السيسي لـ «الشرق الأوسط»: أمن مصر الإقليمي يمر عبر دول الخليج * الأزمة اليمنية لم تأخذ منا الاهتمام الكافي.. وسأبحث في الرياض حماية الملاحة البحرية عبر باب المندب

الرئيس المصري: بلادنا لن تنسى مواقف الملك سلمان المشرفة منذ أن تطوع في الجيش المصري أثناء حرب العدوان الثلاثي.. و{مسافة السكة} لم تتغير

الرئيس المصري خلال الحوار مع ({الشرق الأوسط})   (تصوير: فادي فارس)
الرئيس المصري خلال الحوار مع ({الشرق الأوسط}) (تصوير: فادي فارس)
TT

السيسي لـ «الشرق الأوسط»: أمن مصر الإقليمي يمر عبر دول الخليج * الأزمة اليمنية لم تأخذ منا الاهتمام الكافي.. وسأبحث في الرياض حماية الملاحة البحرية عبر باب المندب

الرئيس المصري خلال الحوار مع ({الشرق الأوسط})   (تصوير: فادي فارس)
الرئيس المصري خلال الحوار مع ({الشرق الأوسط}) (تصوير: فادي فارس)

أمام مكتب تعلوه لوحة مزينة بآية «إن ينصركم الله فلا غالب لكم»، استقبل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي صحيفة «الشرق الأوسط». جدول الرئيس كان مزدحما للغاية يوم إجراء الحوار (أول من أمس الخميس). استقبل قبل الحوار مجموعة من المستثمرين الأجانب. وبعد الحوار مباشرة استقبل العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني.
كان مقررا أن يستغرق الحوار مع «الشرق الأوسط» ساعة واحدة، إلا أن الرئيس استمر في حواره لأكثر من ساعة ونصف الساعة. كان لافتا أن مكتب الرئيس المصري لم يطلب أي أسئلة أو محاور قبل اللقاء. استمع لكافة الأسئلة ولم يتحفظ أو يرفض الإجابة عن أي منها. أيضا كان لافتا عدم السماح بتسجيل الحوار، والاكتفاء بكتابته فورا ومباشرة، وهو أمر يعرف الصحافيون أنه مرهق كثيرا لحوار طويل ومهم، إلا أنه من جانب آخر يشير إلى الانفتاح الإعلامي الذي ينتهجه الرئيس المصري.
خمس دقائق فقط استغرق وصولي من بوابة القصر الجمهوري في مصر الجديدة إلى الصالة التي انتظرت فيها قليلا قبل دخولي على الرئيس. إجراءات أمنية عادية عند دخولي القصر. لم يُسمح لي بإدخال الهاتف الجوال والآيباد، والذي كان يحتوي على الأسئلة المعدة مسبقا، غير أن الزميل السفير علاء يوسف، المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية المصرية، أنقذني بطباعة الأسئلة من إيميلي الشخصي. لا بد من الورق وإن حضرت التقنية.
بين حين وآخر وخلال الحوار، حرص الرئيس على توضيح بعض القضايا، مع تأكيده على أنها ليست للنشر ولكنها للتوضيح فقط. وأسهب في شرح تفاصيل يحلم بنشرها أي صحافي، إلا أن ثقة الرئيس بصحيفة «الشرق الأوسط»، وتكراره أنها تقف مع مصر بغض النظر عمن يحكمها، لن يسمح باستخدام أي من تلك المعلومات للنشر، على الرغم من كونها خلفيات مهمة لفهم العديد من القضايا المحورية.
وجاء لقاؤنا مع الرئيس السيسي قبل توجهه إلى السعودية غدا للقاء خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وكبار المسؤولين السعوديين، في قمة سعودية - مصرية من شأنها بحث هذه القضايا الجوهرية.
ويحرص السيسي على التشاور مع القيادة السعودية قبل انطلاق شهر من المحطات السياسية المهمة في مصر الشهر المقبل؛ إذ يعقد مؤتمر الاستثمار في شرم الشيخ بين يومي 13 و15 مارس (آذار) المقبل، وبعده تعقد القمة العربية نهاية الشهر. كما أنه من المرتقب أن تختتم مصر «خريطة المستقبل» بإجراء انتخابات نيابية ترسخ العملية السياسية في البلاد. وفيما يلي أبرز ما ورد في الحوار مع الرئيس السيسي:

