تحذيرات من السعي لـ«الخلافة» بدلاً من «الجمهورية الإسلامية» في إيران

روحاني يكرر مطالبته بالاستفتاء... وظريف يحذّر من تقويض «الشرعية»

وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف وحسن خميني في مقبرة المرشد الإيراني جنوب العاصمة طهران أمس (جماران)
وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف وحسن خميني في مقبرة المرشد الإيراني جنوب العاصمة طهران أمس (جماران)
TT

تحذيرات من السعي لـ«الخلافة» بدلاً من «الجمهورية الإسلامية» في إيران

وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف وحسن خميني في مقبرة المرشد الإيراني جنوب العاصمة طهران أمس (جماران)
وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف وحسن خميني في مقبرة المرشد الإيراني جنوب العاصمة طهران أمس (جماران)

قبل 48 ساعة من أول مناظرة تلفزيونية بين مرشحي الرئاسة، كرر الرئيس حسن روحاني مطالبته بإقامة استفتاء في إيران، في وقت حذّر وزير الخارجية محمد جواد ظريف، ضمناً من تقويض «الشرعية» القائمة على التصويت الشعبي، وانضم حفيد المرشد الإيراني الأول، حسن خميني، لمنتقدي محاولات تقويض «الجمهورية الإسلامية» سعياً وراء «الخلافة الإسلامية».
واستغل روحاني الذكرى الـ33 لوفاة الخميني، «المرشد» المؤسس للنظام الإيراني، الذي يصادف اليوم، لتوجيه انتقادات ضمنية إلى العملية الانتخابية، بعد رفض أهلية عدد من المرشحين لخوض الانتخابات، رغم الموافقة على حليفه الوثيق، محافظ البنك المركزي السابق، عبد الناصر همتي.
واستند روحاني عدة مرات إلى أقوال الخميني في انتقاداته. وقال: «الحل الذي قدمه الإمام لإدارة البلاد هي الانتخابات والناس»، واعتبرها من صناديق الاقتراع، «من ثمار الثورة الدستورية»، وأضاف: «الجميع يتفاخر اليوم بالتعامل البناء مع العالم ولا أحد يريد المواجهة». وأضاف: «اليوم يتحدث الجميع عن المفاوضات، وما هو مهم أنهم فهموا أن الطريق الأساسي هو التفاوض والتعامل مع العالم».
وبدأ روحاني اجتماع الحكومة، أمس، بمهاجمة «البعض» الذي يخشى كلمة استفتاء. وأشار إلى إقامة خمسة استفتاءات واستحقاقات انتخابية في العام الأول من الثورة الإيرانية في 1979 تقرر فيها تبني «نظام ولاية الفقيه». ويعود آخر استفتاء شهدته إيران إلى يوليو (تموز) 1989 بعد تعديل الدستور الإيراني، وحظي بتأييد 97%، من 16 مليون ونصف كان يحق لهم التصويت حينذاك.
وخلال سنوات حكمه، دعا روحاني عدة مرات إلى استفتاء عام حول سياسته الخارجية خصوصاً الاتفاق النووي، والانضمام إلى اتفاقية «فاتف» المعنية بمكافحة تمويل الإرهاب، وغسل الأموال، إضافة إلى صلاحيات الرئيس. ومعها تنوعت خلال السنوات الأخيرة مطالب أطراف المعارضة للنظام الإيراني، بإقامة استفتاء حول قضايا مثل هوية النظام، والحريات العامة، وحق تقرير المصير لقوميات غير الفارسية.
في مرقد الخميني، وفي مؤتمر تحت عنوان «خطاب الثورة الإسلامية»، واصل حفيده حسن خميني انتقاداته للعملية الانتخابية، وعدّ أهم رسالة للثورة الإيرانية «إقامة الجمهورية الإسلامية وليس الحكم الإسلامي». وقال إن «رسالة الثورة هي العودة للدين ولكن ليس الدين على طريقة (طالبان)».
بدوره، استند وزير الخارجية محمد جواد ظريف، إلى مواقف للخميني في تعليقه الضمني على الانتخابات وأهمية الإقبال الشعبي، وقال: «ما يمنحنا الشرعية هي قلوب الناس وعقولهم معنا».
وتردد اسم حفيد الخميني بين المرشحين للرئاسة، لكن قبل أسابيع من فتح أبواب التسجيل. وفي منتصف أبريل (نيسان) الماضي، قال ياسر خميني، شقيق حسن إنه تراجع عن فكرة الترشح بعد استشارة خامنئي، ونقل عن المرشد الإيراني قوله لحفيد الخميني إن ترشحه لا يخدم المصلحة، وطالبه بعدم خوض الانتخابات في ظل الأوضاع الحالية.
وبعد ذلك، بأسابيع قليلة، خرج ظريف بدوره من معادلة الانتخابات على أثر انتقادات طالته بعد تسريب شهادته الصوتية لمركز أبحاث الرئاسة الإيرانية، وفيها يوجه انتقادات لتقويض دور الجهاز الدبلوماسي، في ظل توسع الأنشطة الميدانية، التي هي من مهمة «فيلق القدس» الذراع الخارجية لـ«الحرس الثوري»، وفيها ينتقد زيارة القيادي السابق الجنرال قاسم سليماني، لموسكو بعد التوصل للاتفاق النووي، متهماً روسيا بمحاولة قلب الطاولة على الاتفاق عبر الدخول مع إيران إلى الحرب الداخلية السورية.
