هل تتوقّف «الحرب الداخلية» في إسرائيل عندما تهدأ الصواريخ؟

نحو 5 آلاف يشعلون المواجهات ويجدون مصلحة فيها لكنهم ينجحون في جرّ الملايين إليها

هل تتوقّف «الحرب الداخلية» في إسرائيل عندما تهدأ الصواريخ؟
TT

هل تتوقّف «الحرب الداخلية» في إسرائيل عندما تهدأ الصواريخ؟

هل تتوقّف «الحرب الداخلية» في إسرائيل عندما تهدأ الصواريخ؟

من مجموع حوالي عشرة ملايين مواطن في إسرائيل، هناك حوالي خمسة آلاف شخص، وربما أقل من ذلك، أشعلوا النيران في النفوس وتمكنوا من جر ملايين المواطنين إلى صدامات دامية وخطابات عداء نارية جعلت رئيس الدولة رؤوبين رفلين يحذر من «وقوع حرب أهلية، أخطر وأبشع من الحرب مع حماس». ويدعو نخبة من رجال الدين والمجتمع من كل الطوائف إلى مقره في القدس داعيا إلى إطفاء اللهيب. وبينما لم تجف فيه بعد الدماء في ساحات المدن التي يعيش فيها يهود وعرب، وما زالت رائحة الحرائق تفوح في أروقة مسجدين إسلاميين ومعبدين يهوديين في اللد ويافا، وفي حين ينشغل الجميع بموعد وقف إطلاق صواريخ غزة وغارات إسرائيل، يحاول كثيرون لملمة الجراح وترتيب الأوراق من جديد ووضع قواعد أخرى للحياة بين اليهود والعرب في إسرائيل.
هؤلاء الخمسة آلاف، هم من اليهود والعرب... منقسمون حسب نسبتهم من السكان، أي خمسهم عرب وأربعة أخماسهم يهود. وهم يتسمون بالعنف والهمجية، من دون علاقة مع الحرب. لكنهم أخذوا على عاتقهم استغلال التدهور في الأوضاع السياسية والأمنية وتحويلها إلى حرب داخلية بين اليهود والعرب. بين هؤلاء ساسة وقادة شرطة وأمن... وأيضاً عصابات إجرام ومتطرفون من مختلف المشارب والتيارات. ولمعرفة كيفية تسللهم إلى صدارة المشهد، لا بد من استعراض تسلسل الأحداث في عجالة.

