انتخابات الجزائر... الإسلاميون في مواجهة {المستقلين}

{الوطنيون} يدخلون السباق مفككين... والعلمانيون يقاطعون... والحراك منقسم

جانب من الحملة الانتخابية للمرشحين في عين وسارة بولاية الجلفة جنوب الجزائر العاصمة (أ.ب)
جانب من الحملة الانتخابية للمرشحين في عين وسارة بولاية الجلفة جنوب الجزائر العاصمة (أ.ب)
TT

انتخابات الجزائر... الإسلاميون في مواجهة {المستقلين}

جانب من الحملة الانتخابية للمرشحين في عين وسارة بولاية الجلفة جنوب الجزائر العاصمة (أ.ب)
جانب من الحملة الانتخابية للمرشحين في عين وسارة بولاية الجلفة جنوب الجزائر العاصمة (أ.ب)

تتجه الجزائر في 12 يونيو (حزيران) الجاري لانتخابات تشريعية جديدة هي الأولى في عهد الرئيس عبد المجيد تبون، وسط مؤشرات إلى أن الأحزاب الإسلامية مرشحة لتحقيق نتائج قوية فيها في مواجهة خصوم معظمهم من المستقلين. وتتدعم فرص الإسلاميين نتيجة عوامل كثيرة، منها دعوات المقاطعة الصادرة من أوساط شرائح في {الحراك الشعبي}، الذي أسهم نزوله إلى الشارع عام 2019 في إطاحة الحكم المديد للرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، وكذلك نتيجة قرار أحزاب علمانية، مثل جبهة القوى الاشتراكية والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، وعدم خوض المنافسات الانتخابية، وأيضاً نتيجة دخول حزبي جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي، اللذين هيمنا لسنوات طويلة على الساحة السياسية، حلبة الصراع بصفوف مفككة، نتيجة {وصمة} التصاقهما بالنظام السابق المخلوع.
فكيف تتوزع صورة المنافسات الانتخابية قبل أيام من بدء الاقتراع؟

الأحزاب {الوطنية}
هيمن حزب جبهة التحرير الوطني على الحياة السياسية في الجزائر منذ استقلالها عام 1962، واستمر في ذلك، منفرداً، حتى عام 1989 عندما ألغت السلطات، بعد احتجاجات شعبية، نظام حكم الحزب الواحد. وكاد الحزب يخسر السلطة في انتخابات ديسمبر (كانون الأول) 1991 أمام حزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ. لكن الجيش ألغى نتائج الدورة الأولى من الاقتراع، وأوقف المسار الانتخابي في مطلع عام 1992، ما أدخل البلاد في دوامة عنف استمرت أكثر من عقد من الزمن. وفي عام 1997 أجرت الجزائر أول انتخابات برلمانية منذ الانتخابات الملغاة عام 1992، وكان الفوز فيها بفارق كبير (156 نائباً) لحزب التجمع الوطني الديمقراطي، وهو حزب جديد أسسته السلطات، التي كانت أطراف فيها تخشى عدم ولاء قيادة جبهة التحرير الوطني لها. وحلّت جبهة التحرير في المرتبة الثالثة (62 نائباً)، بعد حزب إسلامي هو حركة مجتمع السلم (69 نائباً) الذي بات الحزب الإسلامي الأساسي في البلاد بعد حظر حزب جبهة الإنقاذ.
في انتخابات 2002، عادت جبهة التحرير لتصدر الساحة بفوزها بـ199 مقعداً برلمانياً، في مقابل تراجع التجمع الديمقراطي إلى المرتبة الثالثة بـ47 مقعداً فقط (بعدما كان لديه 156 نائباً في انتخابات 1997). ويمكن أن يعزى هذا التراجع في أداء الحزب الأخير إلى حقيقة أنه كان محسوباً على الرئيس اليمين زروال، وبعد تنحيه وانتقال السلطة إلى الرئيس بوتفليقة عاد رهان السلطة على الحزب التاريخي، جبهة التحرير التي تولى بوتفليقة رئاستها شرفياً. وفي انتخابات 2007، استمر حزب جبهة التحرير في تصدر المشهد بـ136 مقعداً، يليه التجمع الديمقراطي بـ61 مقعداً. وفي انتخابات 2012 لم تتغير الصورة: جبهة التحرير متصدرة بـ208 مقاعد، متبوعة بـ58 مقعداً. وفي انتخابات 2017 تكرر المشهد من جديد: جبهة التحرير متصدرة بـ146 مقعداً، يليها التجمع الديمقراطي بـ97 مقعداً.
وكما هو واضح، شكّل حزبا جبهة التحرير والتجمع الديمقراطي عماد السلطة خلال حكم بوتفليقة، الذي استمر منذ عام 1999 وحتى 2019، لكن التصاقهما به ودفاعهما عنه قد يضر بهما عندما يذهب الجزائريون إلى صناديق الاقتراع يوم 12 يونيو. ويؤخذ على هذين الحزبين أنهما دعما بوتفليقة حتى عندما كان مريضاً لا يقوى على الكلام، ورشحاه لولايات رئاسية متتالية رغم معرفتهما بعجزه الصحي. والأكثر من ذلك، ما إن سقط نظام بوتفليقة حتى وجد كثير من قادة هذين الحزبين أنفسهم وراء قضبان السجن، بعد إدانتهم بتهم فساد وثراء غير مشروع.
وهذه العوامل كلها تعطي انطباعاً بأن هيمنة هذين الحزبين المنتميين إلى ما يُعرف بـ{التيار الوطني} قد تكون شارفت على نهايتها، وقد يخرجان من انتخابات 12 يونيو (حزيران) بنتائج كارثية.

الأحزاب الإسلامية
تدخل الأحزاب الإسلامية انتخابات 2021 وهي في موقع قوة، ويعود ذلك إلى حد كبير نتيجة تفكك خصومها، ونتيجة ركوبها موجة الحراك الشعبي ضد بوتفليقة، رغم أنها شكّلت في مرحلة ما جزءاً من منظومة حكم الرئيس السابق، الذي أصر دائماً على أن تجمع حكوماته الوطنيين مع الإسلاميين (جبهة التحرير، والتجمع الديمقراطي وحركة مجتمع السلم)، بالإضافة إلى أطراف حزبية أخرى أقل وزناً. وجاء انفصال الإسلاميين عن حكم بوتفليقة مباشرة بعد بدء ما يُعرف بـ{الربيع العربي} عام 2011، وسط اتهامات للأحزاب الإسلامية من خصومها بـ{الانتهازية}، على أساس أنها تريد {ركوب موجة} الحراك، الذي أطاح أنظمة حكم، ودفع بالإسلاميين إلى الواجهة، مثلما حصل في مصر وتونس وليبيا، وكذلك في المغرب، حيث أسفرت الانتخابات البرلمانية عن فوز الإسلاميين بالحصة الكبرى التي سمحت لهم للمرة الأولى بقيادة الحكومة. لكن انتخابات 2012 في الجزائر لم تأتِ كما يشتهي الإسلاميون، إذ أظهرت النتائج الرسمية استمرار هيمنة جبهة التحرير والتجمع الديمقراطي، وهي نتائج دفعت الإسلاميين إلى إطلاق مزاعم بأنها {مزورة}. وتكرر الأمر في انتخابات 2017، حيث ظل الإسلاميون في المرتبة الثالثة بعد الوطنيين، لكنهم يبدون اليوم، عشية انتخابات 2021، في موقع يوحي بأنهم سيكونون المستفيد الأكبر من {مصائب} خصومهم ومنافسيهم. ويقود الأحزاب الإسلامية حالياً حزبان هما حركة مجتمع السلم (بزعامة عبد الرزاق مقري)، والعدالة والبناء (بزعامة عبد الله جاب الله).

الأحزاب العلمانية
هيمن على الأحزاب العلمانية على مدى سنوات طويلة حزبان: جبهة القوى الاشتراكية، والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، وهما حزبان تتمركز قوتهما الأساسية في مناطق القبائل، مثل تيزي وزو وبجاية. لكن هذين الحزبين وجدا نفسيهما في نزف مستمر في السنوات الماضية، خصوصاً بعد رحيل الوجه التاريخي للحزب الأول، حسين آيت أحمد، وتنحي زعيم الحزب الثاني سعيد سعدي. وسيذهب هذان الحزبان إلى انتخابات 2021 من موقع المقاطعة، وهي سياسة لجآ إليها سابقاً.
ويُضاف إلى هذين الحزبين حزب يساري ثالث تقوده لويزة حنون، السياسية التروتسكية المعروفة. وسيقاطع هذا الحزب انتخابات 12 يونيو أيضاً، لكن تأثيره الشعبي لم يكن يوماً ذا ثقل يوازي ثقل صوت زعيمته حنون، التي عُرفت بانتقاداتها الشديدة للإسلاميين في حقبة التسعينات. ودخلت حنون السجن بعد سقوط حكم بوتفليقة، لكن الاتهامات ضدها خُفضت وتم الإفراج عنها.

الحراك الشعبي... والجيش
لعب الحراك الشعبي دوراً رئيسياً، إلى جانب قيادة الجيش، في إسقاط نظام بوتفليقة عام 2019. فبعد تظاهرات شعبية واسعة ضد ترشح رئيس الجمهورية لولاية جديدة برغم عجزه الصحي، قرر الجيش الانحياز للحراك، وعزل بوتفليقة عن الحكم في أبريل (نيسان) من العام نفسه. ولعب رئيس أركان الجيش السابق أحمد قايد صالح دوراً رئيسياً آنذاك في عزل بوتفليقة، وملاحقة أركان حكمه من رؤساء وزراء سابقين (عبد المالك سلال وأحمد أويحيى)، وقادة أحزاب ورجال أعمال، وحتى قادة بارزين في الجيش والاستخبارات، بما في ذلك المدير السابق لجهاز الأمن والاستعلام محمد مدين (توفيق)، ومسؤول جهاز الاستخبارات والأمن لدى الرئاسة عثمان طرطاق (بشير). لكن دور قايد صالح انتهى فجأة في ديسمبر (كانون الأول) 2019 نتيجة أزمة صحية أودت بحياته، بعد شهور فقط من إسقاطه نظام بوتفليقة. لكن قيادته الجيش للسير بجانب الحراك مهدت الطريق للمرحلة الحالية، التي أوصلت عبد المجيد تبون إلى الرئاسة.
ويقود قيادة أركان الجيش حالياً الجنرال السعيد شنقريحة، الذي يُسجّل له حضور مستمر من خلال كلمات يلقيها أمام الوحدات العسكرية، الذي يقوم بشكل متتالٍ بزيارات ميدانية تفقدية لها. لكن ليس واضحاً، في حقيقة الأمر، ما إذا كانت قيادة الجيش، ومعها الاستخبارات، راغبة أو عازمة هذه المرة على الاستمرار في لعب دور سياسي، ولو من وراء الستار، كما درجت العادة في السنوات الماضية، أم أنها ستترك الساحة ليشغلها الطرف، الذي سيفوز في صناديق الاقتراع، بحسب ما يؤكد مسؤولون جزائريون.
وكما هو معروف، كان التدخل المباشر للجيش عام 1992 أساسياً في منع وصول جبهة الإنقاذ إلى سدة الحكم، وهي خطوة يقول منتقدوها إنها أدخلت البلاد في عشرية حمراء، بينما يقول مؤيدوها إنها أنقذت البلاد من أيدي حزب يكفر بالديمقراطية، كما كان يردد قادته آنذاك.
في المقابل، ورغم الدور الأساسي للحراك الشعبي في إنهاء حكم بوتفليقة، فإن مشكلته الأساسية، كما يقول منتقدون، إنه لم يُنتج قيادة تمثله وتتحدث باسمه، على الرغم من أن هناك من يقول إن عدم إنتاج الحراك من يمثله شكل عنصراً إيجابياً لمصلحته، لأن السلطة كان يمكنها أن تلجأ إلى اعتقال القادة، الذين يحركون الحراك بهدف الضغط لإنهائه. وواضح، في حقيقة الأمر، أن الحراك فقد في الشهور الماضية بعض الزخم، الذي كان يتمتع به في الشهور الأولى لانطلاقه، إذ بات العنصر الإسلامي أكثر وضوحاً في صفوفه، ربما لأنه غالباً ما كان يحصل بعد خروج المصلين من صلاة الجمعة في العاصمة الجزائرية، حيث يسجّل حضور قوي وسط الحراك من مناطق شعبية، كانت فيما مضى معروفة بأنها من معاقل جبهة الإنقاذ.
وهكذا يبدو جلياً أن جزءاً من الحراك سيلجأ إلى مقاطعة الانتخابات، على أساس أنها لن تنتج التغيير المطلوب، في حين أن جزءاً آخر هو الجزء {المؤدلج} سيصوّت للوائح الإسلاميبن.

