تحرّك عربي ودولي يزيد الزخم حول «سد النهضة»

مصر والسودان يتوجهان إلى مجلس الأمن رفضاً لمخطط الملء الإثيوبي

تحرّك عربي ودولي يزيد الزخم حول «سد النهضة»
TT

تحرّك عربي ودولي يزيد الزخم حول «سد النهضة»

تحرّك عربي ودولي يزيد الزخم حول «سد النهضة»

تسابق مصر والسودان عامل الزمن في نزاعهما مع إثيوبيا حول «سد النهضة» على نهر النيل، بعدما فقد الجميع - على ما يبدو - الأمل في التوصل إلى اتفاق قانوني، قبل أقل من شهر، على شروع إثيوبيا في تنفيذ عملية الملء الثاني لخزان السد.
وأمام الإجراءات الأحادية لأديس أبابا، كثفت كل من القاهرة والخرطوم تحركاتهما على المستويين الإقليمي والدولي، في محاولة لإظهار «التعنت الإثيوبي» أمام العالم، والحصول على شرعية لانتهاج أي خيارات أخرى «غير تفاوضية» باعتبار أن إثيوبيا دولة «مارقة» في النظام الدولي، حال الفشل في إرغامها على التراجع تحت الضغط الدولي. وخلال أقل من أسبوع، تقدمت مصر برسالة إلى مجلس الأمن الدولي تطالبه بنظر القضية باعتبارها تهدد الأمن والسلم الدوليين، ونجحت مع السودان في إصدار قرار «عربي جماعي»، يدعم موقفهما بمواجهة إثيوبيا، فضلاً عن اتصالات ولقاءات أميركية وأوروبية وأفريقية.
ولعل ما يميز هذه التحركات، بعكس ما جرى على مدار السنوات الماضية، التناغم والتنسيق المصري - السوداني، بجانب التحولات الفارقة في الموقف الدولي لصالح مصر والسودان؛ ما قد يعزز موقفهما في النزاع.

تبني إثيوبيا «سد النهضة» على الرافد الرئيسي لنهر النيل، منذ عام 2011، ووصلت لنحو 80 في المائة من حجم إنشاءاته. وهي تُصر على ملء خزان السد، مع بدء موسم الأمطار في يوليو (تموز) المقبل، بصرف النظر عن إبرام الاتفاق، في حين تخشى مصر والسودان على حصتيهما من مياه النيل، وتتهمان إثيوبيا بالتعنت وإفشال المفاوضات التي أُجريت على مدار نحو 10 سنوات بشكل متقطع.
مصر لا تعوّل كثيراً على استئناف المفاوضات، التي فشلت آخر جولاتها خلال أبريل (نيسان) الماضي. إذ يقول وزير الخارجية سامح شكري «إننا نتحسب لاستمرار تعثّر العملية التفاوضية وأن يقدِم الجانب الإثيوبي، بعد التعنت الذي أظهره في مفاوضات كينشاسا، على اتخاذ إجراء أحادي من دون التوصل إلى اتفاق بالملء الثاني... وستواجه كل من مصر والسودان بكل حزم في الإطار السياسي وتتخذان جميع الإجراءات الكفيلة بحماية مصلحة الدولتين». ويرى محمد العرابي، وزير الخارجية المصري الأسبق، أن بلاده نجحت عبر زخم دولي واسع أخيراً، في نقل الصورة إلى العالم أجمع، موضحاً لـ«الشرق الأوسط»، أن التحركات المصرية الأخيرة «تأتي في ظل وضع مغاير؛ فالتعنت الإثيوبي يزداد، وبات كثيرون - بخلاف أطراف النزاع – مقتنعين بأن إثيوبيا صارت تشكل خطراً على القارة الأفريقية، كما أضحت قيادتها عبئاً على شعبها، خاصة مع الحرب في إقليم التيغراي والتي بعثت برسائل سلبية عن الوضع الداخلي الإثيوبي».

- تحرك ثنائي ودعم عربي
في ظل ترسخ اقتناع كل من مصر والسودان بصعوبة إيجاد مخرج للحالة الراهنة، فإنهما بدأتا تحركات ثنائية متناغمة، عبر تنسيق مشترك وموقف موحد بدأ منذ نحو سنة، وتجسد في بيان مشترك صدر الأسبوع الماضي، دعا إلى «تدخل نشط من قبل المجتمع الدولي لدرء المخاطر المتصلة باستمرار إثيوبيا في انتهاج سياستها القائمة على السعي لفرض الأمر الواقع على دولتي المصب». وأعربت الدولتان فيه عن قلقهما من «الآثار والأضرار المحتملة لملء وتشغيل سد النهضة بشكل أحادي، ودون اتفاق ملزم قانوناً ينظم عمل هذا السد الضخم على حقوق السودان ومصر ومصالحهما المائية».
وتلت البيان المشترك رسالة وجهتها مصر إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة – هي الثانية من نوعها - تندد فيها بخطة أديس أبابا للمضي قدماً من جانب واحد في الملء الثاني لسد النهضة الإثيوبي في يوليو المقبل. وفيها عرضت القاهرة أحدث تطورات الخلاف والمفاوضات التي استمرت أكثر من عشر سنوات، وكيف أدى تعنت أديس أبابا إلى عرقلة المفاوضات بوساطتين أميركية وأفريقية. وأرفقت مصر بالرسالة بيانات الاتفاقات السابقة حول النزاع واتفاق المبادئ الذي وقّعته الدول الثلاث عام 2015، وقالت الرسالة، إن محادثات الاتحاد الأفريقية تعثرت بسبب سياسة إثيوبيا القائمة على اتخاذ قرارات أحادية والتصلب في اتخاذ مواقف متشددة غير بناءة.
أيضاً، نجحت مصر والسودان، الثلاثاء، في إصدار قرار من مجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية، دعا مجلس الأمن الدولي للانعقاد بشكل عاجل لبحث الخلاف بشأن اعتزام إثيوبيا ملء سد النهضة، مع خطوات سيجري اتخاذها تدريجياً لدعم مصر والسودان في النزاع حول السد. ودعا القرار العربي الأطراف إلى التفاوض الجاد والامتناع عن أي خطوات أحادية الجانب تضر بالدول الأخرى، ووصف القرار «الأمن المائي» لمصر والسودان بأنه «جزء لا يتجزأ من الأمن القومي العربي».
ثمة متغيرات في موقف الجامعة العربية الأخير بشأن سد النهضة، لا بد من النظر إليها، كما يشير السفير ماجد عبد الفتاح، المندوب الدائم للجامعة بالأمم المتحدة، أبرزها أنه جاء بطلب مصري - سوداني مشترك بعكس قرار صدر قبل عام كان بطلب مصري فقط، كما أن القرار لم يرد عليه تحفظ من جيبوتي والصومال مثلما حدث في المرة الماضية، وهي دول عربية - أفريقية، تعول عليها إثيوبيا في كسر أي إجماع عربي. وأوضح عبد الفتاح، أن التحركات المصرية والعربية في ملف سد النهضة لن تتوقف، وأن الجامعة العربية تنفذ ما تتفق عليه الدول الأطراف، بما فيها اجتماعات المجلس الوزاري والأطراف المعنية في القضية كما وردت في التوجيهات الخاصة بالقرار الصادر. لكن، وفق السفير محمد مرسي، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، فإن ثمة أمرين مهمين سيحددان مدى قيمة القرار العربي وتأثيره، الأول هو إطلاق الدول العربية، خاصة الخليجية، اتصالات مكثفة وممارسة ضغوط على أعضاء مجلس الأمن لتأمين انعقاد المجلس، ثم الخروج بقرار يلبي الحد الأدنى من مطالب مصر والسودان.
وهذا يتطلب بدوره إعداد مصر والسودان نقاط مشروع قرار يمكن أن يصدر عن مجلس الأمن تضعان فيه بكل وضوح ما تريدانه تحديداً. فانعقاد مجلس الأمن، ثم صدور قرار أو بيان متفق عليه، وفق الدبلوماسي المصري، يتطلب جهداً مصرياً وعربياً كبيراً، خاصة، مع تباين مواقف الدول الخمس الدائمة العضوية، وصعوبة تأمين صدور قرار عن المجلس يتضمن ضغوطاً حقيقية على إثيوبيا ويفرض عليها التزامات محددة. والأمر الآخر، هو ممارسة دول الخليج العربية لنفوذها الاقتصادي على إثيوبيا وربط استثماراتها هناك بمدى ما ستبديه من تجاوب ومرونة في ملف السد. وأن يكون التهديد العربي بهذه الورقة واضحاً وحقيقياً وجاداً.

- مساندة خليجية
المساندة العربية لم تتوقف عند المواقف الثنائية والجامعة العربية فقط، بل امتدت لتشمل مجلس التعاون الخليجي، الذي وجّه رسالة قوية، بشأن من «يمس حقوق مصر والسودان المائية». وأعلن وزراء دول المجلس خلال اجتماعهم في العاصمة السعودية الرياض، الأسبوع الماضي، «رفضهم أي إجراء يمس حقوق مصر والسودان المائية في نهر النيل من قِبل إثيوبيا». وأكد الوزراء رفضهم التدخلات الأجنبية في شؤون الدول العربية، وأي إجراءات تمس حقوق مصر والسودان المائية على نهر النيل.
ويترافق الموقف الخليجي الجماعي، مع تحركات دبلوماسية لحلحة الأزمة؛ إذ التقى أحمد قطان، وزير الشؤون الأفريقية والسفير السعودي السابق لدى مصر، رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، قبل أسبوع، ضمن جولة أفريقية شملت جنوب السودان ورواندا وبوروندي وسيشيل.
ورغم عدم الإعلان عن لعب دور الوساطة أو مناقشة القضية، قال الدكتور طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية المصري، في تصريحات إعلامية، إن زيارة قطان إلى إثيوبيا ولقاءه برئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، يكشفان عن سعي المملكة لإيجاد حل توافقي لقضية سد النهضة بين الأطراف الثلاثة. أيضاً، يعتقد السفير محمد مرسي، بوجود صلة بين هذه الزيارة والاتصالات المصرية السعودية، وكذا الاجتماع الوزاري العربي بالدوحة.

- رأي عام دولي
على صعيد متصل، قالت الدكتورة سماء سليمان، وكيل لجنة الشؤون الخارجية والعربية والأفريقية بمجلس الشيوخ المصري، لـ«الشرق الأوسط»، إن القاهرة تسعى من خلال تحركاتها الدبلوماسية على الصعيدين العربي والدولي إلى تشكيل رأي عام دولي تجاه قضيتها التي تصفها بـ«العادلة والوجودية»؛ فمنذ بداية النزاع واجهت كل من مصر والسودان تعنتاً إثيوبياً رافضاً توقيع أي اتفاق ملزم... ومع ذلك، لم تدخر مصر جهداً في سبيل إنجاح المفاوضات الثلاثية وإبداء حسن النية وقّعت إعلان المبادئ كنوع من الاعتراف بأحقية إثيوبيا في تحقيق التنمية. فضلاً عن اتجاه القاهرة للوساطة من البنك الدولي أولاً ثم الولايات المتحدة، وعندما رفضت إثيوبيا التوقيع على «اتفاق واشنطن»، فإنها لجأت إلى مجلس الأمن الذي رجّح حل القضية في إطار الاتحاد الأفريقي. ولذا؛ كانت عودة مصر والسودان للمرة الثانية لمجلس الأمن لإعلان فشل المفاوضات تحت رعاية الاتحاد الأفريقي.
هذا، ولم توقف مصر سعيها للحصول على دعم دولي، وهو الملاحظ في الاتصال المستمر والزيارات التي شملت العديد من الدول الأفريقية ومنها بوروندي وكينيا وأوغندا وجيبوتي، والأوروبية مثل فرنسا، والتنسيق مع أميركا والصين وروسيا التي أعربت عن تبنيها ودعمها وجهة النظر المصرية والسودانية.
وحسب وكيل لجنة الشؤون الخارجية، «تصبّ هذه التحركات لمصلحة توضيح وجهة نظر مصر والسودان وإظهار التعنت الإثيوبي وإفشاله للمفاوضات. وتبني وجهة النظر للبلدين؛ وهو ما انعكس في تصريحات الدول العربية والدولية حول ضرورة التوصل لاتفاق ملزم». ومن ثم، فإن هذه الدول قادرة على الضغط على إثيوبيا للموافقة على الاتفاق، ولكن من خلال موقفها في مجلس الأمن لضمان حقوق دول المصب.
وضمن الرسائل المصرية إلى أوروبا، أجرى وزير الخارجية سامح شكري، الأربعاء الماضي، مباحثات مع وزير خارجية لوكسمبورغ جان اسيلبورن، الذي تستضيف بلاده عدداً من المؤسسات المهمة للاتحاد الأوروبي، عرض فيها مواقف الجانب الإثيوبي بشأن التوصل إلى اتفاق حول ملء وتشغيل سد النهضة، مؤكداً «التعنت ومحاولة إثيوبيا التنصل من الهدف». وحمّل شكري «المجتمع الدولي مسؤولياته لما قد ينتج من استمرار هذا الوضع من توتر وتصعيد، قد يكون لهما آثار سلبية على الأمن والاستقرار في المنطقة بكل المشاكل التي تواجهها وأيضاً القارة الأفريقية». وذكر «أن هناك تفهماً أوروبياً نظراً لوجود مجالات للتعاون في الأنهار الأوروبية، وكثيراً ما عرضنا على إثيوبيا أن نقتبس من تجارب أوروبا الناجحة في مجال إدارة الموارد المائية وأيضاً التجارب الأفريقية».

- استياء إثيوبي
التحركات المصرية والسودانية الأخيرة، وما أحدثتاه من زخم دولي، أثارا استياء إثيوبيا التي انتقدت دعوة الجامعة العربية لمجلس الأمن إلى عقد جلسة طارئة بشأن سد النهضة، وأعربت عن انزعاجها من قرار الجامعة العربية. كذلك، رفضت وزارة الخارجية الإثيوبية، الثلاثاء، البيان الصادر عن الجامعة العربية، واعتبرته إهداراً لـ«فرص لعب دور بنّاء في مفاوضات استمرت سنوات». وقالت، إنها ليست المرة الأولى التي تعبّر الجامعة عن دعمها لمطالب مصر والسودان، مشيرة إلى أن «على الجامعة العربية أن تذكر حق الإثيوبيين في الاستفادة من مياه النيل والتنمية التي تحدث من سد النهضة لملايين الإثيوبيين».
وزعم البيان الإثيوبي، أن أديس أبابا تحترم القوانين الدولية بشأن المياه، وأنها لم تضر بمصالح مصر والسودان، «بل بذلت ما بوسعها لإزالة مخاوف البلدين من سد النهضة». واعتبر «محاولات تدويل قضية سد النهضة وتسييسها لن تؤدي إلى تعاون إقليمي مستدام لاستغلال وإدارة نهر النيل... وأن إثيوبيا تؤمن بأنه لا يمكن تحقيق الأمن المائي لدول حوض النيل إلا من خلال التعاون والحوار».
لكن السفير محمد العرابي يرى أن إثيوبيا - حيث مقر الاتحاد الأفريقي - تسعى إلى «تأليب دول القارة الأفريقية ضد الجامعة العربية، ودفع مصر خارج الإطار الأفريقي عبر ترديد شعارات قديمة مردود عليها، بينما تنتهك هي القوانين الدولية والحريات وحقوق الإنسان وتصدّر صورة سلبية عن أفريقيا».



«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

فتح ملف إعادة إعمار المناطق المتضرّرة في لبنان سجالاً سياسياً حول الجهة التي يفترض أن تتحمّل التكلفة، بعدما حمّل «حزب الله» الحكومة مسؤولية أساسية عن الإيواء وإعادة الإعمار ودعم النازحين. وفي حين أكد الحزب أنه «يعمل على برنامج خاص بهذا الملف متى توافرت الإمكانات المالية»، برزت في المقابل مواقف نيابية معارضة رأت في هذا الطرح إقراراً بعجز الحزب عن تحمّل الأعباء، وربطت أي معالجة مستدامة بإعادة الملف كاملاً إلى الدولة وحصر السلاح بيدها. يأتي هذا السجال في ظل استمرار معاناة متضررين ونازحين من الحرب، وفي وقت لم تتبلور فيه بعد آلية شاملة لتمويل إعادة الإعمار، وسط نقاش سياسي يتجاوز مسألة تأمين الأموال إلى تحديد المسؤوليات وشروط مساهمة الدولة والجهات المانحة.

النائب عن «حزب الله» حسن فضل الله يغادر البرلمان اللبناني وسط بيروت 14 يونيو 2023 (رويترز)

تكشف أرقام جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» عن أن ملف إعادة الإعمار والإيواء في لبنان لا يرتبط بأضرار حرب 2026 وحدها، بل يأتي فوق خسائر حرب 2024 التي لم يكن لبنان قد انتهى من معالجتها. ففي عام 2024، بلغت الأضرار المادية المباشرة نحو 6.8 مليار دولار أميركي، بينها 4.6 مليار دولار في قطاع السكن، في حين قُدِّرت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 11 مليار دولار، قبل أن تضيف الحرب الجديدة أضراراً واسعة إلى المباني والمساكن والبنى التحتية.

في الواقع، لا تتوافر حتى الآن حصيلة وطنية نهائية لتكلفة أضرار حرب 2026 أو احتياجات إعادة الإعمار، في ظل استمرار العمليات وتأخر اكتمال التقييمات. غير أن الأرقام المرحلية التي جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» تُظهِر أن الأضرار المباشرة في المباني تجاوزت، حتى شهر أبريل (نيسان) 2026، نحو 1.745 مليار دولار في جنوب لبنان وبيروت وجبل لبنان، بينها أكثر من 1.38 مليار دولار في الجنوب وحده، وأكثر من 365 مليون دولار في بيروت وجبل لبنان. وهذه أرقام جزئية لا تمثل التكلفة النهائية للحرب، ومن ثم، لا يمكن مقارنتها مباشرة بالتقييم الوطني الشامل لأضرار 2024.