كانت البداية في أحداث القدس، في الفاتح من شهر رمضان. الشرطة الإسرائيلية، بقيادة الجنرال يعقوب شبتاي، ورئيسه في الحكومة وزير الأمن الداخلي، أمير أوحانا، قررت منع الشباب الفلسطيني من إقامة احتفالات الليالي الرمضانية في مدرج باب العامود في القدس الشرقية.
الحجة التي تذرعوا بها هي أن هؤلاء الشباب يرفعون أعلام فلسطين، التي تمنع الشرطة رفعها منذ تدهورت العلاقات بين حكومة بنيامين نتنياهو والسلطة الفلسطينية. لكن الحقيقة هي أن الشرطة كانت تضع أمامها روزنامة، ظهر فيها أنه في يوم 28 رمضان، تحل مناسبة يهودية هي «يوم أورشليم»، الذي تحتفل فيه إسرائيل بـ«تحرير القدس»، أي احتلالها في عام 1967. وفي هذه المناسبة يشارك عادة عشرات الألوف من اليهود في «مسيرة أورشليم»، التي تسير بالقرب من باب العامود. وتخشى الشرطة من احتكاك وربما صدام بين العرب واليهود.
- الغضب من مشاريع الاستيطان
لماذا الاحتكاك؟ لأن الأجواء في القدس متوترة. فثمة غضب فلسطيني عارم من مشاريع الاستيطان الجديدة، التي تتحدث عن بناء حوالي 10 آلاف وحدة سكنية. والفلسطينيون في القدس يشعرون بتهديد وجودي، إذ إن السلطات الإسرائيلية منذ احتلالها عام 1967 شيدت على أراضيهم 12 حياً استيطانيا يضم كل منها بالمعدل 22 ألف نسمة. وهي لا تكتفي بهذا، بل تحاول دفع المستوطنين اليهود للسكن في قلب الأحياء العربية. ففي سلوان يسكن 640 يهوديا، وفي راس العامود 640 يهوديا وفي الشيخ جراح 180 يهوديا. ويسمى هذا في إسرائيل «استيطاناً آيديولوجياً» لأن المستوطنين يزعمون أنهم يستعيدون عقارات كان يملكها يهود قبل حرب 1948، بينما يرفض الفلسطينيون هذا المنطق: أولا لأن إسرائيل لا تتيح للفلسطينيين أن يستعيدوا البيوت والأراضي والعقارات الأخرى التي كانوا يملكونها قبل النكبة. وثانيا لأن صفقات البيع والشراء مشبوهة، تنطوي على ألاعيب سماسرة وعلى تزييف مستندات.
أيضاً الأجواء في القدس متوترة لأن السلطات الإسرائيلية تمنع بالقوة وصول المسلمين في الضفة الغربية إلى المسجد الأقصى وتقيد وصول حتى المقدسيين إليه. وفي وقت لاحق، اقتحم جنود الاحتلال الأقصى وانتشرت صورهم وهم يدوسون بالبساطير على سجاجيده ويطلقون قنابل الغاز على المصلين فيه. وزاد الطين بلة أن الشرطة، منعاً للاحتكاك، قررت منع احتفالات ليالي رمضان. فبدلاً من تغيير مسار المسيرة اليهودية، ليوم واحد، قررت إلغاء ثلاثين ليلة رمضانية في باب العامود.
هذه الأمور مجتمعة، أثارت موجة احتجاج عارمة لدى الفلسطينيين في كل أماكن وجودهم، وبضمن ذلك المواطنون العرب في إسرائيل. فالمواطنون العرب في إسرائيل شريحة من شرائح الشعب الفلسطيني. سلختهم النكبة عن شعبهم، وبقوا في الوطن رغما عن الحكومة الإسرائيلية، لكنهم لم يتخلوا يوما عن انتمائهم الوطني لهذا الشعب ولم يحيدوا قيد شعرة عن انتمائهم لأمتهم العربية ولم يبتعدوا عن هموم أمتهم. وكي لا يشكل ذلك اصطداما مع واقعهم كمواطنين في إسرائيل، اعتبروا أنفسهم جزءا من حركة السلام فيها، التي تناضل لأجل إنهاء الصراع ووقف الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس إلى جانب إسرائيل. ثم تطورت مطامحهم الوطنية والمدنية وراحوا يطالبون بالشراكة في إدارة شؤون الدولة، بعدما شاركوا بقوة في بنائها وازدهارها وكان لهم قسط في نجاحاتها وصار لهم موقع مؤثر في حياتها الاقتصادية والعلمية والثقافية. ولئن كانت نسبة هؤلاء من السكان اليوم 18.5 في المائة فإن نسبتهم من الأطباء في المستشفيات تزيد على 25 في المائة، ومنهم مديران لمستشفيين حكوميين. كذلك لهم حضور في معاهد الأبحاث العليا وفي رئاسة معهد الهندسة التطبيقية الذي يحتل الرقم 26 بين أهم الجامعات الهندسية في العالم وفي رئاسة أكبر بنوك إسرائيل وفي قطاع التكنولوجيا المتقدمة وفي صفوف رجال ونساء العمال الكبار وفي الثقافة والفنون، وحتى في منتخب إسرائيل لكرة القدم.
ومن وجهة نظر هؤلاء، التي لا يفهمها كثرة من اليهود، أن هذه الشراكة لا تتحقق على حساب الانتماء الوطني والديني. ولذا، فعندما تفاقمت الممارسات الإسرائيلية في القدس عموماً - وفي الأقصى بشكل خاص - راحوا يتقاطرون إلى الحرم القدسي بالألوف في كل ليلة. ونظموا مظاهرات في بلداتهم. وعندما نشبت حرب الصواريخ، وشاهد العرب صور الدمار واستخراج جثث عشرات الأطفال الفلسطينيين من تحت الأنقاض، عبّروا عن الغضب وراحوا يطالبون بوقف الحرب.
وفي كل مكان تركت الشرطة المتظاهرين بحالهم، يعبرون عن احتجاجهم بالطرق السلمية والقانونية، انتهت المظاهرات بسلام، حتى عندما شارك فيها حوالي 20 ألف متظاهر كما حصل في سخنين يوم الثلاثاء الماضي. بينما في الأماكن حيث تدخلت الشرطة وقمعت المتظاهرين وقعت صدامات.