المستقلون
وإذا كانت الصورة على هذه الحال، فإن الرهان على منع وصول الإسلاميين إلى السلطة قد يكون معقوداً إلى حد كبير على أداء المرشحين المستقلين في الاقتراع المقبل، خصوصاً أن الرئيس تبّون لا يدعم حزباً معيناً، وليس له أصلاً حزب يخوض به الانتخابات. وبحسب إحصاءات الهيئة الوطنية المستقلة لمراقبة الانتخابات، سيحصل التنافس بين 1483 قائمة منها 646 قائمة حزبية، و837 قائمة مستقلة. فلمن ستكون الغلبة؟ أيام قليلة تفصل عن موعد الجواب؟



كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)

رفعت الحرب الإيرانية من أعباء الطاقة على مصر، التي تعدُّ أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان، وتستهلك سنوياً قرابة 12 مليون طن من السولار، ونحو 6.7 مليون طن من البنزين، وتحتاج لاستيراد كميات إضافية من الغاز في حدود مليارَي قدم.

وبحسب مسؤولين مصريين سابقين وخبراء بقطاع الطاقة تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإنَّ مصر تعتمد لوجيستياً على تعاقدات رئيسية للطاقة مع السعودية والكويت والعراق والولايات المتحدة، بخلاف الأسواق الفورية، ومع الأزمة الحالية دخلت ليبيا بوصفها مساراً جديداً مؤقتاً، مشيرين إلى أن مصر تموِّل تلك التعاقدات عبر مسارات عدة، مثل عائدات صادرات المشتقات النفطية، وتسهيلات البنوك، ودعم البنك المركزي، وسط أعباء مالية تزداد مع ارتفاع الأسعار العالمية جراء استمرار حرب إيران منذ نحو شهر.

وتستعد مصر لاستيراد مليون برميل على الأقل شهرياً من النفط الليبي لتعويض توقف إمدادات النفط الخام الكويتي؛ نتيجة الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، بحسب ما نقلت وكالة «بلومبرغ» عن مصادر مطلعة في 29 مارس (آذار)، لافتة إلى أن ليبيا سترسل الآن شحنتين شهرياً إلى جارتها الشرقية، بإجمالي 1.2 مليون برميل، وهو ما أكدته مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط».

وتعتمد المصافي المصرية جزئياً على النفط الخام الكويتي، إذ تستورد منه ما بين مليون ومليونَي برميل شهرياً، بالإضافة إلى نحو مليون برميل من شركة «أرامكو السعودية»، لكن بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، خفَّضت الكويت إنتاجها النفطي وعمليات التكرير عندما تباطأت حركة الشحن عبر مضيق هرمز، وأعلنت مؤسسة البترول الكويتية حالة «القوة القاهرة» على مبيعات النفط الخام.

وفي 10 مارس، أكد أحمد كجوك وزير المالية، خلال مؤتمر صحافي آنذاك، أن الحكومة قامت بتأمين نحو 50 في المائة من احتياجاتها من الوقود بأسعار محددة، وهو ما يغطي النصف الأول من العام المالي.

وزير البترول المصري يتفقد قبل أيام سفينة حفر آبار غاز جديدة لصالح «بى بي» و«أركيوس» (وزارة البترول المصرية)

ويقول وزير البترول المصري الأسبق، رئيس لجنة الطاقة في مجلس الشيوخ أسامة كمال، لـ«الشرق الأوسط»: «هناك عقود مبرمة لتوريد الغاز الطبيعي من الولايات المتحدة، وهي عقود مستقرة وتعمل بشكل طبيعي حتى الآن دون معوقات في التدفق»، مشيراً إلى أن «المتغيرات تتركز بشكل أساسي في أسعار الغاز وتكاليف النقل التي تتأثر بالارتفاع العالمي لأسعار النفط».

ووفق تقديرات رسمية، تبلغ احتياجات مصر من الغاز قرابة 6.2 مليار قدم مكعبة يومياً، بينما يصل إنتاجها اليومي إلى نحو 4.2 مليار قدم مكعبة.

كما اتخذت الحكومة حزمة إجراءات احترازية؛ منها تخفيض ساعات العمل المسائية في المحال العامة والمراكز التجارية، وهو إجراء تحوطي لترشيد استهلاك الطاقة، وفق الوزير الأسبق.

وحول كيفية تمويل الواردات البترولية في ظلِّ الارتفاع القياسي للأسعار العالمية، قال المسؤول السابق: «قبل اندلاع الحرب تجاوز الاحتياطي النقدي الأجنبي حاجز الـ52 مليار دولار، والشهر الماضي وحده شهد سحب ما يزيد على مليار دولار لتغطية تكاليف الاستيراد، ومن المتوقع أن تتجاوز فاتورة مارس حاجز المليارَي دولار»، متوقعاً ألا تستمر الأزمة إلى الأسبوع الثالث من أبريل (نيسان) «وإلا ستكون خسارة فادحة للعالم وليس لمصر فقط».

وبمزيد من التفاصيل عن آليات تأمين النفط الخام والمنتجات البترولية، أوضح نائب رئيس «هيئة البترول المصرية للعمليات» سابقاً مدحت يوسف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «مصر تعتمد في الوقت الحالي على واردات الخام من الكويت والعراق بخلاف تعاقدات مستمرة مع شركة (أرامكو السعودية)؛ لتوريد النفط الخام إلى معامل تكرير ميدور والمعامل المصرية الأخرى عبر ميناء ينبع»، مشدداً على أن «(أرامكو) ملتزمة بتعاقداتها مع مصر، وهناك صعوبة تحُول دون زيادة الكميات التعاقدية فوق المتفق عليه، نظراً لالتزاماتها ومصداقيتها مع عملائها الدوليِّين».

وأضاف: «هناك مشكلة تواجه مصر مع الحرب وتأثر توريدات الخام من الكويت والعراق؛ مما دفع للبحث عن بدائل، منها محاولة التعاقد على الخام الليبي، بالإضافة إلى اللجوء إلى السوق الفورية التي تحمل ميزةً وعيباً، حيث توفِّر الخام عالمياً لكنه يُشكِّل ضغطاً مالياً كونه يتطلب سداداً فورياً وبأسعار مرتفعة، على عكس التعاقدات الكويتية مثلاً، التي كانت تمنح مصر تسهيلات مرنة جيدة تصل إلى 9 أشهر».

وأكد يوسف، أن ميناء ينبع السعودي يظل المورد الأكبر لمصر، والالتزامات لا تزال قائمة من خلال مناقصات ربع سنوية وأساليب سداد قائمة أيضاً.

وعن الغاز، كشف يوسف عن أنه «يحمل مشكلة كبيرة مع توقف إمدادات الغاز من الجانب الإسرائيلي مع بدء الحرب»، لافتاً إلى غياب التعاقدات المباشرة بين الدول مثل الإمارات أو قطر، حيث تتم التوريدات عبر موردين عالميِّين ملتزمين بالتوريد، لكن بأسعار مرتبطة بمتغيرات السوق العالمية المرتبطة بسعر غاز «TTF» الهولندي، الذي سجَّل مستويات مرتفعة بلغت 21 دولاراً للتسليم في مصر.

وعدّ أنَّ الميزة الحالية لمصر هي أنَّ الأزمة وقعت في فصل الشتاء، حيث ينخفض استهلاك الكهرباء إلى 29.5 غيغاواط، مقارنة بـ40 غيغاواط في فصل الصيف، محذراً من أنه في حال استمرار الأزمة حتى ذروة الاستهلاك الصيفي، قد تضطر الدولة لتخفيف الأحمال عن بعض الصناعات أو المنازل، أو الاعتماد على بدائل مكلفة جداً مثل المازوت والسولار لتوليد الكهرباء.