* بعد 8 أشهر من انتخابه رئيسا لمصر، ووعده بتحقيق الحرية والعدالة، أين وصل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في وعده هذا؟
- رحلة الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية ممتدة حتى تتحقق، لأن مراحلها كبيرة في بلد تعداد سكانه 90 مليون نسمة. ولعل السؤال هنا: هل الإرادة الشعبية تصب في كل هذه المطالب لتحقيقها؟ وإجابتي: إنني أقدّر كثيرا الشعب المصري وأتمنى أن أفعل كل شيء للمصريين، وبما يتناسب وتطلعاتهم وطموحاتهم وبما يضمن حصول كل مواطن على كامل حقوقه.
* إذن ما الذي تحقق في الفترة الماضية؟
- أستطيع القول إن مصر مرت بحالة ثورة خلال 4 سنوات ماضية، إلا أن الشعب المصري واع جدا ويقظ جدا ويتطلع إلى الأفضل دائما، وبالتالي لا بد أن نعترف أننا سنأخذ وقتا في ذلك، لكننا قمنا أولا بالحفاظ على دولة المؤسسات ودعمها، بعد أن تعرضت لهزة كبيرة على مدار ثورتي 25 يناير و30 يونيو. وبالتالي كان لا بد أن تستعيد مكانتها وأن نقوم بتحسين أداء الدولة. وإدارة دولة مثل مصر بحاجة لتوازنات وأولويات حتى تستقر كل الأوضاع. خذ مثلا قضية صحافيي قناة «الجزيرة»، لا يوجد مسؤول في الدولة يريد أن تصل الأمور إلى ما وصلت إليه، ولأننا نحترم القضاء أولا وسلطته كذلك، فكان لا بد أن ننتظر حتى يقول القضاء كلمته وبعد ذلك أستخدم صلاحياتي لإنهاء الموضوع، لأن صلاحياتي تبدأ بعد انتهاء المحاكمة وليس خلالها.
* هل يمكن أن نحدد ما هي أهم إنجازات الرئيس خلال الثمانية أشهر الماضية؟
- ما قمنا به خلال ثمانية أشهر ليس بالقليل، لدينا مثال في مشروع قناة السويس الجديدة مفترض أن يستغرق تقريبا 5 سنوات، ولكننا وعدنا بتنفيذه خلال عام وسوف يفتتح في شهر أغسطس (آب) المقبل. وهذا العمل يعزز قدرة مصر كشريك للتجارة العالمية من خلال قناة السويس. المثال الثاني: العمل على إنشاء شبكة قومية للطرق بطول 3600 كيلومتر والانتهاء منها أيضا خلال شهر أغسطس المقبل مع رفع أداء شبكة الطرق القديمة. ثالثا: وضعنا خريطة إدارية للمحافظات يمكن من خلالها إضافة أراض جديدة بواجهة صحراوية وواجهة أخرى على الشواطئ، وهو ما يسمح بزيادة القدرة الاستثمارية للمحافظات وتوسيع مساحتها. حتى أزمة الكهرباء استطعنا التخفيف من حدتها بإضافة 360 ميغاوات على الشبكة. ونقوم حاليا بعمل دراسات دقيقة لزراعة 4 ملايين فدان والبداية ستكون بمليون فدان، وفي الوقت نفسه نعمل على توفير البنية الأساسية والخدمات الخاصة بهذه المساحة، وكذلك تطوير الموانئ البحرية الرئيسية مثل موانئ دمياط والسويس والبحر الأحمر وبورسعيد. كل هذه الخطوات والإجراءات تمت خلال الأشهر الثمانية الماضية، ونحن حاليا في طريقنا لإنجاز كل ما تحتاجه التنمية في مصر، وسوف يكون المؤتمر الاقتصادي الذي سيقام الشهر المقبل في شرم الشيخ، فرصة لعرض عدة مشاريع حيوية واستراتيجية تنعكس بالإيجاب على الاقتصاد المصري. وسوف نعلن عن قانون الاستثمار الموحد واتباع نموذج «الشباك الواحد» للتيسير على المستثمرين، فضلا عن تسوية الأزمات التي كانت تحدث مع المستثمرين والتي نعترف أنها أفقدتهم جزءا من الثقة، كما نقوم بعمل ذلك مع المستثمرين على المستوى المحلي والعربي والدولي. ويجب ألا ننسى أن الأربعة سنوات الماضية كانت لها ظروفها الاستثنائية.
* لكن مصر بعد ثورتي 25 يناير (كانون الأول) 2011 و30 يونيو (حزيران) 2013 عانت من مشاكل اقتصادية صعبة أثرت على الحياة المعيشية للمواطن المصري، ما الذي فعله الرئيس السيسي لتحسين حياة المواطن المصري؟
- في الوقت الذي استطاع المصريون فيه تغيير وضع سياسي في بلادهم والانتقال لخطوات ديمقراطية عبر ثورتين، كان لا بد من ثمن اقتصادي وأمني دفعه الـ90 مليون مصري وما زالوا يدفعونه، وبصراحة لولا وقوف الأشقاء معنا وإلى جوارنا باستمرار، ولهم كل التقدير في المملكة العربية السعودية ودولتي الإمارات والكويت، ما كان لنا أن نصمد إلا بوقوفهم مع الشعب المصري. دعني أقل لك وبصراحة إن سقوط مصر لا قدر الله يعني سقوط المنطقة. هل تعلم أن 65 في المائة من المصريين من الشباب أقل من 40 عاما؟ وهذا يعني أنهم جميعا لديهم الأمل في الحياة والتعليم والصحة والسكن المناسب، وهذا بالتأكيد يحتاج جهدا كبيرا، والمصريون بالطبع لديهم وعي كبير وتحملوا وتحلوا بالصبر لمواجهة كل هذه التحديات، وبالتالي لا بد لهم أن يجدوا نتيجة صبرهم.
* ما الذي تنتظرونه من المؤتمر الاقتصادي؟
- أولا نبذل كل الجهد لتجهيز أنفسنا لاستقبال المستثمرين والأصدقاء والأشقاء. وكما تعلم أن فكرة المؤتمر كانت منذ البداية سعودية حينما أعلن المغفور له الملك عبد الله بن عبد العزيز عقد مؤتمر للدول المانحة لدعم مصر، إلى أن وصلنا لأن يكون المؤتمر للدفع باستثمارات لدعم الاقتصاد المصري، واليوم نعمل على ضبط البنية التشريعية لحل المشكلات العالقة التي تناسب مناخ الاستثمارات، وتختصر الإجراءات البيروقراطية لأننا نعمل على إنجاح المؤتمر وما بعده من تنفيذ للسير نحو ما نريد وننتظر.
* ماذا تنتظرون من أشقائكم في دول الخليج في هذا المؤتمر؟