- دور «الـ5 آلاف»
هنا يأتي دور الـ«خمسة آلاف». بعض هؤلاء هم عرب من فلسطينيي 48 وبعضهم من اليهود المحليين، الذين يظهرون على هامش المظاهرات ويحاولون تحويلها إلى «حرب يهودية عربية». ولقد برزت بينهم هذه المرة مجموعتان واحدة عربية وأخرى يهودية.
المجموعة العربية هي ثلة من عملاء الاحتلال الذين هربوا من الضفة الغربية وقطاع غزة بعد الانسحاب الإسرائيلي من غزة، وحاول الاحتلال توطينهم في البلدات العربية لكن فلسطينيي 48 رفضوهم، فأسكنوهم في البلدات المختلطة. وهؤلاء غاضبون على العرب الذين لم يقبلوهم وغاضبون على إسرائيل التي يتهمونها بإهمالهم. وحسب رئيس بلدية اللد، يائير رفيفو، فإنهم «عصابات إجرام مسلحة تجبي الخوّات وتتجبر على السكان العرب واليهود وتمارس العنف منذ سنوات طويلة». كما يقول النائب أيمن عودة، رئيس «القائمة المشتركة»، «لقد حذرنا من نشاط عصابات الإجرام العربية، التي تمارس العنف الدموي في مجتمعنا، وقلنا إنه في حال لم يعالج بشكل جذري فسينتقل سريعاً ليضرب المجتمع اليهودي، لكنهم لم يصدّقونا».
وأما المجموعة اليهودية فهي من المستوطنين الآتين من مستوطنات الضفة الغربية وقطاع غزة، بنت أحياء لها ومعابد في يافا واللد والرملة ومعها مجموعة مشهورة باسم «لا فاميليا»، وهي التي تناصب العرب العداء وتنفّذ اعتداءات حتى على اليسار اليهودي والصحافيين. وعندما اشتعلت الصدامات، جاءت لدعمهم ميليشيا من المستوطنين المسلحين في الضفة الغربية. وهؤلاء أيضا معروفون للسلطة الإسرائيلية جيداً، فهم يمارسون الاعتداءات في الضفة الغربية على الفلسطينيين، تحت حماية الجيش. وعندما «يزيدون عيار الاعتداءات»، ويحاول الجيش تقييد نشاطاتهم، يعتدون على الجيش وضباطه أيضاً.
هؤلاء هم الذين أثاروا الصدامات الدامية في البلدات المختلطة. وفي بعض الأحيان نجحوا في جذب شبان محليين متحمسّين. لكن المصيبة أنهم نجحوا أيضاً في جرّ بعض القيادات السياسية والإعلامية.
عوفر كسيف، النائب اليهودي الوحيد في «القائمة المشتركة»، اتهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مباشرة بالمسؤولية عن التدهور فقال «هذا الرجل، الذي أعتبره مصابا بمرض نفسي خطير هو مرض الهوس بالحرائق، وبمرض إنساني أخطر، الأنانية، يقود إسرائيل وفقا لأهوائه ومصالحه. يسخّر كل شيء لخدمة أهدافه. عندما كان التحريض على العرب يخدم مصلحته الحزبية والشخصية في الانتخابات راح يحرّض على العرب. وعندما تغيّرت الظروف، راح يسعى للتحالف مع العرب بل مع الحركة الإسلامية، التي كان يعتبرها حليفة مع حماس. واليوم ها هو يدير حرباً ذات مصلحة مشتركة مع حماس، التي تخدمها الحرب هي أيضا في معركتها السياسية ضد حركة فتح والسلطة الفلسطينية. وعندما يرى الأرض تحترق بأهلها، يفتّش عن صورة نصر تخدمه في الانتخابات. ووسط ذلك كله، يحاول تفعيل الشرطة وأدواتها القمعية. وهو ليس بريئاً من وصول المستوطنين إلى البلدات المختلطة».

