أفلام رعب من إخراج المرأة

رهافة وحساسية أعلى أم المنوال ذاته؟

TT

أفلام رعب من إخراج المرأة

المرأة في أفلام الرعب حاضرة منذ أمد بعيد. هي الضحية المثالية: جسد ضعيف أمام آخر ذكوري قوي. جميلة بين قبضتي وحش. أنثى بريئة يلاحقها قاتل مهووس.
جاك ذَ ريبر في لندن 1888 وجد في أزقة «إيست لندن» مرتعاً دائماً وضحاياه جميعاً كنّ من النساء. في «سايكو» هيتشكوك الضحية الأولى هي امرأة (جانيت لي) التي لم يتوقع أحد أن يتم اقتراحها كبطلة للفيلم ليتخلص المخرج منها بعد نحو ثلث ساعة. في «كينغ كونغ» تقع فاي راي، في نسخة 1933 لمريان كوبر وإرنست شودساك (ثم جسيكا لانغ في نسخة 1976 لجون غيلرمن، وبعدها ناوومي ووتس في نسخة 2005 لبيتر جاكسون) بين قبضتي الوحش لا لقتلها بل لحمايتها من الأفاعي الضخمة والديناصورات وطيور ما قبل التاريخ، ولاحقاً مضحياً بنفسه من أجلها لأنه وقع في حبها.
في الواقع، كيفما نظرت في أنواع أفلام الرعب ستجد المرأة هي الضحية الأولى. يسقط الرجال أيضاً في كثير منها، لكن المرأة تبدو غالباً المنال الأسهل. الحلقة الضعيفة بين فعل الحياة وفعل الموت.
‫ثم هناك رموز شتّى لعالم الرجل المهيمن على المرأة أبرزها، في أفلام الأمس، ذلك القصر الكبير ذو التصميم الكلاسيكي القابع بتاريخه وبشاعة منظره كتعبير عن سيادة الرجل وامتلاكه مصير المرأة حتى وإن نجت في النهاية من شِراكه. نجد ذلك في فيلم هيتشكوك «سيئ السمعة Notorious» سنة 1946. نجده كذلك في «ذا هاونتينغ» لروبرت وايز (1963). في الفيلمين، وكثير سواهما، هي في فخ بيت كبير محكم، ضحيّة الرغبة في إيهامها بأنها مجنونة.‬
طبعاً كانت هناك استثناءات في كل حقبة. وإذا نظرنا إلى أفلام دراكولا منذ «نوسفيراتو» 1922 للألماني فردريك ولهلم مورناو سنجد أن الوحش حام حول المرأة أولاً لكنه حام حول الرجال أيضاً في تماثل مع الازدواجية الجنسية التي حملتها شخصيته في الأدب وعلى الشاشة.

- ثلاثة أسباب
ما سبق قوله هو نتاج اجتماعي ناسب الفترات الزمنية السابقة التي سبقت تحرر المرأة ثم واكبت ذلك التحرر كما لو كان رفضاً له أو ريبة في جدواه. هذا استمر حتى مطلع الثمانينات عملياً عندما أعلن فيلم «خارجي Alien» لريدلي سكوت أن المرأة تستطيع أن تواجه الوحش وتنجح في ذلك في حين سقط الرجال من حولها ضحايا.
في التوجّه نفسه انتقلت المرأة من أمام الكاميرا إلى خلفها لتحقيق أفلام الرعب، صحيح أن المرأة بقيت ماثلة كذلك كشخصية رئيسية في أفلام عدة لكن قدراتها في معظم أفلام الرعب التي أخرجتها نساء هي أقوى مما كانت عليه في الحقب الماضية. وفي حين وضع الرجال منذ الثمانينات المرأة في أدوار قوّة فريدة، إلا أن الكثيرات من النساء المخرجات دفعن بالصورة إلى الأمام حين تعرّضت لموضوع الذكر والأنثى. المثير في الموضوع برمّته هي أن ماري هارون وجنيفر كنت وآنا ليلي أميربور وكورالي فارجيت وكاثرين بيغيلو وسواهن حين أقدمن على تحقيق أفلام الرعب لم يبادرن بالضرورة لقلب الصورة. بل سعين أساساً لتقديم فيلم رعب من توقيع المرأة التي كانت ضحية بالأمس وأصبحت مالكة قرارها اليوم.
على ذلك، هناك ميزات محسوبة لهذه الأفلام التي تبدو للوهلة الأولى مجرّدة من الأهداف أو لا تتميّز مطلقاً عما حققه المخرجون الرجال في هذا الحقل.
فيلم ماري هارون «أميركان سايكو» (2000) مثال مهم في هذا الاتجاه. هو عن قاتل شنيع مركّب بعقد شتّى ولا يبدو، للعموم، وحشاً بشرياً (كرستيان بايل في الدور). معاكس لشخصية أنطوني هوبكنز في «صمت الخراف» (1991) ومشابه له من حيث تجسيده الخوف الآتي من مصدر نفسي عميق.
بطل «أميركان سايكو» باتريك، مخيف لثلاثة أسباب: 1) لأداء ناجح من بطله. و2) لجرائمه التي يرتكبها بدم بارد. و3) بسبب تفعيل المخرجة للخلفية الاجتماعية والاقتصادية في صياغة المجرم. باتريك آتٍ من عائلة ثرية لم يكن ليحتاج أن يهوى، كحال سواه الآتين كضحايا مسبقين لسوء الطالع والظروف العسيرة. وهذا وحده مثير للخوف كونه ينزع عن الطبقة العليا حصانتها.
في فيلم لاحق للمخرجة ذاتها، عنوانه «مفكرة الفراشات» (2012) تعمد للغوص في الدوافع النفسية - الجنسية للقتل. هو مثال شبه نادر للمرأة وراء الكاميرا التي تقرر تحقيق فيلم عن نساء إحداهن مصاصة دماء. بالتالي، يغيب الرجل من الظهور تقريباً وتبقى المرأة في كيان طالبات، في كلية بنات خاصّة، إحداهن قاتلة ومن خلال ذلك خيط الغيرة النسائية المنسوجة من علاقات مكبوتة. لا تدخل ماري هارون عميقاً في هذا الوضع لكنها تؤمّن، ولو بإتقان أقل من فيلمها السابق، عناصر فيلم الرعب.