- (صمت قليلا).. حجم التحديات في مصر كبير، وبالتالي من الصعب الإجابة عن هذا السؤال.. إننا نثق في أشقائنا في الخليج وفي أصالة مواقفهم المشرفة إزاء مصر وشعبها، ونتطلع إلى مساهماتهم الفاعلة في هذا المؤتمر والتي ستعود بالنفع وتحقق مصالح الجانبين.
* دعني أقل لك إن المستثمرين العرب عانوا من ثورتي 25 يناير و30 يونيو وتسببت الأوضاع الأمنية في خسائر جمة لهم، ما الذي ستفعلونه من أجل جذب استثماراتهم مجددا؟
- الأشقاء في المملكة العربية السعودية ودول الخليج بدأوا في العودة للاستثمار في مصر، لأن المناخ أصبح أفضل من ذي قبل وكذلك الاستقرار أفضل، وأقول من خلال جريدة «الشرق الأوسط» إن بلادكم في انتظاركم وهي في أمن وأمان، وأقول أيضا عندما يلقي الإعلام الضوء على مشكلة فإن هذا لا يعني أن البلاد كلها على هذا النمط وإنما مجرد حالات فردية. لا أقصد طبعا أن الإعلام مضلل، ولكن أقصد أن وسائل الإعلام تركز على حدث وحيد فيظن من هو خارج مصر أن الدولة كلها على نمط هذا الحدث.
* كيف ترون علاقات الرياض مع القاهرة؟
- نحن في مصر نؤمن أن العلاقة بين مصر والسعودية علاقة استراتيجية بامتياز، وهي ركيزة للأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، والمسؤولون في البلدين مدركون لهذا الأمر المستقر والمتفق عليه منذ عهد الملك عبد العزيز آل سعود رحمه الله، الذي أدرك بحسه الاستراتيجي أهمية وضرورة دعم هذا التوجه، وقد سار على الدرب كل أبناء الملك بنفس الحرص والرغبة والقدرة على التنفيذ المخلص والأمين وبما يحافظ على هذه العلاقة الممتدة عبر السنين.
* وماذا عن علاقتكم مع خادم الحرمين الملك سلمان بن عبد العزيز؟
- ننظر دون شك للعلاقة مع العاهل السعودي نظرة تحمل كل تقدير واحترام، ولن تنسى له مصر مواقفه المشرفة منذ أن تطوع في الجيش المصري في حرب العدوان الثلاثي، وكذا مواقفه العروبية المساندة والداعمة لمصر في حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، وسنكون حريصين كل الحرص على استكمال مسيرة العلاقات المتميزة مع الملك سلمان. وأستطيع أن أؤكد أننا سنعمل ليس للحفاظ على العلاقات فقط، وإنما لتطويرها مع تنفيذ كل الالتزامات أمام شعوبنا، بما يتسق ويتناسب مع المسؤولية التي نتحملها، نظرا للمخاطر الحقيقية التي تهدد الوطن العربي. ونظرا لكل ما يحاك ضدنا وما يحدث من حولنا، يجعلني أقول دائما يجب أن نعمل معا حتى نحافظ على بلادنا وشعوبها.
* تزورون السعودية غدا الأحد، في أول زيارة رسمية منذ تولي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز الحكم، ما الذي ستناقشونه في زيارتكم للرياض؟
- ستكون لدينا مباحثات هامة وبناءة، سوف نتحدث في كل ما يتعلق بالمنطقة العربية والتحديات التي تحيط بها، سنناقش أيضا التطورات في اليمن وكيفية حماية الملاحة البحرية عبر باب المندب.
* في ظل العلاقة المتوترة بين دول الخليج العربي وإيران، كيف تنظرون لعلاقتكم مع طهران؟
- لدينا 4 عناصر مهمة في علاقتنا مع دول الخليج. الأول: أمن مصر القومي يمر عبر دول الخليج، والثاني: أمن الخليج خط أحمر، والمحور الثالث: «مسافة السكة» التي تحدثت عنها سابقا. أما العنصر الرابع فهو إنشاء قوة عربية مشتركة. تخيل لو قمنا بمناورة مشتركة بين مصر والسعودية والإمارات والكويت، وعمل مناورات مشتركة بحرية وجوية وبرية، فمثل هذه الخطوة بالتأكيد تهدف إلى حماية دولنا وأمننا القومي وليست موجهة ضد أحد.
* هل «مسافة السكة» لا زالت نفس المسافة السابقة؟
- أكيد ولماذا تتغير؟ (وخلي بالك) عندما قلنا إن الأشقاء وقفوا معنا في الأزمة التي مرت بمصر، فإننا نعتبر رد هذا الجميل من ضمن ثوابتنا وليست مجال تشكيك، ولن يتغير شيء في الأمر لا اليوم ولا غدا.
* لننتقل لملف الإرهاب.. هل احتاجت مصر لذبح 21 من أبنائها في ليبيا حتى تعلم أن خطر الإرهاب ينهش في حدودها الغربية؟
- الإجابة على هذا السؤال يجب أن تسمعها من الآخرين وليس منا، لأنني شخصيا حذرت ومنذ عامين في خطابات كثيرة، عربيا ودوليا، من أن هناك خطورة من المقاتلين الأجانب في سوريا والعراق وكذلك ليبيا. وحذرت وأبديت مخاوفي من تحول المنطقة إلى ساحة جاذبة للإرهاب، وما زلت أحذر من المخاطر الحقيقية مع استمرار الوضع على ما هو عليه، ولذا طالبت بأن يكون العمل جماعيا حتى نستعيد الأمن، لأن استعدادنا معا يطرد الإرهاب من بلادنا، أما تركنا له فهو يعزز من اشتعال البيئة الحاضنة للإرهاب في كل مكان، في مصر والعالم العربي وحتى في دول الخليج.
* لكنكم تحفظتم على المشاركة في التحالف الدولي ضد الإرهاب في العراق وسوريا واكتفيتم بمشاركة رمزية؟
- اسمح لي أن أقول إن وصف التحفظ كلمة غير دقيقة، وسبق أن أعلنت مصر منذ اليوم الأول أنها مع التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، وأكدت على ضرورة أن تكون المواجهة ضد الإرهاب والإرهابيين استراتيجية وشاملة، لأن العمل العسكري والأمني فقط غير كاف. والأكثر من ذلك أننا في مصر قمنا، وقبل إنشاء التحالف الدولي، بمكافحة الإرهاب في سيناء وداخل مصر، وقد ساعدنا ودعمنا الإخوة والأشقاء في السعودية والكويت والإمارات والبحرين، وهنا الدعم ليس ماديا فقط وإنما هو تضامن شامل.
