الطائرات المسيّرة... سلاح «اللاعبين» الأجانب في «المختبر» السوري

معارضون يعربون عن الخوف من «صمت» هذه الطائرات في سماء إدلب

سيارة مدمرة جنوب إدلب بعد قصف استخدمت روسيا فيه طائرة مسيرة في 10 الشهر الجاري (أ.ف.ب)
سيارة مدمرة جنوب إدلب بعد قصف استخدمت روسيا فيه طائرة مسيرة في 10 الشهر الجاري (أ.ف.ب)
TT

الطائرات المسيّرة... سلاح «اللاعبين» الأجانب في «المختبر» السوري

سيارة مدمرة جنوب إدلب بعد قصف استخدمت روسيا فيه طائرة مسيرة في 10 الشهر الجاري (أ.ف.ب)
سيارة مدمرة جنوب إدلب بعد قصف استخدمت روسيا فيه طائرة مسيرة في 10 الشهر الجاري (أ.ف.ب)

يخوض «اللاعبون» الخارجيون منافسة غير معلنة لاختبار طائرات مسيرة (درون) في مناطق مختلفة خصوصاً المتطرفين في شمال سوريا وشمالها الغربي أو ضد «داعش» شمال شرقي البلاد، في وقت يسعى السوريون، من النظام والمعارضة، لتطوير إمكانات «المسيرات» المتوفرة لديهم.
وكتب علي درويش وخالد الجرعتلي تقريراً تفصيلياً عن الطائرات المسيرة في سوريا لموقع «عنب بلدي» السوري المعارض، مشيرين إلى أن النظام السوري «لا يملك طائرات مسيّرة متطورة، لكن استخدام الروس وإيران و(حزب الله) اللبناني لهذا النوع من الطائرات، وفّر استطلاع معلومات أكبر تتضمن صوراً دقيقة للمواقع في مناطق سيطرة المعارضة»، إذ يستخدم النظام طائرات «فانتوم»، وهي مخصصة للتصوير، ولا تتمتع بمدى (كيلومتر واحد) ومدة (نصف ساعة) طيران طويلين، بحسب ما أفاد به خبير عسكري. وأضاف، أن مركز البحوث العلمية في حماة يعمل حالياً على تطوير طائرة مسيّرة انتحارية، تشبه الطائرات المسيّرة الإسرائيلية لكن أجنحتها أقصر.
في المقابل، تملك فصائل المعارضة طائرات مسيّرة يطلق عليها اسم «الطيران المكبسي» للاستخدامات البسيطة، إذ لا تستطيع التحليق على علوّ مرتفع، ما يمكّن من إسقاطها بنيران عربات «الشيلكا» أو مدافع «عيار 23 مليمتراً». ولم تأخذ الطائرات المسيّرة التي تملكها الفصائل دوراً بارزاً في عملية الرصد والاستطلاع على خطوط الجبهات، بعكس الطائرات التركية الداعمة لهذه الفصائل «لكن استخدام بعض الفصائل للطائرات المسيّرة على خطوط الجبهات، يعطي معلومات جيدة عن القواعد ومواقع سلاح قوات النظام وانتشارها، ويرصد خط الجبهة بعمق كيلومتر واحد، أي كشف المنطقة أمام المقاتلين على الأرض»، حسب قول الرائد يوسف حمود للموقع السوري. وأكد القيادي في «جيش العزة»، المنضوي ضمن «الجبهة الوطنية للتحرير»، العقيد مصطفى بكور، أن الطائرات المسيّرة استخدمت من قبل الفصائل للتصوير والاستطلاع والمراقبة وتوجيه المقاتلين والآليات في أثناء التحرك على الأرض، من خلال المراقبة الآنية وإعطاء التعليمات في أثناء التحرك، وأدت «خدمات كبيرة» في هذا المجال. أما الطائرات المسيّرة «المذخرة»، فلم تستخدمها الفصائل العسكرية للمعارضة، حسب المعلومات المتوفرة لدى العقيد مصطفى بكور، لأنها «تحتاج إلى إمكانيات دول وليس إمكانات الفصائل».
- طائرات تركية
«المرصد 80»، المتخصص برصد التحركات العسكرية في شمال غربي سوريا، أفاد «عنب بلدي» بأنه يحذر جميع النقاط العسكرية التابعة للمعارضة عند إقلاع طيران الاستطلاع الروسي والإيراني بضرورة التخفي والتمويه وتخفيف الحركة، لكن الأخطر عند إقلاع الطائرات المسيّرة «المذخرة»، التي لا يمكن رصدها إلا في حال مشاهدتها في الجو. ويملك المرصد اليوم خبرة بتمييز نوع الطائرة من الصوت، ويستند إلى «كتالوج» معدّ محلياً للطائرات المستخدمة في سوريا، سواء المستخدمة من قبل النظام أو روسيا وإيران أو التحالف.
ورغم الاستخدام الضعيف للطائرات المسيّرة من قبل المعارضة والنظام، اعتمدت الجيوش النظامية الأجنبية والميليشيات العسكرية الموجودة على الأراضي السورية عليها بكثرة، وكان لها أثر كبير في سير المعارك. وقال التقرير: وقفت منظومات الدفاع الجوي الروسية من أنواع «تور إم - 2»، «Pechora - 2M»، «Pantsir - S1»، عاجزة أمام الطائرات المسيّرة التركية «بيرقدار» و«أنكا» خلال معارك شمال غربي سوريا بداية العام الماضي 2020»، إذ تمكنت الطائرات التركية من تدمير منظومات دفاعية متخصصة بإسقاط الأهداف القريبة والمتوسطة المدى، كما استخدم الجيش التركي الطائرات المسيّرة في قصف دبابات وآليات قوات النظام في محافظة إدلب، «حيث كبدته خسائر مادية وبشرية كبيرة، واستخدمت حينها رؤوساً حربية متخصصة في اختراق الدروع».
وجاء استخدام تركيا لهذا النوع من السلاح بعد مقتل أكثر من 30 جندياً بقصف لقوات النظام، وعدم قدرة أنقرة على استخدام سلاحها الجوي، بسبب حظر الطيران الذي فرضته روسيا على سوريا. وقال الخبير العسكري إن دخول «بيرقدار» التركية في المعارك قلب الموازين، إذ كان النظام قد سيطر على مساحات واسعة من أرياف إدلب وحماة وحلب، إذ لا يمكن التشويش على «بيرقدار»، لأنها تعمل بالارتباط بالأقمار الصناعية ولا يمكن قطع الاتصال عنها، ومدعمة بنظام التوجيه الثنائي إضافة إلى قيادتها العمليات. وأشار الرائد يوسف حمود إلى أن الأتراك أدخلوا أسلوباً جديداً في الطيران المسيّر، وهو زج أسراب من الطائرات المسيّرة على خطوط الجبهات، من طرازات مختلفة (تكتيكي لتحديد المواقع والتصوير، و«بيرقدار» المتعددة القدرات) و«ما فعله الأتراك هو إنشاء غرفة عمليات كاملة تقود هذه الطائرات». وأنتجت تركيا أول نسخة من طائرتها المسيّرة عام 2007، وأجرت أول رحلة لها عام 2009، وبدأ إنتاجها التسلسلي عام 2011.
- إيران وروسيا
استخدمت إيران وروسيا أنواعاً مختلفة من الطيران المسيّر في سوريا ضد فصائل المعارضة أو تنظيم «داعش»، إلا أن الطائرات المسيّرة الانتحارية زاد استخدامها من قبلهما. وقتلت الطائرات المسيّرة الإيرانية، خاصة الانتحارية منها، مدنيين في مناطق سيطرة المعارضة شمال غربي سوريا خلال عملهم في الأراضي الزراعية. ووثق «الدفاع المدني»، في أكتوبر (تشرين الأول) 2020، مقتل وإصابة خمسة مدنيين بينهم أطفال نتيجة إلقاء طائرة استطلاع مسيّرة ألغاماً على مزرعة مأهولة بالمدنيين قرب قرية الشيخ بحر غربي إدلب.
وبحسب «المرصد 80»، المتخصص برصد العمليات العسكرية، تنطلق الطائرات المسيّرة الروسية التي تستهدف الأرياف الشرقية لمناطق سيطرة المعارضة من قاعدة في قريتي الغدفة ومعر شورين جنوبي إدلب، وغالباً ما تستخدم نوع «أورلان - 10». أما الطيران الذي يستهدف منطقة الساحل والطائرات المسيّرة الكبيرة الحجم، فتقلع من قاعدة «حميميم» الجوية. والطيران الإيراني المسيّر التكتيكي ينطلق من مطار «حماة»، و«المذخر» من معسكر «جورين» في سهل الغاب شمال غربي حماة، حسب المرصد.
- التحالف والمتطرفون
اعتمد التحالف الدولي، بقيادة أميركا على الطائرات المسيّرة في عمليات اغتيال قادة في الجماعات المتطرفة، وعلى رأسها تنظيم «حراس الدين» فرع «القاعدة» في سوريا. وقتلت الطائرات المسيّرة خلال خمسة أشهر بين مايو (أيار) وسبتمبر (أيلول) عام 2020 11 قائداً عسكرياً ومقاتلاً شمال سوريا، بعضهم مستقلون يعملون في مجال التدريب، وآخرون قادة من تنظيم «حراس الدين»، إضافة إلى أشخاص لم تُعرف هويتهم، حسب «عنب بلدي». وجرت معظم هذه الاستهدافات باستخدام صواريخ «النينجا» أميركية الصنع.
واستخدم فصيل «جند الأقصى» التابع لـ«القاعدة» لأول مرة طائرات من دون طيار، في معاركه لقصف قوات النظام السوري، عام 2016، وأظهر تسجيل مصوّر بثه المكتب الإعلامي لـ«جند الأقصى»، «تذخير» طائرة «درون» في قصف قوات النظام بريف حماة الشمالي. وجاء استخدام الطائرة في قرية معردس، في أثناء محاولة قوات النظام استعادة مواقع فقدتها في المنطقة. وقال «عنب بلدي» إن قائد وحدة في الدفاع الجوي، الرائد المنشق عن النظام السوري المعروف بـ«أبو البراء»، كتب عبر صفحته في «فيسبوك»: «الحمد لله الذي وفقني لتصنيع تسليح الطائرة الاستطلاعية التي بحوزة إخوتنا المجاهدين بدارة إلكترونية وقنبلة مضادة للأفراد أسميتها (سجيل 2)».
الشركة المصنعة للطائرة المستخدمة متخصصة في صنع الطائرات من دون طيار ومقرها الصين، وأطلقت الطائرة من نوع «فانتوم 3» في مايو 2015، وهي مطورة لأغراض التصوير. لكن «جند الأقصى» طوّر هذا النوع من الطائرات المسيّرة، وجعله قابلاً لحمل قذائف متفجرة من نوع «هاون»، بحسب ما ظهر في التسجيل الذي بثّه الفصيل العسكري عام 2016.



تصعيد الحوثيين يضاعف أعباء النساء في اليمن

اليمنيات يواجهن صعوبات حياتية كبيرة جراء الحرب والممارسات الحوثية (إ.ب.أ)
اليمنيات يواجهن صعوبات حياتية كبيرة جراء الحرب والممارسات الحوثية (إ.ب.أ)
TT

تصعيد الحوثيين يضاعف أعباء النساء في اليمن

اليمنيات يواجهن صعوبات حياتية كبيرة جراء الحرب والممارسات الحوثية (إ.ب.أ)
اليمنيات يواجهن صعوبات حياتية كبيرة جراء الحرب والممارسات الحوثية (إ.ب.أ)

لا تقتصر كلفة التصعيد العسكري الحوثي في اليمن على القتلى والجرحى والدمار، إذ تدفع النساء ثمناً متزايداً لتداعيات الحرب التي أعادت تشكيل حياتهن داخل الأسرة والمجتمع، وضيَّقت فرص العمل والحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية.

ومع تجدد التوترات العسكرية واتساع تداعياتها الإنسانية، تجد آلاف اليمنيات أنفسهن أمام أعباء متراكمة تبدأ بالنزوح وفقدان مصادر الدخل، ولا تنتهي عند القيود المفروضة على الحركة وتراجع الرعاية الصحية والتعليم، فضلاً عن مخاطر العنف والاستغلال والتجنيد والضغوط الاجتماعية التي تزداد مع اتساع دائرة الفقر.

