التنافس بين واشنطن وبكين كان حاضراً في حرب غزة

الصين «ولعبة غزة»... إسرائيل مقابل شينجيانغ؟

وزير الخارجية الهنغاري جنوب إسرائيل مع نظيره الإسرائيلي لاستطلاع مبنى استهدف بصاروخ من حماس في المواجهة الأخيرة (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الهنغاري جنوب إسرائيل مع نظيره الإسرائيلي لاستطلاع مبنى استهدف بصاروخ من حماس في المواجهة الأخيرة (أ.ف.ب)
TT

التنافس بين واشنطن وبكين كان حاضراً في حرب غزة

وزير الخارجية الهنغاري جنوب إسرائيل مع نظيره الإسرائيلي لاستطلاع مبنى استهدف بصاروخ من حماس في المواجهة الأخيرة (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الهنغاري جنوب إسرائيل مع نظيره الإسرائيلي لاستطلاع مبنى استهدف بصاروخ من حماس في المواجهة الأخيرة (أ.ف.ب)

عدّ الدبلوماسي الإسرائيلي إيال بروفر، النشاط الصيني السياسي في الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة، جزءاً من التنافس الأميركي - الصيني السياسي، على حساب إسرائيل. وقال في دراسة أجراها معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب، إن على إسرائيل أن تُبلغ الصين أنها بهذه الطريقة تُلحق ضرراً بمصالحها في الشرق الأوسط. وكان بروفر، الذي شغل منصب الملحق الثقافي والأكاديمي في الصين لأربع سنوات (1992 - 1995)، ونائب السفير في بكين (2002 - 2006)، والقنصل الإسرائيلي العام في شنغهاي (2017 - 2020)، قد ترأس طاقم بحث خلال الحرب الأخيرة، الشهر الماضي، حول تصرفات الصين عند توليها رئاسة مجلس الأمن الدولي.
واندلعت الأزمة بين إسرائيل و«حماس» في غزة أثناء تولي الصين الرئاسة الدورية لمجلس الأمن، مما أتاح لها فرصة لتعزيز مصالحها القومية، لا سيما في سياق إقليم شينغ يانغ (الأقلية المسلمة)، وتصادمها مع سياسة الولايات المتحدة تجاه المسلمين. هذا مع التأكيد على قدرة الصين على أداء دور ذي مغزى أكبر في الصراع بالشرق الأوسط؛ بما في ذلك استضافة محادثات مباشرة بين إسرائيل والفلسطينيين. واستغل المتحدثون باسم وزارة الخارجية الصينية وأكاديميون صينيون، الأزمة في غزة فرصةً لتوجيه أصابع الاتهام تجاه ما يرونها سياسة أحادية الجانب ومنحازة من قِبل الولايات المتحدة التي تواصل دعم إسرائيل ولا تساعد حقوق الإنسان في غزة. وقالت هوا تشونينغ، المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية، في 14 مايو (أيار) الماضي، رداً على سؤال عن العمل اللازم تجاه إسرائيل، بأن «الصين بصفتها رئيس مجلس الأمن، تعمل للتوسط بين الطرفين، ولكن الولايات المتحدة وحدها تمنع إصدار بيان، فهي تدعي أنها تحرص على حقوق المسلمين، ولكن عندما يصاب عدد كبير من الفلسطينيين المسلمين، فإن الولايات المتحدة تغض الطرف عن معاناتهم وتمنع شجباً عالمياً. وفي الوقت نفسه تجري الولايات المتحدة في الأمم المتحدة، مع بريطانيا وألمانيا، لقاءات عديمة المعنى بشأن شينغ يانغ بهدف إطلاق اتهامات عابثة ضد الصين».
إن قرار وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، بأن يقود شخصياً جلسة خاصة لمجلس الأمن في نقاش مفتوح حول الأزمة في غزة (16 مايو الماضي)، جاء لتشديد الأهمية التي توليها الصين للقضية وموقفها من إيجاد حل عادل للمشكلة الفلسطينية، بخلاف الولايات المتحدة. وفي المعلومات التي نشرتها الصين قبل اللقاء الخاص بمجلس الأمن، محادثات أجراها وزير الخارجية الصيني والمندوب الدائم للصين لدى الأمم المتحدة قبل اللقاء. وأوضح وزير الخارجية وانغ، في حديث مع وزير الخارجية الباكستاني، أن السبب الرئيسي للوضع الحالي هو السياسة المغلوطة التي مارستها إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب في السنوات الأخيرة، والتي تجاهلت الحاجة لمواصلة عملية السلام في الشرق الأوسط وتحقيق حل الدولتين؛ مما أدى إلى استمرار انتهاك حقوق الإنسان الفلسطينية. ونشر المندوب الدائم للصين لدى الأمم المتحدة، تشانغ جون، عن اجتماعات تحضيرية مع اللجنة الثلاثية (ترويكا) لجامعة الدول العربية قبل الاجتماع، في ظل «تفهم مخاوفهم». ولم تجر أي محادثات بين المسؤولين الصينيين والإسرائيليين، رغم أهمية فهم دوافع الجانبين قبل الاجتماع. كما لم تُدرج الصين موقف إسرائيل في المسودات التي اقترحها مجلس الأمن؛ بما في ذلك إطلاق الصواريخ على المدن الإسرائيلية من قبل «حماس» و«الجهاد الإسلامي»؛ وهو الموقف الذي أدى إلى استخدام الولايات المتحدة حق «الفيتو» على المسودات الصينية.
ودعا وزير الخارجية الصيني في الجلسة العلنية الخاصة لمجلس الأمن، إلى إيجاد حل دبلوماسي للصراع، ورغم أنه لم يهاجم إسرائيل بشكل مباشر، فإنه طالب كل الأطراف بوقف العنف ضد المدنيين والموافقة على الوقف الفوري لإطلاق النار، إلا إنه أضاف دعوة لإسرائيل لـ«ضبط النفس في استخدام القوة». وشدد الوزير الصيني على فشل مجلس الأمن في صياغة بيان مشترك فقط بسبب «دولة واحدة»، واستطرد أن على الأمم المتحدة أن تؤدي دوراً فاعلاً أكثر في السعي إلى حل الدولتين. وعلى حد قوله؛ فإن الصين كـ«صديق حقيقي للشعب الفلسطيني»، ستعزز جهودها لدفع المفاوضات بموجب خطة «النقاط الأربع» للرئيس شي جين بينغ من عام 2017. وفي جزء من ذلك، كررت الصين دعوة إسرائيل والفلسطينيين لزيارة الصين وإجراء محادثات مباشرة.
إن تحويل الأزمة الحالية إلى موجات من الصراع المتواصل مع الولايات المتحدة، في ظل تعزيز الرواية القائلة إن الصين صديقة الفلسطينيين والمسلمين، تهدف إلى مساعدة الصين في جوانب عدة، خصوصاً تحقيق المصالح القومية الصينية؛ وليس بالتحديد حرصها على حل المشكلة الفلسطينية.
ومن بين أمور أخرى؛ يهتم الصينيون بما يلي:
* تقديم دور الصين بوصفها قوة عظمى مسؤولة ومعتدلة، تعمل بلا كلل على إيجاد حل دبلوماسي للسلام في وقت الأزمة الإنسانية القاسية التي تعصف بالمسلمين؛ بخلاف الولايات المتحدة التي تمنع ذلك.
* استخدام الأزمة الحالية في الشرق الأوسط لصرف الجدل الإعلامي والسياسي عمّا يجري في شينجيانغ، وذلك بزعم أن الولايات المتحدة تعمل بالتوازي على دعاية زائفة ضد الصين في أنها تمس بالمسلمين، في الوقت الذي ترفض فيه الولايات المتحدة نفسها مساعدة سكان غزة.
يغضب الصينيون من دعوات متزايدة في الولايات المتحدة لمقاطعة الألعاب الأولمبية الشتوية التي يفترض أن تُجرى في فبراير (شباط) 2022 في بكين، بسبب معاملة الصين للمسلمين الإيغوريين في شينغ يانغ. وهكذا في الأسبوع الأول من الحملة في غزة، وخلالها، نُشرت في الصين وفي أرجاء العالم الإسلامي، صور عديدة تضمنت الأذى الذي لحق بالفلسطينيين، وعرضت وسائل الإعلام الصينية بالتوازي، صور احتفالات عيد الفطر في أرجاء شينغ يانغ مع إبراز الحرية التي يحظى بها المسلمون في الصين، بخلاف الزعم الأميركي والغربي بشأن الضرر الذي لحق بهم من الصين. وكلما طال الوضع في غزة، أكدت وسائل الإعلام الصينية رسائلها حول الضرر من إسرائيل الذي أُلحق بالسكان المسلمين وبالدعم الأميركي الذي تحظى به إسرائيل.
لقد أُقحمت إسرائيل بغير إرادتها، في هذا السياق من قبل الصينيين، في المواجهة المتواصلة بين القوتين العظميين. ولم تجر اتصالات رفيعة المستوى بين إسرائيل والصين في السنة الأخيرة. وذلك في الوقت الذي قام فيه مسؤولون صينيون؛ بمن فيهم وزير الخارجية، بزيارات إلى الشرق الأوسط، وأجروا محادثات مع نظراء عرب ومسلمين. وشملت الزيارة الأخيرة لوزير الخارجية الصيني إلى الشرق الأوسط في مارس (آذار) 2021 إيران وتركيا والسعودية والإمارات وعُمان والبحرين. وإذا كان الصينيون قد حددوا إسرائيل في الماضي على أنها واحدة من الدول الخمس المركزية في الشرق الأوسط (إلى جانب مصر، والسعودية، وإيران، وتركيا)، وسعوا إلى تعزيز التعاون معها في جملة من المجالات، فإنه يحتمل أن يشهد التجاهل الحالي على ميل صيني إلى التقدم في العلاقات مع دول أخرى في الشرق الأوسط، وليس بالتحديد مع إسرائيل، التي تعدّ شريكة استراتيجية واضحة للجانب الأميركي.
إن تعاظم مكانة الصين وعرض قدرتها على القيام بدور أكبر في ساحة الشرق الأوسط؛ بما في ذلك دعوة الإسرائيليين والفلسطينيين إلى محادثات مباشرة على أراضيها، يجبران إسرائيل على أن توضح أن الموقف الأحادي والتجاهل السياسي سيصعبان على الصين أن تكون وسيطاً عادلاً في المحادثات المستقبلية لحل الأزمة في الشرق الأوسط.



