«الأقدار الغاشمة»... تاريخ البشرية في إدارة الكوارث

منذ عهود سحيقة إلى فترات قريبة من الذاكرة الحديثة

المؤرخ الليبرالي نيال فيرغسون
المؤرخ الليبرالي نيال فيرغسون
TT

«الأقدار الغاشمة»... تاريخ البشرية في إدارة الكوارث

المؤرخ الليبرالي نيال فيرغسون
المؤرخ الليبرالي نيال فيرغسون

من زاوية معينة، فإن التاريخ أشبه بسجل ضخم لأرشفة الكوارث وإرث أخطاء البشريّة المتراكم في التعاطي معها. ويبدو أن نيال فيرغسون؛ المؤرخ الليبرالي الأكثر شعبيّة في الغرب قد ألهمته فترة عزلة «كوفيد19» الإجباريّة خلال عام 2020 للتّقليب في دفاتر الاستجابات البشريّة للكوارث ومحاولة استخلاص الدّروس التي يُمكن الاستفادة منها للتعامل مع مأزقنا الحالي، كما تلك المقبلة. نتاج العزلة هذا صدر في سفر ضخم (496 صفحة) بعنوان: «الأقدار الغاشمة: سياسات إدارة الكوارث*»، وقفز سريعاً إلى صدارة قوائم الكتب الأكثر مبيعاً، ولا يزال لشهور العنوان الأول عالمياً على قائمة متجر «أمازون» الإلكتروني في فئة الفلسفة السياسيّة. لكن صدور الكتاب قبل أن ينحسر الوباء الحالي، ودون التوصل إلى استيعاب مختلف أبعاد التّجربة القاسية التي رافقته، قد يجعل منه عملاً غير مكتملٍ بشكل ما، وحججه منقوصة، واستنتاجاته غامضة، إلا إنّ الجزء التأريخي منه لا شكّ غني ومحكم ومتماسك.
قسّم فيرغسون نصّه أقساماً؛ يمثّل أولها الجزء الأكبر من «الأقدار الغاشمة» ويسترجع فيه خبرات البشريّة التاريخيّة مع الكوارث من عهود سحيقة إلى فترات قريبة من الذّاكرة الحديثة: المجاعات والأوبئة والزلازل والبراكين والفيضانات والأعاصير والحروب وحوادث القطارات وانخفاض أعداد السكّان والهجرات التي تؤدي إلى اضطرابات سياسيّة والأسلحة النوويّة... وما إلى ذلك. وبحسب الخبرة البشريّة عبر آلاف السنين، فإن الكوارث غالباً ما نسبت للطبيعة: استياء الآلهة أو اضطرابات الفلك أو سوء الطالع. ويستنتج الكاتب من بحثه أنّه من المضلل تصنيف الكوارث إلى طبيعيّة وأخرى يتسبب فيها الإنسان؛ إذ لا خط صريحاً يمكن رسمه بين نوعين متفاوتين تماماً؛ لأن العوامل السياسية والثقافية يمكن أن تحدد في كثير من الأحيان مدى الأثر الذي تتركه كارثة طبيعية ما وصيغة الاستجابة للتحديّات التي قد ترافقها، مما يجعلها عندئذ أقرب إلى الاصطفاف مع الأخطاء البشريّة بدل تحميل مسؤوليتها للأقدار الغاشمة. وبعبارة أخرى؛ فإن الكوارث ليست كوارث بمجرد حدوثها، بل بقدر التأثيرات التي تنشأ عنها وكيفيّة التعامل معها عندما تضرب المجتمعات وتزعزع نظمها واستقرارها. ويستعير فيرغسون هنا من تشبيهات وضعها كتّاب آخرون لوصف الكوارث، بأنواع حيوانات مثل «وحيد القرن الرّمادي» علماً على المصائب الظاهرة التي لها سوابق ونراها حين تقترب منا، و«البجعات السوداء» للأحداث التي تبدو بحكم تجربتنا المحدودة أقرب إلى الاستحالة، و«ملوك التنين» أي الكوارث الهائلة التي تقع خارج الظروف المعياريّة العادية، فيصف تاريخ البشريّة في مواجهة الكوارث كأنّه «حديقة الحيوان سيئة الإدارة» التي تجمع هذه المخلوقات معاً، مع بعض الأحداث المؤسفة غير المنطقيّة وسوء الحظ.
يحاكم فيرغسون في القسم الثاني ميلاً تقليديّاً إلى إلقاء اللّوم على القادة الأشخاص عند فشل الاستجابات المجتمعيّة أو قصورها عن التّعامل مع الكوارث، فينتقد نظريّة «الرجل العظيم» للتاريخ أو «مغالطة نابليون» التي تختصر الأحداث والتيارات الكبرى بأفرادٍ يديرون العالم بأيديهم بوصفها منهجيّة تفكير تبسيطيّة لا يمكن الدّفاع عنها، في الوقت الذي تكمن فيه الأسباب الأساسيّة لمثل تلك الإخفاقات غالباً في الاحتكاكات بين المستويات الدنيا والمتوسطة من التّسلسلات الهرميّة التنظيميّة للمجتمعات ونقاط ضعف أنظمتها الإداريّة أو غياب المساواة الاجتماعيّة، وأن أولئك القادة ليسوا في النهاية إلا عرضاً للأنظمة التي أنتجتهم. فقد أظهرت كارثة «تشيرنوبيل» مثلاً، جهل مشغلي المرفق وعقم بيروقراطية السلطات. وبينما كشفت مأساة «تشالنجر» كيف أدت سيطرة معايير التكلفة على عمليّات توريد المكوّنات إلى قبول مواد بكفاءة متوسطة وأقل أماناً لتتسبب قطعة صغيرة في انفجار المكوك. وعند انتشار وباء الكوليرا في هامبورغ عام 1892 كانت البنية الطبقية الصارمة في المدينة التي سمحت لملاك العقارات المؤجرة برفض تحسين شبكات المياه والصرف الصحي مسؤولة عن معدل الوفيات المرتفع نسبياً، والذي كان أعلى لدى الفقراء بـ13 مرّة مقارنة بالأغنياء. وفي سفينة «تايتانيك» الشهيرة، فإن التصميم الذي حكمته النظرة الطبقية جعل فرصة النجاة أعلى بـ50 في المائة على الأقل لدى ركّاب «الدرجة الأولى» من تلك الموجودة على الطوابق السّفلى.
ويُلمس من النصّ أن قدرة البشريّة على توقع الكارثة «الصحيحة» مسألة بعيدة المنال، حيث «نادراً ما نحصل على الكارثة التي نتوقعها»، من الصعب كذلك التنبؤ بالسرعة التي تحدث بها الكوارث؛ إذ يمكن أن تحدث كتفكك نظام معقد في وقت واحد، بسرعة مذهلة – كما كانت الحال في الانهيار السريع لحضارات العصر البرونزي - القرن الثاني عشر قبل الميلاد - أو يمكن أن تأخذ شكل انتقالات مرحلية متشنجة متتالية، كذلك الانحطاط التدريجي للإمبراطورية الرومانية.
ويستنتج فيرغسون من تجربة العالم مع «كوفيد19» أن الأنظمة مركزيّة القرار مثل الصين - وذلك بحكم فاعليّة تنفيذ التوجيهات التي تقيّد الحريات المدنية - أثبتت قدرة فائقة على إدارة الوباء من نظيرتها الأنظمة الديمقراطيّة التوافقيّة التي غالباً ما تتعارض فيها مصالح ورغبات مراكز القوى المتعددة، وتضعف من هامش سيطرتها على سلوك مواطنيها، وجعلت من الولايات المتحدّة - الدّولة الأعظم في العالم - موضع سخريّة دوليّة وتندّر فيما يتعلّق بمعدلات الإصابات والوفيّات بالفيروس، ورفعت من وتيرة القلق داخليّاً بشأن موثوقية القوة الاقتصادية الأميركية، وأخلاقيات قيادتها، وحتى قدرتها على البقاء، وهي مخاوف يتأكد دائماً أنها، كالعادة ووفق فيرغسون، سابقة لأوانها.
الفصول المخصصة لتجربة «كوفيد19» الحالية متخمة بكم هائل من المواد الأرشيفيّة: التقارير الصحافية، ومقالات الرأي، والأوراق العلمية، وخلاصات الكونغرس الأميركي، وهذه الببليوغرافيا الضخمة يوظّفها فيما يبدو لتخفيف حدّة النقد الذي استهدف القائدين: دونالد ترمب (الولايات المتحدّة)، وبوريس جونسون (بريطانيا)، في سياساتهما لإدارة الوباء القائمة على تقديم مصالح الاقتصاد على توفير حماية مثاليّة للجميع. وهذان؛ تحديداً، زعيما دولتين من المفترض أنّ إدارتهما الأزمة أفضل من الدّول الأخرى بكثير نظراً للقدرات التقنيّة والعلميّة والماديّة المتقدّمة. لكن أكوام الحقائق التي يجمعها صاحب الكتاب وتناقضها أحياناً لا يمنحان القارئ كبير ثقة فيما يذهب إليه، لا سيما أن انعكاسات الوباء ما زالت مستمرة إلى الآن، مما يصعّب الوصول إلى أحكام قاطعة بشأن أي شيء.
وأخيراً؛ فإن مجموعة موجزة من التكهنات حول المآسي المحتملة في المستقبل واحتمالات الاستجابات الكافية تكمل الكتاب. ولا يخفى هنا انحياز المؤرّخ؛ ليبرالي التوجهات ونجم نخبة واشنطن، ضد الصين وذلك بنقلنا إلى عالم ما بعد «كوفيد19» للتركيز على مصدر قلق مستقبلي من استراتيجية الصين بوصفها قوة عظمى لمنطقتها، وبحر الصين الجنوبي، بشكل عام، وكأنّ كل هموم العالم وشجونه قد حُلّت ولم يتبق سوى أن نحسم نطاق الحدود البحريّة للمياه الإقليميّة الصينيّة.
في الفصل الختامي من «الأقدار الغاشمة» يراهن المؤلف على الخيال؛ الذي يعرّفه ببراعة بأنه بمثابة «تأريخ للمستقبل»، ليمنحنا فرصة إلقاء نظرة على عالم قد نرغب في تجنبه، وأن خير ما نبدأ به للتعامل مع الكوارث المستقبليّة هو السعي جاهدين لتخيّلها أو تحليل العوامل الفاعلة في المؤكّد منها، وترسيم تأثيراتها المحتملة على المجتمع بشكل كلي، وربّما الشروع المبكّر في الإعداد لها. ومع ذلك؛ فإن الأفضل ألا ننسى يوماً نصيحة التاريخ للبشر: «المستقبل غير مؤكد... والنهاية قريبة دائماً».
«الأقدار الغاشمة: سياسات إدارة الكوارث»
«Doom: The Politics of Catastrophe»
المؤلف: نيال فيرغسون
الناشر: ألان لين
مايو 2021


