«النباتات الغازية» تقضي على المحلية وتسبب خسائر بالمليارات

نباتات {لانتا كمارا}  -  نباتات يابانية
نباتات {لانتا كمارا} - نباتات يابانية
TT

«النباتات الغازية» تقضي على المحلية وتسبب خسائر بالمليارات

نباتات {لانتا كمارا}  -  نباتات يابانية
نباتات {لانتا كمارا} - نباتات يابانية

قبل ثلاثة عقود، أجمعت 175 دولة على تحديد 20 هدفاً لوقف انقراض الأنواع الحية بحلول سنة 2020. وفيما نجح المجتمع الدولي في إحراز تقدم ملحوظ، لا سيما في مضاعفة مساحة الأراضي المحمية الغنية بالتنوع الحيوي، إلا أن العالم لا يزال متخلفاً كثيراً عن تحقيق الغاية العامة لهذه الأهداف.
ويعتبر تدمير الموائل الطبيعية وانتشار الأنواع الغازية أهم عاملين في فقدان التنوع الحيوي. ورغم تصنيف مساحات واسعة حول العالم على أنها «مناطق محمية»، إلا أن الإدارة داخل هذه المناطق لا تزال غير كافية في كثير من الأحيان. وفي المقابل لا يزال التقدم محدوداً في السيطرة على الأنواع الغازية، وهي حيوانات أو نباتات غريبة جرى إدخالها عن طريق الخطأ أو قصداً إلى بيئة لا توجد فيها عادةً، فانتشرت وأصبحت مدمرةً أو مثيرةً للقلق.
- الأنشطة البشرية تعزز الأنواع الغازية
يخلص بحث نشر في دورية «نيتشر» لشهر مارس (آذار) الماضي إلى أن الأنواع الغازية تسببت بضرر اقتصادي عالمي يقدر بنحو 1.28 تريليون دولار منذ سبعينات القرن الماضي. ويشير البحث إلى أن فاتورة الخسائر الناتجة عن الأنواع الغازية كانت تتضاعف كل ست سنوات، بحيث وصلت إلى 162 مليار دولار سنة 2017. ولا تشمل هذه الأرقام الأضرار التي يتعذر قياسها، مثل انبعاثات الكربون وفقدان خدمات النظام البيئي.
وتلعب المشاريع الضخمة دوراً مؤثراً في نشر الأنواع الغازية، حيث تسبب شق قناة السويس في انتقال مئات الأنواع غير الأصلية من البحر الأحمر إلى البحر المتوسط، من بينها سمكة الأسد السامة. ويعتقد أن بعض الأنواع الغازية تنتقل من مكان إلى آخر بفضل الطيور المهاجرة، مثلما هو الحال بالنسبة إلى شجرة «التبغ الكاذب».
وتعد أميركا الجنوبية الموطن الأصلي لشجرة التبغ الكاذب التي تستعمر الأراضي المهملة وجوانب الطرقات، وتحل مكان الأنواع الأصلية. وهي تتميز بقدرتها السريعة على التعافي من الجفاف، وبنتاجها الضخم من البذور التي تنتقل مع الرياح أو مياه السيول والفيضانات أو الطيور المهاجرة أو مع بذور المحاصيل الزراعية المستوردة. وكان التحذير من هذا النبات انتشر في وسائل الإعلام السعودية قبل أربع سنوات، وبدأ التحذير منه في سورية واليمن خلال هذه السنة.
وتؤدي التجارة بالأنواع الحية إلى تعزيز فرص انتقال الأنواع الغازية إلى موائل جديدة. ولعل طائر المينا الهندي، الذي تسلل إلى بلدان عربية عدة عبر تجارة طيور الزينة، أحد أكثر الأنواع التي لفتت الأنظار خلال السنوات الماضية، بسبب قضائه على الطيور المنافسة وتعديه على المحاصيل الزراعية.
وكثيراً ما يفتح الاهتمام بإكثار الأنواع النباتية الغريبة الباب أمام انتشار الأنواع الغازية. فنبتة «لانتانا كامارا»، على سبيل المثال، هي واحدة من أسوأ 50 نوعاً غازياً حول العالم، حيث تعمل تجمعاتها الكثيفة على الإقلال من التنوع الحيوي، وزيادة مخاطر الحريق في الغابات المطيرة الجافة، وإقلال الإنتاج الزراعي بتداخلها مع المحاصيل، وزيادة الجريان السطحي وتآكل التربة، إلى جانب احتوائها على مواد سامة، وتوفيرها الموئل لحوامل الأمراض مثل البعوض وذبابة «تسي تسي».
ويجري الترويج لنبتة «لانتا كامارا» في العالم العربي حالياً على أنها نبتة زينة تحمل اسم «شجيرة أم كلثوم». ومن الملاحظ أن هذه النبتة أخذت تتسلل إلى الحدائق العامة والأراضي الفارغة بعيداً عن الاهتمام الرسمي، علماً أن بلداناً كثيرة أنفقت مبالغ كبيرة في محاولة وقف انتشارها من دون جدوى، حيث تقدر كلفة السيطرة على هذه النبتة في الهند بنحو 2.6 مليار دولار.
- أخطر النباتات الغازية في العالم العربي
وفق قاعدة البيانات العالمية للأنواع الغازية، يوجد في العالم العربي 225 نوعاً حياً غازياً، من بينها 114 نوعاً نباتياً. ومن ضمن هذه الأنواع النباتية يوجد نوعان يصنفان ضمن قائمة العشرين الأخطر عالمياً هما نبات القصب وطحلب «كوليربا تاكسيفوليا».
وفيما يعد القصب نباتاً أصيلاً في بلاد الشام، فإنه يصنف نباتاً غازياً في البلدان العربية الأخرى. ويتواجد القصب بكثافة على ضفاف الأنهار وضمن المجاري المائية، حيث ينافس الأنواع النباتية المحلية ويزيحها من موطنها. وهو سريع الاشتعال، مما يعزز من فرص اندلاع الحرائق وشدتها، وفي المقابل يتعافى من الحرائق بمعدل 3 إلى 4 مرات أسرع من النباتات المحلية الأخرى، مما يعزز فرص تكاثره وانتشاره.
وتشكل الحصائر الجذرية الليفية الطويلة والمتداخلة للقصب هيكلاً حياً خلف الجسور والقنوات والمنشآت المائية الأخرى، مما يؤثر على وظيفتها ويخل بالنظم البيئية. ونظراً لنموه السريع وتكاثره الخضري، يستطيع القصب غزو مناطق جديدة بسرعة والقضاء على النباتات الأصلية وتقليص موائل الحياة البرية وإحداث تغيير بيئي جذري.
وتغض معظم البلدان العربية النظر عن مخاطر نبات القصب على النظم البيئية والمجاري المائية، بسبب عوائده الاقتصادية الظاهرة. فهو يزرع كسياج في الأراضي الزراعية، كما يستخدم في صناعة الحصائر والأسقف والجدران الخفيفة، ويستفاد منه كوقود للتدفئة والطبخ.
أما «كوليربا تاكسيفوليا» فهو طحلب بحري غاز موطنه الأصلي المحيط الهادئ والبحر الكاريبي، ويستخدم على نطاق واسع كنبات زينة في أحواض السمك. وقد أدخلت سلالة منه تتحمل البرد عن غير قصد إلى البحر المتوسط مع مياه الصرف الصحي من متحف المحيطات في موناكو في ثمانينات القرن الماضي، فأصبح ينتشر على أكثر من 15 ألف هكتار من قاع البحر.