تصعيد الحوثيين يضاعف أعباء النساء في اليمن

اليمنيات يواجهن صعوبات حياتية كبيرة جراء الحرب والممارسات الحوثية (إ.ب.أ)
اليمنيات يواجهن صعوبات حياتية كبيرة جراء الحرب والممارسات الحوثية (إ.ب.أ)
TT

تصعيد الحوثيين يضاعف أعباء النساء في اليمن

اليمنيات يواجهن صعوبات حياتية كبيرة جراء الحرب والممارسات الحوثية (إ.ب.أ)
اليمنيات يواجهن صعوبات حياتية كبيرة جراء الحرب والممارسات الحوثية (إ.ب.أ)

لا تقتصر كلفة التصعيد العسكري الحوثي في اليمن على القتلى والجرحى والدمار، إذ تدفع النساء ثمناً متزايداً لتداعيات الحرب التي أعادت تشكيل حياتهن داخل الأسرة والمجتمع، وضيَّقت فرص العمل والحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية.

ومع تجدد التوترات العسكرية واتساع تداعياتها الإنسانية، تجد آلاف اليمنيات أنفسهن أمام أعباء متراكمة تبدأ بالنزوح وفقدان مصادر الدخل، ولا تنتهي عند القيود المفروضة على الحركة وتراجع الرعاية الصحية والتعليم، فضلاً عن مخاطر العنف والاستغلال والتجنيد والضغوط الاجتماعية التي تزداد مع اتساع دائرة الفقر.