* في رأيكم كيف يتم القضاء على تنظيم «داعش»؟
- الإجابة عن هذا السؤال تكون من خلال وحدتنا، والتي أعتبرها أول خطوة على طريق القضاء على الإرهاب، والوحدة هنا بمعنى التنسيق والتعاون الشامل في كل المجالات، لأنني أرى أن الخطة الأمنية والسياسية لا يمكن اختزالها في عمل عسكري وأمني فقط، وإنما الدفع بإجراءات موحدة وقوية تمثل أيضا عملا رادعا في المنطقة. ولدينا القدرة على تشكيل قوة ذات شأن ورسالة قوية تؤكد للمتربصين بأنه لا يمكن النيل منا ونحن مجتمعون ولن يتمكن الإرهابيون من الإضرار إلا إذا بقينا متفرقين ولسنا مجتمعين.
* هل تقصدون قوة عسكرية عربية ضد الإرهاب؟
- لا بد من التحرك الجماعي وأعني دورا عربيا مشتركا ولا يقتصر على الدور السعودي والمصري والإماراتي كل على حدة. لا أنا شخصيا، ولا مصر، لا نبحث عن «دور» وإنما عن «حالة» عربية قوية لمواجهة المخاطر والتحديات.
* هل هناك مشروع محدد في هذا الشأن؟
- نحن نتشاور مع أشقائنا بشأنها وهي قوة عربية مشتركة.
* بعد ثورة 30 يونيو وما تبعها من حظر لجماعة الإخوان المسلمين، كيف ترى وضع «الجماعة» بعد كل التحولات التي مرت بمصر والمنطقة، بمعنى هل يمكن عودتها للمشهد السياسي مرة أخرى؟
- هذا السؤال يوجه للمصريين وللشارع المصري وللرأي العام وما يرتضيه ويوافق عليه سوف أقوم بتنفيذه فورا.
* وهل تضغط عليكم جهات غربية لعودة «الإخوان المسلمين» مرة أخرى؟
- لا بد أن يعلم الجميع أنه وبعد ثورتين عظيمتين قام بهما المصريون، من الصعب أن يحدث مثل هذا الضغط على دولة مستقلة مثل مصر، مع التأكيد بأن مصر تدفع ثمنا غاليا نتيجة رفضها للتدخلات الخارجية.
* قلتم إن الإخوان المسلمين تلاعبوا بالرأي العام.. أين الدولة إذن؟
- تقصد الآن (تلاعبوا بالرأي العام) أم سابقا؟ الآن.. لا.. ولك أن تسأل المواطن العادي البسيط الغاضب من كل ما فعله الإخوان بالبلاد، هناك بالفعل حالة غضب وألم مصرية منهم (الإخوان). وعلى أية حال منذ 30 يونيو وحتى اليوم الوضع العام المصري يتحسن يوما بعد يوم، ولا يمكن لأحد أن يتلاعب بالرأي العام الذي استوعب الدرس وفهم ما يحاك ضد بلاده.
* هل بقي شيء من المصالحة مع قطر؟
- أنا أسألك: قدم لي تصريحا رسميا واحدا صدر منا فيه إساءة ضد أي من الدولتين، قطر وتركيا. بكل تأكيد لن تجد تصريحا سلبيا واحدا.
* الدوحة تلوم مصر بأن إعلامها يهاجمها بضراوة؟
- الإعلام في مصر لديه هامش من الحرية، وبعد الثورة ارتفع هامش الحرية كثيرا، إلى حد أن البعض يظن أن الإعلام موجه لتأييد النظام، مما يتسبب في حرج للدولة المصرية لأن هناك من يحسب الآراء علينا كجهات رسمية، ولكنه في الحقيقة هذه الآراء تعكس غضب وتوجهات الشعب المصري والرأي العام.
* مرة أخرى.. ما الذي بقي من المصالحة مع قطر؟
- كنا، ولا زلنا، ملتزمين باتفاق الرياض، وذلك تقديرا للسعودية ودورها العربي الكبير.
* بصراحة.. ماذا تريدون من قطر؟
- نحن نريد أم هم؟ نحن لا نريد شيئا. هناك إرادة شعب ونريد أن يفهم الجميع هذا الأمر، ولا يجب التقليل من شأنه أو تجاهل ما يريد، والسؤال هو من المستفيد من دعم سقوط مصر؟ ليعلم الجميع أنه إذا سقطت مصر لا قدر الله سوف تدخل المنطقة في صراع لن يقل عن 50 عاما.
* التصريحات التركية الرسمية ضد الدولة المصرية مستمرة ولم تتوقف منذ ثورة 30 يونيو، بالمقابل لا يوجد موقف مصري مقابل؟ ألا تخشون من ضياع هيبة الدولة؟
- هيبة الدول بقدرتها وقوتها، أما التلاسن والإساءة للآخرين والشعوب فليسا من قيم وشيم الدول القوية. نحن نتحدث عن علاقة مع شعبين سواء قطر أو تركيا، ونحن نؤمن بأن البقاء للعلاقات بين الشعوب. أما الإساءات والتلاسن فنحن في مصر قد تجاوزناها في علاقاتنا مع الآخرين، ومن يسيء للآخرين فهو يعبر عن نفسه ولن يقلل هذا من قدرنا وقيمتنا.
* هل تعتقد أن هناك وسائل إعلام تستهدف الدولة المصرية؟
- ترى هل المنطقة العربية أصلا مستهدفة أم لا؟ إن الركائز التي تستند إليها المنطقة العربية مستهدفة والقارئ والمواطن العربي يعرف ذلك.
* لا زالت أزمة سد النهضة تراوح مكانها.. كيف ترون انفراج الأزمة في ظل الإصرار الإثيوبي على ذات الموقف؟
- لقد أوضحنا للإخوة في إثيوبيا موقفنا، وأكدنا الحفاظ على حقوق الدولة المصرية، وكذلك احترامنا لحقهم في التنمية. وهناك تفهم مشترك ونقوم من خلال التشاور الدائم وصولا إلى تحويل التفاهم إلى صيغة ملزمة للطرفين. ونحن نسير على الطريق الصحيح وقد شجع الجميع بما في ذلك الأشقاء العرب والأصدقاء هذا الحوار الإيجابي مع إثيوبيا.
* موقفكم من الأزمة السورية يراه المراقبون غامضا ولا يتناسب مع ثورة مثل الثورة المصرية، فهل الحياد في مثل هذه الأزمات منطقي؟
- الأزمة السورية معقدة جدا، وهناك آراء ومواقف مختلفة على أساليب المعالجة لقضية مستمرة منذ 4 سنوات ومرشحة للزيادة، ونحن قلنا وجهة نظرنا منذ البداية وهي البحث عن حل سلمي سياسي والحفاظ على وحدة الأراضي السورية. هذا عنوان الحل والذي يشتمل على المعالجة المتزنة وحل الميليشيات والعناصر المسلحة. فهل هذا حياد؟!
* العالم بأسره يرفض بقاء بشار الأسد رئيسا لسوريا، وأنتم لا تمانعون من استمراره؟
- هناك فرق بين البحث عن حلول أو البحث عن استمرار الأزمة لسنوات. ومعنى حل سياسي سلمي لن يكون الحل لصالح طرف واحد وإنما لصالح الجميع، وأعني المعارضة والنظام في ظل البحث عن مخرج حقيقي، ثم نبدأ في معالجة الملفات الأخطر التي تؤثر على الأمن القومي العربي.
* هل هناك اتفاق مع المعارضة السورية على هذه الرؤية المصرية؟
- نتشاور مع الجميع حول الحل السياسي السلمي، مع دول الخليج والمعارضة ولا نفعل شيئا بمفردنا.
* اليمن يقسم والحوثيون ينقلبون على الشرعية، بينما الموقف المصري لا يزال مراقبا من بعيد؟
- أستطيع القول بكل صراحة إن الأزمة اليمنية لم تأخذ منا جميعا الاهتمام الكامل، وكلنا تأخرنا في التعامل مع الأزمة اليمنية.
* علاقتكم المتنامية مع موسكو وهذه الحفاوة في استقبال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في القاهرة، هل هي رسالة ذات مغزى لواشنطن؟
- علاقات مصر الخارجية بعد ثورة 30 يونيو علاقات متوازنة ومتنوعة ومنفتحة على الجميع، ولا تميل لطرف على حساب آخر. دعني أقل بوضوح إن علاقتنا مع الولايات المتحدة الأميركية استراتيجية بالنسبة لنا، ونحن في مصر نستقبل الجميع بهذه الطريقة، وهذا يعكس قيمة مصر التي تستقبل الجميع بهذه الحفاوة كما تصفها. ومن جهة أخرى، فأنا أرى أن العلاقات بين الدول لم تعد تشكل سياسة المحاور كما كان سابقا وإنما التوافق في تقديرنا يجب أن يكون مع الجميع.
* علاقتكم مع واشنطن مرت بتطورات وتوترات منذ 30 يونيو، إلى أين وصلت اليوم؟
- نحن حريصون على إقامة علاقات طيبة وطبيعية مع كل دول العالم، ونحرص على شرح الظروف الصعبة التي تمر بها مصر. ومن غير المعقول أن تظل الرؤية الأميركية لمصر على ما كانت عليه، ولكن يمكن القول إن هناك تحسنا ورؤية جديدة إيجابية لما يحدث في مصر تطورت للأفضل.
* هل تعتقد أن الغرب لا يفهم الحالة المصرية؟
- الغرب بصراحة لديه اهتمامات كثيرة، ويمكن القول إن ما حدث في 30 يونيو أمر فاجأهم بثورة شعب اختار طريقا يرتضيه، ولكن مصر منحت أصدقاءها وشركاءها الوقت والفرصة ليتفهم حقيقة الأوضاع. ولا شك أن الشركاء الأوروبيين كانوا أسرع في فهم حقيقة الأوضاع في مصر نظرا لعوامل القرب الجغرافي والثقافة المتوسطية المشتركة.
* كنت رئيسا للمخابرات العسكرية إبان نظام الرئيس السابق حسني مبارك. هل رصدتم، حينها، إشارات حول ثورة شعبية قادمة؟
- بالفعل حدث هذا عندما رصدنا حركة في هذا التوجه، وتوقعت أن تحدث ثورة مصرية. حدث هذا منذ شهر أبريل (نيسان) عام 2010 وقبل 8 أشهر من ثورة يناير 2011. وذكرت بأن هناك ثورة قادمة لا محالة، وقدمنا كمخابرات عسكرية تقديرات واضحة، باختصار: الجيش المصري مع إرادة شعب بلاده.
* إبان توليكم حقيبة الدفاع فترة حكم الرئيس المخلوع الدكتور محمد مرسي، هل نصحتموه لتجاوز الاحتقان الذي كان يشهده الشارع المصري؟
- أكيد وهذا حقه علينا، وقد سبق إخطاره 3 مرات، وقدمنا توصيات لتجاوز الأزمة وكان آخرها في مارس (آذار) 2013.
* هناك انطباع بأن نظامكم يخاصم الشباب الذين امتدحتموهم أيام ثورة يناير، فما هي سياستكم لتغيير هذا الانطباع، ولماذا لم يشاركوا في الحكم؟
- نحن نرى الشباب المصري هم القوة الحقيقية التي نعتمد عليها في الحاضر والمستقبل، ومن بينهم من شغل مواقع مسؤولة بالمحافظات كنواب محافظين ومسؤولين في المجالس المحلية وبنسبة لا تقل عن 65 في المائة، سواء كانوا من الشباب أو حتى السيدات. وحرصت في كل لقاءاتي مع القوى السياسية على ضرورة مشاركتهم في الحياة السياسية وصياغة المستقبل، كما تبنت رئاسة الجمهورية مشروعا قوميا لتدريب الشباب في مجموعات تضم كل مجموعة نحو 500 إلى 1000 شاب للتدريب في دورة لا تقل عن 4 أو 6 أسابيع، بهدف تأهيلهم للعمل والمشاركة في الوزارات كنواب ومساعدين للوزراء وفي البرلمان والمحافظات. ومع هذا أرى أن كل ذلك ليس كافيا، وإنما سوف نستمر في دعم الشباب واستيعابهم في كل مواقع الدولة المصرية.
* كيف ترى مستقبل المنطقة العربية؟
- المنطقة العربية في خطر وفي أضعف حالاتها. والجسد العربي مثقل بالجراح، والرصد للواقع غير دقيق للأسف، وأتمنى أن تعود كل الدول العربية لما كانت عليه من قوة تُزيد رصيدَ الصلابة للجسد العربي. أتمنى أن يعود اليمن والعراق وليبيا وسوريا وكل الدول كي نشكل حلقة جديدة من العمل والتعاون العربي المشترك.
* هناك مخاوف من عودة رجال نظام مبارك من الأبواب الخلفية لإدارة الدولة المصرية؟
- الشعب المصري يتمتع بوعي غير مسبوق وبأكثر مما تتصور، ولن يسمح بالعودة للخلف وأنا معهم، ولا تنسى أن الشعب دفع فواتير التغيير.
* الرئيس عبد الفتاح السيسي محسوب على من؟
- أنا لست محسوبا على أحد، وكل ما أتمناه أن يوفقني الله سبحانه وتعالى لتحقيق آمال وطموحات المصريين.



تمسك شيخ محمود بـ«الانتخابات المباشرة» يزيد المشهد الصومالي تعقيداً

الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

تمسك شيخ محمود بـ«الانتخابات المباشرة» يزيد المشهد الصومالي تعقيداً

الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)

يزداد المشهد على الساحة السياسية بالصومال تعقيداً مع تمسُّك الرئيس حسن شيخ محمود بإجراء الانتخابات المباشرة التي كانت مقرَّرة هذا العام، رغم وجود معارضة لهذا التوجه وعدم حسمه، رغم إجراء حوارات وطنية على مدى نحو عام، وسط صعوبات أمام الحكومة؛ أبرزها خلافات مع بعض الولايات واعتراف إسرائيلي بأحد الأقاليم.

ويشير خبير في الشؤون الصومالية، تحدَّث لـ«الشرق الأوسط»، إلى تأزم الوضع الصومالي بالفعل داخلياً وخارجياً، داعياً لعقد حوار جاد للوصول لحلول.

والتقى الرئيس الصومالي زعماء تقليديين من مختلف أنحاء البلاد بالقصر الرئاسي، بحسب ما ذكرته «وكالة الأنباء الصومالية» الرسمية، الثلاثاء، مشيداً بدورهم في تحقيق السلام والمصالحة وبناء الدولة والحفاظ على وحدة الشعب.

وأكد شيخ محمود، خلال اللقاء، أنَّه لا يمكن التنازل أبداً عن إعادة السلطة للشعب في اختيار قادته السياسيين، داعياً الزعماء التقليديين إلى دعم إجراء الانتخابات المباشرة لضمان الوصول إلى تمثيل حقيقي ونظام ديمقراطي شفاف.

وقال: «نحن مصممون على أن يحصل الشعب الصومالي على حقوقه الدستورية في اختيار مَن يمثله في السلطة بعد 57 عاماً، حيث سبَّبت الانتخابات غير المباشرة التي جرت في البلاد كثيراً من المشكلات، وعلى رأسها الأمنية».

يأتي ذلك وسط خلافات مع المعارضة بشأن الانتخابات المباشرة، واعتماد الدستور في مارس (آذار) الماضي دون تغيير ما يتعلق بالانتقال من النظام البرلماني إلى الرئاسي، أو الحد من صلاحيات الولايات.

ووسط خلافات ممتدة منذ نحو عام، لم تُنهها جولات الحوار، تَشكَّل «مجلس مستقبل الصومال» المعارض في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 عقب اجتماع في نيروبي، وأسَّسه رئيسا جوبالاند وبونتلاند أحمد مدوبي وسعيد دني، وزعيما «منتدى الإنقاذ» المعارض، وهم رئيسا الوزراء السابقان حسن علي خيري وسعد شردون، وعضو البرلمان عبد الرحمن عبد الشكور، وآخرون.

وامتدت الخلافات على مستوى قادة الأقاليم بصورة غير مسبوقة. وأواخر مارس الماضي أعلنت الحكومة الفيدرالية «السيطرة الكاملة» على مدينة بيدوا، العاصمة المؤقتة لولاية جنوب غرب، ووصول قوات مسلحة للعاصمة «استجابة لإرادة السكان»، وتعيين رئيس جديد للولاية خلفاً للمقال عبد العزيز لفتاغرين، مؤكدة «أن جهوداً لحلّ مشكلات الولاية قوبلت بمعارضة من الإدارة السابقة».

وبعد تلك الأحداث، نجا شيخ محمود، دون أن يُصاب بأذى، من حادث تعرض فيه هو ومرافقوه لوابل من قذائف الهاون في مدينة بيدوا بجنوب البلاد، مطلع أبريل (نيسان) عقب الإطاحة برئيس الإقليم، في ثاني استهداف تدبره «حركة الشباب» المتشددة وينجو منه رئيس الصومال في غضون عام تقريباً، وفق ما أفادت «وكالة بلومبرغ».

ويعتقد المحلل والكاتب الصومالي، حسن محمد حاج، أن التمسك الرئاسي يزيد من حدة الانقسام مع الولايات المعارضة، في وقت يمنح الدستور الجديد الذي تم إقراره في مارس 2026 الرئيس عاماً إضافياً برفع الولاية لـ5 سنوات، لتنتهي في مايو (أيار) 2027 بدلاً من العام الحالي.

وأمام هذا الإصرار الرئاسي، يرى المحلل الصومالي أنَّ الحل يمكن في إطلاق حوار وطني جاد وشامل يضمن مشاركة الولايات المعارضة، بما فيها بونتلاند وجوبالاند، والاتفاق على نموذج انتخابي هجين يجمع بين الاقتراع المباشر والتوافق العشائري لضمان شرعية الاستحقاقات المقبلة.

ووسط تعقيدات المشهد الداخلي، وافق مجلس الوزراء الإسرائيلي على تعيين مايكل لوتيم سفيراً لدى الإقليم الانفصالي، أرض الصومال، في إطار عملية توسيع العلاقات مع هذه المنطقة، عقب اعتراف إسرائيل بأرض الصومال في أواخر عام 2025، وفقاً لبيان وزارة الخارجية، الأسبوع الماضي.

وتحظى أرض الصومال بموقع استراتيجي على خليج عدن، ولها عملة وجواز سفر خاص وجيش، لكنها تواجه صعوبة في الحصول على اعتراف دولي، وسط مخاوف من انعكاسات ذلك على الصومال، وتشجيع الحركات الانفصالية الأخرى في أفريقيا.

وليس أمام مقديشو، بحسب المحلل محمد حاج، سوى التحشيد الدبلوماسي والتحالف مع مصر وتركيا لعزل الانفصال دولياً، مضيفاً: «الخطر السيادي ربما يدفع الحكومة والمعارضة لتفاهمات اضطرارية تُعلي المصلحة الوطنية فوق الخلافات الداخلية».


البحرين: السجن المؤبد لأفغانيَّيْن و3 مواطنين بتهمة التخابر مع «الحرس الثوري»

قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)
قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)
TT

البحرين: السجن المؤبد لأفغانيَّيْن و3 مواطنين بتهمة التخابر مع «الحرس الثوري»

قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)
قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)

أعلن رئيس نيابة الجرائم الإرهابية في البحرين أن المحكمة الكبرى الجنائية أصدرت، الثلاثاء، حكمها في قضيتين منفصلتين تتعلقان بالتخابر مع جهات أجنبية، اتهم فيهما ستة متهمين، من بينهم اثنان يحملان الجنسية الأفغانية، وأربعة مواطنين، بالتخابر مع «الحرس الثوري» الإيراني، وذلك للقيام بأعمال إرهابية وعدائية ضد البحرين، والإضرار بمصالحها.

وقضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد، وبراءة متهم واحد، وأمرت بمصادرة المضبوطات، وإبعاد المتهمين الأفغانيين من البلاد نهائياً بعد تنفيذ العقوبة.

وبحسب «وكالة الأنباء البحرينية»؛ تعود تفاصيل هذه الواقعة إلى ورود معلومات أكدتها تحريات الإدارة العامة للمباحث والأدلة الجنائية، تفيد بقيام «الحرس الثوري» الإيراني بالتواصل مع أحد المتهمين (أفغاني الجنسية)، وتجنيده لتنفيذ مخططاته الإرهابية في مملكة البحرين، حيث كُلف بمهام استخباراتية للقيام بأعمال عدائية ضد البحرين، والإضرار بمصالحها.

وتمثلت المهمة الموكلة للمتهمين في مراقبة وتصوير المنشآت الحيوية والمهمة داخل البلاد، وجمع المعلومات بشأنها، ونفاذاً لذلك قام المتهم برصد إحدى المنشآت الحيوية، وجمع معلومات عنها مقابل مبالغ مالية تلقاها من «الحرس الثوري» الإيراني، كما قام هذا المتهم بتجنيد المتهم الثاني، وهو من ذات الجنسية، لمعاونته في تلك العمليات الاستخباراتية لصالح المنظمة المشار إليها، وعلى أثر ذلك تم ضبط المتهمَيْن وبحوزتهما أدوات استُخدمت في ارتكاب الجريمة.

كما تعود تفاصيل الواقعة الثانية إلى ورود معلومات أكدتها تحريات الإدارة العامة للمباحث والأدلة الجنائية بشأن قيام بعض عناصر «الحرس الثوري» الإيراني بتجنيد أحد المتهمين (مواطن بحريني هارب وموجود في إيران)، وإقناعه بالعمل لصالحهم ضد مملكة البحرين، وكُلف بالبحث عن عناصر محلية داخل المملكة لتجنيدها، وتسخيرها لتنفيذ مخططات المنظمة الإرهابية المشار إليها.

وذكرت «وكالة الأنباء البحرينية» أنه نفاذاً لذلك تمكن المتهم من تجنيد المتهمين الثلاثة الآخرين (وهم مواطنون بحرينيون) في ذات الواقعة، وأسندت إليهم مهام تستهدف الإضرار بأمن البلاد، ومصالحها، شملت رصد ومراقبة وتصوير المنشآت الحيوية، وجمع المعلومات عنها، وتزويد «الحرس الثوري» الإيراني بها.

وقد باشرت النيابة العامة التحقيق في الواقعتين فور تلقي البلاغين، حيث استجوبت المتهمين المضبوطين، وندبت الخبراء الفنيين لفحص الأجهزة الإلكترونية المضبوطة، كما استمعت إلى أقوال الشهود، ومن بينهم مجري التحريات الذي أفاد بأن تحرياته توصلت إلى أن البيانات والمعلومات التي قدمها المتهمون لمنظمة «الحرس الثوري» الإيراني شكلت ركيزة أساسية في الأعمال العدائية الإرهابية التي استهدفت عدداً من المنشآت الحيوية داخل المملكة، بما عرض أمن البلاد واستقرارها للخطر.

وأضافت «وكالة الأنباء البحرينية» أنه على ضوء ذلك، أمرت النيابة العامة بإحالة المتهمين إلى المحكمة الكبرى الجنائية، وقد نُظرت الدعويان المنفصلتان على عدة جلسات روعيت خلالها كافة الضمانات القانونية المقررة، بما في ذلك حضور محامي المتهمين، وتمكينهم من إبداء دفاعهم، حتى أصدرت المحكمة حكمها المتقدم بجلسة اليوم. كما كانت المحكمة قد أصدرت قراراً بحظر النشر في الدعويين، نظراً لما تنطويان عليه من معلومات تتعلق بالأمن القومي.

وتعكف النيابة العامة على دراسة الحكم فيما قُضي به من براءة المتهم، والنظر بالطعن فيه بالاستئناف استناداً إلى الأدلة القائمة ضده.

وأكدت النيابة العامة أن جريمة التخابر مع الجهات الأجنبية المعادية لمملكة البحرين تُعد من أخطر الجرائم الماسة بالأمن الوطني، لما تنطوي عليه من تمكين تلك الجهات من الحصول على معلومات تُستغل في تنفيذ أعمال عدائية تستهدف المملكة، ومصالحها.

وشددت النيابة العامة على مضيّها، في إطار ما خولها القانون، في التصدي بحزم لكل من يرتكب مثل هذه الأفعال المجرمة، واتخاذ الإجراءات القانونية الرادعة بحقه، صوناً لأمن البلاد واستقرارها.


الحرب على إيران تلقي بتبعاتها على معيشة اليمنيين

بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
TT

الحرب على إيران تلقي بتبعاتها على معيشة اليمنيين

بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)

دقّت المنظمات الإنسانية العاملة في اليمن ناقوس الخطر، محذّرةً للمرة الأولى من التداعيات المباشرة للحرب في إيران على الوضع الإنساني الهش في البلاد، في وقت يواجه فيه ملايين اليمنيين مستويات غير مسبوقة من انعدام الأمن الغذائي، بينما تتعرض سلاسل الإمداد الدولية، التي تمثل شريان الحياة للمساعدات الإنسانية، لضغوط متزايدة تهدد بانهيار الاستجابة المحدودة أصلاً.

ووفق تقرير إنساني حديث، فإن تصاعد الصراع الإقليمي ألقى بظلال ثقيلة على طرق الإمدادات الرئيسية للمساعدات، مما تسبب في تأخر وصول أكثر من 150 طناً من الشحنات الإنسانية المصنفة على أنها مواد منقذة للحياة، تشمل معدات طبية ثقيلة، وأدوية، ومستلزمات خاصة بالبنية التحتية للمياه، في وقت لا تزال فيه مواعيد وصول هذه الشحنات غير واضحة، وسط اضطرابات متواصلة في الممرات البحرية وارتفاع كبير في تكاليف الشحن.

ويشير التقرير إلى أن استمرار حالة عدم اليقين في خطوط الملاحة الدولية انعكس بصورة مباشرة على قدرة المنظمات الدولية غير الحكومية على إيصال الإغاثة الطارئة، إذ أصبحت عمليات الإنقاذ تواجه مخاطر التأخير الحاد أو التوقف، بما يهدد بتوسيع رقعة الاحتياجات الإنسانية في بلد يعتمد ملايين من سكانه على المساعدات الخارجية لتأمين الحد الأدنى من مقومات البقاء.

وعلى الرغم من أن الموانئ الوطنية الرئيسية في اليمن ما زالت تعمل من الناحية الفنية، فإن المنظمات الإنسانية أكدت أن الاضطرابات التي طالت خطوط الملاحة الإقليمية والدولية تسببت فعلياً في تعطيل وصول الإمدادات، وأدت إلى تكدس شحنات حيوية في نقاط انتظار غير معلومة المصير.

