قمصان ذكية ترصد المؤشرات الصحية

انطلاقة عالمية لتطوير أقمشة بشاشات عرض للتبريد أو التدفئة

أقمشة صينية «ذكية»
أقمشة صينية «ذكية»
TT

قمصان ذكية ترصد المؤشرات الصحية

أقمشة صينية «ذكية»
أقمشة صينية «ذكية»

انضمّت شركة «نكستايلز» للألبسة إلى كلّ من آبل وسامسونغ وغوغل في البحث عن أفكارٍ تهدف إلى إضفاء خصائص كومبيوترية على الملابس اليومية. و«تكستايلز» هي شركة لصناعة الألبسة مدعومة من المؤسسة الوطنية للعلوم، وتسعى لحياكة تقنيات شبيهة بأحهزة «فيتبت» (التي ترصد المؤشرات الصحية) في النسيج. وتعتبر هذه التقنية إضافة جديدة على لائحة آخذة في التطوّر من الجهود الهادفة لإحداث ثورة في عالم لملابس التي نرتديها.
أقمشة ذكية
أطلقت الشركة النّاشئة في مدينة بروكلين الأميركية، الشهر الماضي، «قماشها الذكي» الحاصل على براءة اختراع والقابل للغسل في الآلات، كوسيلة جديدة لجمع البيانات الحيوية.
شملت الموجة الأولى من إنتاج الشركة الملابس الرياضية، والفكرة منها السماح للرياضيين بقياس عوامل كالسرعة والقوّة والزخم وغيرها من المقاييس التي ترصدها تقنيات اليوم القابلة للارتداء كالساعات والأساور الذكية.
تهدف الرؤية الأوسع للشركة إلى إدخال هذا النسيج المتقدّم إلى الأسواق الاستهلاكية الكبرى لمراقبة معدّل نبض القلب والتنفّس عبر الملابس التي نرتديها يومياً.
وكشف جورج صان، الرئيس التنفيذي في «نكستايلز» والمسؤول السابق في شركة «بوما» الشهيرة بصناعة الألبسة الرياضية الفاخرة، أنّ «هدفه كان تحويل الخيوط التي نرتديها كلّ يوم إلى عنصر ذكي مستخدم في الملابس اليومية. لذا، عوضاً عن لصق رقاقة كومبيوتر في الجسم، أضافت الشركة هذه الدوائر الذكية إلى الكمّ والقميص والسروال».
استهلّت «نكستايلز» إنتاجها بكمّ يُلبس في الذراع والركبة مصمم لقياس التغيرات الميكانيكية من نقاط بيانية مختلفة موجودة فيه، ويمكن استخدام هذه المعلومات التي يجمعها لتوقّع وتجنّب الإصابات والرضوض، بحسب ما أفاد صان. ليست «نكستايلز» الشركة الأولى التي تحلم بهذا النّوع من الصناعات، ولكنّ خطّ الإنتاج الذي أطلقته هو المقاربة الأحدث في سيل الأفكار الساعية لإحداث ثورة في عالم الأنسجة المستخدمة لتصميم ما يتعدّى الملابس العصرية.
انطلاقة عالمية
في فبراير (شباط) الماضي، منحت آبل براءة اختراع لـ«أزرار قماشية ذكية» قادرة على تشغيل ضوابط التحكّم في ساعات آبل الذكية وهواتف الأيفون وأجهزة الماك بوك. وفي عام 2018 منحت سامسونغ براءة اختراع لـ«ملابس ذكية» يتغيّر لونها حسب الطلب. ولكنّ غوغل تفوّقت على الشركتين بإطلاق قسمٍ خاصٍ للقماش الذكي أسمته «بروجكت جاكوارد» في 2015. بعد سنتين من إطلاقه، وقّع القسم شراكة مع علامة «ليفي» التجارية لتصميم سترة مع تطبيق مرافق تتيح استخدام الملابس للإجابة على الاتصالات. قوبِلت السترة بتقييمات متباينة ولكنّ شركة البحث العملاقة لم تتوقّف عن العمل مع العلامات التجارية، فقد تعاونت العام الماضي مع شركة أديداس لصناعة رباط حذاء خاص بلاعبي كرة القدم المهتمّين بقياس ركلاتهم وقوّة رمياتهم والمسافة والسرعة. واليوم، تعمل مختبرات بحثية عدّة على دفع الأمور إلى المزيد من التطوّر.
ماذا إن أصبح القميص الذي ترتدونه قادراً على استشعار التعرّق وتعديل درجة حرارته؟ أو ماذا إذا استطاع سروالكم ملاحظة تغيّرات خطواتكم وإنذاركم قبل وقوع الإصابات؟ يعتقد الباحثون أنّ المستقبل سيأتي حاملاً معه هذا النّوع من الابتكارات. قد يتطلّب الأمر سنوات، وربّما لعقود، لتصل هذه التقنية إلى المستهلك، ولكنّ أسُسها توضع اليوم بفضل علماء يبتكرون قطعٍ قماشية توسّع الحدود التقنية القائمة.
أقمشة بشاشات
في مارس (آذار)، نشر باحثون من جامعة «فودان» الصينية نتائج دراسة شهدت تطوير قماشٍ إلكتروني قادر على تحويل الألسبة إلى شاشة عرض. ويأمل هؤلاء أن يحوّلوا نشاطهم إلى السوق الاستهلاكية بحلول العام المقبل، بحسب كيبينغ بيي، عالم موادٍ في جامعة كاليفورنيا، لوس أنجليس، الذي شارك في إعداد الدراسة.
وفي عام 2019 اخترع باحثون من جامعة ميريلاند قماشاً قادراً على تدفئة الشخص عندما يشعر بالبرد، وتبريده عند شعوره بالحرّ.
يعمل باحثون من معهد ماساتشوستس للتقنية منذ سنوات على رسم مستقبل الأقمشة من خلال ابتكار طرائق جديدة لتصغير حجم البطاريات والميكروفونات والموصلات إلى درجة تتيح لصقها بخيطٍ واحد.