وتقول مصادر حقوقية إن النساء في اليمن أصبحن من أكثر الفئات تعرضاً لتبعات الصراع، في وقتٍ تتراجع فيه قدرة الأُسر على تأمين احتياجاتها الأساسية، وتتقلص الخدمات والمساعدات، بينما تفرض سنوات الحرب أعباء إضافية على النساء اللواتي فقدن المُعيل أو اضطررن إلى تولي مسؤولية أُسرهن بمفردهن.

الحوثيون يُجبرون النساء على المشاركة القسرية بفعاليات تعبوية (إكس)

تأتي هذه الأوضاع بينما حذّرت «الأمم المتحدة» من ازدياد مخاطر عودة اليمن إلى صراع واسع النطاق، وسط استمرار التوترات العسكرية وسقوط ضحايا مدنيين، وهو ما يهدد بإعادة إنتاج موجات النزوح والفقر التي خلفتها سنوات الحرب.

وأدى تجدد المواجهات إلى دفع عائلات يمنية جديدة إلى مغادرة منازلها واللجوء إلى مناطق ومخيّمات تفتقر، في كثير من الأحيان، إلى الخدمات الأساسية. وتتحمل النساء جانباً كبيراً من تبعات النزوح، خصوصاً عندما تفقد الأسرة مُعيلها بسبب الحرب أو المرض أو انعدام فرص العمل.

أعباء متصاعدة

تُجسد أم عبير، وهي نازحة من الحديدة تقيم بمخيمات مأرب، جانباً من هذه المعاناة، فقد اضطرت أسرتها إلى الفرار ليلاً مع اشتداد المواجهات، بعدما أصبحت المُعيلة الوحيدة لأطفالها الستة على أثر وفاة زوجها بسبب مرض عضال.

وتقول، لـ«الشرق الأوسط»: «لم نأخذ شيئاً معنا، ونعيش، اليوم، في خيمة تفتقر إلى أبسط المقوّمات، وأعمل في غسل الملابس لتوفير الطعام لأطفالي».

ولا ترى أم عبير في النزوح مجرد فقدان للمنزل، بل انتقالاً إلى حياة تُكافح فيها يومياً لتوفير الغذاء والمياه والرعاية لأطفالها، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع المساعدات.

مجنّدات حوثيات شاركن في تدريبات قتالية بباحة مدرسة بصنعاء (إكس)

وتزداد الأعباء في الأُسر التي فقدت مصادر دخلها، إذ تجد النساء أنفسهن أمام مسؤوليات لم يكنَّ يتحملْنها وحدهن قبل الحرب؛ من تأمين الاحتياجات اليومية، إلى رعاية الأطفال والمرضى، في بيئة اقتصادية وإنسانية شديدة الهشاشة.

وبالتوازي مع آثار الحرب الاقتصادية والإنسانية، تواجه النساء، في مناطق سيطرة الحوثيين، منذ سنوات، قيوداً على الحركة والتنقل؛ من بينها اشتراط وجود مَحرم في بعض حالات السفر والتنقل بين المحافظات أو الخروج للعمل.

وتقول طبيبة، تعمل في المجال الميداني بمحافظة إب، إن هذه القيود أثّرت على قدرتها على الوصول للمناطق النائية وتقديم الخدمات الطبية للنساء والأطفال.

وتوضح، لـ«الشرق الأوسط»: «كنا نتحرك بسهولة للوصول إلى القرى وتقديم الرعاية الطبية، لكن استمرار قيود الحوثيين على التنقل جعل مهمتنا أكثر صعوبة، خصوصاً عندما لا يتوفر شخص يمكنه مرافقتنا».

ولا تقتصر تداعيات ذلك، وفقاً للطبيبة، على العاملات في المجال الطبي، بل تمتد إلى النساء في المناطق المعزولة، اللواتي قد يجدن صعوبة في الوصول إلى الرعاية الصحية وخدمات الحمل والولادة والإسعافات الأولية.

الاحتجاز يوسع دائرة الخوف

إلى جانب النزوح والقيود على الحركة، تشير مصادر حقوقية إلى تعرض نساء في مناطق سيطرة الحوثيين للاحتجاز والاستدعاء والضغط، خصوصاً الناشطات والإعلاميات والعاملات في المجال المدني، في إطار ما تصفه المصادر بسياسة تهدف إلى الحد من النشاط الحقوقي والمجتمعي.

وتروي ناشطة حقوقية من صنعاء، فضّلت حجب اسمها، لـ«الشرق الأوسط»، أنها أمضت نحو ثلاثة أشهر في مركز احتجاز بعد مشاركتها في مبادرة لتوزيع مساعدات غذائية، مشيرة إلى تعرض أسرتها للتهديد بهدف دفعها إلى وقف نشاطها.

عملية التجنيد الحوثية امتدت لتطول الفتيات وطالبات المدارس (فيسبوك)

وتقول إن تجربة الاحتجاز لم تقتصر آثارها عليها، بل امتدت إلى أسرتها التي عاشت، وفق روايتها، تحت ضغط الخوف من تعرضها مجدداً للاعتقال أو اتخاذ إجراءات ضد أفراد عائلتها.

وتشير المصادر الحقوقية كذلك إلى ضغوط تتعرض لها نساء وفتيات فيما يتعلق بالتعبئة والتجنيد والنشاط المرتبط بالهياكل النسائية التابعة للحوثيين، ما يضيف بعداً آخر إلى المخاطر التي تواجهها النساء في مناطق الجماعة.

وتنعكس الأزمة الإنسانية على صحة النساء والفتيات أيضاً، في ظل تراجع الخدمات الصحية ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية، الأمر الذي يحدّ قدرة كثيرات على الحصول على خدمات الصحة الإنجابية والرعاية أثناء الحمل والولادة.

ومع اتساع دائرة الفقر وانقطاع مصادر الدخل، تصبح الفتيات أكثر عرضة للتسرب من التعليم والزواج المبكر، خصوصاً داخل الأُسر التي تجد نفسها أمام خيارات محدودة لتأمين احتياجاتها الأساسية.

وتقول أسماء، وهي أمّ لفتاتين من محافظة حجة، إن فقدان أسرتها مصدر دخلها دفعها إلى اتخاذ قرار وصفته بأنه «اضطراري» بتزويج ابنتها الكبرى عندما كانت في الرابعة عشرة.

وتضيف أن الحرب والفقر أغلقا أمام أسرتها معظم الخيارات، وحرَما أبناءها من حقوق أساسية؛ في مقدمتها التعليم، بينما بات تأمين الطعام والاحتياجات اليومية أولوية تتقدم على بقية الاحتياجات.

تبعات تتجاوز حدود الحرب

تكشف هذه الشهادات أن تأثير التصعيد على النساء اليمنيات لا يمكن قياسه بعدد الضحايا أو النازحين وحدهم، بل يمتد إلى فقدان مصادر الدخل، وتراجع الوصول إلى الخدمات، وتقييد الحركة، وارتفاع مخاطر العنف والاستغلال، فضلاً عن آثار طويلة الأمد على تعليم الفتيات وصحة النساء واستقرار الأُسر.

المخاطر في اليمن تتفاقم نتيجة انعدام خدمات الصحة الإنجابية (الأمم المتحدة)

وفي بلدٍ أنهكته سنوات الحرب، يمكن لأي عودة إلى التصعيد أن تعيد إنتاج هذه الأعباء على نطاق أوسع، خصوصاً في المناطق التي ما زالت تعاني آثار النزوح وتدهور الخدمات وتراجع فرص العمل.

كان صندوق الأمم المتحدة للسكان قد حذّر من أن النساء والفتيات في اليمن يواجهن أعباء متزايدة نتيجة النزاع والنزوح والانهيار الاقتصادي. ووفق بيانات الصندوق، كان نحو 6.2 مليون امرأة وفتاة معرّضات لخطر العنف القائم على النوع الاجتماعي في عام 2025، في حين كان أكثر من 90 في المائة من المناطق الريفية يفتقر إلى الخدمات اللازمة للوقاية من هذا العنف والاستجابة له.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


أزمة المعيشة تدفع أطفال اليمن خارج مقاعد الدراسة

خفض المساعدات الدولية لليمن ساهم في زيادة التسرب من التعليم (إعلام محلي)
خفض المساعدات الدولية لليمن ساهم في زيادة التسرب من التعليم (إعلام محلي)
TT