وتقول مصادر حقوقية إن النساء في اليمن أصبحن من أكثر الفئات تعرضاً لتبعات الصراع، في وقتٍ تتراجع فيه قدرة الأُسر على تأمين احتياجاتها الأساسية، وتتقلص الخدمات والمساعدات، بينما تفرض سنوات الحرب أعباء إضافية على النساء اللواتي فقدن المُعيل أو اضطررن إلى تولي مسؤولية أُسرهن بمفردهن.

الحوثيون يُجبرون النساء على المشاركة القسرية بفعاليات تعبوية (إكس)

تأتي هذه الأوضاع بينما حذّرت «الأمم المتحدة» من ازدياد مخاطر عودة اليمن إلى صراع واسع النطاق، وسط استمرار التوترات العسكرية وسقوط ضحايا مدنيين، وهو ما يهدد بإعادة إنتاج موجات النزوح والفقر التي خلفتها سنوات الحرب.

وأدى تجدد المواجهات إلى دفع عائلات يمنية جديدة إلى مغادرة منازلها واللجوء إلى مناطق ومخيّمات تفتقر، في كثير من الأحيان، إلى الخدمات الأساسية. وتتحمل النساء جانباً كبيراً من تبعات النزوح، خصوصاً عندما تفقد الأسرة مُعيلها بسبب الحرب أو المرض أو انعدام فرص العمل.

أعباء متصاعدة

تُجسد أم عبير، وهي نازحة من الحديدة تقيم بمخيمات مأرب، جانباً من هذه المعاناة، فقد اضطرت أسرتها إلى الفرار ليلاً مع اشتداد المواجهات، بعدما أصبحت المُعيلة الوحيدة لأطفالها الستة على أثر وفاة زوجها بسبب مرض عضال.

وتقول، لـ«الشرق الأوسط»: «لم نأخذ شيئاً معنا، ونعيش، اليوم، في خيمة تفتقر إلى أبسط المقوّمات، وأعمل في غسل الملابس لتوفير الطعام لأطفالي».

ولا ترى أم عبير في النزوح مجرد فقدان للمنزل، بل انتقالاً إلى حياة تُكافح فيها يومياً لتوفير الغذاء والمياه والرعاية لأطفالها، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع المساعدات.

مجنّدات حوثيات شاركن في تدريبات قتالية بباحة مدرسة بصنعاء (إكس)

وتزداد الأعباء في الأُسر التي فقدت مصادر دخلها، إذ تجد النساء أنفسهن أمام مسؤوليات لم يكنَّ يتحملْنها وحدهن قبل الحرب؛ من تأمين الاحتياجات اليومية، إلى رعاية الأطفال والمرضى، في بيئة اقتصادية وإنسانية شديدة الهشاشة.

وبالتوازي مع آثار الحرب الاقتصادية والإنسانية، تواجه النساء، في مناطق سيطرة الحوثيين، منذ سنوات، قيوداً على الحركة والتنقل؛ من بينها اشتراط وجود مَحرم في بعض حالات السفر والتنقل بين المحافظات أو الخروج للعمل.

وتقول طبيبة، تعمل في المجال الميداني بمحافظة إب، إن هذه القيود أثّرت على قدرتها على الوصول للمناطق النائية وتقديم الخدمات الطبية للنساء والأطفال.

وتوضح، لـ«الشرق الأوسط»: «كنا نتحرك بسهولة للوصول إلى القرى وتقديم الرعاية الطبية، لكن استمرار قيود الحوثيين على التنقل جعل مهمتنا أكثر صعوبة، خصوصاً عندما لا يتوفر شخص يمكنه مرافقتنا».

ولا تقتصر تداعيات ذلك، وفقاً للطبيبة، على العاملات في المجال الطبي، بل تمتد إلى النساء في المناطق المعزولة، اللواتي قد يجدن صعوبة في الوصول إلى الرعاية الصحية وخدمات الحمل والولادة والإسعافات الأولية.