وبشأن سبل تمويل هذه الواردات، أوضح يوسف أنَّ الهيئة العامة للبترول تعتمد على مسارات عدة؛ أولها عائد الصادرات عبر تصدير بعض المنتجات البترولية والغاز المسال، وتصدير خام خليط غارب في حدود 65 ألف برميل يومياً، بالإضافة إلى حصيلة صادرات وقود النفاثات وشركات البتروكيماويات.

وأضاف أن تلك العائدات تغطي «جزءاً كبيراً من التمويلات بالخارج، لكنها لا تكفي، وبالتالي تلجأ هيئة البترول لأمرين آخرين بالحصول على تسهيلات من البنوك المصرية ودعم البنك المركزي؛ كي لا يحدث أي اختناق بالسوق المحلية»، محذراً من أنَّ استمرار الحرب سيؤدي إلى مزيد من الاستنزاف الاقتصادي، ما يتطلب جاهزيةً تامةً للسيناريوهات كافة.

وفي 18 مارس الحالي، قال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، في مؤتمر صحافي، إن فاتورة واردات الطاقة في مصر ازدادت بأكثر من المثلين منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ‌مؤكداً الضغوط المتزايدة على الموارد المالية للبلاد مع ارتفاع أسعار الوقود العالمية.

وبلغت قيمة واردات مصر من الغاز في عام 2025 نحو 8.9 مليار دولار مقابل 4.9 مليار دولار في عام 2024، وفق بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء»، بينما قفزت فاتورة واردات مصر البترولية بنسبة 23 في المائة، لتصل إلى 21 مليار دولار، بنهاية عام 2025.


ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
TT

ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)

قبل أيام من عيد الفطر، استقلَّ السوداني محمد السيد (33 عاماً) حافلةً من حي فيصل، بمحافظة الجيزة المصرية، إلى مدينة أسوان جنوب البلاد، حيث المنفذ البري الرابط بين البلدين، بعد 10 أشهر فقط قضاها في مصر، بينما عائلته في منطقة الجزيرة بالسودان، مرجعاً قرار العودة السريع، دون استكمال علاجه الذي جاء من أجله، إلى «حملات الترحيل المصرية لمخالفي الإقامة».

وتشهد رحلات العودة الطوعية زيادةً لافتةً في الأسبوعين الماضيين، رغم تراجع رحلات العودة المجانية، وفق ما أكدته مصادر سودانية لـ«الشرق الأوسط»؛ وذلك بسبب الحملات الأمنية لترحيل السودانيين ممَّن ليست لديهم إقامات سارية، «ما جعل كثيراً من الأسر تفضِّل الإنفاق على العودة، بدلاً من تحمل تكلفة البقاء في مصر، ودفع إيجار شقة بمبلغ كبير لشهر آخر، مع مواجهة خطر الترحيل»، حسب أمين عام الجالية السودانية في مدينة العاشر من رمضان، شرق القاهرة، إبراهيم عز الدين.

تكدس العائدين في «معبر أرقين» خلال أزمة الضرائب (حملة راجعين لي بلد الطيبين)

وتسبَّبت الحرب بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو 1.5 مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. لكن منذ مطلع 2024 وحتى نهاية 2025، غادر عبر المنافذ البرية أكثر من 428 ألف سوداني، وفق تقديرات سودانية رسمية.

وقال عز الدين لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعداد الأسر التي رحلت بعد عيد الفطر، أضعاف من كانت تغادر قبله... وبعد انتهاء امتحانات الشهادة السودانية في مايو (أيار) المقبل، ستتضاعف الأعداد أكثر وأكثر».

الأمر نفسه أكده مؤسِّس حملة «راجعين لي بلد الطيبين»، محمد سليمان، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن لدى الحملة قوائم طويلة مُسجَّلة سيتم تفويجها تباعاً للعودة، لافتاً، إلى «أنَّ الأعداد شهدت زيادةً كبيرةً منذ عيد الفطر وحتى الآن، وأنَّ الرحلات تسير بسلاسة بعدما تداركت السلطات السودانية أزمةً كادت تؤثر على حركة العودة قبل أيام في ميناء أرقين البري».