ويوصف هذا النبات على أنه «طحلب قاتل» يخنق الأنواع الأخرى من الطحالب والأعشاب البحرية ومجتمعات اللافقاريات، عن طريق منافستها على الغذاء والضوء أو بسبب تأثيراته السامة. ونظراً لقضائه على موائل الأسماك، يتسبب الطحلب القاتل في تراجع عوائد الصيد. ويؤدي تغذي بعض أنواع الأسماك، مثل سمك الدنيس والشلبة، على هذا الطحلب إلى تراكم السموم فيها مما يجعلها غير صالحة للاستهلاك البشري.
وتتطلب السيطرة على الأنواع الغازية في كثير من الأحيان استخدام أعداء حيوية من الموطن الأصلي للأنواع الغازية، وينطوي ذلك على إنفاق مبالغ طائلة ودراسات مستفيضة لمخاطر الأعداء الحيوية، وفي معظم الحالات يتعذر الوصول إلى نجاح تام في القضاء على النوع الغازي.
تعتبر عشبة ورد النيل من أخطر النباتات الغازية، وهي انتشرت من موطنها الأصلي في أميركا الجنوبية إلى جميع أنحاء العالم. وتمتلك تلك العشبة، التي تنمو ضمن المسطحات المائية العذبة، القدرة على مضاعفة حجمها خلال 10 أيام، وهي بذلك أسرع النباتات نمواً على وجه الأرض. وتستهلك نبتة ورد النيل الواحدة أربعة ليترات من الماء يومياً، فتؤدي تجمعاتها الضخمة إلى شح المياه في العديد من الأماكن، كما أنها تتسبب في موت الأحياء المائية في الأنهار والبحيرات.
ولا يمكن الاستفادة من نباتات ورد النيل بسبب امتصاصها العناصر الثقيلة السامة، التي تنتقل إلى الحيوانات التي تتغذى عليها أو الأراضي التي تدفن فيها. وتحوي جذورها العديد من العوائل الوسيطة لكثير من الطفيليات، مثل القواقع التي تصاب بطفيل البلهارسيا، كما تستخدمها إناث البعوض لوضع بيضها وتوفر موئلاً لاحتضان يرقاتها.
وينتج ورد النيل أزهاراً جميلة كانت السبب في إدخاله إلى مصر خلال فترة حكم محمد علي لتزيين المسطحات المائية حول القصور الملكية. إلا أنه خرج عن السيطرة وسبب العديد من المشاكل، إلى أن جرى التحكم به في مصر بعد سنة 2000 من خلال إطلاق أنواع من السوس الذي تم استيراده من أميركا الجنوبية. وتمثل التجربة المصرية نموذجاً ناجحاً لبلدان عربية أخرى، مثل سورية ولبنان، للسيطرة على ورد النيل الذي ظهر في مسطحاتها المائية منذ سنوات قليلة.
وتفرض العديد من الدول إجراءات احترازية لمواجهة انتقال الأنواع الغازية، حيث يسعى الاتحاد الأوروبي حالياً إلى اعتماد تشريع يجعل أوروبا أكثر أماناً بيولوجياً عبر مجموعة متنوعة من تدابير الرقابة على الحدود، ومعالجة الأنواع الغريبة التي نجحت في الانتشار، وحشد الجهود للقضاء على الأنواع التي أصبحت مصدر إزعاج. ويمثل التشريع الأوروبي المرتقب مصدر قلق لخبراء البستنة، بسبب الحظر المتوقع على عدد من أنواع النباتات الغريبة التي يقومون بإكثارها.
إن التكاليف الباهظة للأنواع الغازية، والإخفاقات العديدة في التحكم بها وإدارتها، وتزايد فرص انتشار الأنواع الحية وانتقال مواطنها بسبب تغير المناخ، تستوجب اتباع مبدأ «السلامة أولاً»، من خلال الرقابة الحازمة على انتقال الأنواع النباتية والحيوانية عبر الحدود، ورصد انتشار الأنواع الغريبة قبل أن تتحول إلى أنواع غازية تضر بالأنواع الحية الأخرى وتخل بالنظم الطبيعية.