من جهتها، تعتمد «نكستايلز» في مقاربتها لصناعة الأقمشة الذكية على استخدام خيوط متوفّرة في الأسواق وقابلة للغسل في الآلات.
خيوط قطن فولاذية
تستخدم الشركة التي تأسّست في 2018، خيوطاً من أقمشة كالقطن والبوليستر والسباندكس، ومن ثمّ تغطّيها بمادّة واصلة، غالباً ما تكون الفولاذ الصلب، لجمع البيانات. بعد دمجها بالبوليمرات الواصلة، تؤدّي الألياف دور الأسلاك وتصبح قادرة على نقل الإشارات. بعدها، تحيك الشركة هذه الألياف في القماش، وتضع الخيوط فوق بعضها باستخدام تقنيات درزٍ من تطويرها.
في هذا الإطار، قال صان في حديث تناقلته وسائل الإعلام الأميركية: «نحيك هذه الألياف على شكلِ قالب حلوى. نخيط شكلاً ما في الطبقة الأولى، وشكلاً آخر في الطبقة الثانية، وفي طبقات أخرى عدّة، حتّى تصبح الخيوط على شكلِ طرقات سريعة متقاطعة». توضع أجهزة الاستشعار بأسلوب استراتيجي حول القماش، وتُضاف عليها رقاقات بلوتوث بحجم الظفر، مهمّتها إرسال المعلومات إلى الهاتف الذكي أو الكومبيوتر للمعالجة.
تتعاون الشركة، التي تدّعي أنّ أقمشتها حسّاسة لأي حركة يقوم بها المرتدي، مع رياضيين وتبيعهم منتجاتها لقياس درجة انحناء وتمدّد والتواء الخيوط والأقمشة حول الجسم أثناء الأداء، ما يساعدها على استخلاص مقاسات غير ظاهرة للعين المجرّدة كالزخم وعزم الدّوران. تعمل «نكستايلز» أيضاً للحصول على براءات اختراع أخرى لإجراء تخطيط للقلب ومراقبة درجات الحرارة بهدف توسيع وجودها في سوق تقنيات الرشاقة المتّصلة وفي مجالي صناعة المركبات والطبّ.
يستطيع صانعو المركبات استخدام الأقمشة الحسّاسة لمقاعد السيّارات لزيادة التفاعل البشري مع العربة، أو على العجلات لتحسّس التغييرات في الطرقات. تخيّلوا مثلاً أنّ يعرف مقعد سيّارتكم وحده أنّكم تشعرون بالبرد ويبادر تلقائياً إلى تسخينه.
توجد الكثير من الأفكار حول مدى التغيير الذي قد تحدثه الابتكارات التقنية القماشية في العالم، ولكنّ المستهلكين لن يستطيعوا في وقتٍ قريب شراء أي قطعة قماشية تؤدّي مهمّة أكثر تعقيداً من قياس الأداء أو التحكّم بمستوى الصوت في الهاتف الذكي.
يقول الباحثون إنّ العلماء يستطيعون القيام بأمور كثيرة في المختبرات، ولكنّ معظم النتائج التي قد يحصلون عليها سيكون تطبيقها صعب على نطاقٍ واسع بالنسبة للشركات.
لم تكشف «نكستايلز» بعد عن تكلفة الكمّ والبرنامج اللذين طوّرتهما، ولكنّ الرئيس التنفيذي للشركة قال إنّ تقنية شركته مطلوبة وإنّ «معظم الرياضيين البارزين لا يمانعون دفع سعرٍ مرتفع مقابل استخدامها».
استشعار كومبيوتري
وتبيع شركات أخرى في مجال الملابس الرياضية الذكية منتجاتها بأسعارٍ عالية أيضاً. على سبيل المثال، تقدّم شركة «هيكسوسكين» في مونتريال، قميصاً مدعّماً بأجهزة الاستشعار يرافقه جهاز بلوتوث مقابل حوالى 400 دولار، بينما تبيع شركة «مينوتك» الفنلندية حزام «إم بيلت» الذي يراقب العضلات بحولى 1500 دولار.
يعتبر البعض أنّه من الصعب معرفة ما ستؤول إليه الأمور في مستقبل الأقمشة المدعومة بخصائص كومبيوترية. ويبقى أنّ نرى ما إذا كان المستهلكون سيرغبون بارتداء قميصٍ متطوّر مزوّد بأسلاك مدمجة في ظلّ وجود ساعات وهواتف ذكية تقوم بالكثير من المهام أصلاً. وتشير دالفين براون الأميركية المتخصصة بتغطية أهم المبتكرات الجيدة في واشنطن إلى أنه ومع ذلك، وضع معهد ماساتشوستس للتقنية خريطة طريق تشرح احتمالات تطوّر الأقمشة الإلكترونية، بداية مع «الأقمشة الكومبيوترية» أو المواد الليّنة المصنوعة من أليافٍ فردية قادرة على تخزين كمّ كبير من البيانات والطّاقة. يوجد في المعهد اليوم باحثون يركّزون على هذه الجهود، ويوماً ما، قد تصبح هذه الخيوط معزّزة بخوارزميات تستطيع فهم البيانات الجسدية التي جمعتها الملابس. ويقول يويل فينك، أستاذ علوم المواد في معهد ماساتشوستس للتقنية: «تخيّلوا فقط أنّ كلّ الكيميائيات الحيوية التي تخرج من جسمكم تُفرز في ملابسكم، إلّا أنّ كلّ هذه المعلومات تضيع اليوم في آلات غسيل الملابس. ولكن في مرحلة معيّنة، قد يصبح بإمكان القماش الذي ترتدونه تعلّم الإنصات إلى التغييرات الجسدية الطفيفة، وإنذاركم للذهاب إلى الطبيب وإجراء الفحوصات. ستغيّر هذه التطوّرات طريقة تفكيركم بالعناية الصحية.