الاحتجاز يوسع دائرة الخوف

إلى جانب النزوح والقيود على الحركة، تشير مصادر حقوقية إلى تعرض نساء في مناطق سيطرة الحوثيين للاحتجاز والاستدعاء والضغط، خصوصاً الناشطات والإعلاميات والعاملات في المجال المدني، في إطار ما تصفه المصادر بسياسة تهدف إلى الحد من النشاط الحقوقي والمجتمعي.

وتروي ناشطة حقوقية من صنعاء، فضّلت حجب اسمها، لـ«الشرق الأوسط»، أنها أمضت نحو ثلاثة أشهر في مركز احتجاز بعد مشاركتها في مبادرة لتوزيع مساعدات غذائية، مشيرة إلى تعرض أسرتها للتهديد بهدف دفعها إلى وقف نشاطها.

عملية التجنيد الحوثية امتدت لتطول الفتيات وطالبات المدارس (فيسبوك)

وتقول إن تجربة الاحتجاز لم تقتصر آثارها عليها، بل امتدت إلى أسرتها التي عاشت، وفق روايتها، تحت ضغط الخوف من تعرضها مجدداً للاعتقال أو اتخاذ إجراءات ضد أفراد عائلتها.

وتشير المصادر الحقوقية كذلك إلى ضغوط تتعرض لها نساء وفتيات فيما يتعلق بالتعبئة والتجنيد والنشاط المرتبط بالهياكل النسائية التابعة للحوثيين، ما يضيف بعداً آخر إلى المخاطر التي تواجهها النساء في مناطق الجماعة.

وتنعكس الأزمة الإنسانية على صحة النساء والفتيات أيضاً، في ظل تراجع الخدمات الصحية ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية، الأمر الذي يحدّ قدرة كثيرات على الحصول على خدمات الصحة الإنجابية والرعاية أثناء الحمل والولادة.

ومع اتساع دائرة الفقر وانقطاع مصادر الدخل، تصبح الفتيات أكثر عرضة للتسرب من التعليم والزواج المبكر، خصوصاً داخل الأُسر التي تجد نفسها أمام خيارات محدودة لتأمين احتياجاتها الأساسية.

وتقول أسماء، وهي أمّ لفتاتين من محافظة حجة، إن فقدان أسرتها مصدر دخلها دفعها إلى اتخاذ قرار وصفته بأنه «اضطراري» بتزويج ابنتها الكبرى عندما كانت في الرابعة عشرة.

وتضيف أن الحرب والفقر أغلقا أمام أسرتها معظم الخيارات، وحرَما أبناءها من حقوق أساسية؛ في مقدمتها التعليم، بينما بات تأمين الطعام والاحتياجات اليومية أولوية تتقدم على بقية الاحتياجات.

تبعات تتجاوز حدود الحرب

تكشف هذه الشهادات أن تأثير التصعيد على النساء اليمنيات لا يمكن قياسه بعدد الضحايا أو النازحين وحدهم، بل يمتد إلى فقدان مصادر الدخل، وتراجع الوصول إلى الخدمات، وتقييد الحركة، وارتفاع مخاطر العنف والاستغلال، فضلاً عن آثار طويلة الأمد على تعليم الفتيات وصحة النساء واستقرار الأُسر.

المخاطر في اليمن تتفاقم نتيجة انعدام خدمات الصحة الإنجابية (الأمم المتحدة)

وفي بلدٍ أنهكته سنوات الحرب، يمكن لأي عودة إلى التصعيد أن تعيد إنتاج هذه الأعباء على نطاق أوسع، خصوصاً في المناطق التي ما زالت تعاني آثار النزوح وتدهور الخدمات وتراجع فرص العمل.