أزمة المعيشة تدفع أطفال اليمن خارج مقاعد الدراسة

خفض المساعدات الدولية لليمن ساهم في زيادة التسرب من التعليم (إعلام محلي)
خفض المساعدات الدولية لليمن ساهم في زيادة التسرب من التعليم (إعلام محلي)

يبدأ العام الدراسي الجديد في اليمن وسط أزمة تعليمية تتسع بفعل الفقر والنزوح وارتفاع تكاليف المعيشة، مع بقاء ملايين الأطفال خارج الفصول الدراسية بعد أكثر من عقد من الصراع. وبينما يكافح الآباء لتأمين الغذاء والوقود، باتت نفقات التعليم عبئاً إضافياً يدفع كثيراً من الأسر إلى إبقاء أطفالها في المنازل أو إرسالهم إلى سوق العمل.

وأظهر مسح أجرته منظمة «أنقذوا الأطفال» على 2214 أسرة في عدن ولحج وتعز أن نحو ثلث الأطفال، بنسبة 32 في المائة، لم يلتحقوا بالمدارس قط، بينما انقطع ربعهم عن الدراسة ويحتاجون إلى دعم للعودة إليها. وشمل التقييم نحو 14 ألف شخص، بينهم قرابة 5 آلاف طفل.

وتشير خطة الأمم المتحدة للاستجابة الإنسانية إلى أن 6.6 مليون طفل في اليمن، أي ما يقارب ثلث الأطفال، خارج المدارس، في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية وتتراجع المساعدات الدولية.

ويعدّ وليد، البالغ 17 عاماً، واحداً من الأطفال اليمنيين الذين دفعتهم الحرب إلى ترك التعليم. فقد نزحت أسرته من الحديدة إلى مخيم في لحج عام 2017، بعد سنوات من القصف وانعدام الأمن، واضطر هو إلى مغادرة منزله ومدرسته وهو في الثامنة.

نحو 70 % من الأطفال في مناطق سيطرة الحوثيين خارج العملية التعليمية (إعلام محلي)

ورغم محاولته مواصلة الدراسة في خيام تعليمية مؤقتة، اضطر لاحقاً إلى تركها لمساعدة والده المسن في العمل وإعالة الأسرة.

ويعكس وضعه واقعاً أوسع؛ إذ وجد المسح أن قرابة خمس حالات التسرب مرتبطة بعمالة الأطفال. وتقول «اليونيسف» إن 12.5 في المائة من الأطفال بين الخامسة والرابعة عشرة يعملون، وترتفع النسبة إلى 15.4 في المائة في المناطق الريفية، في أعمال قد تكون خطرة، بينها جمع الخردة والعمل في البناء وجمع الحطب.

وتظهر ضغوط المعيشة بوضوح في نتائج المسح، إذ قالت 92 في المائة من الأسر إنها لا تعرف مصدر وجبتها التالية، بينما تعتمد 95 في المائة منها على العمل اليومي لتوفير احتياجاتها. وأكدت 84 في المائة عدم قدرتها على تحمل تكاليف التعليم، بما فيها الزي المدرسي والكتب.

مدارس متضررة

لم تقتصر خسائر التعليم على قدرة الأسر على تحمل النفقات، إذ تضررت أو دُمرت أكثر من 2375 مدرسة، أو استخدمت لأغراض عسكرية أو كملاجئ للنازحين، مما عرقل وصول الأطفال إلى التعليم.

كما تعرض طلاب ومعلمون للقتل والإصابة جراء الهجمات على المنشآت التعليمية أو أثناء توجههم إليها. ووفق تقرير للتحالف العالمي لحماية التعليم من الهجمات، تضرر أو قُتل 283 طالباً ومعلماً جراء الهجمات على التعليم في اليمن خلال عامي 2024 و2025.

وفي مناطق سيطرة الحوثيين، تبدو الأزمة أكثر حدة في بعض المحافظات. وذكرت مصادر عاملة في قطاع التعليم أن نسبة الأطفال الذين لم يلتحقوا بالدراسة هذا العام في الحديدة تراوحت بين 70 و80 في المائة، مرجعة ذلك إلى الرسوم التي فرضتها الجماعة، إلى جانب عجز الأسر عن شراء الكتب.