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

التقاط «السيمفونية الجينية» للدماغ البشري

التقاط «السيمفونية الجينية» للدماغ البشري
TT

التقاط «السيمفونية الجينية» للدماغ البشري

التقاط «السيمفونية الجينية» للدماغ البشري

تمكن فريق من الباحثين لأول مرة من تحديد مجموعة محددة من الجينات التي تنشط في أثناء التواصل اللحظي بين خلايا الدماغ، الأمر الذي يتيح فرصة غير مسبوقة لفهم الآليات الجزيئية التي تقف وراء الأفكار والمشاعر والسلوك البشري.

وتمثل هذه النتائج التي نُشرت في 19 فبراير (شباط) الماضي في دورية Molecular Psychiatryقفزة نوعية كبرى، فحتى وقت قريب كان العلماء الذين يدرسون وظائف الدماغ من منظور جيني يعتمدون بشكل أساسي على فحص الأنسجة بعد الوفاة. وهو ما يشبه النظر إلى دماغ صامت لمحاولة فهم كيفية عمله عندما يكون حياً. أما النهج الجديد الذي ابتكرته الفرق البحثية في كلية «إيكان للطب» في ماونت سايناي بنيويورك، فقد مكّن العلماء من مشاهدة هذه العملية وهي تجري في الزمن الحقيقي.

ويوضح قائد الدراسة الدكتور ألكسندر تشارني، أستاذ الطب النفسي وعلم الأعصاب والعلوم الجينية في كلية إيكان للطب نيويورك، أهمية هذا التحول قائلاً: «لعقود من الزمن كان فهمنا للتعبير الجيني في الدماغ البشري محصوراً في الدراسات التي تجرى على الأنسجة بعد الوفاة. أما هذا العمل فيتيح لنا الآن فحص البنية الجزيئية للتواصل العصبي وهو يحدث داخل أفراد أحياء، مما يقربنا خطوة كبيرة من ربط الجينات مباشرة بوظائف الدماغ في الوقت الفعلي».