وانتقد حسن خميني ما عدّه «ظلماً» بحق ظريف، وقال إنه «ظلم على النظرة الحاذقة في الجهاز الدبلوماسي»، وعدّ «الإنصاف» من شروط الدبلوماسية «لإنهاء جميع النزاعات»، وذلك بينما كان يستمع إليهم، نائب أمين عام «حزب الله» اللبناني، نعيم قاسم، عبر الفيديو.
وما يجعل الانتخابات الرئاسية حساسة على غرار الانتخابات السابقة، هو الترقب بشأن الحالة الصحية للمرشد الحالي علي خامنئي، والغموض حول خليفته في منصب المرشد الثالث، ويميل الإصلاحيون إلى بيت الخميني، وتحديداً حسن خميني، بينما يشير صعود رئيس القضاء إبراهيم رئيسي، لتولي مناصب عديدة بأوامر من «المرشد» الإيراني، وتعزيز علاقاته بـ«الحرس الثوري»، ودعمه الواسع من الأوساط المحافظة، إلى حظوظه في خلافة خامنئي.
إضافةً إلى هوية «المرشد الثالث»، تلقي توصيات خامنئي بتشكيل «حكومة ثورية وشابة» التي أعقبت إعلانه «الخطوة الثانية للثورة الإيرانية»، قبل عامين، بظلّها على الانتخابات. ورأى قادة «الحرس الثوري» أن برنامج «الخطوة الثانية للثورة الإسلامية» يتخطى «الجمهورية الإسلامية» إلى إقامة «حكم إسلامي»، في إشارة إلى تطلعات طهران في التوسع الإقليمي.
وليست الانتخابات الوحيدة التي استُبعد حفيد الخميني منها، إذ قبل خمس سنوات تحديداً رُفض طلبه لخوض انتخابات «مجلس خبراء القيادة»، الجهاز المكلف بتسمية «المرشد» في حال تعذر ممارسة مهامه.
ومن المقرر أن يلقي «المرشد» الإيراني علي خامنئي اليوم، خطاباً بمناسبة الذكرى الـ33 لوفاة الخميني، ويُتوقع أن يخصص جزءاً منها للتعليق على الانتخابات، في ظل انقسام حول الانتخابات الرئاسية، بعد استحقاقين انتخابيين فاز بهما روحاني، بعد الاحتجاجات التي أعقبت انتخابات 2009.
وخلال السنوات الماضية، انتقد خامنئي عدة مرات محاولات «تحريف» سيرة الخميني، في محاولة لقطع الطريق على منتقديه، من مؤيدي الخميني في المؤسسة الحاكمة.
وأول من أمس، أصدر رجال الدين الإصلاحيين، في «مجمع علماء الدين المجاهدين» برئاسة الرئيس الإصلاحي الأسبق محمد خاتمي، بياناً، معرباً عن تأييده لقرار الإصلاحيين عدم تسمية أي مرشح بعد إبعاد المرشحين الذين حصلوا على تأييد الأحزاب الإصلاحية، وأبرزهم إسحاق جهانغيري، نائب الرئيس الحالي. ورفضوا أي خطوة من شأنها إضعاف الجمهورية الإسلامية. وأوضح بيان المجمع أن القرار جاء للحيلولة دون الوقوع في فخ من «هندسة الانتخابات». معتبرين قرارات مجلس صيانة الدستور «ضربة موجعة لمصداقية النظام». وأشار إلى أن محاولات لإقامة «الخلافة الإسلامية بدلاً من الجمهورية الإسلامية، انتهت بتدبير من الإمام». وأضاف البيان: «على ما يبدو أن أشخاصاً ومجموعة من التركة المتوهَّمة ذاتها، تراودهم الخلافة، وعلى جميع الحريصين على النظام الحذر والتصدي لهم»، حسب بيان نقلته مواقع إصلاحية.
والأسبوع الماضي، انتقد خاتمي تقويض «الجمهورية» في النظام الإيراني، وذلك بعدما دافع خامنئي عن قرارات مجلس صيانة الدستور الخاضع لسيطرته.
وأظهرت نتائج أحدث استطلاع رأي لمركز «إيسبا» الحكومي، مشاركة مؤكدة من 32.4%، مقابل 32.4 يريدون مقاطعة لانتخابات الانتخابات، بينما رجح 8.9%، احتمال ضعيف للمشاركة، وقال 16.3% إنهم لم يتخذوا قراراً بشأن المشاركة بعد، وامتنع 5% من المشاركين في الاستطلاع من الرد.
وأشار الاستطلاع الذي جرى أول من أمس، إلى أن 52% اختاروا مرشحهم للانتخابات، بينما بلغت نسبة الأصوات الرمادية 41%، لكن 50% من أصحاب الأصوات الرمادية رجّحوا التصويت لرئيسي.
وذهبت 48.6% لرئيس القضاء إبراهيم رئيسي، في زيادة 4.5% على استطلاع الأسبوع الماضي. وقال إن 3.1% ستصوّت لمحسن رضائي، أمين عام مجلس تشخيص مصلحة النظام، فيما ذهبت 1.6% إلى سعيد جليلي، ممثل المرشد الإيراني في المجلس الأعلى للأمن القومي، ولم يحصل محافظ البنك المركزي عبد الناصر همتي، إلا على 0.8% رغم مواقفه المثيرة للجدل.



تقرير: الجيش الأميركي يستعد لمداهمة سفن مرتبطة بإيران

ناقلات نفط راسية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلات نفط راسية في مضيق هرمز (أ.ب)
TT

تقرير: الجيش الأميركي يستعد لمداهمة سفن مرتبطة بإيران

ناقلات نفط راسية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلات نفط راسية في مضيق هرمز (أ.ب)

ذكرت ​صحيفة «وول ستريت جورنال»، السبت، ‌نقلاً ‌عن ​مسؤولين ‌أميركيين ⁠قولهم ​إن الجيش ⁠الأميركي يستعد خلال الأيام ⁠المقبلة ‌لمداهمة ‌ناقلات ​نفط ‌مرتبطة بإيران، والسيطرة ‌على سفن تجارية ‌في المياه الدولية.

ووفق الصحيفة الأميركية، يستهدف الجيش بذلك توسيع نطاق حملته البحرية ضد إيران لتشمل مناطق خارج الشرق الأوسط.

وتأتي هذه الخطوة في ظل استمرار الجيش الإيراني في تشديد قبضته على مضيق هرمز، حيث هاجم «الحرس الثوري» الإيراني عدة سفن تجارية، السبت، في المضيق، معلناً أن الممر المائي الحيوي يخضع «لسيطرة إيرانية مشددة».

وقد دفعت هذه التطورات شركات الشحن إلى حالة من الارتباك بعد يوم من تصريح وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، بأن المضيق مفتوح بالكامل أمام حركة الملاحة التجارية، وهو إعلان رحّب به الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

ويهدف قرار إدارة ترمب بتصعيد الضغط الاقتصادي على طهران إلى إجبار النظام الإيراني على إعادة فتح المضيق، وتقديم تنازلات بشأن البرنامج النووي الإيراني، الذي يعد محور المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران.

ونقلت وكالة أنباء «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» عن محمد رضا عارف، النائب الأول للرئيس الإيراني، قوله، السبت، إن إيران تستخدم السيطرة على مضيق هرمز أداةَ ضغط سياسية في مواجهة العقوبات الدولية.

بدوره، قال الرئيس الأميركي إنه لن يسمح بتحرك إيران لإغلاق المضيق بوضعه تحت الضغط، بعد أن أعادت طهران إغلاق الممر المائي بعد رفض ترمب إزالة الحصار الذي فرضه على الموانئ الإيرانية.

ووفقاً للقيادة المركزية الأميركية، فقد أعادت الولايات المتحدة بالفعل 23 سفينة حاولت مغادرة الموانئ الإيرانية في إطار الحصار البحري.

وسيُمكّن توسيع نطاق هذه الحملة الولايات المتحدة من السيطرة على السفن المرتبطة بإيران حول العالم، بما في ذلك السفن التي تحمل النفط الإيراني والتي تبحر بالفعل خارج الخليج وبحر العرب، وتلك التي تحمل أسلحة قد تدعم النظام الإيراني، وفق «وول ستريت جورنال».


هرمز بين حصارَين... حرب ترمب الاقتصادية أو عودة إيران إلى الحافة

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية يوم 18 أبريل (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية يوم 18 أبريل (أ.ب)
TT

هرمز بين حصارَين... حرب ترمب الاقتصادية أو عودة إيران إلى الحافة

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية يوم 18 أبريل (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية يوم 18 أبريل (أ.ب)

مع عودة التوتر إلى مضيق هرمز، بدا المشهد خلال الساعات الأخيرة أقرب إلى هدنة معلقة فوق فوهة بركان، وفق ما يرى مراقبون؛ ففي أقل من يوم، انتقل الخطاب من حديث عن فتح المضيق واستئناف المرور، إلى إعلان إيراني جديد بأن هرمز «عاد إلى وضعه السابق»، وأنه بات تحت «الإدارة والسيطرة الصارمة» للقوات المسلحة الإيرانية، فيما تمسك الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن الحصار البحري على الموانئ الإيرانية سيظل «سارياً بالكامل» إلى حين التوصل إلى اتفاق شامل.

هذا التناقض لا يعكس فقط حرب روايات بين واشنطن وطهران، بل يكشف أيضاً عن أن الطرفين يحاولان التفاوض من موقع الضغط الأقصى، من دون أن يكون أي منهما مستعداً فعلاً لتحمل كلفة العودة الكاملة إلى الحرب. ويرى مراقبون أن جوهر المرحلة الراهنة لم يعد فقط: مَن يسيطر على هرمز؟ بل: من يستطيع الصمود اقتصادياً وسياسياً أكثر في اختبار الوقت؟

تصريحات متضاربة

ومع عودة إيران إلى إغلاق المضيق عملياً، تجدد التراشق الإعلامي بين واشنطن وطهران. وبعدما قال ترمب إن إيران وافقت على ألا تستخدم المضيق «سلاحاً» مجدداً، وإن جولة جديدة من المحادثات قد تُعقد قريباً، سارعت طهران إلى نفي وجود «اتفاق جديد»، ووصفت الرواية الأميركية بأنها «ضجيج» و«أكاذيب».

كما أفادت «رويترز» بأن القوات الأميركية أعادت 23 سفينة كانت متجهة إلى إيران، في مؤشر على أن واشنطن لا تتعامل مع مسألة الهدنة باعتبارها عودة إلى الوضع الطبيعي، بل باعتبارها فرصة لتكثيف الضغط البحري.

هذه الفجوة بين الإعلانين الأميركي والإيراني تعني أن المضيق قد يكون «مفتوحاً» بالمعنى الدعائي، لكنه ما زال «مقيداً» عملياً بسبب المرور المحدود، والرقابة الإيرانية، وأخطار الألغام والزوارق، فضلاً عن رسائل متبادلة تجعل شركات الشحن والتأمين تتصرف على أساس أن البيئة لا تزال شديدة المخاطر.

من يتحمل الضغط أكثر؟

وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث ورئيس الأركان المشتركة الجنرال دان كين وقائد «سينتكوم» الجنرال شارلز كوبر خلال مؤتمر في البنتاغون (رويترز)

ويرى مراقبون أن رهان ترمب واضح: إذا كانت الحرب العسكرية لم تُجبر إيران على فتح هرمز والتنازل سريعاً، فإن «الحرب الاقتصادية عبر الحصار البحري» قد تفعل ذلك.

ويشيرون إلى أن هذا الرهان ليس مضموناً؛ فمن جهة، فهو يضرب أهم مصدر دخل خارجي لطهران، أي صادرات النفط، ويضغط أيضاً على الواردات الحيوية والمواد الوسيطة اللازمة للصناعة والإعمار. ومن جهة أخرى، لدى إيران خبرة طويلة في التكيف مع العقوبات، وشبكات تهريب، وأسواق ظل، ولديها مشترٍ رئيسي هو الصين، ما يجعل قدرتها على «العيش في الأزمة» أعلى من قدرة خصوم كثيرين على تحمل فوضى إقليمية مفتوحة.

لذلك، تبدو لعبة «من يتراجع أولاً» معقدة؛ لأن واشنطن تعتقد أن الزمن صار ضد إيران، بينما طهران تراهن على أن خصومها والأسواق العالمية ودول الخليج، سيتعبون أولاً من كلفة الاختناق المزمن.

ويلفت دبلوماسيون إلى أن بعض التقديرات تشير إلى أن الضرر لم يعد رمزياً. وذكرت «نيويورك تايمز» أن النفط ما زال يمثل أكثر من 40 في المائة من عائدات التصدير الإيرانية، وأن الصين اشترت 90 في المائة من النفط الإيراني في عام 2024، فيما قُدرت مشترياتها في 2025 بنحو 31.5 مليار دولار، أي ما يعادل 45 في المائة من موازنة الحكومة الإيرانية.

وإذا صحت هذه الأرقام، فإن أي تعطيل ممتد للتدفقات البحرية يضع النظام أمام مشكلة سيولة وعجز مالي حقيقية، لا مجرد ضيق مؤقت، خصوصاً بعد عرض روسيا استعدادها لتعويض الصين عن النقص الإيراني.

ومع ذلك، يظل هذا الضغط أقل حسماً مما يفترضه البيت الأبيض؛ لأن هدف طهران في ظروف الحرب ليس تعظيم الإيرادات بل الإبقاء على الحد الأدنى الذي يسمح للاقتصاد بأن «يعرج» ولا ينهار.

أثر الحصار البحري

ناقلة نفط راسية قرب جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)

وبحسب تقارير أميركية، فإن الحصار البحري الحالي يضرب الاقتصاد الإيراني على ثلاث طبقات: الأولى هي طبقة الإيرادات النفطية المباشرة؛ إذ نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن محللين، أن إيران قد تصل خلال أسبوعين أو ثلاثة إلى ما يسمى «امتلاء الخزانات»، أي نفاد القدرة التخزينية على اليابسة، ما يضطرها إلى خفض الإنتاج أو إغلاق آبار النفط، وهي خطوة عادة ما تُحدث أضراراً طويلة الأجل لبعض الحقول.

كما تذكر الصحيفة أن تكلفة الحصار قد تبلغ نحو 435 مليون دولار يومياً، منها 276 مليوناً خسائر صادرات، معظمها نفط وبتروكيماويات. وإذا استمر هذا المستوى من النزف الاقتصادي، فإن الخسارة الشهرية تصبح بمليارات الدولارات، لا سيما في اقتصاد أنهكته الحرب أصلاً.

أما الطبقة الثانية، فهي طبقة الإنتاج الصناعي وسلاسل الإمداد؛ فالقصف الأميركي - الإسرائيلي ألحق أضراراً بمصانع وشبكات نقل، ومنشآت كهرباء، ومجمعات بتروكيماوية، ومراكز لإنتاج الصلب.