كان صندوق الأمم المتحدة للسكان قد حذّر من أن النساء والفتيات في اليمن يواجهن أعباء متزايدة نتيجة النزاع والنزوح والانهيار الاقتصادي. ووفق بيانات الصندوق، كان نحو 6.2 مليون امرأة وفتاة معرّضات لخطر العنف القائم على النوع الاجتماعي في عام 2025، في حين كان أكثر من 90 في المائة من المناطق الريفية يفتقر إلى الخدمات اللازمة للوقاية من هذا العنف والاستجابة له.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


أزمة المعيشة تدفع أطفال اليمن خارج مقاعد الدراسة

خفض المساعدات الدولية لليمن ساهم في زيادة التسرب من التعليم (إعلام محلي)
خفض المساعدات الدولية لليمن ساهم في زيادة التسرب من التعليم (إعلام محلي)
TT

أزمة المعيشة تدفع أطفال اليمن خارج مقاعد الدراسة

خفض المساعدات الدولية لليمن ساهم في زيادة التسرب من التعليم (إعلام محلي)
خفض المساعدات الدولية لليمن ساهم في زيادة التسرب من التعليم (إعلام محلي)

يبدأ العام الدراسي الجديد في اليمن وسط أزمة تعليمية تتسع بفعل الفقر والنزوح وارتفاع تكاليف المعيشة، مع بقاء ملايين الأطفال خارج الفصول الدراسية بعد أكثر من عقد من الصراع. وبينما يكافح الآباء لتأمين الغذاء والوقود، باتت نفقات التعليم عبئاً إضافياً يدفع كثيراً من الأسر إلى إبقاء أطفالها في المنازل أو إرسالهم إلى سوق العمل.

وأظهر مسح أجرته منظمة «أنقذوا الأطفال» على 2214 أسرة في عدن ولحج وتعز أن نحو ثلث الأطفال، بنسبة 32 في المائة، لم يلتحقوا بالمدارس قط، بينما انقطع ربعهم عن الدراسة ويحتاجون إلى دعم للعودة إليها. وشمل التقييم نحو 14 ألف شخص، بينهم قرابة 5 آلاف طفل.

وتشير خطة الأمم المتحدة للاستجابة الإنسانية إلى أن 6.6 مليون طفل في اليمن، أي ما يقارب ثلث الأطفال، خارج المدارس، في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية وتتراجع المساعدات الدولية.

ويعدّ وليد، البالغ 17 عاماً، واحداً من الأطفال اليمنيين الذين دفعتهم الحرب إلى ترك التعليم. فقد نزحت أسرته من الحديدة إلى مخيم في لحج عام 2017، بعد سنوات من القصف وانعدام الأمن، واضطر هو إلى مغادرة منزله ومدرسته وهو في الثامنة.

نحو 70 % من الأطفال في مناطق سيطرة الحوثيين خارج العملية التعليمية (إعلام محلي)

ورغم محاولته مواصلة الدراسة في خيام تعليمية مؤقتة، اضطر لاحقاً إلى تركها لمساعدة والده المسن في العمل وإعالة الأسرة.

ويعكس وضعه واقعاً أوسع؛ إذ وجد المسح أن قرابة خمس حالات التسرب مرتبطة بعمالة الأطفال. وتقول «اليونيسف» إن 12.5 في المائة من الأطفال بين الخامسة والرابعة عشرة يعملون، وترتفع النسبة إلى 15.4 في المائة في المناطق الريفية، في أعمال قد تكون خطرة، بينها جمع الخردة والعمل في البناء وجمع الحطب.

وتظهر ضغوط المعيشة بوضوح في نتائج المسح، إذ قالت 92 في المائة من الأسر إنها لا تعرف مصدر وجبتها التالية، بينما تعتمد 95 في المائة منها على العمل اليومي لتوفير احتياجاتها. وأكدت 84 في المائة عدم قدرتها على تحمل تكاليف التعليم، بما فيها الزي المدرسي والكتب.

مدارس متضررة

لم تقتصر خسائر التعليم على قدرة الأسر على تحمل النفقات، إذ تضررت أو دُمرت أكثر من 2375 مدرسة، أو استخدمت لأغراض عسكرية أو كملاجئ للنازحين، مما عرقل وصول الأطفال إلى التعليم.

كما تعرض طلاب ومعلمون للقتل والإصابة جراء الهجمات على المنشآت التعليمية أو أثناء توجههم إليها. ووفق تقرير للتحالف العالمي لحماية التعليم من الهجمات، تضرر أو قُتل 283 طالباً ومعلماً جراء الهجمات على التعليم في اليمن خلال عامي 2024 و2025.