جسر بين عالمين منفصلين

وركزت الدراسة على عملية «النقل العصبي» (Neurotransmission)، وهي تلك الإشارات الكهربائية والكيميائية التي تنتقل بين الخلايا العصبية، وتشكل الأساس لكل فكرة وذكرى وحركة يقوم بها الإنسان. ولالتقاط هذه العملية الدقيقة دمج الفريق البحثي بين تقنيتين متطورتين.

حلل الباحثون أنماط التعبير الجيني في منطقة «قشرة الفص الجبهي» Prefrontal Cortex لأكثر من مائة مريض كانوا يخضعون لعمليات جراحية عصبية. وبالتزامن مع ذلك جمعوا قياسات مباشرة للإشارات العصبية من أدمغة هؤلاء المرضى في أثناء وعيهم الكامل. ومن خلال دمج البيانات الجزيئية مع التسجيلات الفسيولوجية الحية تمكن الفريق من تحديد مجموعة متجانسة من الجينات يرتفع وينخفض نشاطها بتناغم مع انطلاق الإشارات العصبية.

ويؤكد الدكتور برايان كوبيل، مدير مركز التعديل العصبي في كلية إيكان للطب نيويورك والمشارك بالدراسة، الأهمية الكبيرة للجمع بين هذين التخصصين العلميين، قائلاً: «من خلال الجمع بين التسجيلات داخل الجمجمة والتحليل الجزيئي نقوم ببناء جسر بين عالمين كانا يُدرسان تقليدياً بشكل منفصل. هذا النهج يقدم لنا صورة أوضح عن كيفية عمل الدوائر العصبية على المستويين الكهربائي والجيني معاً، مما يحمل آثاراً عميقة على تطوير أساليب التعديل العصبي والعلاجات الدقيقة».

إطار لفهم الأمراض العقلية

كما أكدت الدراسة أن هذا «البرنامج النسخي» Transcriptional Program المكتشف حديثاً ليس مجرد ظاهرة عشوائية بل هو نمط يتكرر عبر مجموعات مختلفة من المرضى، ويتوافق مع المسارات البيولوجية المعروفة المرتبطة بالإشارات العصبية الاستثارية والوظائف التشابكية بين الخلايا العصبية.

أما الآثار المترتبة على هذا الاكتشاف فستكون واسعة النطاق؛ فاضطراب عملية النقل العصبي هو السمة الأساسية المشتركة في جميع الاضطرابات النفسية والعصبية الكبرى تقريباً، بما في ذلك الاكتئاب والفصام والصرع ومرض ألزهايمر. ومن خلال تحديد الجينات التي تدعم التواصل العصبي السليم أصبح لدى العلماء الآن هدف أكثر وضوحاً لفهم مواطن الخلل في الأمراض المختلفة.

ويشير الدكتور إغناسيو سايز، أستاذ علم الأعصاب وجراحة المخ والأعصاب في كلية إيكان للطب وأحد المشاركين بالدراسة، إلى أن هذه الدراسة تُحدث نقلة نوعية أيضاً في طريقة تفسير البيانات الجينية المعقدة، قائلاً: «تكمن قوة هذه الدراسة في قدرتها على دمج بيانات النسخ الجيني واسعة النطاق مع قياسات مباشرة لنشاط الدماغ. كما إن تحديد برنامج نسخي منسق يرتبط بالنقل العصبي يوفر لنا إطاراً جديداً لفهم كيفية تأثير الاختلافات الجينية على وظائف الدماغ وقابليته للإصابة بالأمراض».

مشهد حيّ لا خرائط ساكنةتقليدياً، اعتمد العلماء على الدراسات الجينية لتحديد عوامل الخطر المرتبطة بالأمراض النفسية؛ أي تحديد الجينات التي قد تكون معطلة. لكن معرفة الجين المعطل لا تكفي وحدها لتفسير كيفية اختلال عمل الدوائر العصبية في الزمن الحقيقي. ويأتي هذا البحث الجديد ليشكل جسراً يربط بين المخاطر الجينية والنشاط الفعلي للدماغ.

ومن خلال تحديد الشكل «الصحي» للأنماط الجينية في أثناء عملية التواصل الدماغي النشط يمكن للباحثين الآن فهم الاضطرابات الجزيئية التي تحدث في الأمراض النفسية بشكل أفضل. وقد يؤدي هذا في النهاية إلى تطوير أدوات تشخيصية أكثر دقة تعتمد على الآليات البيولوجية للمرض بدلاً من الأعراض فقط، بالإضافة إلى علاجات دقيقة مصممة لتصحيح أخطاء جينية محددة في مسارات الإشارات العصبية.