أكثر من 21 ألف وحدة سكنية مُدمَّرة

تتبيّن خطورة الأزمة بصورة أوضح في القطاع السكني. إذ بلغ عدد المباني المدمّرة بالكامل 11 ألفاً و95 مبنى في المنطقة جنوبي نهر الليطاني، إضافة إلى 146 مبنى في بيروت وجبل لبنان. كذلك أظهرت التقييمات تدمير 17 ألفاً و891 وحدة سكنية بالكامل في جنوب لبنان، و3168 وحدة في بيروت وجبل لبنان، بما يزيد على 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن المناطق التي شملتها التقييمات حتى تلك المرحلة.

وتترافق هذه الخسائر مع كمّيات ضخمة من الرّكام، بلغت نحو 3.1 مليون متر مكعب في جنوب لبنان ونحو 649 ألف متر مكعب في بيروت وجبل لبنان. ويعني ذلك أن العودة لا ترتبط بإعادة بناء المنازل فحسب؛ إذ ستحتاج مناطق واسعة أولاً إلى إزالة الركام وتأهيل الطرق وشبكات المياه والكهرباء والخدمات الأساسية، قبل أن يصبح من الممكن إعادة السكان إليها بصورة مستقرة.

النزوح يوسّع أزمة الإيواء

ويتقاطع الدمار السكني هذا مع أزمة إيواء ونزوح واسعة. إذ وفق البيانات الدولية، نزح نحو مليون شخص داخلياً في بداية التصعيد، في حين عبر نحو 100 ألف شخص إلى سوريا. وحتى الأول من شهر سبتمبر (أيلول) 2026، بقي 329 ألفاً و240 شخصاً في حالة نزوح داخلي؛ الأمر الذي يعكس استمرار الحاجة إلى حلول إيواء مؤقتة ومتوسطة الأجل، ولا سيما للعائلات التي دمّرت منازلها أو باتت بلداتها تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات العودة.

بلغ عدد المباني المُدمّرة بالكامل

11 ألفاً و95 مبنى

في المنطقة جنوبي نهر الليطاني

عودة إلى الأصل أي... الدولة

في هذا السياق، طرح الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم التزام الحزب بالمساهمة في تأمين الإيواء والإعمار للمتضرّرين في الجنوب، إلى جانب حثّ الدولة على القيام بدورها، وقال إن الحزب «سيعلن قريباً عن مساهمته في مشروع للإيواء».

إلا أن النائب إبراهيم منيمنة قال في لقاء مع «الشرق الأوسط» معلّقاً إن «(حزب الله)، على مدى سنوات، كان يأخذ رصيد الحكومة ويجيّره لنفسه». وأشار إلى أنه «في عام 2006 كانت الدول العربية تؤمّن القسم الأكبر من التمويل، لكن (حزب الله) استغل بعض الثغرات في أداء الدولة وحاول أن يحوّل هذا الرصيد لنفسه». وأردف منيمنة: «أما الآن، فيعود إلى الأصل، وهو الدولة. الدولة هي التي ستقوم بإعادة الإعمار... وهذا اعتراف من الحزب بأنه لن يقدر على الاستغلال».

منيمنة، وهو من نواب بيروت، توقّف أيضاً عند كلام النائب حسن فضل الله - أحد نواب «حزب الله» ومنطقة الجنوب - عن أن الدولة لديها الأموال، فقال: «المفارقة عندما يقول (فضل الله) إن الدولة لديها المال، وكأنه يحاول أن يتّهم هذه الدولة بأنها لا تقوم بواجباتها في هذا الموضوع، فيما هو يعلم أن هذا الكلام ليس صحيحاً، وهم أي الحزب ممثلون في الحكومة، وبالتالي فإن كلام الحزب غير دقيق وشعبوي».

وتابع منيمنة: «مَن يريد اليوم أن يضع ملف إعادة الإعمار، فعليه أن يدخل أولاً إلى الحكومة ويناقشه فيها، وأن ينفّذ قرارات الحكومة، أو الدولة، المتعلّقة بحصر السلاح. هذه أول خطوة حتى تكون مدخلاً إلى إعادة الإعمار».

جدير بالذكر، أن النائب فضل الله، كان في وقت سابق قد شدّد على أنه «عندما يكون هناك حكومة في لبنان، فهي المسؤولة عن شعبها وعن كل مواطن على أرضها مهما كانت أسباب الحرب، سواء كنّا معها أو معارضة لها، علماً أن لديها الإمكانات والقدرات المالية والاقتصادية».

وأضاف: «وبدل أن تصرف هذه الإمكانات في مواضع في غير أماكنها، يمكنها أن تُسخّر جزءاً من الإمكانات لموضوع إعادة الإعمار والإيواء ولدعم النازحين. وهذه مسؤولية أساسية على الحكومة، ومهما كان الخلاف معها، سنحمّلها المسؤولية، ونحن نعمل من خلالها والمجلس النيابي، لتوفير ما أمكن من موارد مالية لأجل هذا الملف».

في المقابل، أوضح منيمنة أن «التردّد في إعادة الإعمار ليس لأن الدولة لا تقوم بواجباتها»، واستطرد: «أولاً، الدول المانحة التي ستساعد على الإعمار ليست مستعدة لأن تضع أموالاً ثم تحصل حرب جديدة. ومن ناحية ثانية، النقاش حول حصر السلاح لم ينتهِ ولم يُحسم هذا الموضوع... بالتالي، هذا الكلام، ولو أن فيه اعترافاً ضمنياً بدور الدولة، فهو في الدرجة الأساسية كلام منقوص»، موضحاً أن «هناك مسؤولية على (حزب الله) بأن يدخل فعلاً إلى الدولة من خلال ملف حصر السلاح».

وعن مسؤولية «حزب الله» تجاه تعويض المتضررين، قال منيمنة: «برأيي، هو أساساً في هذا المجال لم يفِ بوعوده، والناس في حالة تذمّر لأنه لا يوجد تمويل، حتى لأعمال الإيواء، خصوصاً للناس الذين ما زالوا مهجرين... وواضح أن (حزب الله) غير قادر اليوم على القيام بهذا الملف، وبما أنه لم يعد قادراً، فقد تخلّى عنه».

الحكومة مسؤولة عن شعبها

وفي موازاة ذلك، يتردد في أوساط داخل بيئة «حزب الله» أن الحزب يعد خلال الفترة القريبة المقبلة لتقديم مساعدة نقدية للمتضرّرين، تُطرح على أنها «هدية تعويض»، من دون أن يصدر حتى الآن إعلان رسمي يحدد قيمتها أو الفئات التي ستشملها أو موعد بدء توزيعها.

وكان واضحاً في تصريح نعيم قاسم الأخير أن الحزب «سيسهِم»؛ ما يعني أنه لن يكون المموّل، بل ينتظر الدولة التي قاله إنه لن يتوقّف عن حثّها على إعادة الإعمار.

في سياق متصل، يتقاطع موقف النائب مارك ضو، النائب عن جبل لبنان، مع قراءة منيمنة لانتقال الحزب إلى التعويل على الدولة؛ إذ قال لـ«الشرق الأوسط» إن تحميل «حزب الله» الحكومة مسؤولية ملف إعادة الإعمار «يشكّل تأكيداً على عجزه»، معتبراً أن انتقاله إلى التعويل الكامل على الدولة يعكس عجزه عن تحمّل تبعات ما حصل.

وأضاف ضو: «عندما يصبح كل الاتكال على الحكومة، ويقال إن الاعتماد الآن عليها، فهذا تأكيد واضح على العجز». وتابع: «هو (أي حزب الله) يطالب الدولة والحكومة بتحمّل مسؤولية إعادة الإعمار، في حين أنه لا يتعامل معهما على هذا الأساس في ممارسته السياسية... والنتيجة، أنه يريد من الدولة أن تتولّى إعادة إعمار ما نتج عن أخطائه وأفعاله».

مسارات أخرى قبل تحميل الخزينة التكلفة

بدوره، قال النائب أديب عبد المسيح لـ«الشرق الأوسط» إن «(حزب الله) يتنصّل من مسؤوليته في ملف إعادة الإعمار، ويحاول تحميل الدولة واللبنانيين تبعات حرب كان هو سببا أساسياً في اندلاعها»، معتبراً أن أمام الحزب أكثر من مسار لمعالجة هذا الملف بدلاً من مطالبة الدولة بتحمل التكلفة كاملة.

وقال عبد المسيح، وهو من نواب شمال لبنان: «(حزب الله) ممثل في الحكومة بوزيرين، فليتفضّل وزيراه ويطالبا بقرار حكومي لإعادة الإعمار، وليحاولا تأمين إجماع حكومي على هذا الموضوع. إذا كانا قادرين على ذلك، فليفعلا».

ثم أضاف: «إذا لم يتمكّن الحزب من تأمين إجماع الحكومة على إعادة الإعمار، فهناك مسارات أخرى. أولاً، عليه أن يتحمّل مسؤوليته؛ لأنه هو من ورّط لبنان وفتح النار على إسرائيل وتسبب بهذه الحرب. وثانياً، لديه الإيرانيون، ويمكن لوزير الخارجية أن يتحرّك للمطالبة بتعويضات من الدولة الإيرانية عن الأضرار، باعتبار أن (الحرس الثوري) الإيراني حاضر على الأراضي اللبنانية عبر دعمه للحزب».

وتابع عبد المسيح: «هناك أيضاً إسرائيل، وهي المسبّب المباشر للدمار. يمكن اللجوء إلى المسارات والمحاكم الدولية للمطالبة بالحقوق والتعويضات، وعند تحصيلها تُستخدم في إعادة إعمار الجنوب. هذه حلول عملية يمكن العمل عليها».

وشدّد النائب عبد المسيح على رفضه أن تتحمّل الخزينة اللبنانية وحدها تكلفة إعادة الإعمار، قائلاً: «أما أن تتحمّل الدولة اللبنانية المسؤولية في النهاية، وأن تأخذ الضرائب من الناس، فأنا أدفع وأنت لإعادة إعمار الجنوب، فهذا لن يحدث أبداً».

ورأى أن الحزب «يتنصّل» من مسؤوليته؛ إذ «يبدأ اليوم بالمطالبات والتحركات، وقد تتحول غداً تحركات في الشارع ضد الحكومة أو ضد الجيش، بحيث يحاول، بدلاً من أن يتحمل المسؤولية، أن يحملها لغيره... هذا أمر واضح مائة في المائة. يبدأ الأمر بهذه المطالبات، ثم يجري تنظيم التحرّكات على الموجة نفسها، في محاولة للظهور كجزء من المعارضة والمطالبة بحقوق شبيهة بحقوق موظفي الدولة أو سائر اللبنانيين، في حين كان الحزب أساسياً في هذه الحرب، وليس مجرد طرف عادي فيها».

الحرب تقوّض الاقتصاد اللبناني

ختاماً، يأتي اتساع حاجات الإيواء والإعمار في وقت تراجعت قدرة الاقتصاد اللبناني والدولة على تحمل أعباء إضافية. إذ تشير الأرقام إلى توقع انكماش الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 6.4 في المائة خلال 2026، في حين تضاف احتياجات الحرب الحالية إلى فاتورة إعادة إعمار 2024 المقدرة أصلاً بنحو 11 مليار دولار.بناءً عليه؛ لم يعد الملف مقتصراً على تعويض أصحاب المنازل المتضررة، بل صار يشمل تأمين الإيواء للنازحين، وإزالة ملايين الأمتار المكعبة من الركام، وإعادة تأهيل الخدمات والبنى التحتية، ثم إعادة بناء آلاف المباني وأكثر من 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن نطاق التقييمات المُنجزة حتى الآن.


سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
TT

سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.

بعد أقل من ثلاثة أسابيع، تواجه السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز معركة الفوز بولاية سادسة في مجلس الشيوخ عن ولاين ماين، بأقصى شمال شرقي الولايات المتحدة، أمام منافسها الديمقراطي تروي جاكسون. بعد نحو ثلاثة عقود في المجلس، تدافع كولينز (73 سنة) عن سجل طويل من الخدمات والتسويات، في حين يتساءل ناخبون اعتادوا تأييدها إن كان إخراج الجمهوريين من قيادة المجلس الطريق الأجدى لتقييد الرئيس دونالد ترمب؟ وبين الحسابين، تتجاوز المعركة مستقبلها الشخصي لتطرح سؤالاً أوسع: هل تكفي الثقة بالسياسي حين يفقد الناخب ثقته بالحزب الذي ينتمي إليه؟

كولينز المولودة في السابع من ديسمبر (كانون الأول) 1952 في كاريبو، أقصى شمال ماين، واحدة من ستة أبناء لعائلة ارتبط اسمها بتجارة الأخشاب والخدمة العامة. تولّى والدها ووالدتها رئاسة بلدية المدينة، وخدم الأب في المجلس التشريعي للولاية. هناك، قرب الحدود الكندية، تشكلت صلتها بمجتمع صغير يعرف ممثليه بأسمائهم ويحاسبهم على ما يقدمونه لحياته اليومية. لكن هذه الصلة تواجه اليوم اختباراً صعباً، مع تحول مقعدها ساحة صراع على الأغلبية، وعلى مكان الوسطيين في سياسة أميركية قد تصبح فيها هوية الحزب أهم من شخصية ممثله.

من بلدة كاريبو ...إلى واشنطن

تخرجت كولينز في جامعة سانت لورانس الصغيرة الراقية بريف ولاية نيويورك عام 1975، وبدأت العمل مع النائب الجمهوري وليام كوهين (وزير الدفاع فيما بعد)، ثم انتقلت معه إلى مجلس الشيوخ.

ولاحقاً، تولت كولينز مسؤولية التنظيم المهني والمالي في حكومة ماين، ثم إدارة المكتب الإقليمي لوكالة المشاريع الصغيرة بتعيين من الرئيس جورج بوش الأب. ثم عام 1996، انتُخبت لخلافة كوهين في مجلس الشيوخ، لتبدأ مسيرة جُددت أربع مرات. وهي متزوجة من توماس دافرون، وتقيم في مدينة بانغور بولاية ماين.

بيد أن هذه التفاصيل ليست مجرد محطات في سيرة ذاتية؛ إذ تكونت سياسياً داخل «التيار التقليدي» في الحزب الجمهوري، الذي يعوّل على الخبرة التشريعية واحترام المؤسسات والتفاوض مع الديمقراطيين لإنجاز التسويات. ولم تبنِ حضورها على الخطب الصاخبة أو «التعبئة» ضد واشنطن، بل على معرفة طرقها: كيف تُكتب التشريعات، وتُجمع الأصوات، وتُنتزع المخصّصات لولاية صغيرة.

وحقاً، تلخص كولينز خلال لقاء مع الـ«واشنطن بوست»، هذه النظرة بقولها: «هناك من يعملون، وهناك من يستعرضون»، واضعة نفسها في الفئة الأولى. ثم تقول إن خطاباً نارياً يرفع شعبية صاحبه على وسائل التواصل الاجتماعي لا يغير بالضرورة النتيجة. وهذه حجة شخصية عامة مخضرمة في زمن يكافئ المواجهة العلنية، وأحياناً يعتبر التفاوض والمساومة بعيداً عن الكاميرات ضعفاً.

غير أن تداخل الأسرة والمهنة والمؤسسة، الذي منحها جذوراً وثباتاً، يسمح لخصومها أيضاً بتصويرها ممثلة لطبقة سياسية استقرت طويلاً في السلطة. فالأقدمية في حملتها رصيد يحمي مصالح ولايتها، لكنها في حملة منافسها جاكسون تطرح سؤالاً عمّا إذا كانت الخبرة ما زالت تنتج تغييراً يشعر به الناس.

استقلالية قيد المحاكمة

والواقع، أنه يصعب اعتبار كولينز «تابعاً» لترمب؛ إذ تقول حملتها إنها لم تصوّت له قط، بل كانت ضمن الجمهوريين الذين أيّدوا محاولة عزله الثانية عام 2021. كذلك خالفت إدارته في تصويتات مهمة، بينها رفض تعيين بيت هيغسيث وزيراً للحرب، ورفض النسخة النهائية من تشريع الضرائب والإنفاق الكبير عام 2025. ولها أيضاً سجلٌ يتجاوز الاعتراض؛ فقد قادت مع السيناتور جو مانشين - الذي كان آنذاك من أبرز الديمقراطيين اليمينيين قبل مغادرته الحزب -، مساراً مشتركاً لتعديل قانون فرز الأصوات الانتخابية. وأقرّ التعديل عام 2022 لمعالجة ثغرات كشفت عنها أزمة انتقال السلطة، إثر رفض ترمب الإقرار بهزيمته أمام جو بايدن وترويجه ادعاءات بتزوير انتخابات 2020. وهذه وظيفة مؤسساتية للوسط: تحويل الخلاف إلى قواعد يمكن أن يقبلها الطرفان.

لكن منتقديها يميّزون بين مخالفة الرئيس ومنعه. ووفق تحليل في الـ«نيويورك تايمز»، فإنها تعارض سياساته في التصويت أكثر من سائر الجمهوريين، لكن معارضتها نادراً ما تبدّل النتيجة. وهنا تنتقل المحاكمة من النيات إلى الفعل... فما معنى الاستقلالية إذا بقيت الإدارة قادرة على تنفيذ ما تعترض عليه؟

وتظل قضية الإجهاض الجرح الأعمق في تقييمها. فكولينز تؤيد حقوق الإجهاض، لكنها دعمت تثبيت القاضي المحافظ بريت كافانو عام 2018، قبل أن يشارك في قرار المحكمة العليا الذي ألغى الحماية الدستورية الفيدرالية لهذا الحق عام 2022. ودفاعها المستمر عن ذلك التصويت يعيد فتح مسألة الثقة لدى ناخبين يرون أن تطميناتها لم تصمد أمام النتائج.