تحديات كبيرة تواجه الحكومة اليمنية مع بداية العام الدراسي (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن نحو 13 ألف طالب سجلوا في 60 مدرسة بالحديدة، مقارنة بـ24 ألفاً في العام السابق، لكن كثيراً منهم لا يحضرون بسبب عدم القدرة على دفع الرسوم، وارتفاع درجات الحرارة وانقطاع الكهرباء.

وتضيف أن أفضل مدرسة عامة في بعض المناطق لا تعمل سوى ساعة ونصف إلى ساعتين يومياً، نتيجة الحرارة ونقص المعلمين، في ظل استمرار توقُّف رواتبهم منذ سنوات.

مستقبل أكثر هشاشة

تأتي هذه التطورات مع أزمة تمويل إنساني حادة، اذ لم تتجاوز نسبة تمويل خطة الاستجابة الإنسانية لليمن العام الماضي 25 في المائة من الاحتياجات المطلوبة، مما أدَّى إلى إغلاق برامج وخدمات أساسية.

وحذرت ريشانا حنيفة، المديرة القُطْرِيَّة لـ«أنقذوا الأطفال»، من أن أطفال اليمن معرضون لخطر التحوُّل إلى «جيل ضائع»، مع دفع الأزمة الاقتصادية المزيد منهم بعيداً عن الفصول الدراسية نحو العمل.

ومع استمرار النزوح وتراجع المساعدات وارتفاع تكاليف التعليم، لا تبدو عودة الأطفال إلى المدارس مرتبطة بتوفير المقاعد الدراسية وحدها، بل بقدرة الأسر على البقاء أولاً؛ إذ كلما طال انقطاع الطفل عن التعليم، تراجعت فرص عودته، لتتحول الأزمة من تسرب مؤقت إلى خسارة طويلة الأمد لجيل كامل.


تنسيق مصري-إماراتي بشأن أزمة «التعاملات البنكية الإيرانية»

بنك مصر (الصفحة الرسمية لبنك مصر على «فيسبوك»)
بنك مصر (الصفحة الرسمية لبنك مصر على «فيسبوك»)
TT

تنسيق مصري-إماراتي بشأن أزمة «التعاملات البنكية الإيرانية»

بنك مصر (الصفحة الرسمية لبنك مصر على «فيسبوك»)
بنك مصر (الصفحة الرسمية لبنك مصر على «فيسبوك»)

أكد «مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي» و«البنك المركزي المصري»، في بيان مشترك، الأحد، التعاون والتنسيق التام والدائم بينهما، فيما يتعلق بالتعامل مع تداعيات أزمة «التعاملات البنكية الإيرانية»، التي طالت الاتهامات فيها فرع «بنك مصر» في الإمارات، وشددا على «اتخاذ كل الإجراءات والتدابير اللازمة».

ووفق البيان المشترك، فإن ذلك يأتي «في إطار المتابعة للمقترح الصادر عن وزارة الخزانة الأميركية بشأن قاعدة تنظيمية تقضي بفرض تدبير خاص يتعلق بفروع بنك مصر في الإمارات»، مشيراً إلى قيام فروع «بنك مصر بمزاولة كل أعمالها بصورة طبيعية، وستقوم باتخاذ كل الإجراءات والتدابير اللازمة خلال الفترة المحددة لذلك».

وفي السياق ذاته، لا يرى عضوان في مجلس النواب المصري (البرلمان) قلقاً في قيام «مصرف الإمارات المركزي» بالتفتيش على فروع «بنك مصر» العاملة هناك، ضمن مراجعة للشركات الواردة في البيان الصادر عن السلطات الأميركية، ضمن حزمة عقوبات مفروضة على إيران.