مقالات ذات صلة

إيران... السلطة المطلقة تحمل في أحشائها بذور فنائها

كتب هما كاتوزيان

إيران... السلطة المطلقة تحمل في أحشائها بذور فنائها

في فضاء التفكيك الفلسفي لظاهرة الدولة والمجتمع، تتحرَّك القراءة المُعمَّقة لـ«إيران والثورة 2026»، للمؤرِّخ هما كاتوزيان، حيث يعيد صياغة السردية التاريخية...

ندى حطيط
كتب معركة مصر ضد تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر

معركة مصر ضد تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر

في عام 1838، أصدر والي مصر والسودان محمد علي باشا أمراً إلى حكمدار السودان يطلب منه الكف عن منح العبيد والجواري إلى الجنود كمرتبات وهدايا

رشا أحمد (القاهرة)
كتب رسائل «من حاتم علي إلى دلع الرحبي»

رسائل «من حاتم علي إلى دلع الرحبي»

من خلف عدسة صنعت كثيراً من ذاكرة الدراما السورية، يطلّ حاتم علي في كتاب «رسائل من حاتم علي إلى دلع الرحبي» بصوت آخر، صوت العاشق الذي يكتب بخط يده، والفنان...

«الشرق الأوسط» (دمشق)
كتب كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

في كل قراءة لخرائط المشرق العربي، تتبدى سوريا رقماً صعباً في معادلات التوازن والاستقرار؛ جغرافيتها الممتدة بين الداخل الآسيوي وشواطئ المتوسط، وهويتها الحاضنة...