- أفلام ذكورية
‫بعض المخرجات نزعن صوب تحقيق أفلام اشتهر الرجل بها. كانت حكراً عليه. وَلَجَت عالمه بالكفاءة ذاتها. وإحداهن هي كاثرين بيغيلو. فعلت ذلك حين دخلت عرين الفيلم البوليسي في «بلو ستيل» (1990) مع جايمي لي كيرتس كشرطية مهدَّدة من القاتل رون سيلڤر، وفيلم الأكشن الرجالي في «بوينت بريك» (1990) وميدان الفيلم المستقبلي القائم على التشويق والخيال في «أيام غريبة Strange Days» سنة 1995. ولا ننسى بالطبع دخولها الفيلم الحربي في «The Hurt Locker»، حيث يُمضي أبطالها أوقاتهم على الخط الفاصل بين الحياة والموت في العراق.‬
أفلام بيغيلو في غالبها ذكورية، لكنها قبل هذه الأفلام أنجزت فيلم رعب بعنوان «قريب الظلام Near Dark» دلفت عبره إلى سينما الرعب. في هذا الفيلم الأول لها (1987) مارست أيضاً حب توفير حكايات من بطولة الرجل لا المرأة. في الواقع نجد أن «بلو ستيل» هو الفيلم الوحيد لها الذي وفّر المرأة كضحية محتملة لشرور الرجل. ربما لا تنظر بيغيلو إلى الموضوع الأنثوي - الذكوري على هذا النحو. ربما لا تحب أن تقدّم المرأة قوية لأنها ليست واثقة من هذه القوّة في شخصيات سواها.
في الغمار ذاته نجد فيلم أنطونيا بيرد «مفترس» الذي تقع أحداثه خلال الحرب الأهلية الأميركية حول مجنّد (غاي بيرس) يواجه آكل لحوم بشر (روبرت كارلايل) في لعبة حياة أو موت خطرة. لكن بعيداً عنه نستطيع أن نجد أفلاماً تضع المرأة مجدداً في مرمى البطولة كما حال فيلم كارين كوساما «جسد جنيفر» (2009)، و«فتاة تسير للبيت وحدها في الليلA Girl Walks Home Alone At Night» سنة 2014 الذي يوفّر عنوانه وحده الموضوع الذي اختارته مخرجته آنا ليلي أميربور. أما فيلم كارولي فارجيت «انتقام» (2017) فيتناول سعي بطلته (ماتيلدا لوتز) للبقاء حية ما يجعلها تنقلب على مطاردها وتنتصر عليه.
كل ما سبق لا يُجيب عن السؤال حول ما الذي يختلف فيه فيلم رعب من إخراج رجل عن فيلم رعب من إخراج امرأة. بالرجوع إلى أفلام ماري هارون وكاثرين بيغيلو، لا شيء. لكن في بعض الأفلام المذكورة (وسواها التي لا يسمح المجال للغوص فيها) اختلاف ينتمي إلى أن أفلام المرأة تعكس حساسية ورهافة حول بطلاتها في الخطر تغفلها أفلام الرجال عندما تكتفي بالنظر إلى النساء كضحايا فقط.


مقالات ذات صلة

إلكر تشاتاك: أفضِّل أن أطرح الأسئلة من دون أجوبة

يوميات الشرق إلكر تشاتاك حاملاً جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم عن «رسائل صفراء» (رويترز)

إلكر تشاتاك: أفضِّل أن أطرح الأسئلة من دون أجوبة

المخرج التركي إلكر تشاتاك قال لـ«الشرق الأوسط»: «لا أحد على حق كامل، ولا أحد على خطأ تام».

محمد رُضا (برلين)
يوميات الشرق جيسي باكلي الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» (إ.ب.أ)

«وان باتل أفتر أناذر» يكتسح حفل بافتا البريطانية بحصد 6 جوائز

حقق فيلم الكوميديا السوداء «وان باتل أفتر أناذر» (معركة تلو الأخرى) فوزا كبيرا في حفل توزيع جوائز الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون «بافتا».

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق فريق «وقائع زمن الحصار» يرفع العلم الفلسطيني (د.ب.أ)

نتائج مهرجان «برلين» عكست في معظمها ما لم يكن متوقّعاً

فوز الأفلام ذات الحضور السياسي في مهرجان «برلين» لم يكن تفصيلاً عابراً، بل عكس موقفاً ضمنياً يدعو إلى حرية المبدع في مواجهة القيود.

محمد رُضا (برلين)
يوميات الشرق توفيق صابوني خلال عرض الفيلم في «مهرجان برلين» (إدارة المهرجان)

توفيق صابوني: شعرت بالانتصار عند عودتي إلى «صيدنايا» لتصوير فيلمي داخله

لم يكن الفيلم الوثائقي «الجانب الآخر من الشمس» بالنسبة إلى المخرج السوري توفيق صابوني مجرد مشروع سينمائي...

أحمد عدلي (برلين)
سينما المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

حصل فيلم «رسائل صفراء» السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي.

«الشرق الأوسط» (برلين)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز