«كايرو» يواجه منغصات الحياة بالبهجة

«كايرو» يواجه منغصات الحياة بالبهجة

معرض يضم 55 لوحة ما بين المقاهي والبيوت والطرقات
الاثنين - 4 ذو القعدة 1442 هـ - 14 يونيو 2021 مـ رقم العدد [ 15539]
لم يتوقف الشغف بالفن

بينما تتمسك الحكومة المصرية بفرض العديد من الإجراءات الاحترازية تجاه جائحة «كورونا»، يقدم الفنان جوزيف الدويري صورة عامة تحمل قدراً كبيراً من المرح والبهجة لزخم الحياة بها مسلطاً الضوء على صخب عاصمتها متنقلاً ما بين مقاهيها وطرقاتها وبيوتها، عبر أسلوب سردي بصري تميزت به نحو 55 لوحة من الإكريلك على الكاتفاس، يضمها معرضه المقام الآن في غاليري «آكسيس» تحت عنوان «كايرو».
من قلب الواقع المصري بكل بساطته وعفويته جسد الفنان مشاهد تربط بين الإنسان والمكان لكن بعد أن صبغ ذلك كله برؤية فلسفية مفادها «الضد بالضد» أو كما تقول القصيدة الشهيرة بـ«القصيدة اليتيمة»: «والضد يظهر حسنه الضد» انطلاقا من أن منغصات الحياة تكون هي ذاتها المحرك الأساسي نحو الاستمتاع بالحياة.
يقول الدويري لـ«الشرق الأوسط»: «لو لم تكن هناك منغصات لما عرفنا معنى السعادة، ولو لم يكن هناك معاناة لما عرفنا طعم الراحة، ولم يدرك كثيرون مدى جمال الدنيا، ولم يصبحوا شغوفين بها إلا بعد سيطرة الجائحة على العالم بأسره!».
تزخر اللوحات بلقاءات الأحباب وجلسات السمر والأداء المشترك بين سكان القاهرة التي تلفها الضحكات والإحساس بالرضا والتصرفات المرحة العفوية التي أكدتها استخدامه لبالتة ألوان ساطعة وزاعقة، يقول الفنان: «بسبب الإجراءات الوقائية من كوفيد - 19 شعر الناس بالمنع والحبس الاضطراري لفترات طويلة ما جعلهم يشعرون بالحنين لأيام وذكريات كانت تجمعهم مع الأقارب والأصدقاء، وأضحت الحياة التقليدية الطبيعية حلم كل إنسان على كوكب الأرض، وما أن تحسنت الأمور قليلاً وبدأت مصر تسمح ببعض مما كان ممنوعاً مع التمسك ببعض الإجراءات حتى أصبح المصريين في حالة شغف بالعودة إلى لقاء الأحباء والتوجه إلى المقاهي والشوارع والمتنزهات بكل ازدحامها وصخبها بعد أن تغيرت نظرة الكثيرين تجاه الحياة لتصبح أكثر إيجابية وبهجة في مواجهة مختلف الأزمات، لا كورونا وحدها».
مرور الفنان نفسه بتجربة ذاتية مماثلة أضفى على أعماله قدراً واضحاً من الصدق والواقعية، فقد ترك المنزل الهادئ الذي يقطنه في إحدى التجمعات السكانية الراقية «كمبوند» في مدينة 6 أكتوبر منذ نحو عام عائداً إلى منزل العائلة في وسط البلد بعد أن شعر بالاختناق من الهدوء القاتل الذي زاده الإفراط في استخدام الإجراءات حيث يعيش: «أرفض تماما الاستهتار بالفيروس أو مواجهته بحالة من اللامبالاة، لكن في الوقت نفسه أرحب بالإيجابية تجاهه عبر التطعيم والتمسك بسائر الأسباب العلمية، إضافة إلى الروح المعنوية المرتفعة التي تقوي المناعة، وارتباط ذلك بالفكاهة التي يتميز بها المصريون، وتزداد سطوتها في مواجهة الأزمات».
لكن لا يعني ذلك أن الأعمال تعكس منطقة «وسط البلد» وحدها بل لا ترتبط بالعاصمة وحدها أيضاً برغم عنوان المعرض الذي يحمل اسمها: «العنوان مجرد رمز، فالشخوص والمشاهد إنما تشير إلى طبيعة الحياة في مصر كلها» وفق الدويري.
يعد المعرض مرحلة جديدة في حياة الفنان وصل خلالها إلى حالة من النضج الفني، فبعد أن التقينا في معارضه السابقة باحتفاء واضح بالجسد البشري وتشريحه على حساب المضمون، نجده في هذا المعرض يقدم أعمالا تتميز بزخم الأفكار التي تؤكد الهوية المصرية وإبراز فلسفة الترابط العميق بين الإنسان والمكان عبر العادات والتقاليد والممارسات اليومية، يوضح: «كانت أعمالي السابقة نتاجاً لأفكار تدور في مخيلتي لتراكم خبرات وانفعالات سابقة مررت بها، إلى أن قادتني مصادفة إلى الخروج من الذاتية إلى قلب الواقع».
ويتابع: «كنت أجلس بمفردي في مقهى بمنطقة حيوية وتابعت من وراء الزجاج صخب الحياة وتناقضاتها وتشابكات علاقاتها ما بين الإنسان والآخر والعمارة والحيوانات الأليفة وغير ذلك من حالات تعكس ما يمكن وصفه بـ«قمة الانسجام... وقمة التضاد» في آن واحد، لاكتشف أن ثمة ثروات يشغى بها الواقع تلهم الفنان وتستفزه لتقديم منتج إبداعي جديد كل لحظة».
ورغم أن بعض لوحاته في المعرض المستمر حتى 16 يونيو (حزيران) الجاري تقترب من فن الكاريكاتير من فرط ما تحمله من لمسات ساخرة وأحيانا مبالغة في تناولها الفكاهي لوجع الواقع إلا أن الفنان يؤكد أنه لا يقدم هذا الفن: «تقع أعمالي في منطقة واقعة ما بين الكاريكاتير وفن الكتاب وهي منطقة رفيعة ورقيقة للغاية، إذا مالت قليلاً تجاه إحداهما فإن ثمة اختلال شديد يصيبها ويفقدها معناها».
ويردف الدويري: «لا ترمي لوحاتي إلى السخرية، لكن لكل رسم وجهة نظر ومعنى، وتستند الرسومات في الأساس إلى الوجوه والتعبيرات من دون محاكاة للكاميرا، ومن دون تعمد، فما يحدث أنني أشاهد البشر وأنفعل بهم، وبطبيعة الحال لكل إنسان وجه مختلف ولكل وجه شفرة للتعامل معه، وحين أبدأ في الرسم أجد البشر الذين انفعلت بهم ينسابون على المسطح ويحتل كل منهم مكانه الذي يعرفه جيداً في اللوحة كما لو كانوا أبطال عمل درامي، كما تتحدد ملامح وجه كل منهم بعد أن أكون قد توصلت لشفرته حسب إحساسي به».


مصر

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة