الهموم المشتركة لواشنطن ونيودلهي... ركائزها الصين وأفغانستان ومجموعة «كواد»

زيارة جاي شانكار أرست قواعد المسار المستقبلي للعلاقات الهندية الأميركية

وزير خارجية الهند إس. جاي شانكار (يسار) مع نظيره الأميركي أنتوني بلينكن في واشنطن (أ.ب)
وزير خارجية الهند إس. جاي شانكار (يسار) مع نظيره الأميركي أنتوني بلينكن في واشنطن (أ.ب)
TT

الهموم المشتركة لواشنطن ونيودلهي... ركائزها الصين وأفغانستان ومجموعة «كواد»

وزير خارجية الهند إس. جاي شانكار (يسار) مع نظيره الأميركي أنتوني بلينكن في واشنطن (أ.ب)
وزير خارجية الهند إس. جاي شانكار (يسار) مع نظيره الأميركي أنتوني بلينكن في واشنطن (أ.ب)

رغم الانتقادات التي توجهها الإدارة الأميركية الحالية لفترة رئاسة دونالد ترمب، فإنها مستمرة في سياسته لتعزيز الروابط مع الهند، ويتجلى ذلك في حقيقة إرسال بايدن اثنين من كبار مسؤوليه ـ وزير الدفاع لويد أوستن والمبعوث الأميركي لشؤون التغيرات المناخية جون كيري ـ إلى الهند، بجانب مشاركة الرئيس في قمة زعماء «الحوار الأمني الرباعي»، المعروف اختصاراً باسم «كواد»، خلال الـ100 يوم الأولى من عمر إدارته.
وقام وزير الخارجية الهندية مؤخراً بزيارة هادئة إلى الولايات المتحدة، وهي الأولى من جانب مسؤول من المستويات العليا للسلطة في نيودلهي منذ دخول الرئيس الديمقراطي جو بايدن البيت الأبيض في يناير (كانون الثاني). زيارة إس. جاي شانكار للولايات المتحدة امتدت خمسة أيام. والسؤال ما الذي جرت مناقشته بينه وبين الأعضاء الأساسيين في فريق العمل المعاون لبايدن، والذي تضمن أوستن ومستشار الأمن الوطني الأميركي جيك سوليفان ومديرة الاستخبارات الوطنية أفريل هاينز؟ ويرى معلقون أن الزيارة كانت شديدة الأهمية وسعت لإرساء قواعد المسار المستقبلي للعلاقات الهندية ـ الأميركية. وعكف الجانبان على مراجعة القضايا الثنائية والإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، والتي تتقاطع مع بناء بنية تحتية لمجموعة «كواد» والخروج الأميركي من أفغانستان والنفوذ الصيني، بجانب قضايا أخرى مثل اجتماع دول «مجموعة الـ7 زائد 3» المقرر إقامته في المملكة المتحدة في يونيو (حزيران) الحالي.
- الصين والعلاقة الثنائية بين واشنطن ونيودلهي
قال الدبلوماسي السابق أشوك ساجانهار: «تحولت الصين إلى عنصر ثابت في التعاون الأميركي مع الهند في أعقاب ظهور جائحة فيروس (كورونا) والمواجهة العسكرية بين الصين والهند في لاداخ والتحركات الصينية العدائية بالمنطقة وتوسيع نطاق وجود الترسانة الصينية من الصواريخ النووية متوسطة المدى». وقد التقى بلينكن بجاي شانكار على هامش مؤتمر مجموعة الـ7 في لندن في مايو (أيار)، ولم يتناول اللقاء قضية واحدة، وإنما ركز على التغيرات على الساحة الجيوسياسية. وأضاف ساجانهار أنه يتضح مما سبق أن الصين دونما شك هيمنت على جزء كبير من المناقشات. ويمكن النظر إلى ذلك في ضوء التصريحات الأخيرة للمنسق الأميركي لشؤون منطقة المحيطين الهندي والهادئ، كيرت كامبل والذي قال إن حقبة التعاون مع الصين بقيادة شي جين بينغ قد ولت. علاوة على ذلك، أجرى مسؤولون أميركيون وصينيون محادثات تجارية عبر الهاتف في خضم توترات متفاقمة، في الوقت الذي وقف وزير الخارجية الهندي إلى جانب الولايات المتحدة. وبذلك يمكننا القول إنه رغم عدم صدور أي بيان من الجانبين، كانت الصين بالتأكيد قضية كبرى».
جدير بالذكر هنا أن جاي شانكار سافر إلى الولايات المتحدة على خلفية حديث متأزم جرى بينه وبين وزير الخارجية الصيني وانغ يي في 30 أبريل (نيسان). وبدت وجهات نظر الوزيرين متباينة بشدة ولم يتمكن المسؤولان من الاتفاق حول مسألة فض الاشتباك داخل شرق لاداخ. تجدر الإشارة إلى أن الجانبين من المقرر مشاركتهما هذا العام في قمتي مجموعة «البريكس» و«منظمة شنغهاي للتعاون».
وكشف مصدر داخل وزارة الخارجية الهندية أنه جرت كذلك مناقشة قضية تايوان. وقد دعم الجانبان الهندي والأميركي تايوان في مساعيها للانضمام إلى جمعية منظمة الصحة العالمية كمراقب. ومن المعتقد أن تايوان ستلعب دوراً محورياً في التحقيقات الجارية حول منشأ الفيروس. وأظهر الرئيس الأميركي بايدن أنه يولي أولوية لمساعيه نحو تعزيز التحالفات الأميركية بمنطقة المحيطين الهندي والهادئ بهدف فرض عزلة على الصين.
في هذا الصدد، أشار المعلق السياسي ريخا تشودهري إلى أن «النقطة الأبرز هنا أن الجانبين الهندي والأميركي تناقشا بالتفصيل حول صياغة خطة للبنية التحتية في إطار مجموعة (كواد) لتكون على مستوى (مبادرة الحزام والطريق) الصينية، والتي تضم مجموعة مشروعات ربط هائلة عبر المنطقة الأورو ـ آسيوية بقيادة بكين». «ومن المحتمل أن يلتقي أعضاء «كواد» بحلول نهاية العام للإعلان رسمياً عن نمط مشابه من مشروعات التعاون بمجال البنية التحتية. ومن الممكن أن يشكل الأمر صفعة قوية للصين إذا ما أعلنت مجموعة «كواد» عن خطة لتعزيز البنية التحتية لدى عدد من الدول، وذلك لأن هذا قد يدفع الكثير من الدول المتعاونة مع الصين حالياً في إطار «مبادرة الحزام والطريق» للانفصال عنها والانضمام إلى مبادرة «كواد». الجدير بالذكر هنا أن الصين حذرت بنغلاديش بالفعل من الانضمام إلى مبادرات مجموعة «كواد»، خصوصاً أنها بالفعل جزء من «مبادرة الحزام والطريق».
علاوة على ذلك، أطلقت «كواد» بالفعل آلية أطلقت عليها «كواد بلس»، والتي ضمت إلى جانب الدول الأعضاء كلاً من نيوزيلندا وكوريا الجنوبية وفيتنام من أجل التصدي لجائحة فيروس (كوفيد - 19). وقد أكدت كل من فرنسا وألمانيا وبريطانيا على مصالحها بالفعل بمنطقة المحيطين الهادئ والهندي، لكن لم تعلن بعد تفاصيل تعاونهم معاً كشركاء داخل المنطقة.
تجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أنه قبيل وصول جاي شانكار الولايات المتحدة بساعات، أعلن كيرت كامبل، المسؤول الأول عن شؤون منطقة المحيطين الهادئ والهندي المعاون لبايدن، أن ثمة خططاً تجري صياغتها لعقد اجتماع قمة فعلية لقادة الدول الأعضاء في «كواد»، هذا الخريف. وأفاد مصدر دبلوماسي مطلع كان مرافقاً لجاي شانكار بأنه قبل القمة المقررة في الخريف، سيجري إقرار أجندة مفصلة لتحديد توجهات مجموعة «كواد» بمجالات مثل الاقتصاد والتكنولوجيا والإغاثة في حالات الكوارث وبناء سلاسل إمداد قوية ـ كل هذا مع الأخذ في الاعتبار الوضع الأمني الآخذ في التطور داخل منطقة المحيطين الهادئ والهندي.
وأعلن جاي شانكار الذي يعتبر العقل المدبر وراء السياسات الهندية القوية على الساحة الدولية في ظل قيادة مودي، أثناء زيارته الولايات المتحدة أنه «عندما تكون الهند عضواً في أي شيء، نحرص على إظهار التزامنا تجاه هذا الكيان، وإلا فلن نكون عضواً به من البداية. وموقفنا تجاه (كواد) واضح».
تجدر الإشارة هنا إلى أن الولايات المتحدة وأستراليا أرسلتا بالفعل سفناً حربية إلى بحر الصين الجنوبي. كما تتوجه مجموعة حاملات طائرات هجومية تتبع المملكة المتحدة، بقيادة الحاملة الملكة إليزابيث، نحو منطقة المحيطين الهادئ والهندي. ومن المعتقد كذلك أن بريطانيا تسعى لتعزيز مشاركتها في المنطقة وجهود ردع الصين، ما يمثل ميلاً في السياسة الخارجية للمملكة المتحدة لتوجيه اهتمام أكبر بالمنطقة.
على الجانب المقابل، انتقد المتحدث العسكري الصيني الكولونيل تان كيفي، خلال مؤتمر صحافي عقد عبر الإنترنت، إدارة بايدن لاستمرارها في «استراتيجية منطقة المحيطين الهادئ والهندي» التي أقرها ترمب، مشدداً على ضرورة ألا تسعى الولايات المتحدة لتكوين «عصب» أو استثارة «حرب باردة جديدة» تتضمن مواجهة بين تكتلات وخلق وضع لا يمكن أن يسفر إلا عن فوز جانب في مواجهة خسارة الآخر، لأن هذا من شأنه إثارة المزيد من الانقسامات والعداءات والفوضى فحسب.
- عملية السلام الأفغانية
من بين القضايا الأخرى التي تعرضت لها النقاشات بين الجانبين الهندي والأميركي، عملية السلام الأفغانية، خصوصاً في ضوء انسحاب القوات الأميركية والقوات المتحالفة معها من البلاد. وفي إطار أعمال العنف التي ترتكبها جماعة «طالبان»، من الواضح أن الولايات المتحدة أكدت لجاي شانكار أنه في الوقت الذي ستنسحب القوات الأميركية على نحو كامل من أفغانستان في أكتوبر (تشرين الأول)، ستبقي إدارة بايدن أعينها مركزة على منطقة المحيطين الهادئ والهندي للحيلولة دون تردي الوضع الأمني بها. علاوة على ذلك، أكد فريق الأمن الوطني الأميركي للوزير الهندي أنه ستكون هناك استجابة مناسبة حال تردي الأوضاع في أفغانستان. وأوضح تشودهري أن: «تداعيات تبدل السيناريو القائم في أفغانستان تحمل أهمية كبرى لنيودلهي، ومن المهم الحصول على ضمانات من الولايات المتحدة في هذا الشأن نظراً لأن الهند استثمرت بقوة في قضية أفغانستان. ومع ذلك، يبقى لزاماً على الهند صياغة سياستها الخاصة بها للتعامل مع هذه التحديات».
علاوة على ذلك، التقى جاي شانكار أمين مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في وقت تعمل فيه الهند على جعل فترة عضويتها الحالية في مجلس الأمن مثمرة. يذكر أن واشنطن أيدت مساعي نيودلهي للحصول على مقعد دائم في هذا الكيان بالغ الأهمية، بينما تبقى الصين عقبة كبرى في هذا الطريق.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...