ندى حطيط
كتب محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني

محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني

عن دار «أركاديا للنشر والتوزيع»، في تونس، صدر مؤخراً كتاب: «الزّمن الميدياتيكي... معضلة الفضاء السيبراني»، للباحث التونسي الدكتور عبد الله الزين الحيدري

ميرزا الخويلدي (الدمام)

إيران... السلطة المطلقة تحمل في أحشائها بذور فنائها

هما كاتوزيان
هما كاتوزيان
TT

إيران... السلطة المطلقة تحمل في أحشائها بذور فنائها

هما كاتوزيان
هما كاتوزيان

في فضاء التفكيك الفلسفي لظاهرة الدولة والمجتمع، تتحرَّك القراءة المُعمَّقة لـ«إيران والثورة 2026»، للمؤرِّخ هما كاتوزيان، حيث يعيد صياغة السردية التاريخية التي انتهت إلى ثورة عام 1979 عبر منظور يربط بين هشاشة البنى المؤسسية والنزوع السلطوي المتعاقب، متجاوزاً الطرح الاختزالي الذي يرى في أحداث تلك الحقبة مجرد صعود فجائي للتيار الديني، ليُقدِّم بدلاً من ذلك أطروحةً سوسيولوجيةً ونفسيةً معقدةً تبحث في جذور الانقطاع التاريخي والمفهوم المثير للجدل الذي يسميه «المجتمع قصير المدى».

تُستمَد القوة النظرية للكتاب من التقاطه الأوهام البنيوية المشتركة بين الأنظمة الشمولية المختلفة، مبيناً كيف تلتقي راديكالية الدولة مع الراديكالية الآيديولوجية المعارضة في نقطة إنكار الواقع المجتمعي، ومبرزاً التناقض الجوهري بين رغبة السلطات المتعاقبة في الضبط المطلق، ونزوع المجتمع الطبيعي نحو التَّعدُّد والتشظي خارج أطر التوجيه القسري.

يتتبع كاتوزيان بكفاءة عالية، وعبر لغة تجمع بين التجريد الفلسفي والتوثيق التاريخي، فترات التَّحوُّل الكبرى في التاريخ الإيراني الحديث بدءاً من سقوط رضا شاه عام 1941، مروراً بالانقلاب على حكومة محمد مصدق عام 1953، وصولاً إلى اللحظة الشمولية - المستمرة - التي توجت أحداث السبعينات.

وفي تفكيكه لـ«الثورة البيضاء» التي قادها الشاه محمد رضا بهلوي، يُحدِّد المفارقة في أنَّ التحديث المادي المفروض من الأعلى، والمتمثِّل في شَقِّ الطرق وبناء الجامعات وتطوير الجيش، واكبه تجريفٌ كاملٌ للمؤسسات السياسية القادرة على استيعاب التعددية، وهضم قنوات التعبير الشرعية.

ينكشف للمتأمل في فصول الكتاب منطق التفسير الفلسفي لظاهرة الاستبداد، حيث يؤصل لفكرة أنَّ السلطة المطلقة تحمل في أحشائها بذور فنائها السريع بفعل العزلة النفسية التي تفرضها على الحاكم، ويصف كيف أدَّى سلوك الدولة البهلوية القائم على التسيير الأحادي والاعتماد على جهاز «السافاك» إلى نشوء قطيعة شعورية ونفسية هائلة بين الحكم والناس، لدرجة جعلت المجتمع يرفض الاعتراف بأي منجز مادي تُقدِّمه له السلطة.

يتيح هذا المنظور للقارئ فهم الثورة في 1979 بوصفها انفجاراً مجتمعياً شاملاً شاركت فيه القوى الليبرالية واليسارية والقومية جنباً إلى جنب مع رجال الدين، حيث توحَّدت هذه الأطياف المتناقضة على هدف هدم البنية القائمة، غافلة في الوقت ذاته عن طبيعة البديل المقبل ومآلات التمرُّد الأعزل عن الوعي المؤسسي.

يتجلى عمق التحليل عند مناقشة التداعيات الدولية والإقليمية التي أعقبت لحظة التحول الشاملة، خصوصاً حادثة احتجاز الرهائن في السفارة الأميركية التي يصفها المؤلف بالحدث الكارثي الذي دفع بالبلاد نحو عزلة دولية خانقة وعزَّز من قبضة الراديكالية الدينية في الداخل، ويوثق الكيفية التي استغلت بها السلطة الجديدة هذا المناخ الاستثنائي، مضافاً إليه ظرف الحرب الطويلة مع العراق، لفرض عملية أسلمة قسرية وشاملة للحياة العامة وتطهير المؤسسات من العناصر غير المتماهية مع الآيديولوجيا الرسمية.

هذه القراءة الفلسفية لطبيعة السلطة الثورية تكشف كيف يتحوَّل التمرد على الطغيان، في غياب أطر قانونية راسخة، إلى صياغة طغيان جديد يستعير أدوات القمع السابقة ويغلفها بقداسة غيبية، ما يؤدي بالضرورة إلى إعادة إنتاج الاستبداد بمسوغات ميتافيزيقية أشد وطأة على الوعي الفردي والجمعي.

