات سيجري اتخاذها تدريجياً لدعم مصر والسودان في النزاع حول السد. ودعا القرار العربي الأطراف إلى التفاوض الجاد والامتناع عن أي خطوات أحادية الجانب تضر بالدول الأخرى، ووصف القرار «الأمن المائي» لمصر والسودان بأنه «جزء لا يتجزأ من الأمن القومي العربي».
ثمة متغيرات في موقف الجامعة العربية الأخير بشأن سد النهضة، لا بد من النظر إليها، كما يشير السفير ماجد عبد الفتاح، المندوب الدائم للجامعة بالأمم المتحدة، أبرزها أنه جاء بطلب مصري - سوداني مشترك بعكس قرار صدر قبل عام كان بطلب مصري فقط، كما أن القرار لم يرد عليه تحفظ من جيبوتي والصومال مثلما حدث في المرة الماضية، وهي دول عربية - أفريقية، تعول عليها إثيوبيا في كسر أي إجماع عربي. وأوضح عبد الفتاح، أن التحركات المصرية والعربية في ملف سد النهضة لن تتوقف، وأن الجامعة العربية تنفذ ما تتفق عليه الدول الأطراف، بما فيها اجتماعات المجلس الوزاري والأطراف المعنية في القضية كما وردت في التوجيهات الخاصة بالقرار الصادر. لكن، وفق السفير محمد مرسي، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، فإن ثمة أمرين مهمين سيحددان مدى قيمة القرار العربي وتأثيره، الأول هو إطلاق الدول العربية، خاصة الخليجية، اتصالات مكثفة وممارسة ضغوط على أعضاء مجلس الأمن لتأمين انعقاد المجلس، ثم الخروج بقرار يلبي الحد الأدنى من مطالب مصر والسودان.
وهذا يتطلب بدوره إعداد مصر والسودان نقاط مشروع قرار يمكن أن يصدر عن مجلس الأمن تضعان فيه بكل وضوح ما تريدانه تحديداً. فانعقاد مجلس الأمن، ثم صدور قرار أو بيان متفق عليه، وفق الدبلوماسي المصري، يتطلب جهداً مصرياً وعربياً كبيراً، خاصة، مع تباين مواقف الدول الخمس الدائمة العضوية، وصعوبة تأمين صدور قرار عن المجلس يتضمن ضغوطاً حقيقية على إثيوبيا ويفرض عليها التزامات محددة. والأمر الآخر، هو ممارسة دول الخليج العربية لنفوذها الاقتصادي على إثيوبيا وربط استثماراتها هناك بمدى ما ستبديه من تجاوب ومرونة في ملف السد. وأن يكون التهديد العربي بهذه الورقة واضحاً وحقيقياً وجاداً.

- مساندة خليجية
المساندة العربية لم تتوقف عند المواقف الثنائية والجامعة العربية فقط، بل امتدت لتشمل مجلس التعاون الخليجي، الذي وجّه رسالة قوية، بشأن من «يمس حقوق مصر والسودان المائية». وأعلن وزراء دول المجلس خلال اجتماعهم في العاصمة السعودية الرياض، الأسبوع الماضي، «رفضهم أي إجراء يمس حقوق مصر والسودان المائية في نهر النيل من قِبل إثيوبيا». وأكد الوزراء رفضهم التدخلات الأجنبية في شؤون الدول العربية، وأي إجراءات تمس حقوق مصر والسودان المائية على نهر النيل.
ويترافق الموقف الخليجي الجماعي، مع تحركات دبلوماسية لحلحة الأزمة؛ إذ التقى أحمد قطان، وزير الشؤون الأفريقية والسفير السعودي السابق لدى مصر، رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، قبل أسبوع، ضمن جولة أفريقية شملت جنوب السودان ورواندا وبوروندي وسيشيل.
ورغم عدم الإعلان عن لعب دور الوساطة أو مناقشة القضية، قال الدكتور طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية المصري، في تصريحات إعلامية، إن زيارة قطان إلى إثيوبيا ولقاءه برئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، يكشفان عن سعي المملكة لإيجاد حل توافقي لقضية سد النهضة بين الأطراف الثلاثة. أيضاً، يعتقد السفير محمد مرسي، بوجود صلة بين هذه الزيارة والاتصالات المصرية السعودية، وكذا الاجتماع الوزاري العربي بالدوحة.