وفي المحصلة يحول هذا البحث دراسة الدماغ البشري من تمرين تشريحي ساكن إلى استكشاف ديناميكي للكائن الحي. فمن خلال التقاط اللحظة التي يتشكل فيها الفكر على المستوى الجيني يضع العلماء الأسس اللازمة للجيل المقبل من الرعاية النفسية والعصبية.


ابتكار علمي يعزز إنتاج المحاصيل الزراعية من دون مبيدات

الدكتورة كريستينا أرغيسو تسعى لتطوير نباتات قادرة على مقاومة الآفات من دون أن تخسر إنتاجيتها (جامعة ولاية كولورادو)
الدكتورة كريستينا أرغيسو تسعى لتطوير نباتات قادرة على مقاومة الآفات من دون أن تخسر إنتاجيتها (جامعة ولاية كولورادو)
TT

ابتكار علمي يعزز إنتاج المحاصيل الزراعية من دون مبيدات

الدكتورة كريستينا أرغيسو تسعى لتطوير نباتات قادرة على مقاومة الآفات من دون أن تخسر إنتاجيتها (جامعة ولاية كولورادو)
الدكتورة كريستينا أرغيسو تسعى لتطوير نباتات قادرة على مقاومة الآفات من دون أن تخسر إنتاجيتها (جامعة ولاية كولورادو)

قبل نحو 6 عقود، أحدث عالم الوراثة الأميركي نورمان بورلاوغ، الملقب بـ«أبو الثورة الخضراء»، تحولاً جذرياً في تاريخ البشرية؛ فمن خلال تطوير أصناف قمح قصيرة القامة وعالية الإنتاجية، ساهم في إنقاذ أكثر من مليار إنسان من براثن المجاعة، وهو إنجاز تُوّج بنيله جائزة نوبل للسلام عام 1970. ومع ذلك، لم يخلُ هذا النجاح من ضريبة بيئية باهظة؛ إذ اعتمدت الزراعة بشكل مفرط على الأسمدة الكيميائية، والمبيدات الحشرية لتعويض ضعف المناعة الطبيعية للنباتات، ما أدى إلى تدهور بيئي ملموس.

وتمتلك النباتات، تماماً كالبشر، جهازاً مناعياً ذكياً؛ فبمجرد تعرضها لتهديد من آفة، أو مرض، تستنفر دفاعاتها الطبيعية. لكن هذه الحماية لها ثمن، إذ يتوقف نمو النبات، وتتراجع إنتاجيته عند تفعيل نظامه المناعي، وهو ما يشكل تحدياً كبيراً في المحاصيل الغذائية، وعلى رأسها القمح.

الباحثون اكتشفوا طريقة لتنشيط هرمون يسمح للنبات بالاستمرار في النمو حتى أثناء تصديه للأمراض (جامعة ولاية كولورادو)

«الدماغ الكيميائي» للنبات

وفي ابتكار علمي وُصف بأنه «الثورة الخضراء الصديقة للبيئة»، نجح باحثون من جامعة ولاية كولورادو في اكتشاف طريقة لتنشيط هرمون يسمح للنبات بالاستمرار في النمو حتى أثناء تصديه للأمراض.

ويأمل الفريق في تطبيق هذا الاكتشاف على محاصيل حيوية مثل القمح، والذرة، وفول الصويا، ما قد يؤدي إلى زيادة الإنتاج العالمي، وتقليل الاعتماد على المبيدات الحشرية، ونُشرت النتائج في عدد 23 فبراير (شباط) 2026 من دورية (Current Biology).

وتتعامل النباتات مع الظروف المحيطة عبر ما يسميه الفريق بـ«الدماغ الكيميائي»، وهو منظومة من الهرمونات النباتية المتخصصة. وعند تعرض النبات للإجهاد، تنخفض مستويات هرمونات «السيتوكينين» المسؤولة عن انقسام الخلايا. ومن خلال فهم هذه التفاعلات الهرمونية، استطاع العلماء استعادة مستويات «السيتوكينين» في النباتات ذات المناعة المفرطة، ما أعاد تنشيط النمو دون إضعاف الدفاعات، بل وجعل النباتات أكثر مقاومة للأمراض.