مع ذلك، ليس كل تصويت خاسر مسرحية سياسية، كما أن ليس كل اعتراض دليلاً كافياً على المقاومة. فالشيخ لا يملك منفرداً غالبية المجلس. أما السؤال المشروع، فهو ما إذا كانت كولينز تستخدم كامل نفوذها لفرض حدود على الإدارة، أم تكتفي بمسافة محسوبة تسمح لها بالبقاء داخل ائتلافها؟ حسب المنتقدين.

ترمب على مائدة الناخب

وبالفعل، تبدو هذه المناقشة أقل تجريداً في ماين، حيث تتقاطع السياسات الرئاسية مع فواتير التدفئة والتجارة والسياحة عبر الحدود. فالحرب مع إيران رفعت تكلفة الوقود، في حين وضعت الرسوم على كندا مصالح محلية أمام ضغوط إضافية. وباتت كولينز مطالبة بمعالجة أزمات تخلقها الإدارة التي ينتمي حزبها إليها.

وفي حين ضغطت لتسريع مساعدات التدفئة للأسر محدودة الدخل، وسعت إلى استثناء الملح الذي يُرش على الطرق في فصل الشتاء من الرسوم الجمركية، حوّل منافسها جاكسون، الحطّاب والرئيس السابق لمجلس شيوخ الولاية، إنجازها إلى عبارة هجومية مؤداها أن «سكان ماين لا يستطيعون أكل ملح الطرق»، في حرصه على نقل النقاش من الاستثناءات التي تنتزعها إلى السياسات التي تجعلها ضرورية.

وفي مناظرتهما الثالثة مساء الثلاثاء، برز مجدداً ملف الهجرة بعد مقتل مهاجر برصاص أحد عناصر إنفاذ قوانين الهجرة (أيس) في بلدة بيدفورد خلال يوليو (تموز). وأقرّت كولينز بأن الإدارة نشرت أعداداً كبيرة من العناصر من دون تدقيق مناسب في اختيارهم، في حين حمّلها جاكسون مسؤولية سياسية عن التمويل.

وفي ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها مسافة عن إدارته. لكن انتقالها من تأييد الحرب في البداية إلى دعم تقييد صلاحياته العسكرية يمنح خصمها فرصة للسؤال عن توقيت الاعتراض، لا عن وجوده وحده.

في المقابل، تهاجم كولينز سجلّ جاكسون التشريعي وتحمّله مسؤولية سياسات تقول إنها رفعت تكاليف الطاقة والسكن. وبالتالي، ما عادت المواجهة بين مرشحة بلا إنجازات وخصم بلا سجل، بل بين تفسيرين للغلاء وللجهة الأقدر على تخفيفه: نفوذ جمهوري داخل الإدارة، أم غالبية ديمقراطية تراقبها وتواجهها.

غالبية أم جسر؟

عام 2020، فازت كولينز بفارق نحو 9 نقاط مئوية، في حين خسر ترمب ولاية ماين بفارق مماثل. يومها استطاع الناخب أن يرفض الرئيس ويحتفظ بالسيناتورة على ورقة الاقتراع نفسها. أما الآن، فلا انتخابات رئاسية تتيح الفصل ذاته، بل أصبح مقعدها إحدى الأدوات المباشرة لمعاقبة البيت الأبيض.

وفي تحقيقات للـ«نيويورك تايمز» والـ«واشنطن بوست»، تلتقط شهادات الناخبين هذه النقلة، حيث لا ينكرون خدماتها ولا يشككون في كفاءتها، لكنهم يريدون ببساطة مجلساً يضع قيوداً على ترمب. في المقابل، لا يزال ديمقراطيون ومستقلون يعدّونها ممثلة موثوقة، ويرفضون التضحية بها لمجرد انتمائها الحزبي. من هنا، يرى البعض أن خسارتها قد تبدو ربحاً واضحاً للديمقراطيين في حساب المقاعد، لكنها تحمل احتمال خسارة شريكة تفاوض داخل الحزب الآخر. ولا تناقض حتمياً بين الأمرين: يستطيع الديمقراطي أن يقدّر دورها، ثم يرى أن تغيير الأغلبية أرجح كفة من الاحتفاظ بذلك الدور.

وبالمثل، لن يكون فوزها هزيمة صافية لترمب؛ فهو يحتفظ للجمهوريين بمقعد بالغ الأهمية، وربما يساعدهم على حماية الغالبية. لكنه سيبرهن أيضاً على أن الفوز في بعض الولايات يتطلب الابتعاد عن الرئيس، وأن الصيغة الجمهورية القابلة للتسويق وطنياً ليست بالضرورة الصيغة الأكثر ولاءً له.

وتزداد المفارقة مع رئاسة كولينز لجنة المخصصات في مجلس الشيوخ. فهي تطلب من الناخب حماية نفوذ يصعب تعويضه سريعاً، في حين يردّ خصومها بأن النفوذ يقاس بما يمنعه أيضاً. وإذا استطاعت الإدارة تعطيل إنفاق أقره الكونغرس أو الالتفاف على أولوياته، تغدو قدرة كولينز على حماية صلاحيات الكونغرس في إقرار الإنفاق جزءاً من تقييم نفوذها نفسه.

بل حتى الطرفان اللذان يريدان حسم المعركة يجدان نفسيهما أمام حسابات متعارضة: فالجمهوريون يحتاجون إلى أصوات ناخبين ينفرون من زعيمهم، والديمقراطيون يحتاجون إلى إقناع ناخبين بأن إعجابهم بسيناتورة جمهورية لا ينبغي أن يتقدّم على تغيير اتجاه الحكم.

الوسط يبحث عن جدواه

بالتالي، لا تعني هذه المعركة أن الساحة خلت تماماً من الوسطيين، ولا أن الشعبوية احتكرت الحزبين بالقدر نفسه. كما أن الوسطية ليست مرادفاً دائماً للانتماء إلى المؤسسة. فقد يكون السياسي المخضرم شديد الحزبية، وقد يكون جديداً وقادراً على بناء تسويات. وجاكسون - نفسه الذي ينافس كولينز - يعقّد الثنائية المبسطة. فهو تقدمي طبقي، لكنه صاحب خبرة في قيادة مؤسسة تشريعية. ولذلك؛ لا يكفي وضعه في خانة الشعبوية ثم اعتبار هزيمة كولينز إذا حصلت، دليلاً تلقائياً على انتصار التطرف. فالاختبار الأهم هو ما سيقدمه الفائز من سياسات، وكيف سيتعامل مع حدود السلطة وخصومه.

مع ذلك، تكشف كولينز عن أزمة حقيقية في نموذج الوساطة القديم. فحين يُطالب الناخب بمنع قرار يمس حقوقه أو معيشته، لا تكفيه الإشارة إلى حوار مستمر مع صانعيه. بل يحتاج المعتدل إلى شرح الرابط بين قدرته على الوصول إلى المسؤولين وقدرته على تغيير ما يفعلونه، وإلّا بدت التسوية امتيازاً لأهل السياسة لا منفعة للمواطنين.

وفي صورة ساخرة من الحملة، وصل خطأً إعلان يهاجم جاكسون، موَّلته مجموعة جمهورية، إلى مدينة بورتلاند بولاية أوريغون بدلاً من مدينة بورتلاند في ماين. ثم صحح الخطأ وأعيدت الأموال، لكنه أتاح لخصوم كولينز التشكيك في اتصال حلفائها بالولاية. وهذه واقعة صغيرة في سباق يختبر صدقية القرب من الناس.

الأرجح، أن انتخابات ماين لن تحسم مصير الاعتدال الأميركي، لكنها ستكشف عن الشروط الجديدة لبقائه. فنجاة كولينز ستعني أن الرصيد الشخصي والخدمات والاستقلال النسبي ما زالت قادرة على مقاومة الاستقطاب. وخسارتها ستشير إلى أن ناخبين باتوا يفضّلون تغيير ميزان السلطة على الاحتفاظ بوسيط داخلها.


وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
TT

وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)

لا يواجه جميع المعتدلين نسخة مطابقة لاختبار السيناتورة سوزان كولينز في ولاية ماين؛ إذ بعضهم يحاول النجاة في دوائر تميل إلى الحزب الآخر، وبعضهم الآخر يدافع عن استقلاليته أمام قاعدته. ومن أبرز هؤلاء من دون افتراض أن فرصهم الانتخابية ومواقفهم متساوية، الساسة التالية أسماؤهم:

• النائب الجمهوري براين فيتزباتريك في بنسلفانيا، الذي يمثل الدائرة الأولى ويواجه الديمقراطي بوب هارفي، المفوض في مقاطعة باكس والمدرّس السابق. يبني العضو السابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي صورته على العمل عبر الحزبين ومخالفة ترمب في ملفات محددة. لكن خصمه يسعى إلى تحويل الاقتراع من تقييم لشخص النائب إلى حكم على الغالبية الجمهورية. ومع ذلك، لا يصح افتراض أن مجرد تشابه مأزقه مع كولينز يجعل حظوظهما متطابقة.

• النائب الجمهوري مايك لولر في نيويورك، يخوض مواجهة مع الديمقراطية كيت كونلي، صاحبة الخبرة العسكرية والأمنية، في الدائرة السابعة عشرة التي فازت فيها كامالا هاريس عام 2024. لولر يقدم نفسه جمهورياً براغماتياً قادراً على العمل مع الديمقراطيين، لكنه يحتاج إلى الاحتفاظ بالقاعدة الجمهورية أيضاً. امتحانه هو إقناع الناخب بأن استقلاله يترك أثراً ملموساً، في حين تسعى منافسته إلى جعل العلاقة بترمب محور الاختبار.

• النائبة الديمقراطية ماري غلوسنكامب بيريز في ولاية واشنطن، التي تواجه الجمهوري جون براون في الدائرة الثالثة، وتقدم نموذجاً معكوساً لكولينز؛ فهي ديمقراطية تحاول الاحتفاظ بدائرة أيدت ترمب، وتستند إلى خطاب محلي واهتمام بالمهن والتكاليف اليومية، وتخالف حزبها في بعض القضايا. لكن استمالة المحافظين لا تضمن رضا الديمقراطيين، وقد وثّقت الإذاعة العامة المحلية استياء ناخبين من خيارات السباق. ويكشف اختبارها أن بناء ائتلاف عابر للحزبين يحتاج إلى بقاء قاعدة متحمسة، لا مجرد الوصول إلى الطرف الآخر.

• النائب الديمقراطي دون ديفيس في نورث كارولينا، يواجه الجمهورية لوري باكهاوت في الدائرة الأولى، بعدما جعلت إعادة ترسيم الخريطة الانتخابية التي فرضها الجمهوريون، الفوز فيها أكثر صعوبة على الديمقراطيين. ديفيس يروّج لوسطيته، لكن الخريطة تضع حدوداً لما تستطيع السمعة الشخصية تحقيقه.

توضح هذه الحالات أن بقاء الوسط لا يعتمد فقط على اعتدال الناخبين، بل هو يتأثر بحدود الدوائر، وصورة الرئيس، وتعبئة القواعد، وقدرة المرشح على تحويل المخالفة الحزبية إلى منفعة مفهومة... ثم إن فوز معتدل من حزب قد يعني هزيمة معتدل من الآخر، لا انتصاراً تلقائياً على التطرف. لذلك قد يكون الاختبار الأعمق بعد الانتخابات: هل يملك الناجون استعداداً ونفوذاً لبناء تشريعات مشتركة، أو تفرض معركة الغالبية عليهم العودة إلى الاصطفاف الذي وعدوا ناخبيهم بتجاوزه؟