41 ألف شخص في اليمن معرضون لمخاطر كارثية تشبه المجاعة (الأمم المتحدة)

ووفقاً لما أوردته أربع من أصل 12 منظمة دولية غير حكومية شملها الاستطلاع وتعمل في اليمن، فإن هذه التأخيرات تسببت بصورة مباشرة في انقطاع مساعدات حيوية عن أكثر من 130 ألف مستفيد، بينما رجح التقرير أن يكون التأثير الحقيقي على مستوى البلاد أكبر بكثير، بالنظر إلى أن هذه البيانات تمثل شريحة محدودة فقط من إجمالي المنظمات الدولية العاملة في المجال الإنساني.

ويعني ذلك عملياً أن آلاف الأسر التي تعتمد على الأدوية، ومشروعات المياه، والخدمات الصحية المدعومة، باتت مهددة بانقطاعات متزايدة في الخدمات الأساسية، في وقت تتراجع فيه قدرة القطاعين الصحي والخدمي على امتصاص أي صدمات إضافية، نتيجة سنوات الحرب الطويلة وما خلّفته من هشاشة هيكلية واسعة.

فاتورة التصعيد

ولم تتوقف انعكاسات الأزمة عند حدود العمليات الإنسانية، بل امتدت سريعاً إلى الأسواق المحلية في مختلف أنحاء اليمن، حيث بدأت مؤشرات التضخم بالتصاعد بوتيرة لافتة، مدفوعةً بتراجع الواردات التجارية والإنسانية، وارتفاع تكلفة النقل والشحن والتأمين.

وأكدت المنظمات الإنسانية أن أسعار المياه المعبأة قفزت خلال شهر واحد بنسبة 50 في المائة، فيما ارتفع سعر كل من زيت الطهي والغاز المسال بنحو 80 سنتاً، في حين واصلت أسعار الوقود صعودها بوتيرة متسارعة بلغت 24 في المائة، وهو ما انعكس فوراً على تكاليف النقل، وأسعار السلع الأساسية، وسلسلة توريد المواد الغذائية والاستهلاكية.

ويرى العاملون في المجال الإنساني أن هذا الارتفاع الحاد في أسعار الوقود يمثل مؤشراً على ضغوط تضخمية متنامية ستنعكس بصورة مباشرة على مستويات الأمن الغذائي، خصوصاً في بلد يعاني فيه السكان أصلاً من تآكل القدرة الشرائية، وتراجع مصادر الدخل، واتساع رقعة الفقر، مما يجعل أي زيادة إضافية في أسعار السلع الأساسية عبئاً يفوق قدرة ملايين الأسر على الاحتمال.

المعدات الثقيلة والأدوية والبنية التحتية للمياه تأخرت في الوصول جراء اضطرابات الشحن (إعلام محلي)

وفي ظل هذه التطورات، تزداد المخاوف من انتقال مزيد من المجتمعات المحلية إلى مراحل أكثر حدة في التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهو المؤشر العالمي الذي تعتمد عليه منظمات الإغاثة في قياس مستويات الجوع وتتبع مخاطر المجاعة.

وتكشف بيانات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي عن صورة شديدة القتامة، إذ يشير أحدث التقديرات إلى أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن سيواجهون مستويات أزمة جوع أو ما هو أسوأ خلال النصف الأول من العام الجاري، ضمن المرحلة الثالثة وما فوق في سلم التصنيف الغذائي.

كما يوجد أكثر من 5.5 مليون شخص في حالة طوارئ غذائية، وهي المرحلة الرابعة التي تسبق المجاعة، فيما يواجه ما لا يقل عن 41 ألف شخص ظروفاً كارثية تشبه المجاعة، ضمن المرحلة الخامسة، وهي أعلى درجات الخطر الغذائي، حيث يصبح البقاء نفسه مهدداً.

ويؤكد التقرير أن أي اضطراب إضافي في تدفق المساعدات أو استمرار الارتفاع في أسعار السلع الأساسية والوقود سيضاعف من حجم هذه الأرقام، ويدفع مزيداً من السكان إلى حافة الانهيار المعيشي، خصوصاً في المناطق الأشد هشاشة، التي تعتمد بشكل شبه كامل على التدخلات الإنسانية المباشرة.

ضغط مزدوج

إلى جانب التداعيات المعيشية، عبّرت المنظمات الإنسانية عن خشيتها من أن يؤدي تصاعد التوترات الإقليمية إلى تقويض فرص السلام في اليمن، من خلال تحويل الانتباه السياسي والدبلوماسي بعيداً عن الملف اليمني، وإعادة ترتيب أولويات القوى الإقليمية والدولية الفاعلة.

وأكدت المنظمات أن استدامة الحوار بين الأطراف اليمنية تتطلب انخراطاً إقليمياً فاعلاً، فيما يؤدي المناخ المتقلب الحالي إلى زيادة حالة عدم اليقين، وتراجع الزخم السياسي اللازم لدفع مسار التسوية، بما يهدد بإطالة أمد الأزمة الإنسانية والاقتصادية.

في السياق نفسه، تواجه المنظمات الإنسانية قيوداً حوثية متزايدة على حركة موظفيها، حيث أظهرت نتائج دراسة استقصائية حديثة أن 91 في المائة من المنظمات غير الحكومية الدولية تعاني من تأخيرات أو اضطرابات شديدة في حركة كوادرها، سواء في الدخول إلى البلاد أو التنقل داخلها أو مغادرتها، وهو ما ينعكس مباشرةً على قدرة هذه المنظمات على إدارة عملياتها بكفاءة.

العاملون في المجال الإنساني في اليمن يواجهون قيوداً حوثية على الحركة (إعلام محلي)

ودعت المنظمات إلى تحرك عاجل لتسهيل حركة العاملين في المجال الإنساني بصورة آمنة، وتسريع إصدار التصاريح اللازمة لنقل الإمدادات الحيوية، وإعطاء الأولوية لخفض التصعيد في المنطقة، وضمان حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية، مع دعم قنوات الشراء الوطنية والإقليمية لتخفيف الاعتماد على سلاسل الإمداد الدولية، وتعزيز القدرة المحلية على مواجهة الصدمات المستقبلية.

وشددت المنظمات في ختام تقريرها على أن عمليات إنقاذ الأرواح يجب أن تبقى بمنأى عن النزاعات الإقليمية والداخلية، محذرةً من أن أي إخفاق في حماية الاستجابة الإنسانية من مزيد من الاضطرابات ستكون تكلفته البشرية كارثية على اليمنيين الذين يواجهون بالفعل واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.