وحسب الدراسة، تتميز هذه الطريقة بكونها أسرع وأسهل من الأساليب التقليدية التي تتطلب رسم خرائط جينية كاملة؛ إذ يشبهها الفريق بوصفة طبية تعالج خللاً كيميائياً محدداً. ومن خلال التلاعب الجيني بالاستجابة الهرمونية في نبات «رشاد الصخر» (Arabidopsis thaliana)، تمكن العلماء من تحقيق المعادلة الصعبة، وهي حصانة قوية ضد الآفات، وإنتاجية عالية في آنٍ واحد.

وجاءت النتائج لافتة؛ إذ حصل الباحثون على نباتات تقاوم الأمراض بشراسة، وفي الوقت نفسه تنمو بمعدلات طبيعية، أو أعلى، من دون أي خسائر في المحصول.

الباحثون اختبروا الطريقة الجديدة على النبات وحققت نتائج ملموسة (جامعة ولاية كولورادو)

تعزيز المقاومة والإنتاجية

واعتبرت الدكتورة كريستينا أرغيسو، الأستاذة المشاركة في قسم البيولوجيا الزراعية بجامعة ولاية كولورادو والباحثة الرئيسة في الدراسة، أن هذا الإنجاز يمكن أن يشكل طفرة تضاهي «الثورة الخضراء» التي حدثت قبل 60 عاماً، فيما يتعلق بتحقيق الأمن الغذائي، مشيرة إلى أن أثر هذا الإنجاز سيتضح مع تطبيقه على المحاصيل.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «نجح فريقنا في تحديد جينات نباتية ترفع مستوى الإنتاجية، وهو مسار يشبه ما حققه نورمان بورلاوغ قبل عقود، ورغم أن الجينات التي استخدمناها تختلف عن تلك التي اعتمد عليها بورلاوغ، فإن الدراستين تشتركان في استهداف الجينات المتحكمة في التخليق الحيوي للهرمونات النباتية (Phytohormones)، وهي جزيئات صغيرة ينتجها النبات طبيعياً للتحكم في نموه».

وأشارت أرغيسو إلى أن وجه الابتكار في دراسة الفريق لا يقتصر على زيادة الإنتاجية، بل يشمل أيضاً تعزيز مقاومة النباتات لأمراض متعددة، ما يفتح الباب أمام زيادة المحاصيل، مع تقليل الاعتماد على الأسمدة والمبيدات الكيماوية في آنٍ واحد.

وأُجريت الدراسة بداية على نبات «رشاد الصخر»، وهو من عائلة الصليبيات مثل الملفوف، ورغم أن هذا النبات لا يتمتع بقيمة غذائية كبيرة، فإنه يُعد أساساً للأبحاث البيولوجية والوراثية، لبساطة تركيبه الجيني، وقصر دورة حياته التي لا تتجاوز ستة أسابيع، ما يسمح للعلماء بمراقبة نتائج تجاربهم وتعديلاتهم الجينية بسرعة.

وعن إمكان تطبيق النتائج على نباتات أخرى، أوضحت أرغيسو أن الفريق يعمل حالياً، بالتعاون مع عدة برامج لتربية النباتات، على نقل هذه الطفرات الجينية إلى أنواع مختلفة من المحاصيل، بهدف تعميم الفائدة على القطاع الزراعي حول العالم، مع توقعات بأن يكون لها تأثير طويل الأمد في الزراعة العالمية. وأكدت أن الفوائد البيئية الكبرى لهذا الابتكار تكمن في خفض استخدام المبيدات الحشرية بشكل ملحوظ، بفضل مستوى المقاومة العالي للأمراض الذي أظهرته النباتات المُهندسة في التجارب.


من يقرأ الطب اليوم... الطبيب أم الخوارزمية؟

"ابن سينا" وكيل ذكي يلخص
"ابن سينا" وكيل ذكي يلخص
TT

من يقرأ الطب اليوم... الطبيب أم الخوارزمية؟

"ابن سينا" وكيل ذكي يلخص
"ابن سينا" وكيل ذكي يلخص

في زمنٍ كان الطبيب فيه يقرأ ليعرف... إلا أنه أصبح اليوم يقرأ ليختار ما يتجاهل.

في كل شهر، يُنشر في المجلات العلمية حول العالم ما يقارب ربع مليون دراسة جديدة، وهو رقمٌ لا يعبّر فقط عن تسارع المعرفة، بل يكشف عن مفارقة مقلقة: كلما ازداد العلم اتساعاً... ضاق الزمن عن استيعابه.

لم تعد المشكلة في الوصول إلى المعلومة؛ فالمعلومة أصبحت وفيرة إلى حد الإغراق. بل تحوّل التحدي سؤالاً أكثر عمقاً وخطورة: أيّ معرفة تستحق أن نثق بها؟ وأيّها يجب أن نتجاوزها؟ هنا يبدأ التحوّل الحقيقي في الطب؛ إذ لم يعد بإمكان أي طبيب، مهما بلغ من اجتهاد أو خبرة، أن يواكب هذا السيل المتدفق من الأبحاث. ومع هذا العجز الإنساني الطبيعي، يتغيّر جوهر السؤال الطبي ذاته: لم يعد «كيف نقرأ أكثر؟» بل أصبح «كيف نقرّر ماذا لا نقرأ؟».

التعليم الطبي أمام مفترق جديد

> تضخم المعرفة. اعتمد التعليم الطبي تقليدياً على التراكم المعرفي: قراءة مستمرة، مراجعة دورية، وتحديث دائم للمعلومات. وكان يُفترض أن الطبيب، من خلال هذا الجهد الفردي المنتظم، يستطيع أن يواكب التطورات العلمية في تخصصه.

إلا أن المشكلة لم تعد في نقص المعرفة، بل في تضخمها. كما لم تعد الفجوة بين من يعرف ومن لا يعرف، بل أصبحت بين سرعة إنتاج المعرفة وقدرة الإنسان على استيعابها وتحليلها. ومع هذا التحول، أصبح من الواضح أن الاعتماد الكامل على القراءة الفردية لم يعد كافياً لضمان مواكبة التطورات العلمية.

لم يعد التحدي في التعلم بحد ذاته، بل في إدارة هذا الكم الهائل من المعلومات بشكل فعّال. وهنا يبرز تساؤل أساسي: هل ما زال النموذج التقليدي للتعليم الطبي قادراً على الاستمرار في ظل هذا التسارع غير المسبوق؟

> دخول «الوكيل الذكي». في هذا السياق، بدأ دور ما يُعرف بوكلاء الذكاء الاصطناعي يتوسع بشكل واضح، فلم تعد هذه الأنظمة مجرد أدوات بحث تقليدية، بل أصبحت قادرة على متابعة آلاف الدراسات يومياً، تحليلها، واستخلاص أهم نتائجها خلال وقت قصير.

ولا يقدم الذكاء الاصطناعي نتائج عند الطلب فحسب، بل أصبح يعمل بشكل مستمر في الخلفية، يقرأ، يفرز، ويعيد ترتيب المعرفة قبل أن تصل إلى الطبيب. وتشير التقديرات إلى أن هذه الأنظمة قادرة على معالجة وتحليل قواعد بيانات تضم ملايين الأوراق العلمية خلال ثوانٍ إلى دقائق، وهو ما يتجاوز بكثير القدرة البشرية على القراءة أو حتى المتابعة.

وبهذا المعنى، يمكن عدّه «القارئ الأول» للأدبيات العلمية؛ إذ يمرّ على كمّ هائل من الأبحاث ويعيد تقديمها في صورة مختصرة ومركزة. ولا يقتصر هذا التحول على تسريع الوصول إلى المعلومات، بل يغيّر طريقة التعامل معها. فبدلاً من أن يبدأ الطبيب بالبحث، أصبح يبدأ بما تم اختياره له مسبقاً.

وهنا يتجاوز التأثير الجانب التقني، ليصل إلى جوهر العملية التعليمية نفسها: كيف نتعلم، وعلى ماذا نعتمد في بناء معرفتنا، ومن الذي يحدد أولويات ما نقرأه.

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي_ ويفك الطبيب الرموز

تجربة شخصية: «ابن سينا»

> وكيل ذكاء اصطناعي مخصص. انطلاقاً من هذا التحدي؛ قمتُ بتصميم وتطوير وتدريب وكيل ذكاء اصطناعي ضمن أحد النماذج اللغوية الكبرى (Large Language Models - LLMs)، وأطلقتُ عليه اسم «ابن سينا». لم يكن اختيار الاسم رمزياً فقط، بل محاولة لربط عمق التراث الطبي العربي بأدوات التحليل المعرفي الحديثة.

لا يعمل هذا الوكيل كأداة بحث تقليدية، بل كنظام متابعة يومي، يقوم بتلخيص ما يُنشر في مجال الذكاء الاصطناعي الطبي، مع تركيز خاص على الجوانب الأخلاقية، إضافة إلى رصد أحدث ما يُكتب في تطبيقات الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان.

ومع الوقت، لم يعد دوره مجرد تجميع للمعلومات، بل أصبح وسيلة لإعادة تنظيمها، بحيث تصل إلى الطبيب في صورة مركزة تساعد على الفهم واتخاذ القرار.

الفكرة لم تكن استبدال قراءة الطبيب، بل إعادة تعريفها: أن يصبح الطبيب قادراً على الوصول إلى جوهر المعرفة دون أن يغرق في تفاصيلها.