وكان ميناء أرقين البري، شهد يوم الجمعة الماضي تكدساً للعائدين، بعدما أعلن سائقو الحافلات الإضراب؛ اعتراضاً على زيادة الضرائب المفروضة على حافلاتهم. وافترش العائدون من النساء والأطفال الأرض إلى جانب حقائبهم الكثيرة... وبعد ساعات من الأزمة، قرَّر رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، رفع الضرائب، واستأنف السائقون رحلاتهم إلى الداخل السوداني.

وعلق سليمان: «لو لم تحل الأزمة سريعاً لأثَّر ذلك على أعداد الوافدين يومياً، بعدما شهدت أعدادهم زيادةً ملحوظةً».

والزيادة في أعداد العائدين، أكدها أيضاً مدير معبر أرقين، والمشرف على المعابر، العميد مبارك داؤود سليمان، قائلاً في تصريح صحافي: «إن المعبر يشهد زيادةً مستمرةً في أعداد العائدين عقب عطلة عيد الفطر؛ حيث يتراوح عدد القادمين يومياً ما بين 1500 و2000 مواطن، رغم أن الرحلات المنتظمة لمنظومة الصناعات الدفاعية لم تبدأ بعد».

سودانيون يبحثون عن أسمائهم في قائمة المسافرين ضمن إحدى رحلات قطارات العودة (مجلس الوزراء المصري)

وبعد انتظار لشهور، تفكر السودانية لمياء محمد (32 عاماً) في استبدال الحافلات المدفوعة، بالعودة الطوعية المجانية، في ظلِّ تأخر الأخيرة، وغموض مواعيد رحلاتها، رغم أنَّ تدبير المبلغ الذي تحتاج إليه العودة المدفوعة بعد زيادة أسعارها، ليس سهلاً.

وارتفت أسعار الرحلات نحو ألف جنيه مصري، حسب منسق حملة «راجعين لي بلد الطيبين» عبد الناصر جعفر، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن الرحلات أصبحت بـ3500 جنيه (الدولار نحو 53 جنيهاً) للفرد بعدما كانت بـ2500 جنيه، مرجعاً ذلك إلى زيادة أسعار المحروقات.

تقول لمياء لـ«الشرق الأوسط»، إنها سجَّلت في المرحلة السابقة لـ«العودة الطوعية المجانية» قبل غلق باب التسجيل في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وظلَّت تنتظر اتصالاً يخبرها بموعد رحلتها، ولم يحدث ذلك، وبعد فتح باب التسجيل مجدداً، حاولت التسجيل، لكنها تفاجأت بالتعقيد في الأمر، سواء من حيث حجم البيانات المطلوبة، أو صعوبة تحميل الموقع.

وأسهمت رحلات العودة المجانية التي انطلقت في يوليو (تموز) من العام الماضي واستمرَّت حتى نهاية العام، في إعادة عشرات الآلاف من السودانيين، لكنها توقَّفت بداية العام في انتظار توفير تمويل لاستئنافها.

وقبل أسبوعين، فتحت الحملة باب التسجيل للراغبين في العودة مجاناً، دون إعلان موعد استئناف تفويج الرحلات، علماً بأن المرحلة الجديدة ستتضمن رحلات بحرية من أسوان إلى ميناء وادي حلفا السوداني.

ترغب لمياء، وعائلتها الكبيرة التي تتكوَّن من 9 أشخاص، في العودة خلال الشهر المقبل، وبحد أقصى قبل نهايته. وتقول: «نخشى حملات الترحيل، وفي الوقت نفسه لا نعلم متى ستستأنف رحلات العودة المجانية... سنحاول تدبير مبلغ العودة المدفوعة».

سيدتان سودانيتان تتجولان في شارع فيصل بمصر (الشرق الأوسط)

وبدأت قوات الأمن المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حملات موسَّعة في مناطق تمركز الوافدين، وفي الطرق، لتدقيق الإقامات وتوقيف المخالفين وفق شهادات متنوعة.

وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين وافد، ما بين مهاجر ولاجئ وطالب لجوء، من 62 جنسية مختلفة، في مقدمتهم السودانيون والسوريون. ويكلّف ذلك الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات حكومية مصرية.

وقال مدير عام «هيئة وادي النيل البحرية»، العقيد محمد آدم محمد أبكر، لـ«الشرق الأوسط»، «إن العمل في ميناء وادي حلفا البديل، يجري على قدم وساق، وسيكون جاهزاً خلال أسبوعين»، متوقعاً أن تُستأنف رحلات العودة الطوعية منتصف أبريل (نيسان)، لكنه أشار في الوقت نفسه، إلى أنَّ ذلك، «ليس موعداً نهائياً».


«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
TT

«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)

أعلنت المهمة البحرية الأوروبية (أسبيدس) تعزيز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن، ودعت سفن الشحن إلى توخي أقصى درجات الحذر، تحسباً لأي هجمات محتملة.

وتشير تقارير دولية -من بينها ما صدر عن مجموعة الأزمات الدولية- إلى أن توقيت دخول الحوثيين في المواجهة بين إيران وأميركا وإسرائيل يحمل دلالات سياسية؛ إذ يسعى إلى تعزيز موقف إيران التفاوضي، عبر فتح جبهة إضافية تزيد الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها.

كما توضح هذه التقارير أن امتناع الحوثيين حتى الآن عن استهداف السفن بشكل مباشر، قد يكون مرتبطاً برغبتهم في عدم خرق تفاهمات سابقة مع واشنطن بشأن الملاحة.

حسابات استراتيجية

وفي خضم التصعيد الإقليمي المتسارع، يبرز انخراط الجماعة الحوثية في الهجمات الموجهة نحو إسرائيل، بوصفه جزءاً من حسابات استراتيجية أوسع تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.

وتشير تقديرات مسؤولين يمنيين ومحللين إلى أن الهجمات الحوثية الأخيرة -رغم رمزيتها- لا تمثل سوى واجهة لتحركات أكثر خطورة تمنح طهران ورقة تفاوضية حساسة، في أي حوار مع الولايات المتحدة أو القوى الغربية.

وعلى الرغم من تبنِّي الحوثيين أولى هجماتهم بالصواريخ والطائرات المُسيَّرة باتجاه إسرائيل، فإن هذه العمليات تُوصف بأنها محدودة التأثير من الناحية العسكرية، وسبق أن جرى اختبار نمطها خلال الحرب في قطاع غزة.

الحوثيون استبقوا دخول الحرب إلى جانب إيران بمناورات ونقل أسلحة قرب سواحل البحر الأحمر (رويترز)

ويرى محللون أن الهدف منها ليس إحداث تحول ميداني؛ بل تأكيد الحضور ضمن ما يُعرف بمحور «المقاومة»، وإرسال رسائل سياسية محسوبة.

تحركات ميدانية

ويرى الباحث اليمني في شؤون الجماعة الحوثية عدنان الجبرني، أن التحرك الحوثي يرتبط بما يسميه «الضرورة العملياتية» التي تحددها غرفة عمليات مشتركة تضم أطرافاً من «الحرس الثوري» الإيراني وحلفائه في المنطقة.

الحوثيون خسروا سابقاً أبرز قادتهم العسكريين وفي مقدمهم رئيس أركانهم محمد الغماري (إعلام محلي)

ويصف الجبرني الهجمات الأخيرة بأنها «تمهيدية وتجريبية» تهدف إلى اختبار القدرات وتنسيق الهجمات المتزامنة، بما يسمح بإدخال الجماعة كطرف فاعل في أي تصعيد واسع. ويضيف أن الحوثيين يمثلون «خط الدفاع الأخير» لإيران؛ خصوصاً في حال توسعت الحرب أو تعرضت طهران لضغوط مباشرة.

وفي هذا السياق، سبقت الجماعة انخراطها الحالي بسلسلة من التحركات الميدانية، شملت نقل أسلحة إلى مناطق قريبة من الساحل الغربي، وتنفيذ مناورات بحرية، إضافة إلى تكثيف تدريبات وحدات الصواريخ والطائرات المُسيَّرة، ما يعكس استعداداً واضحاً لمرحلة تصعيد محتملة.