مقالات ذات صلة

ما أسباب تصاعد المعارضة لمشروع منتجع فاخر مرتبط بعائلة ترمب في ألبانيا؟

أوروبا حشد من الناس خلال احتجاج ضد منتجع فاخر وهو مشروع لشركة مرتبطة بجاريد كوشنر صهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب على منطقة حساسة بيئياً على ساحل البحر الأدرياتيكي في زفيرنيك بالقرب من فلورا بألبانيا يوم 6 يونيو 2026 (رويترز)

ما أسباب تصاعد المعارضة لمشروع منتجع فاخر مرتبط بعائلة ترمب في ألبانيا؟

يتصاعد الجدل في ألبانيا حول مشروع منتجع مرتبط بعائلة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وسط احتجاجات ومخاوف بيئية، فيما تتمسك الحكومة بالمضي فيه.

«الشرق الأوسط» (تيرانا)
يوميات الشرق تم إطلاق أكثر من 10 آلاف كائن فطري إلى بيئاتها الطبيعية (المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية)

تشمل الطائف وثادق... تأهيل وجهات سعودية لاكتشاف الحياة الفطرية والتنوع الأحيائي

كشف المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية في السعودية عدداً من الفرص والوجهات السياحية المرتبطة بالحياة الفطرية والتنوع الأحيائي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق تسجيل ولادة أول مُهر للحمار البري الآسيوي على أرض المملكة منذ أكثر من 100 عام (واس)

السعودية تسجل ولادة أحد أندر الحيوانات في العالم

نجحت جهود الحماية الفطرية في تسجيل ولادة أول مهر للحمار البري الآسيوي على أرض المملكة منذ أكثر من 100 عام، في مؤشر لعودة كائن غاب عن صحاري الجزيرة العربية.

«الشرق الأوسط» (تبوك)
بيئة الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

حذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية السبت من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية التي تسببت في عدد من الوفيات في أنحاء غرب أوروبا.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شمال افريقيا من تحرك احتجاجي في العاصمة التونسية قبل أيام (رويترز)

تونس: مسيرة على الأقدام ضد التلوث البيئي

خرج محتجون من منطقة «الرويسات» بولاية القيروان الاثنين، في مسيرة على الأقدام نحو «قصر قرطاج» الرئاسي بالعاصمة، احتجاجاً على التلوث البيئي الصادر عن مصنع للأسمنت

«الشرق الأوسط» (تونس)

علماء يكتشفون سر مصيدة نبتة «فينوس» التي تفترس الحشرات

حشرة (بلوس وان)
حشرة (بلوس وان)
TT

علماء يكتشفون سر مصيدة نبتة «فينوس» التي تفترس الحشرات

حشرة (بلوس وان)
حشرة (بلوس وان)

ما أتعس الحشرة التي تختار الوقوف على نبتة «فينوس» صائدة الحشرات؛ لأنها سرعان ما تتحول إلى وليمة شهية تتغذى عليها النبتة لأيام!

فعندما يدفعها حظها العاثر لملامسة تراكيب شبيهة بالشعيرات على جسم هذا النبات العجيب، سرعان ما يطبق عليها بأوراق تشبه الفك المفترس، ثم يفرز أنزيمات تساعده على الهضم.

وتمكن العلماء الآن من كشف الآلية الفيزيائية الكامنة وراء إطباق النبات أوراقه على الحشرات.

وقال باحثون إن التجارب أظهرت أن انغلاق مصيدة نبتة «فينوس» يبدأ بتليين سريع يحدث في جدران الخلايا في الطبقة الخارجية للمصيدة، وهي عبارة عن ورقة متحورة بدرجة كبيرة وممتدة في شكل فصين يشبهان فكين تبرز منهما أسنان.

وعلى مدى أكثر من قرن، كانت الفرضية السائدة تفيد بأن انغلاق المصيدة يحدث بفعل إعادة توزيع سريعة للماء داخل الورقة؛ إذ ينتقل الماء بين الخلايا مسبباً انتفاخاً في أحد جانبَي الورقة. لكن البحث الجديد يشير إلى آلية بيولوجية مختلفة.

وقال الفيزيائي يوئيل فورتير، من المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي (سي إن آر إس) وجامعة إيكس مارسيليا، وهو المؤلف الرئيسي للدراسة التي نُشرت الخميس في مجلة «ساينس»: «أحد أشهر النباتات في العالم لا يزال قادراً على إدهاشنا. فبعد أكثر من قرن من البحث، ما زلنا نكتشف أشياء جديدة جوهرية حول طريقة عمله». وينمو هذا النبات الصغير المفترس في منطقة محدودة من ولايتَي نورث كارولاينا وساوث كارولاينا في الولايات المتحدة. وكغيره من النباتات المفترسة التي تتغذى على اللحوم، ينمو النبات في بيئات فقيرة محرومة من العناصر الغذائية، ويعوض ذلك باصطياد الحشرات وهضمها.