تتبدى في المقابل جوانب ضعف منهجية واضحة تحد من قدرة هذا العمل على تقديم دليل موضوعي مطلق لفهم الراهن الإيراني. إذ يسقط المؤلف في فخ الانحياز الفكري المسبق عند معالجته السياسة الخارجية المعاصرة للجمهورية الإسلامية، حيث يتجلى في ثنايا تحليله ميل لتحميل القوى الخارجية المسؤولية الكاملة عن تعثر المساعي الدبلوماسية وأزمات الشرق الأوسط، مغفلاً الدور البنيوي للآيديولوجيا التوسعية للنظام نفسه. هذا الخلل في التوازن التحليلي يضعف من رصانة الأطروحة الفلسفية حول المسؤولية السياسية والمجتمعية، ويجعل القراءة السياسية للأحداث الأخيرة تبدو مفتقرة إلى الحياد الأكاديمي الصارم، متغافلة عن حقيقة أن التطرف يغذي بعضه بعضاً في حلقة مفرغة من العنف المتبادل والصراع على مجالات النفوذ الحيوي.

يؤخذ على الكتاب كذلك وقوعه في التعميم التاريخي المفرط من خلال تمديد مفهوم «المجتمع قصير المدى» - وهي النظرية التي يستخدمها المؤلف لوصف تكرار هدم البناء المؤسسي بالكامل، ثم إعادة تشييده من جديد على نحو يمنع تراكم الإنجاز القومي - ليشمل فترات التحول الكبرى كافة في إیران. وبينما يبدو هذا المفهوم فلسفياً وجذاباً من الناحية النظرية، فإنَّه يتناسى الخصائص الفريدة والتعقيدات السوسيولوجية التي ميَّزت كل حقبة على حدة، كاختلاف الديناميات بين الثورة الدستورية الإيرانية عام 1906 وثورة 1979. يضاف إلى ذلك اختزال دور الثقافة الشيعية العميقة التي شكلت الوجدان الشعبي الثائر، والتركيز الزائد على سردية المجموعات السياسية الهامشية بدلاً من تشريح اللحظة الثورية ذاتها.

مع ذلك، كتاب كاتوزيان وثيقة فكرية بالغة الأهمية تحفز على التفكير النقدي في مصائر الأمم التي تعيش تحت وطأة التجاذب بين التحديث السطحي والأصالة المنغلقة، وبين المطرقة والسندان في صراع الآيديولوجيات المتطرفة.

وينجح العمل في إثبات أنَّ الشرعية السياسية قيمة معنوية تولد من رحم العقد الاجتماعي الحقيقي، ويستحيل تصنيعها عبر القوة العسكرية أو فرضها بواسطة الأجهزة الأمنية. لذلك فالإضافة الأساس لهذي المراجعة التاريخية تكمن في التذكير بأن الصراع المستمر في إيران، والذي يتجسد في الاحتجاجات الشعبية المتكررة وحركات الرفض المتصاعدة، هو في جوهره كفاح طويل من أجل استعادة المجتمع صوته الذاتي، وإجبار الدولة على الخضوع لمنطق المساءلة الإنسانية والقانونية، بعيداً عن أوهام الخلاص الثوري الزائف.


معركة مصر ضد تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر

معركة مصر ضد تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر
TT

معركة مصر ضد تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر

معركة مصر ضد تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر

في عام 1838، أصدر والي مصر والسودان محمد علي باشا أمراً إلى حكمدار السودان يطلب منه الكف عن منح العبيد والجواري إلى الجنود كمرتبات وهدايا، كما أمر بإطلاق سراح نحو 500 من العبيد الذين أسرهم أحمد باشا أبو ودان، حكمدار السودان، وأمر بإنشاء مستعمرة زراعية على النيل الأزرق لإيجاد عمل مناسب لمن لم يستطع من هؤلاء العبيد العودة إلى بلاده الأصلية.

هذا ما يرصده الباحث ناجي غابة في كتابه «الرق ومقاومته في مصر في القرن التاسع عشر»، الصادر عن «دار العربي» في القاهرة، إلا أنه يذكر أنه من الواضح أن «الباشا» لم يقتنع على الإطلاق بإلغاء تجارة الرقيق لما سوف ينتج عن ذلك من مشكلات لمشروعه التنموي، وسيُحرم من مورد مالي مهم يتمثل في الجمارك المفروضة على العبيد المجلوبين من السودان.

ومع وصول سعيد باشا للسلطة في مصر عام 1853، تبدلت الأمور، حيث يعتبر سعيد أول حاكم مصري يفرض حظراً جاداً على هذه التجارة، إذ أصدر أمراً إلى المفتش العام للوجه القبلي في ديسمبر (كانون الأول) 1854 بمنع دخول العبيد إلى مصر من السودان، كما صدرت أوامر أخرى مشابهة إلى كثير من المديريات والمحافظات، وكذلك إلى جمرك أسوان وإلى ديوان المالية.

نصت هذه الأوامر على إعادة من يرد إلى مصر من السودانيين بغرض البيع ذكوراً أو إناثاً إلى بلادهم مع تدشين ما سُمي بالبوليس النهري في السودان للتأكد من خلو السفن من الرقيق المجلوبين لمصر وإنشاء نقطة تفتيش عند «فاشودة» كانت مهمتها تفتيش كل المراكب الآتية إلى النيل الأبيض والاستيلاء على أي رقيق مهرب.

لم تهتم إنجلترا على المستويين الرسمي والشعبي بالموضوع، حيث كانت مشغولة بقضية إلغاء الرق في أميركا التي كانت تمر بمرحلة حرجة وحاسمة في تلك الفترة. أما السلطان العثماني فقد بدأ من جانبه فرض حظر على هذه التجارة في فبراير (شباط) 1857، وعلى أثرها أرسل فرماناً لسعيد باشا يعلمه بوجوب إلغاء هذه التجارة، ومنعها منعاً مطلقاً، وتنفيذ ذلك خلال مهلة أقصاها ستة أسابيع، وأنه بعد انقضاء هذه المهلة فإن الرقيق المجلوب إلى مصر يطلق سراحه ويعاد لبلاده.

وأوضح أنه إذا قام «الجلاب» بإحضار رقيق مرة ثانية يعاقب بالسجن لمدة سنة، وإذا تكرر منه ذلك تُرفع العقوبة إلى الحبس لمدة سنتين. ومنح هذا الفرمان حق سفن الأسطول الحربي العثماني ضبط السفن وتفتيشها وعتق من فيها من الأرقاء وإرسال التجار إلى الآستانة لمحاكمتهم هناك.

تقدم الكثير من التجار بشكاوى للوالي مفادها أن معيشتهم كانت قائمة على هذه التجارة، وأن هذا سوف يعرضهم لخسائر كبيرة.

وحين تبوأ الخديو إسماعيل الولاية انضم إلى حركة العاملين على تحرير الرقيق، كما حدث مع الرئيس الأميركي إبراهام لينكولن، فبذل جهوداً مكثفةً في هذا المجال بدأها في العام الذي تولى فيه الحكم فأرسل إلى حكمدار السودان حمدي باشا يأمره بتعقب تجار الرقيق لقطع دابرهم، فصدع الحكمدار للأمر وكانت النتيجة ضبط 70 سفينة محملة بالأرقاء الذين تم إطلاق سراحهم وإعادتهم لبلادهم، واعتقال التجار الذين لم يفرج عنهم إلا بعد أن أقروا بعدم العودة للنخاسة مرة ثانية.

حتى ذلك الوقت، لم يكن هناك قانون يعاقب التجار الذين يتم ضبطهم بالرقيق، حيث كان يكتفى بمصادرة ما معهم من العبيد، وفي عام 1864 صدرت أولى العقوبات تجاه «الجلابة»، وهي السجن لمدة شهرين حال ضبطهم بأي رقيق وارد لمصر. ووقعت العقوبة على ستة من «الجلابة» الذين تم ضبطهم بمنطقة «أثر النبي»، جنوب القاهرة، بينما ارتفعت العقوبة لستة أشهر لرجال الإدارة المتهاونين في محاربة تجارة الرقيق.

وفي عام 1877 أجريت مفاوضات شاقة ومضنية بين مصر وإنجلترا، حيث أرادت الأخيرة توسيع نفوذها في أفريقيا، خصوصاً في المناطق الجديدة التي سيطر عليها إسماعيل، بينما أردات مصر كسب اعتراف إنجلترا بحقوق السيادة المصرية على ساحل بلاد الصومال حتى نهر جوبا جنوباً. وفي أعقاب موافقة إنجلترا في مارس (آذار) 1877 على أن تشمل السيادة المصرية ساحل الصومال، تم عقد معاهدتين؛ إحداهما في 4 أغسطس (آب) 1877 خاصة بالتعاون بين الطرفين في محاربة تجارة الرقيق.