وفي هذا السياق، لم يعد الحصار مجرد وسيلة لوقف التصدير، بل صار أداة لتعميق الاختناق الداخلي عبر تعطيل استيراد المواد والقطع اللازمة لإعادة تشغيل ما تبقى من الاقتصاد. وهنا تتضح المفارقة؛ لأنه حتى القطاعات التي نجت من القصف قد تُصاب بالشلل إذا تعذر عليها استيراد المدخلات.

أما الطبقة الثالثة فهي الخسارة الكلية المركبة: أي كلفة إعادة الإعمار، وفقدان الوظائف، وانقطاع الإنترنت، وتآكل الثقة. ويتحدث الإعلام الإيراني عن تقدير أولي لإعادة الإعمار عند 270 مليار دولار، وتذّكر تقديرات بخطر يتهدد ما يصل إلى 12 مليون وظيفة، كما تشير إلى خسائر بنحو 1.8 مليار دولار جراء انقطاع الإنترنت خلال 48 يوماً.

وهذه أرقام يجب التعامل معها بحذر؛ لأن بعضها تقديري وبعضها صادر عن جهات غير رسمية، لكنها في مجموعها ترسم صورة لاقتصاد لا يعاني من ضربة واحدة، بل من صدمات متراكبة: حرب، وحصار، واختناق لوجيستي، وعطب رقمي.

الحصار وآلية «سناب باك»

نائب وزير الخارجية الإيراني سعيد خطيب زاده يتحدث للصحافيين على هامش مؤتمر أنطاليا في تركيا (رويترز)

مع فرض واشنطن حصارها البحري، طرحت نقطة قانونية تتعلق بمدى توافقه مع عودة العقوبات الدولية على إيران بموجب آلية «سناب باك».

فمن الناحية السياسية، تحاول واشنطن الإيحاء بأن تلك الآلية تمنحها مظلة أوسع لملاحقة التجارة الإيرانية. لكن من الناحية القانونية البحتة، يجب التفريق بين أمرين: إعادة فرض قيود أممية على إيران، وامتلاك تفويض صريح من مجلس الأمن لفرض حصار بحري شامل ووقف السفن في البحر باسم المجتمع الدولي.

وقالت وزارة الخزانة الأميركية بوضوح في 1 أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إن إجراءاتها جاءت دعماً لـ«العودة في 27 سبتمبر (أيلول) 2025» إلى العقوبات الأممية المرفوعة سابقاً، وهذا يعني أن التاريخ الرسمي لإعادة الفرض كان 27 سبتمبر لا أكتوبر، وإن كانت إجراءات التنفيذ الأميركية اللاحقة قد تتابعت في أكتوبر.

لكن عودة العقوبات لا تعني تلقائياً، وفق القانون الدولي، أن أي دولة تستطيع منفردة فرض حصار بحري شامل على نحو مماثل لتفويضات مجلس الأمن السابقة في أزمات أخرى.

فالأدبيات القانونية التي يعرضها الصليب الأحمر الدولي تشير إلى أن إجراءات الاعتراض البحري ذات الأساس الأقوى في مرحلة ما بعد الحرب الباردة كانت عادة ترتكز إلى قرارات صريحة من مجلس الأمن، بينما يبقى قانون الحصار البحري نفسه جزءاً من مجال عرفي معقد وغير مقنن بالكامل في معاهدة جامعة.

وفي المقابل، تنص اتفاقية قانون البحار على أن السفن والطائرات تتمتع بحق «المرور العابر» في المضائق المستخدمة للملاحة الدولية، وهو مبدأ يصعب التوفيق بينه وبين فكرة خنق المرور أو إخضاعه لإرادة دولة مشاطئة أو قوة بحرية منفردة من دون سند دولي صريح. لذلك يمكن القول إن «سناب باك» تقوّي البيئة العقابية ضد إيران، لكنها لا تحسم وحدها مشروعية الحصار البحري الأميركي بالشكل الواسع المعلن، ولا يمنح إيران في المقابل حق تقييد المرور في هرمز باعتباره ورقة سيادية مطلقة.

الخلاصة أن الطرفين عالقان في معادلة استنزاف متبادل: ترمب يريد انتزاع تنازل نووي وملاحي من دون العودة إلى حرب مكلفة، وإيران تريد منع تحويل الهدنة إلى استسلام اقتصادي مغلف بالتفاوض.

لكن التطورات الأحدث تشير إلى أن كليهما لم ينجح بعدُ في فرض روايته الكاملة: واشنطن لم تحصل على فتح طبيعي وآمن لمضيق هرمز، وطهران لم تكسر الحصار أو تفرض اعترافاً عملياً بسيطرتها على شروط المرور.

وبينهما، تقف الأسواق وشركات الشحن أمام واقع واحد: لا حرب شاملة، ولا سلام ملاحياً فعلياً. وفي مثل هذا الوضع، يرى مراقبون أن تمديد الهدنة يصبح ممكناً لأن البديل خطير، لكنه يبقى تمديداً هشاً ما دام كل طرف يرى في الوقت نفسه وسيلة ضغط لا مساحة تسوية.


تركيا تسعى لتعزيز مكانتها كممر للطاقة بالتعاون مع سوريا

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله الرئيس السوري أحمد الشرع في منتدى أنطاليا الدبلوماسي الجمعة (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله الرئيس السوري أحمد الشرع في منتدى أنطاليا الدبلوماسي الجمعة (الرئاسة التركية)
TT

تركيا تسعى لتعزيز مكانتها كممر للطاقة بالتعاون مع سوريا

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله الرئيس السوري أحمد الشرع في منتدى أنطاليا الدبلوماسي الجمعة (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله الرئيس السوري أحمد الشرع في منتدى أنطاليا الدبلوماسي الجمعة (الرئاسة التركية)

رأت تركيا أن هناك فرصة سانحة لتعزيز مركزها كممر للطاقة بالتعاون مع سوريا، بعد المشاكل التي ظهرت نتيجة إغلاق مضيق هرمز بسبب الحرب بين إيران وأميركا وإسرائيل.

وقال السفير التركي في دمشق، نوح يلماظ، إن تركيا وسوريا أمام «فرصة استراتيجية» في سوق الطاقة مع ظهور المشكلات التي بدأت في مضيق هرمز عقب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وأضاف أن توزيع الطاقة، الذي يتم عبر مضيق هرمز أو قناة السويس، قد يصل إلى نقطة يمنح فيها تركيا حصة أكبر، وأن أزمة الطاقة التي برزت مؤخراً، بسبب إغلاق مضيق هرمز، قد تدفع تدفق الطاقة نحو الخطوط البرية التي تمر من تركيا في الشمال، أو نحو الوصول المباشر إلى البحر المتوسط، أو إلى خطوط بديلة تمتد من العراق إلى سوريا.

فرصة سانحة وعوائق

وتابع يلماظ، خلال جلسة في إطار «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» في جنوب تركيا، السبت، أن «هذا يمثل في الواقع فرصة مهمة لكل من تركيا وسوريا»، عادّاً أن أقصر الطرق وأكثرها أماناً واستقراراً أماناً وأقلها تكلفة حالياً هي تركيا.

السفير التركي في دمشق نوح يلماظ خلال جلسة في منتدى أنطاليا (إعلام تركي)

ولفت إلى أن البديل الثاني نتيجة المشكلات في الخليج هو خط سوريا - العراق، وأن بعض الظروف المناسبة لهذا المسار بدأت تتشكل تدريجياً، وأنه يتطلب استقراراً سياسياً وأمنياً في سوريا يسمح باستثمارات بمليارات الدولارات.

وأوضح أن التحركات الإسرائيلية المزعزعة للاستقرار و«الأنشطة الإرهابية» تشكل عوائق أمام ذلك، وأنه يمكن لسوريا أن تصبح فاعلاً مهماً، لكن وصولها إلى هذه المرحلة سيستغرق وقتاً، ربما لا يقل عن 10 سنوات؛ لأن ذلك يتطلب استقراراً سياسياً، ثم استثمارات، وتشكيل تحالفات.

كما ذكر يلماظ أن تطوير التجارة بين تركيا وسوريا، بما يشمل الجمارك والمعابر الحدودية والاعتراف المتبادل بالوثائق الرسمية، هي عملية تستغرق وقتاً، مشيراً إلى أن المفاوضات حول بعض السلع والرسوم الجمركية تُدار بما يخدم مصالح الطرفين.

ورأى أنه مع إصلاح الطرق، ومعالجة المشكلات المادية، وإزالة مشكلات النقل، فإن التجارة بين تركيا وسوريا ستصل على الأرجح إلى أعلى مستوياتها.

مساعٍ لشراكة استراتيجية

وبدأت تركيا وسوريا في الفترة الأخيرة تحركاً باتجاه تحقيق شراكة استراتيجية تغطي جميع مجالات العلاقات بين البلدين، ودعم مرحلة إعادة الإعمار، وتحقيق الاستقرار بعد 14 عاماً من الحرب الداخلية.

وعقدت، خلال الفترة الأخيرة، سلسلة من الاجتماعات بهدف دفع التعاون بين البلدين الجارين في مختلف المجالات، حيث عقد المنتدى التركي - السوري للاستثمار في إسطنبول، في 7 أبريل (نيسان) الحالي، بمشاركة وزير التجارة التركي، عمر بولاط، ووزير الاقتصاد والصناعة السوري، محمد نضال الشعار، وتم مناقشة تعزيز التعاون في مجالات النقل والطاقة والاستثمار والتجارة والجمارك.

وزير التجارة التركي عمر بولاط متحدثاً خلال منتدى الاستثمار التركي - السوري في إسطنبول في 7 أبريل (من حسابه في إكس)

وقال بولاط، خلال المنتدي، إن تجارة الترانزيت أصبحت ممكنة الآن من خلال سوريا إلى الشرق الأوسط ودول الخليج، بعد انقطاع دام 10 سنوات.

كما وقَّع وزير النقل والبنية التحتية التركي، عبد القادر أورال أوغلو، مع نظيريه الأردني نضال قطامين والسوري يعرب بدر، في عمّان، في اليوم ذاته، اتفاقية تعاون ثلاثية في مجال النقل، بهدف تعزيز التكامل الإقليمي وتطوير البنية التحتية للنقل، وسط ظروف استثنائية تشهدها المنطقة بفعل حرب إيران وتداعياتها على سلاسل التوريد والتجارة.

انفتاح على التعاون

وقال الرئيس السوري أحمد الشرع، خلال إحدى جلسات منتدى أنطاليا الدبلوماسي، الجمعة، إن سوريا اتخذت نهجاً لإعادة الإعمار. إن العلاقات التاريخية والجغرافية مع تركيا تُسهم في تعزيز فرص الاستثمار، لافتاً إلى أن نظام الأسد تسبب في عزلة إقليمية، وأن تحرير سوريا يُمثل فرصة لإعادة بناء هذه العلاقات، خصوصاً مع تركيا التي دعمت الشعب السوري خلال السنوات الماضية.

جانب من مباحثات إردوغان والشرع على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي الجمعة (الرئاسة التركية)

وأضاف الشرع، الذي أجرى مباحثات شاملة حول العلاقات بين البلدين مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان على هامش المنتدى، أن هناك جهوداً حثيثة لإنشاء منطقة حرة سورية - تركية في إدلب؛ حيث يجري العمل على نقل بعض الصناعات وتطوير مشروعات مشتركة، وستكون هذه المنطقة نقطة وصل استراتيجية بين إدلب ومناطق أخرى، مثل حلب ودمشق، ما يُسهل عمليات التجارة والنقل.

وقال إردوغان إن أجواء الصراع في المنطقة تُعد أكبر عائق أمام السلام والاستقرار الذي يستحقه الشعب السوري، بعدما تعرّض له من ظلم على مدى ما يقرب من 14 عاماً.

وأضاف أن إعادة نهوض سوريا تتطلب دعماً بناءً ومستمراً من الفاعلين الدوليين، وأن تركيا قدّمت، وتواصل تقديم، كل ما بوسعها من دعم لأشقائها السوريين، على أساس الوحدة الوطنية وسلامة أراضي البلاد.