وكان «مصرف الإمارات المركزي» قد أعلن السبت إجراء تفتيش خاص وعاجل على فروع «بنك مصر» العاملة في البلاد، يتضمن «مراجعة متعمقة للتعاملات المصرفية» للشركات الواردة في بيان السلطات الأميركية»، على خلفية مقترح لاتخاذ تدبير خاص يتعلق بفروع البنك في الإمارات باعتبارها مؤسسة مالية تعمل خارج الولايات المتحدة ذات مخاوف رئيسية تتعلق بغسل الأموال.

«مصرف الإمارات المركزي» (وام)

وكانت وزارة الخزانة الأميركية قد أعلنت يوم الجمعة الماضي اتخاذ إجراء لقطع تعاملات فروع ‌«بنك مصر» في الإمارات بالدولار بسبب تعاملاتها مع إيران. وأضافت، في بيان، أن «شبكة مكافحة الجرائم المالية اقترحت قاعدة تلغي إمكانية وصول فروع بنك مصر في الإمارات إلى خدمات الحسابات المصرفية المراسلة لدى المؤسسات المالية الأميركية».

ويرى عضو اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب المصري محمد فؤاد، «أن القرار الأميركي بشأن فرع بنك مصر في الإمارات يجب وضعه في إطاره الصحيح؛ فهو إجراء تنظيمي مقترح ومحدد النطاق يتعلق بعمليات البنك في الإمارات، ولا يمتد إلى بنك مصر في مصر أو باقي فروعه الخارجية».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «صحيح أن (المركزي المصري) وبنك مصر أصدرا بيانات بشأن الواقعة، لكن السلطة الأصيلة هي لمنظم السوق في دولة الإمارات، وقد أصدرت بيانات بشأن ذلك الفحص وهو أمر احترازي ومنطقي ومهني».

تجدر الإشارة إلى أن «المركزي الإماراتي» أكد أنه يدرس في الوقت الراهن الخيارات المتاحة بشأن وضع البنك، في حال تقرر اتخاذ التدبير الخاص بحقه بعد استيفاء الإجراءات وفقاً للقوانين الأميركية، وأنه سيتخذ القرار المناسب في هذا الشأن في حينه، مع الأخذ في الاعتبار التزامات «بنك مصر» تجاه عملائه في دولة الإمارات.

وأشار «المصرف المركزي الإماراتي» إلى أنه «يجري عمليات تفتيش دورية على إجراءات مواجهة غسل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب لدى البنوك العاملة في الإمارات، كما يتحقق من كفاءة الأنظمة الإلكترونية المتعلقة بفحص العقوبات وغيرها، ويطالب البنوك بإجراء التحسينات اللازمة على هذه الإجراءات والأنظمة وفقاً لمتطلبات القوانين واللوائح المعمول بها».

من جانبه، يرى عضو مجلس النواب المصري، عاطف المغاوري، أن «قيام المركزي الإماراتي بالتفتيش على فروع بنك مصر على الأراضي الإماراتية إنما يأتي في سياق التأكيد على التماشي مع السياسات الأميركية فيما يخص مكافحة غسيل الأموال، وكذلك فرض الحصار الاقتصادي على إيران وقطع مصادر التمويل عنها».

وشدد في تصريح لـ«الشرق الأوسط» على أن «هذا الإجراء لا يعني بطبيعة الحال إدانة أو تأكيد اتهامات لبنك مصر هناك، لأنه في النهاية هذا البنك المعني يدخل في نطاق القطاع المصرفي الإماراتي، وبالتالي فالسلطات الإماراتية تؤكد رقابتها ولا تتساهل مع أي شيء يثار، خصوصاً إن كان من الجانب الأميركي الذي تتوافق مع سياساته وتوجهاته».

وفور صدور القرار الأميركي، أكد بنك ‌مصر «احترامه الكامل للأطر ‌التنظيمية ⁠والقانونية ذات الصلة، والتزامه ⁠بكل القوانين واللوائح والتعليمات والضوابط الرقابية المعمول بها، وتعاونه الكامل والبنّاء مع الجهات المعنية».

سبق ذلك بيان لـ«البنك المركزي المصري» أكد فيه أن المسؤولين بـ«المركزي» وفي وزارة الخارجية المصرية «على اتصال بالجانب الأميركي فيما يخص تلك الإجراءات».