وافق الخديو إسماعيل على عقد المعاهدة برغم التعنت الشديد من قبل رجال الدين في مصر، فقد عارضه في ذلك مفتي الديار بزعم أن الاتفاقية مخالفة للشريعة، ولكن إسماعيل لم يأبه باعتراضه بل عزله من منصبه.

وفي يونيو (حزيران) 1880 أنشأ الخديو توفيق «مصلحة إلغاء الرق»، وعُين لرئاستها الكونت ديلا سالا الذي اشتُهر بحماسته في محاربة هذه التجارة وكان أحد كبار الضباط الكبار في حرب المكسيك، كما ابتكر خططاً فعالة لمحاربة قوافل الرقيق التي توقفت معظمها بسب إجراءاته القوية.

أما في فترة الثورة العرابية، فقد شن قادة الثورة حملة ضارية ضد تجار الرقيق، وقد أعلن عرابي أنه «ليس في مصر من يود أن يكون له عبيد غير أمراء بيت الخديو والباشوات الأتراك الذين تعودوا على استعباد المصريين، وأن الإصلاحات الجديدة سوف توجد المساواة بين الناس مهما اختلفوا في الجنس واللون والدين».

واتخذت الحكومة الثورية عدة خطوات عملية في هذا المجال بدأت بحملة جماهيرية تزعمها عبد الله النديم بهدف تكوين جمعية سميت بـ«جمعية الأحرار السودانيين» كان هدفها مساعدة الأرقاء المحررين وتقديم المعونات لهم.

بعد أشهر قليلة من تولي عباس حلمي الحكم، وافق على إنشاء بعض المراكز لمتابعة حركة تجارة الرقيق لتكون بمثابة نقاط حراسة على الساحل الغربي للبحر الأحمر، وبلغت تكاليف إنشائها 600 جنيه مصري، وتم تكليف البكباشي لوتون الإنجليزي الجنسية لقيادتها، كما أصدر في 20 مايو (أيار) 1892 أمراً بإبطال استخدام الرقيق في المقاهي والمحلات العمومية مراعاة للآداب العامة.

وتعتبر معاهدة 12 نوفمبر (تشرين الثاني) 1895 مكملة للمعاهدة السابقة، حيث لا تختلف عنها كثيراً، وتزيد فقط في أنها نصت على منع التجارة في جميع أنواع الرقيق، بما في ذلك المماليك والجواري البيض، كما أضيف إليها ملحق يتعلق بالإجراءات التفصيلية المختصة بتجارة الرقيق، سواء البائعين أو المشترين.

وفي 21 نوفمبر من العام نفسه، صدرت مذكرة تفسيرية يتضح منها تشديد العقوبة على جالبي الرقيق إلى مدة تتراوح ما بين خمسة أشهر وخمس سنوات.

نتيجة لهذه القوانين الصارمة ونشاط رجال مصلحة منع تجارة الرقيق، انحصرت تجارة الرقيق في مصر، ولم يتبق منها سوى آثار قليلة في السودان، ولذلك احتوت اتفاقية «الوفاق للسودان» الموقعة بين مصر وبريطانيا في 19 يناير (كانون الثاني) 1899 على مادة نصت على منع تجارة الرقيق بالسودان وإزالة ما تبقى من آثاره.


رسائل «من حاتم علي إلى دلع الرحبي»

رسائل «من حاتم علي إلى دلع الرحبي»
TT

رسائل «من حاتم علي إلى دلع الرحبي»

رسائل «من حاتم علي إلى دلع الرحبي»

من خلف عدسة صنعت كثيراً من ذاكرة الدراما السورية، يطلّ حاتم علي في كتاب «رسائل من حاتم علي إلى دلع الرحبي» بصوت آخر، صوت العاشق الذي يكتب بخط يده، والفنان الذي يبوح بقلقه وأحلامه، والإنسان الذي يرى في الحب شراكة فكر وحياة لا عاطفة عابرة.