وفي تجارب أُجريت في مرسيليا، استخدم الباحثون أدوات من بينها تقنية التصوير عالي السرعة وتطبيق القياسات الميكانيكية للطبقة الخارجية للنبات. كما أجروا قياسات لانتقال الماء داخل أنسجة النبات من أجل استبعاد كونه سبباً مؤثراً في عملية انغلاق المصيدة.

وقال فورتير: «تستخدم النبتة شعيرات حساسة متخصصة على السطح الداخلي للمصيدة. عندما تلمس الحشرة هذه الشعيرات مرتين خلال فترة زمنية قصيرة، تحدث عملية الانغلاق. ويمكن أن يحدث الانغلاق في غضون بضعة أجزاء من الثانية».

وأضاف: «تفترض نظريتنا أن المصيدة تكون مشدودة ميكانيكياً مسبقاً، تماماً مثل الملف المعدني (الزنبرك). وعند تحفيز المصيدة، تلين جدران خلايا الطبقة الخارجية بسرعة بنسبة تتراوح بين 30 و40 بالمائة تقريباً، مما يعني أن جدار الخلية يصبح أكثر مرونة. من شأن ذلك أن يحرر الضغوط الداخلية المخزنة في الأنسجة، مما يؤدي إلى انحناء المصيدة وحدوث الانغلاق. ويحدث هذا التليين في غضون ثانية واحدة تقريباً».

وبمجرد أن تنغلق المصيدة، تُحتجز الحشرة في الداخل لتبدأ عملية هضمها. وبعد أن تمتص النبتة السائل الغني بالعناصر الغذائية الناتج عن عملية الهضم، يُعاد فتح المصيدة من جديد.


علماء يفتشون في ذاكرة نهر الفرات بالمسوح الزلزالية ويتعرفون على أصوله القديمة

صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)
صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)
TT

علماء يفتشون في ذاكرة نهر الفرات بالمسوح الزلزالية ويتعرفون على أصوله القديمة

صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)
صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)

كانت مياه الفرات تغذي أوروك، أول مدينة كبرى في العالم ومهد اللغة المكتوبة، وكذلك بابل، أعظم مدن بلاد ما بين النهرين القديمة.

وكان السهل الخصب الواقع بين الفرات وجاره ورفيقه في رحلة أبدية، نهر دجلة، مهداً لواحدة من أعرق الحضارات البشرية.

وبالرجوع إلى الزمن السحيق، لأبعد بكثير من عصر هذه المراكز الحضرية العظيمة التي نشأت قبل آلاف السنين، تمكن باحثون من فك الشفرة ومعرفة السر وراء تشكل نهر الفرات لأول مرة.

واستناداً إلى صور زلزالية لرواسب مدفونة وبيانات أخرى، قالوا إن نهر الفرات ظهر إلى الوجود على ما يبدو منذ ما بين 3.6 مليون و1.6 مليون سنة عندما اندمج نظامان نهريان سابقان بسبب النشاط التكتوني في جبال طوروس بجنوب تركيا حالياً. ونهر الفرات هو أطول نهر في جنوب غربي آسيا ويمتد لنحو 2800 كيلومتر، إذ ينبع من تركيا، ويتدفق عبر سوريا والعراق قبل أن يصب في الخليج. وتشمل المدن الحالية على ضفاف نهر الفرات بيرجيك في تركيا والرقة في سوريا والرمادي والفلوجة والناصرية في العراق. ومن بين المدن القديمة على نهر الفرات أيضاً أور وماري.

غروب الشمس فوق نهر الفرات في الرقة شرقي سوريا، 30 أكتوبر 2013. (رويترز)

ورغم أن نهر الفرات شكل المنطقة جيولوجيا لمدة طويلة، فإن توقيت تشكله وتطور مساره الحالي ظل غامضاً. وقال الباحثون إن فك شفرة تاريخ النهر شيء ملهم لفهم المعالم البارزة في الثقافة البشرية في مجالات الزراعة والكتابة والتنمية الحضرية وغيرها من المجالات التي شهدتها سهوله الفيضية.

صياد يلقي شباكه في نهر الفرات بالفلوجة غربي بغداد، 2 مايو 2008. (رويترز)

واكتشف علماء جيولوجيا باستخدام بيانات المسوح الزلزالية تحت سطح الأرض، خلال محاولتهم تحديد احتياطيات الغاز المحتملة تحت البحر المتوسط، ملامح لتضاريس مدفونة تشبه القنوات، وتعود إلى أكثر من 5 ملايين عام مضت عندما جفت أجزاء كبيرة من البحر، وهو حدث يعرف باسم «أزمة الملوحة الميسينية». وخلصوا إلى أن نهرين منفصلين، وهما سلفا نهري قره صو ومراد الموجودين حالياً في تركيا، كانا يتدفقان عبر منطقة تمتد بين تركيا وسوريا، ويصبان في حوض البحر المتوسط.

قارب صيد على ضفاف أحد فروع نهر الفرات في ضواحي الحلة وسط العراق (أ.ف.ب)

ويعتقد العلماء أن النشاط التكتوني في هذه المنطقة المعرضة للزلازل تسبب في تحويل مسار سلف نهر مراد نحو الخليج، بينما انضم إليه لاحقاً سلف نهر قره صو، وقالوا إن هذا شكّل نظاماً نهرياً واحداً قوياً وهو نهر الفرات.

وكانت إحدى الأدوات الرئيسية التي استخدمها العلماء هي التصوير الزلزالي، وهي تقنية تنشئ خرائط مفصلة ثنائية وثلاثية الأبعاد لباطن الأرض من خلال تسجيل كيفية انتقال الموجات الصوتية عبر طبقات الصخور الجوفية وارتدادها عنها. ومن خلال هذا التصوير الزلزالي، تمكنوا من اكتشاف ملامح قنوات نهرية قديمة تختفي تحت قاع البحر.

وقال سيمون لانج الجيولوجي بجامعة وسترن أستراليا الذي ساعد في الدراسة المنشورة بدورية «نيتشر جيوساينس» برفقة الجيولوجي آندرو مادوف من شيفرون: «هذه التقنية تعادل استخدام الموجات فوق الصوتية لتصوير التفاصيل الدقيقة لجنين في طور النمو، أو لركبة مصابة بالتهاب في المفاصل، لكن في هذه الحالة نستخدمها لتصوير (عناصر) الحصى والرمال والطين والحجر الجيري والملح المدفونة التي تعرضت للضغط، وتحولت إلى صخور».

سكان يسيرون وسط أراضٍ زراعية غمرتها مياه نهر الفرات قرب دير الزور السورية، 29 مايو 2026. (أسوشيتد برس)

وتوصل العلماء، من خلال صنع نماذج للمعالم الجوفية، إلى أن هذين النهرين القديمين كانا يتمتعان بمعدلات تدفق تفوق معدلات تدفق أنهار النيل ودجلة والفرات في العصر الحديث.

وبالرجوع إلى الوراء، تتبع العلماء مسار النهرين القديمين إلى الأراضي التركية. ومن خلال فحص البيانات الجيولوجية من الرواسب في الوديان ورواسب الفحم التي ارتفعت الآن لتشكل جبال طوروس، توصلوا إلى أن نهري قره صو ومراد الحاليين كانا على الأرجح المصدرين الأصليين لتلك القنوات المدفونة.

وقال لانج: «لكن بطريقة ما انقطعا عن وديانهما الغربية السفلية، واندمجا معاً لتشكيل ما يُعْرف اليوم بنهر الفرات. وتلك الطريقة هي، بالطبع، النشاط التكتوني عبر شرق الأناضول».

وأضاف: «اليوم، تتحد مياه نهري الفرات ودجلة بالقرب من البصرة لتشكل دلتا ضخمة عند مصب الخليج. وغمرت هذه المياه مساحة كبيرة من سهل بلاد ما بين النهرين الذي تطورت فيه الزراعة المبكرة، بما في ذلك المدن المستقلة القديمة، وتطورت الكتابة المسمارية التي كانت حيوية للغاية لتطور البشرية في المراحل المبكرة».