> من التراكم إلى هندسة المعرفة. في هذا النموذج الجديد، لم يعد متوقعاً من الطبيب أن يقرأ كل ما يُنشر، بل أن يركّز على ما هو الأكثر صلة بممارسته. لم يعد التعلّم سباقاً مع عدد المقالات، بل أصبح عملية اختيار واعٍ للمعلومة ذات القيمة.

وبدلاً من جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات، أصبح التحدي في تنظيمها، وتصنيفها، وربطها بطريقة تساعد على الفهم واتخاذ القرار. لم تعد القيمة في كمية ما يُقرأ، بل في جودة ما يُفهم وكيفية استخدامه في السياق السريري.

وفي هذا الإطار، يصبح دور الطبيب أقرب إلى «مهندس معرفة»، يحدد ما يحتاج إليه، ويقيّم ما يُعرض عليه، ويتخذ القرار بناءً على فهم مركّز ومدعوم، وليس على قراءة عشوائية أو مجهدة.

حين تتحول المعرفة إلى تدفق عارم.. ويصبح القرار إنسانيا

أخطار خفيّة

• من الفهم إلى الاعتماد. لكن هذا التحول لا يخلو من أخطار. فحين يبدأ الذكاء الاصطناعي في تلخيص المعرفة، يظهر سؤال جوهري: هل ما نقرأه مفهوم فعلاً، أم أننا نكتفي بالاعتماد عليه؟

في دراسة حديثة نُشرت عام 2026 في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، من جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة، أشار الفريق البحثي إلى أن الاعتماد المتزايد على الأنظمة الذكية قد يغيّر أنماط التفكير السريري لدى الأطباء، خاصة عندما تُقدَّم النتائج بشكل جاهز ومختصر دون الحاجة إلى تحليل تفصيلي.

وأوضحت الدراسة أن هذا النمط من التفاعل مع المعرفة قد يؤدي تدريجياً إلى تراجع مهارات التقييم النقدي، حيث يميل المستخدم إلى قبول المخرجات المدعومة بالخوارزميات دون تمحيص كافٍ.

وهنا يظهر خطر جديد: أن تتحول المعرفة من عملية فهم إلى عملية اعتماد.

• الطبيب في عصر «المصفاة الذكي». في عالم يفيض بالمعلومات، أصبح الذكاء الاصطناعي أشبه بـ«مصفاة ذكية» تمرّ عبرها الأبحاث قبل أن تصل إلى الطبيب. لكن هذه المصفاة، مهما بلغت دقتها، لا يمكن أن تكون بديلاً عن الحكم البشر؛ فالذكاء الاصطناعي قد يختار، لكنه لا يتحمّل مسؤولية القرار. وقد يلخّص، لكنه لا يدرك السياق الإنساني الكامل الذي تُتخذ فيه القرارات الطبية.

وهنا تتضح معادلة المرحلة المقبلة: كلما زادت قدرة الأنظمة الذكية على تصفية المعرفة، ازدادت أهمية دور الطبيب في تفسيرها.

لم يعد الطبيب في عصر الذكاء الاصطناعي مجرد قارئ للمعلومة، بل أصبح مسؤولاً عن فهم ما وراءها، وتقدير حدودها، واتخاذ القرار النهائي بناءً على مزيج من المعرفة والخبرة والسياق الإنساني. وفي هذا التوازن تحديداً... يتحدد مستقبل الطب.

• ما الذي يبقى للطبيب؟ يبقى للطبيب ما لا تستطيع الخوارزميات أن تقوم به: الفهم، والحكم السريري، والقدرة على الربط بين ما تشير إليه البيانات وما يعيشه المريض في واقعه. فالأنظمة الذكية قادرة على تحليل الأنماط واستخلاص النتائج، لكنها لا تدرك السياق الكامل الذي تُتخذ فيه القرارات الطبية؛ لا ترى القلق في عينَي المريض، ولا توازن بين الخيارات ضمن ظروفه الإنسانية والاجتماعية.

وماذا عما بعد القراءة؟ في زمنٍ يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي قراءة وتحليل آلاف المقالات يومياً، قد لا تكون المهارة الأهم للطبيب هي أن يقرأ أكثر، بل أن يعرف متى يتوقف عن القراءة، ويبدأ في التفكير؛ فالمعرفة وحدها لا تكفي.

الطب، في جوهره، ليس تراكم معلومات، بل فهم لما تعنيه هذه المعلومات في حياة المريض، وكيف تُترجم إلى قرار مسؤول في لحظة محددة.