الكتاب الصادر عام 2025 عن «دار كنعان» للدراسات والنشر في دمشق، في 512 صفحة، يفتح نافذة على جانب وجداني وفني من شخصية المخرج والممثل الراحل حاتم علي، الذي عرفه الجمهور من خلف الكاميرا بهندسته المتقنة للمشهد، وأمامها ممثلاً، فيما تكشف رسائله إلى الكاتبة السورية دلع الرحبي عن عالم حميم يتقاطع فيه الحب مع الفن، والسيرة الشخصية مع أسئلة المسرح والدراما والقضية.

وتقوم خصوصية الكتاب على أنه لا يقدم رسائل حب فقط، بل يرسم ملامح سيرة غير اعتيادية لفنان في بداياته، قبل أن يعرفه الجمهور مخرجاً لأعمال تركت أثراً عميقاً في الذاكرة السورية والعربية، ففي هذه الرسائل يظهر حاتم علي شاباً في مقتبل العمر، منشغلاً بتدريبات المسرح في المعهد العالي للفنون المسرحية، يكتب إلى دلع الرحبي لا ليحكي تفاصيل يومه فحسب، بل ليشاركها خطواته الأولى في الطريق إلى الفن.

وتبدو دلع الرحبي في هذه الرسائل شريكة فكر وحلم، تتلقى الحب بعقل الكاتبة المثقفة وقلب العاشقة، وتتابع ما يصنع خلف الكواليس من قلق واجتهاد وطموح، ومن هنا يتحول البوح الشخصي إلى وثيقة وجدانية وفنية، تكشف عن كيف بدأ وعي حاتم علي يتشكل من المسرح، بوصفه «أبو الفنون»، قبل أن يصبح واحداً من أبرز صناع الدراما السورية.

كتب مقدمة الكتاب الفنان جمال سليمان، الصديق المقرب للعائلة، مشيراً إلى أن «الكتاب وثيقة ثقافية أدبية تحكي قصة حب استثنائية بين حاتم علي ودلع الرحبي، لا تتكون من فصل أو فصلين كما جرت العادة، بل من أربعة فصول، تعود إلى البدايات في المعهد العالي للفنون المسرحية وصولاً إلى مرحلة الزواج».

واعتبر سليمان أن الكتاب هو النقطة الأخيرة في مرحلة «أدب الرسائل» التي امتدت لمئات السنين، آخذاً القارئ في رحلة إلى زمن يمزج بين الشأن الشخصي والمسرحي والدرامي، عبر يوميات وثقها الراحل في رسائله».

تأخذ رسائل حاتم علي بعداً وجدانياً وفنياً؛ إذ يعبّر فيها عن حب روحي يتجاوز ومضات العاطفة السريعة، ليبدو أقرب إلى مشروع حياة قائم على المشاركة والثقة، وقد مزج فيها بين حساسية الفنان الشاب، ولغة المتأمل، ووعي المبدع الذي يدرك أن الفن لا ينفصل عن التجربة الإنسانية.

وتكتسب الرسائل أهميتها أيضاً لأنها كتبت بخط اليد، قبل أن تغزو وسائل الاتصال الحديثة علاقات الناس ومشاعرهم، لذلك تحمل صفحاتها متعة الانتظار، ورائحة الورق، ودفء اليد التي كتبت، في امتداد لسلسلة «أدب الرسائل» التي عرفتها الثقافة العربية، من رسائل جبران خليل جبران إلى مي زيادة، ورسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان، وغيرهما.

من خلال الرسائل، يمكن تلمس بدايات عقود من إبداع حاتم علي؛ إذ تبدو خشبة المسرح منطلقاً أول لصقل موهبته في الإخراج والتمثيل، وركيزة لصناعة مخرج قدّم لاحقاً أعمالاً درامية خالدة في الدراما السورية الاجتماعية، وعكست صورة العائلة بكل دفئها.

كما تحضر في الرسائل القضية الفلسطينية، متداخلة مع تأثر علي برسائل غسان كنفاني، ومعايشته لبيئة المخيمات الفلسطينية في دمشق، وهو ما يفسر الزخم الإنساني والفني الذي ظهر لاحقاً في إخراجه مسلسل «التغريبة الفلسطينية»، ذلك العمل الأيقوني الذي حمل ألم التهجير وضياع الهوية والحنين إلى الوطن، ونقل الوجدان العربي إلى مدن حيفا وعكا وذاكرة فلسطين.

صحيح أن الكتاب رسائل حب، لكنه في الوقت نفسه يسرد سيرة فنان من خطواته الأولى، قبل أن يعرف العالم ذلك المخرج المبدع، فهو يصور الاجتهاد والعمل والقلق والأحلام.