ويمكن أن يتغير مجرى حتى أقوى الأنهار بفعل أحداث جيولوجية قوية. وقال لانج: «كان أكبر نهر على كوكب الأرض، نهر الأمازون، يتدفق غرباً نحو كولومبيا وبيرو حالياً باتجاه ساحل دلتا المحيط الهادي القديم قبل ظهور جبال الأنديز. ومع ارتفاع جبال الأنديز بفعل ارتفاعات ضخمة في القشرة الأرضية، انعكس اتجاه جميع الروافد السابقة على مدى ملايين السنين، والآن يتدفق نهر الأمازون إلى المحيط الأطلسي».


دراسة تقلب المفاهيم: الغذاء الملكي وحده لا يصنع ملكة النحل... تحتاج إلى «قصر»

مستعمرة النحل تبني نوعاً مميزاً من الحجرات مخصصاً للملكات المستقبلية (بكسلز)
مستعمرة النحل تبني نوعاً مميزاً من الحجرات مخصصاً للملكات المستقبلية (بكسلز)
TT

دراسة تقلب المفاهيم: الغذاء الملكي وحده لا يصنع ملكة النحل... تحتاج إلى «قصر»

مستعمرة النحل تبني نوعاً مميزاً من الحجرات مخصصاً للملكات المستقبلية (بكسلز)
مستعمرة النحل تبني نوعاً مميزاً من الحجرات مخصصاً للملكات المستقبلية (بكسلز)

لطالما اعتقد العلماء، على مدى عقود، أن مصير يرقة نحل العسل في أن تصبح ملكة بدلاً من عاملة يتحدد حصراً من خلال تغذيتها على الغذاء الملكي الغني بالعناصر الغذائية، إلا أن دراسة جديدة تُعدّ اختراقاً علمياً تشير إلى أن البيئة الفيزيائية والكيميائية للغرفة التي تنمو فيها اليرقة تؤدي دوراً حاسماً أيضاً في تشكيل الملكة المستقبلية.

«القصر الملكي» لا يقل أهمية عن الغذاء الملكي

أظهرت الدراسة (نُشرت في مجلة «نيتشر» ونقلها موقع «إندي 100») أن الخلية الشمعية الخاصة التي تبنيها العاملات لتربية ملكة جديدة ليست مجرد وعاء سلبي، بل تؤدي وظيفة أساسية في عملية النمو.

وقال كاي وانغ، الباحث في معهد أبحاث تربية النحل التابع للأكاديمية الصينية للعلوم الزراعية أحد قادة الدراسة: «الغذاء الملكي لا يعني شيئاً من دون قصر ملكي».

ويتكوَّن عش نحل العسل عادة من خلايا شمعية سداسية الشكل تفرزها العاملات وتُستخدم لتخزين الغذاء أو تربية الصغار. لكن المستعمرة تبني أيضاً نوعاً ثالثاً مميزاً من الحجرات مخصصاً للملكات المستقبلية. وتُعرف هذه الحجرات لدى مربي النحل بأنها مؤشر على الاستعداد للتطريد أو استبدال الملكة، وتُشبِه في شكلها قشرة الفول السوداني، وتتدلى إلى الأسفل من قرص العسل.

حاضنة ذكية مصممة بعناية

وأوضح وانغ أن هذه الحجرات المتخصصة تمثل «حاضنة ذكية» عالية الهندسة.

وكشفت الدراسة، التي ركزت على نحل العسل الغربي، أن الشمع المستخدَم في بناء الخلايا الملكية يتمتع بخصائص فريدة؛ فهو أكثر ليونة، ويذوب عند درجة حرارة أعلى، كما يطلق «عطراً» كيميائياً مختلفاً.

ويرى الباحثون أن الجدران الأكثر ليونة توفر مساحة كافية لتمدد اليرقة أثناء نموها، في حين قد تعمل الروائح الخاصة بوصفها محفزات هرمونية مهمة.

وأظهرت النتائج أنه حتى عندما تتغذى اليرقات على الغذاء الملكي، فإن تعرضها لشمع الخلايا العادية الخاصة بالعاملات يؤدي إلى تراجع جودة تطورها كملكات وارتفاع معدلات النفوق بشكل ملحوظ.

ويشير ذلك إلى أن «رائحة وملمس» الشمع الملكي عنصران أساسيان لبقاء اليرقة وتحولها إلى ملكة.

الحجرات المتخصصة لملكات النحل تمثل «حاضنة ذكية» عالية الهندسة (بكسلز)

العاملات يتحولن إلى «أفران حية»

كما أظهرت الدراسة أن العاملات المكلفة بناء الخلايا الملكية تخضع لتغيرات لافتة أثناء أداء هذه المهمة؛ فقد تبين أن درجة حرارة منطقة الصدر لديها ترتفع بشكل غير معتاد، كما تتغير أنماط نشاط بعض الجينات لديها.

وقال وانغ: «لصياغة هذا الشمع الخاص الذي يتمتع بدرجة انصهار مرتفعة، يتعين على هذه العاملات الفتيَّة أن تحوّل أجسامها إلى أفران حية صغيرة؛ إذ ترتفع حرارة صدورها إلى أكثر من 39 درجة مئوية، كما لو أنها تعاني من الحمى».

وأوضح أن هذه النحلات لا تنتمي إلى فئة متخصصة دائمة، بل هي «عاملات عادية ومرنة» تتولى دوراً مؤقتاً وطارئاً.

وخلال هذه الفترة تتغير أنماط التعبير الجيني لديها لمساعدتها على معالجة الشمع، ما يجعلها «متعددة المهام بامتياز»، إذ تبني الخلايا الملكية، وفي الوقت نفسه تواصل مهامها اليومية، مثل توزيع الغذاء وتفقد الخلايا الأخرى.

تحدٍّ لمعتقد علمي راسخ

وأعرب وانغ عن دهشته من أن الفرضية الراسخة التي سادت طويلاً، القائلة إن الغذاء الملكي وحده هو المسؤول عن تحديد مصير الملكة، تبيّن أنها غير مكتملة.

ورغم أن الدراسة لم تحدد بعد العامل الدقيق المسؤول داخل الشمع، فإن الخطوة التالية تتمثل في اكتشاف «المفتاح الجزيئي» الذي يطلق عملية التحول.

وقال وانغ: «نريد معرفة أي رائحة كيميائية أو أي إحساس فيزيائي هو الذي يخبر الحمض النووي ليرقة الملكة: أنتِ الملكة».

آثار تمتد إلى ما وراء النحل

ويرى الباحثون أن نتائج الدراسة قد لا تقتصر على نحل العسل فقط، بل ربما تنطبق أيضاً على حشرات اجتماعية أخرى؛ حيث قد تؤدي الهياكل التي تبنيها، مثل أعشاش النمل الأبيض أو الدبابير، وظائف تتجاوز مجرد توفير المأوى لتؤثر في تطور المستعمرة نفسها.

أهمية كبيرة لمربي النحل والزراعة

ومن الناحية العملية، قد تساعد هذه النتائج مربي النحل على إنتاج ملكات أكثر صحة وكفاءة، وفقاً لبوريس باير، أستاذ صحة الملقحات في جامعة كاليفورنيا - ريفرسايد، أحد قادة الدراسة.

وتُعد الملكات السليمة عنصراً أساسياً للحفاظ على مستعمرات قوية، وهي بدورها ضرورية لتلقيح أكثر من 80 محصولاً زراعياً رئيسياً.

وأشار باير إلى أن الفهم الأعمق للآليات الطبيعية التي تنتج من خلالها المستعمرات ملكات عالية الجودة قد يسهم في دعم تجمعات نحل أكثر قدرة على الصمود؛ خصوصاً في ظل الخسائر الكبيرة التي يبلغ عنها مربو النحل حول العالم.

«المنزل المثالي» يغيّر المصير

وفي ختام الدراسة، رأى وانغ أن هذه الاكتشافات تؤكد أن مستعمرة النحل تمثل «كائناً فائقاً» يعمل فيه الأفراد بصورة جماعية لتحويل يرقة عادية إلى أمهم المستقبلية.

وقال: «التغذية الجيدة مهمة، لكن العيش في المنزل المثالي هو ما يغيّر المصير حقاً».