وفي مناطق سيطرة الحوثيين، تبدو الأزمة أكثر حدة في بعض المحافظات. وذكرت مصادر عاملة في قطاع التعليم أن نسبة الأطفال الذين لم يلتحقوا بالدراسة هذا العام في الحديدة تراوحت بين 70 و80 في المائة، مرجعة ذلك إلى الرسوم التي فرضتها الجماعة، إلى جانب عجز الأسر عن شراء الكتب.

تحديات كبيرة تواجه الحكومة اليمنية مع بداية العام الدراسي (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن نحو 13 ألف طالب سجلوا في 60 مدرسة بالحديدة، مقارنة بـ24 ألفاً في العام السابق، لكن كثيراً منهم لا يحضرون بسبب عدم القدرة على دفع الرسوم، وارتفاع درجات الحرارة وانقطاع الكهرباء.

وتضيف أن أفضل مدرسة عامة في بعض المناطق لا تعمل سوى ساعة ونصف إلى ساعتين يومياً، نتيجة الحرارة ونقص المعلمين، في ظل استمرار توقُّف رواتبهم منذ سنوات.

مستقبل أكثر هشاشة

تأتي هذه التطورات مع أزمة تمويل إنساني حادة، اذ لم تتجاوز نسبة تمويل خطة الاستجابة الإنسانية لليمن العام الماضي 25 في المائة من الاحتياجات المطلوبة، مما أدَّى إلى إغلاق برامج وخدمات أساسية.

وحذرت ريشانا حنيفة، المديرة القُطْرِيَّة لـ«أنقذوا الأطفال»، من أن أطفال اليمن معرضون لخطر التحوُّل إلى «جيل ضائع»، مع دفع الأزمة الاقتصادية المزيد منهم بعيداً عن الفصول الدراسية نحو العمل.

ومع استمرار النزوح وتراجع المساعدات وارتفاع تكاليف التعليم، لا تبدو عودة الأطفال إلى المدارس مرتبطة بتوفير المقاعد الدراسية وحدها، بل بقدرة الأسر على البقاء أولاً؛ إذ كلما طال انقطاع الطفل عن التعليم، تراجعت فرص عودته، لتتحول الأزمة من تسرب مؤقت إلى خسارة طويلة الأمد لجيل كامل.


تنسيق مصري-إماراتي بشأن أزمة «التعاملات البنكية الإيرانية»

بنك مصر (الصفحة الرسمية لبنك مصر على «فيسبوك»)
بنك مصر (الصفحة الرسمية لبنك مصر على «فيسبوك»)
TT

تنسيق مصري-إماراتي بشأن أزمة «التعاملات البنكية الإيرانية»

بنك مصر (الصفحة الرسمية لبنك مصر على «فيسبوك»)
بنك مصر (الصفحة الرسمية لبنك مصر على «فيسبوك»)

أكد «مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي» و«البنك المركزي المصري»، في بيان مشترك، الأحد، التعاون والتنسيق التام والدائم بينهما، فيما يتعلق بالتعامل مع تداعيات أزمة «التعاملات البنكية الإيرانية»، التي طالت الاتهامات فيها فرع «بنك مصر» في الإمارات، وشددا على «اتخاذ كل الإجراءات والتدابير اللازمة».

ووفق البيان المشترك، فإن ذلك يأتي «في إطار المتابعة للمقترح الصادر عن وزارة الخزانة الأميركية بشأن قاعدة تنظيمية تقضي بفرض تدبير خاص يتعلق بفروع بنك مصر في الإمارات»، مشيراً إلى قيام فروع «بنك مصر بمزاولة كل أعمالها بصورة طبيعية، وستقوم باتخاذ كل الإجراءات والتدابير اللازمة خلال الفترة المحددة لذلك».

وفي السياق ذاته، لا يرى عضوان في مجلس النواب المصري (البرلمان) قلقاً في قيام «مصرف الإمارات المركزي» بالتفتيش على فروع «بنك مصر» العاملة هناك، ضمن مراجعة للشركات الواردة في البيان الصادر عن السلطات الأميركية، ضمن حزمة عقوبات مفروضة على إيران.

وكان «مصرف الإمارات المركزي» قد أعلن السبت إجراء تفتيش خاص وعاجل على فروع «بنك مصر» العاملة في البلاد، يتضمن «مراجعة متعمقة للتعاملات المصرفية» للشركات الواردة في بيان السلطات الأميركية»، على خلفية مقترح لاتخاذ تدبير خاص يتعلق بفروع البنك في الإمارات باعتبارها مؤسسة مالية تعمل خارج الولايات المتحدة ذات مخاوف رئيسية تتعلق بغسل الأموال.

«مصرف الإمارات المركزي» (وام)

وكانت وزارة الخزانة الأميركية قد أعلنت يوم الجمعة الماضي اتخاذ إجراء لقطع تعاملات فروع ‌«بنك مصر» في الإمارات بالدولار بسبب تعاملاتها مع إيران. وأضافت، في بيان، أن «شبكة مكافحة الجرائم المالية اقترحت قاعدة تلغي إمكانية وصول فروع بنك مصر في الإمارات إلى خدمات الحسابات المصرفية المراسلة لدى المؤسسات المالية الأميركية».

ويرى عضو اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب المصري محمد فؤاد، «أن القرار الأميركي بشأن فرع بنك مصر في الإمارات يجب وضعه في إطاره الصحيح؛ فهو إجراء تنظيمي مقترح ومحدد النطاق يتعلق بعمليات البنك في الإمارات، ولا يمتد إلى بنك مصر في مصر أو باقي فروعه الخارجية».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «صحيح أن (المركزي المصري) وبنك مصر أصدرا بيانات بشأن الواقعة، لكن السلطة الأصيلة هي لمنظم السوق في دولة الإمارات، وقد أصدرت بيانات بشأن ذلك الفحص وهو أمر احترازي ومنطقي ومهني».

تجدر الإشارة إلى أن «المركزي الإماراتي» أكد أنه يدرس في الوقت الراهن الخيارات المتاحة بشأن وضع البنك، في حال تقرر اتخاذ التدبير الخاص بحقه بعد استيفاء الإجراءات وفقاً للقوانين الأميركية، وأنه سيتخذ القرار المناسب في هذا الشأن في حينه، مع الأخذ في الاعتبار التزامات «بنك مصر» تجاه عملائه في دولة الإمارات.

وأشار «المصرف المركزي الإماراتي» إلى أنه «يجري عمليات تفتيش دورية على إجراءات مواجهة غسل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب لدى البنوك العاملة في الإمارات، كما يتحقق من كفاءة الأنظمة الإلكترونية المتعلقة بفحص العقوبات وغيرها، ويطالب البنوك بإجراء التحسينات اللازمة على هذه الإجراءات والأنظمة وفقاً لمتطلبات القوانين واللوائح المعمول بها».

من جانبه، يرى عضو مجلس النواب المصري، عاطف المغاوري، أن «قيام المركزي الإماراتي بالتفتيش على فروع بنك مصر على الأراضي الإماراتية إنما يأتي في سياق التأكيد على التماشي مع السياسات الأميركية فيما يخص مكافحة غسيل الأموال، وكذلك فرض الحصار الاقتصادي على إيران وقطع مصادر التمويل عنها».

وشدد في تصريح لـ«الشرق الأوسط» على أن «هذا الإجراء لا يعني بطبيعة الحال إدانة أو تأكيد اتهامات لبنك مصر هناك، لأنه في النهاية هذا البنك المعني يدخل في نطاق القطاع المصرفي الإماراتي، وبالتالي فالسلطات الإماراتية تؤكد رقابتها ولا تتساهل مع أي شيء يثار، خصوصاً إن كان من الجانب الأميركي الذي تتوافق مع سياساته وتوجهاته».

وفور صدور القرار الأميركي، أكد بنك ‌مصر «احترامه الكامل للأطر ‌التنظيمية ⁠والقانونية ذات الصلة، والتزامه ⁠بكل القوانين واللوائح والتعليمات والضوابط الرقابية المعمول بها، وتعاونه الكامل والبنّاء مع الجهات المعنية».

سبق ذلك بيان لـ«البنك المركزي المصري» أكد فيه أن المسؤولين بـ«المركزي» وفي وزارة الخارجية المصرية «على اتصال بالجانب الأميركي فيما يخص تلك الإجراءات».