- رأي عام دولي
على صعيد متصل، قالت الدكتورة سماء سليمان، وكيل لجنة الشؤون الخارجية والعربية والأفريقية بمجلس الشيوخ المصري، لـ«الشرق الأوسط»، إن القاهرة تسعى من خلال تحركاتها الدبلوماسية على الصعيدين العربي والدولي إلى تشكيل رأي عام دولي تجاه قضيتها التي تصفها بـ«العادلة والوجودية»؛ فمنذ بداية النزاع واجهت كل من مصر والسودان تعنتاً إثيوبياً رافضاً توقيع أي اتفاق ملزم... ومع ذلك، لم تدخر مصر جهداً في سبيل إنجاح المفاوضات الثلاثية وإبداء حسن النية وقّعت إعلان المبادئ كنوع من الاعتراف بأحقية إثيوبيا في تحقيق التنمية. فضلاً عن اتجاه القاهرة للوساطة من البنك الدولي أولاً ثم الولايات المتحدة، وعندما رفضت إثيوبيا التوقيع على «اتفاق واشنطن»، فإنها لجأت إلى مجلس الأمن الذي رجّح حل القضية في إطار الاتحاد الأفريقي. ولذا؛ كانت عودة مصر والسودان للمرة الثانية لمجلس الأمن لإعلان فشل المفاوضات تحت رعاية الاتحاد الأفريقي.
هذا، ولم توقف مصر سعيها للحصول على دعم دولي، وهو الملاحظ في الاتصال المستمر والزيارات التي شملت العديد من الدول الأفريقية ومنها بوروندي وكينيا وأوغندا وجيبوتي، والأوروبية مثل فرنسا، والتنسيق مع أميركا والصين وروسيا التي أعربت عن تبنيها ودعمها وجهة النظر المصرية والسودانية.
وحسب وكيل لجنة الشؤون الخارجية، «تصبّ هذه التحركات لمصلحة توضيح وجهة نظر مصر والسودان وإظهار التعنت الإثيوبي وإفشاله للمفاوضات. وتبني وجهة النظر للبلدين؛ وهو ما انعكس في تصريحات الدول العربية والدولية حول ضرورة التوصل لاتفاق ملزم». ومن ثم، فإن هذه الدول قادرة على الضغط على إثيوبيا للموافقة على الاتفاق، ولكن من خلال موقفها في مجلس الأمن لضمان حقوق دول المصب.
وضمن الرسائل المصرية إلى أوروبا، أجرى وزير الخارجية سامح شكري، الأربعاء الماضي، مباحثات مع وزير خارجية لوكسمبورغ جان اسيلبورن، الذي تستضيف بلاده عدداً من المؤسسات المهمة للاتحاد الأوروبي، عرض فيها مواقف الجانب الإثيوبي بشأن التوصل إلى اتفاق حول ملء وتشغيل سد النهضة، مؤكداً «التعنت ومحاولة إثيوبيا التنصل من الهدف». وحمّل شكري «المجتمع الدولي مسؤولياته لما قد ينتج من استمرار هذا الوضع من توتر وتصعيد، قد يكون لهما آثار سلبية على الأمن والاستقرار في المنطقة بكل المشاكل التي تواجهها وأيضاً القارة الأفريقية». وذكر «أن هناك تفهماً أوروبياً نظراً لوجود مجالات للتعاون في الأنهار الأوروبية، وكثيراً ما عرضنا على إثيوبيا أن نقتبس من تجارب أوروبا الناجحة في مجال إدارة الموارد المائية وأيضاً التجارب الأفريقية».

- استياء إثيوبي
التحركات المصرية والسودانية الأخيرة، وما أحدثتاه من زخم دولي، أثارا استياء إثيوبيا التي انتقدت دعوة الجامعة العربية لمجلس الأمن إلى عقد جلسة طارئة بشأن سد النهضة، وأعربت عن انزعاجها من قرار الجامعة العربية. كذلك، رفضت وزارة الخارجية الإثيوبية، الثلاثاء، البيان الصادر عن الجامعة العربية، واعتبرته إهداراً لـ«فرص لعب دور بنّاء في مفاوضات استمرت سنوات». وقالت، إنها ليست المرة الأولى التي تعبّر الجامعة عن دعمها لمطالب مصر والسودان، مشيرة إلى أن «على الجامعة العربية أن تذكر حق الإثيوبيين في الاستفادة من مياه النيل والتنمية التي تحدث من سد النهضة لملايين الإثيوبيين».
وزعم البيان الإثيوبي، أن أديس أبابا تحترم القوانين الدولية بشأن المياه، وأنها لم تضر بمصالح مصر والسودان، «بل بذلت ما بوسعها لإزالة مخاوف البلدين من سد النهضة». واعتبر «محاولات تدويل قضية سد النهضة وتسييسها لن تؤدي إلى تعاون إقليمي مستدام لاستغلال وإدارة نهر النيل... وأن إثيوبيا تؤمن بأنه لا يمكن تحقيق الأمن المائي لدول حوض النيل إلا من خلال التعاون والحوار».
لكن السفير محمد العرابي يرى أن إثيوبيا - حيث مقر الاتحاد الأفريقي - تسعى إلى «تأليب دول القارة الأفريقية ضد الجامعة العربية، ودفع مصر خارج الإطار الأفريقي عبر ترديد شعارات قديمة مردود عليها، بينما تنتهك هي القوانين الدولية والحريات وحقوق الإنسان وتصدّر صورة سلبية عن أفريقيا».



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.