- ماذا بعد الحرب؟
المشكلة أن الصدامات أنشأت وضعاً متوتراً جداً في الشارع الإسرائيلي بين اليهود والعرب. وإذا أخذنا بالاعتبار أن هذه ليست المرة الأولى التي تتدهور فيها العلاقات بين اليهود والعرب، فإن المهمة لن تكون سهلة. وسيحتاج الطرفان إلى سنين عدة لتبديد المخاوف والشكوك والعودة إلى الحديث عن تعايش سلمي.
اليوم يعيش كثير من المواطنين الإسرائيليين اليهود والعرب في حالة خوف، ليس فقط في البلدات المختلطة، ممتنعين عن مغادرة بيوتهم حتى للعلاج الطبي. وبدأ أفراد من الطرفين يقدمون طلبات للحصول على رخص سلاح، ويتبادل الجميع الاتهامات، وسط أوضاع بالغة التوتر. وكشفت وزارة الداخلية الإسرائيلية أن عدد طالبي رخصة السلاح من اليهود تضاعفت سبع مرات خلال الأسبوع الماضي، من 270 طلباً في العادة إلى 1926 طلباً، علماً بأن هناك نحو 145 ألف يهودي يحملون سلاحاً مرخصاً اليوم. ولا يشمل هذا حملة السلاح من الجنود ورجال الشرطة وغيرهم من العاملين في أجهزة الأمن. وعلق مسؤول أمني على الظاهرة بالقول إن «زيادة الطلب على السلاح رهيبة، لكنها تستند إلى منطق مفهوم». وأشار إلى أن وزير الأمن الداخلي، أمير أوحانا، يؤيد منح التراخيص، ويعدها «تدعيماً لقوات الأمن، وخطوة مهمة لحماية المواطنين اليهود من الاعتداءات العربية التي شاهدناها في اللد والرملة ويافا وغيرها. فحيثما يشعر المواطنون الملتزمون بالقانون أن قوات الشرطة غير موجودة، يوفر السلاح عنصر حماية لهم ولعائلاتهم».
من جهته، قال القائد العام للشرطة الإسرائيلية يعقوب شبتاي إن «هناك إرهابيين، يهوداً وعرباً، يسعون لتعكير صفو الحياة المشتركة، والشرطة ستضربهم بيد من حديد». وأردف خلال لقاء له مع مجموعة من القيادات الجماهيرية للمواطنين العرب في مدينة اللد، إنه يسعى لتوفير الأمان لجميع السكان بلا تمييز. وبينما شكك العرب في كلامه، متهمين الشرطة بالتحيز لليهود والمشاركة في قمع العرب والبطش بهم، هاجمه الوزير المسؤول عنه، رافضاً المقارنة بين اليهود والعرب، وقال إن ما يظهر في الشارع هو أن «العرب هم الذين يهاجمون اليهود». وبعدها، راح وزراء ونواب من اليمين يطالبون بإقالة شبتاي من قيادة الشرطة.
أيضاً يتعرض الصحافيون الإسرائيليون لاعتداءات دموية بأيدي اليمين اليهودي المتطرف، وتلقى أربعة منهم تهديدات بالقتل واضطرت مؤسساتهم لوضع حراسة دائمة عليهم، لاتهامهم بأنهم يستضيفون عرباً ويساريين يهودا في برامجهم التلفزيونية والإذاعية.

- مخاوف... ومحاولات إنقاذ
ونتيجة لهذه الأجواء المتوترة، انتشر الخوف والقلق، بشكل واسع لدى الطرفين. فشكا العديد من العمال العرب من تلقي أوامر الفصل من العمل، وامتنع طلاب الجامعات العرب عن التوجه إلى جامعاتهم. وكشفت إدارات عدة مستشفيات عن تغيب أطباء وممرضين عرب عن العمل، قالوا صراحة إنهم يخشون الاعتداءات. وفي المقابل، امتنع يهود عن دخول البلدات العربية. وشكا سكان بلدات يهودية نائية في منطقتي الجليل والنقب من أنهم لا يستطيعون الخروج من البيت خوفاً من الاعتداءات العربية المتوقعة. وشكا طلاب عرب في جامعة بئر السبع من هجوم نشطاء اليمين عليهم لمشاركتهم في مظاهرة. وجرى توثيق إقدام مدير مدرسة يهودي على رمي حجارة على عرب في يافا.
في المقابل، تثير الأوضاع ردود فعل متصاعدة من قوى يهودية وعربية تعمل معاً وبإصرار على إعادة العلاقات بين الطرفين إلى طبيعتها. وحقاً، نظمت حملة إعلامية تم نشرها على شاشات القنوات التلفزيونية والشبكات الاجتماعية، يظهر فيها يهود وعرب متعانقين ويعملون في مكان واحد، تحت شعار «مصرون على مواصلة الطريق معاً». كما خرجوا في مظاهرات مشتركة تحت عنوان «يهود وعرب يرفضون أن يكونوا أعداء». وفي سياق الحملة، تبنّت بلدية حيفا مشروع «الحياة المشتركة» الذي يظهر فيه المواطنون من الطرفين في نشاطات مشتركة. وبادرت عدة مؤسسات كبيرة، مثل البنوك والمستشفيات وصناديق المرضى والشركات الكبرى، إلى حملات شبيهة في الشبكات الاجتماعية ووسائل الإعلام.
وتوجه النائب منصور عباس، رئيس «قائمة الحركة الإسلامية» في الكنيست، بزيارة الكنيس اليهودي الذي يشتبه بأن عرباً أحرقوه، وأبدى الاستعداد لإعادة ترميمه. وعندما هاجمه السياسيون من الأحزاب العربية الأخرى، وكذلك بعض رفاقه في الحركة، وبينهم الأمين العام إبراهيم حجازي، رد قائلاً إن «الإسلام لا يجيز الاعتداء على معابد». وتشكّل الآن عدة معاهد أبحاث إسرائيلية حلقات بحثية حول السبل للخروج من هذه الأزمة وإدارة حوارات يهودية عربية حول طبيعة الصراع وأسبابه وسبل العودة إلى علاقات رتيبة بين الشعبين تعيد الأمل للتعايش المشترك. وحسب الكاتب والباحث مرزوق الحلبي، من دالية الكرمل، فإن «إسرائيل الرسمية تحاول إقناع الإسرائيليين قبل الفلسطينيين أن الحرب هي الطريقة الوحيدة والمُثلى لتصريف الصراع التاريخي مع الفلسطينيين، لأنها الطريقة الوحيدة التي تعرفها هي. سنقع في الفخّ إذا صدّقناها، لكن هناك ألف طريقة أخرى». ويضيف «المعركة على وعي شعبنا لا تقلّ أهمية من المعركة على وعي الشارع اليهودي. احكوا مع شعبنا كي يصمد ويحافظ على عنفوانه. بالنسبة للجمهور اليهودي، ينبغي البحث عن قنوات أخرى للوصول إليه، خاصة أن جزءاً كبيراً منه يُدرك أن نتنياهو أثار الحرب ليخلّص روحه لكنهم (مسقوفون) من ناحية ثانية، بالصواريخ».

- معاناة فلسطينيي 48... الإصابات تقول شيئاً
المواطنون العرب في إسرائيل، يدفعون في كل حرب ثمناً مضاعفاً، يعبر عن حالتهم الفريدة. فهم يتلقون الضربات من الطرفين، باستمرار. في «حرب لبنان الثانية»، على سبيل المثال، قتل 44 مواطنا مدنيا و12 جنديا في إسرائيل. وقسم كبير من صواريخ «حزب الله» سقط داخل البلدات العربية كالناصرة وحيفا ومجد الكروم وشفاعمرو وغيرها. وقد قتل 19 عربيا في هذا القصف، أي 43 في المائة من مجموع القتلى المدنيين. ويضاف إلى ذلك أن أقارب هؤلاء المصابين، سكان الجنوب اللبناني ومخيمات اللاجئين تعرضوا للقصف الإسرائيلي.
وفي الحرب على غزة سنة 2014 التي سُمّيت في إسرائيل «الجرف الصامد»، قتل ستة مدنيين، أحدهم عامل أجنبي من تايلاند والثاني مواطن من فلسطينيي 48 من النقب، عودة الودج (31 سنة) وأصيب ثلاثة من أبناء عائلته بجراح. وتبين لاحقا أن ثلاثة من أقاربه الذين يعيشون في قطاع غزة قتلوا من القصف الإسرائيلي في الحرب نفسها.
وهذه المرة قتل أربعة مواطنين عرب من سكان إسرائيل الفلسطينيين: خليل عوض (52 سنة) وابنته نادين (16 سنة) إثر سقوط صاروخ على سيارتهما في اللد، وموسى حسونة (31 سنة) من سكان اللد أيضا وقد قتله مواطن من المدينة نفسها بإطلاق الرصاص خلال اشتباكات بين الجهتين، والفتى محمد محمود كيوان (17 سنة)، من أم الفحم، الذي قتل برصاص رجال الشرطة خلال مظاهرة نظمها اتحاد الطلاب الثانويين في المدينة تضامنا مع القدس وغزة.
هذه النتيجة تعكس حال فلسطينيي 48، كمواطنين يقعون في ملتقى الضربات ويتلقون الإصابات من الجميع.
في بعض الأحيان، يبدو ذلك كوضع شائك مليء بالتعقيدات. وثمة مَن يقول إن العرب في إسرائيل ممزّقون ما بين مواطنتهم الإسرائيلية، التي تحتّم عليهم قواعد حياة ونصال مختلفة عن بقية شرائح شعبهم، وبين انتمائهم العربي والفلسطيني، الذي يحتّم عليهم اتخاذ موقف مغاير ومعاكس للمواقف والسياسة والممارسات الإسرائيلية. لكن هناك مَن يرى الأمور بطريقة مختلفة ويعتبرون هذه الحالة تحديا يستحق التضحية لأجله. فهم، ومن باب الإخلاص لانتمائهم القومي والوطني والإخلاص لمواطنتهم في الدولة العبرية ينتمون إلى معسكر السلام الإسرائيلي الذي يناضل ضد الاحتلال ومن أجل الاستقلال الفلسطيني في دولة عاصمتها القدس الشرقية والسعي إلى سلام حقيقي بين إسرائيل والعالم العربي والإسلامي. وهم يقولون في هذا الصدد «التعايش السلمي بين اليهود والعرب في إسرائيل المبني على المساواة والاحترام المتبادل، ضرورة حيوية لا تنازل عنها. فإذا لم ينجح اليهود والعرب في إسرائيل بالعيش معا بسلام، وتقديم نموذج للحياة المشتركة، فلن يتحقق سلام حقيقي بين إسرائيل والفلسطينيين وسائر العرب».



الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
TT

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)

بينما كانت الحكومة المصرية تستعد لما تعهدت به من جني ثمار الإصلاح وتخفيضات غير مسبوقة في قيمة الديون، جاءت الحرب الإيرانية لتعمّق أزمات الاقتصاد المصري، وتعيق مسار الإصلاح والتنمية، مع محاولات لم تكتمل للتعافي والتقاط الأنفاس من صدمات جيوسياسية متلاحقة عصفت باقتصاد البلاد منذ جائحة «كوفيد - 19». وهكذا وجدت القاهرة نفسها في مواجهة أزمة طاقة عالمية دفعتها لإجراءات استثنائية، آملة أن تنجح في امتصاص الصدمة. لقد اندلعت الحرب الإيرانية بينما كانت مصر تعوّل على تدفقات استثمارية مستقرة، وموسم سياحي قوي، لا سيما مع تحقيق السياحة معدلات «غير مسبوقة»، باستقبالها نحو 19 مليون سائح خلال العام الماضي، بمعدل نمو بلغ 21 في المائة، مقارنة بالعام السابق له، ومع استقرار ملحوظ في قيمة العملة المحلية في مقابل الدولار تحت حاجز الخمسين جنيهاً. لكن حالة الاستقرار والتفاؤل التي دفعت رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في وقت سابق للتعهد بتخفيض الديون بنسب غير مسبوقة، تبدّلت مع أولى شرارات الحرب، لتتوالى التحذيرات الرسمية من تداعيات وخيمة للتصعيد على الأوضاع الاقتصادية. ولمواجهة الأزمة فعّلت الحكومة المصرية «غرفة الأزمات التابعة لمجلس الوزراء» بهدف ضمان استقرار شبكة الطاقة الكهربائية وأرصدة السلع الغذائية.

التحذيرات الرسمية المصرية من تداعيات وخيمة للتصعيد الحربي على الأوضاع الاقتصادية تزامنت مع ارتفاعات قياسية للعملة الأميركية لتقترب من حاجز الـ55 جنيهاً للدولار الواحد قبل أن يسترد الجنيه جزءاً من قيمته مع الإعلان عن وقف العمليات العسكرية لمدة أسبوعين (الدولار بـ53.15 جنيه). وكذلك استمر تراجع عائدات قناة السويس مع إعلان شركات شحن كبرى وقف العبور في الممر الملاحي.

الغاز في مقدمة الصدمات

مع بداية الحرب، أعلنت إسرائيل إغلاقاً مؤقتاً لبعض حقول الغاز كإجراء أمني، فأكدت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية تنفيذ حزمة من الخطوات الاستباقية، مستهدفة تأمين إمدادات الطاقة للسوق المحلية من الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية.

وتبعت ذلك قرارات وصفت بـ«الاستثنائية» لرفع أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، تزامناً مع إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، ورفع أسعار تذاكر القطارات والكهرباء.

وحقاً، «تعرّضت مصر لضغوط قوية نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي المُسال، حيث تعتمد مصر على الاستيراد لتغطية نحو ثلث احتياجاتها من الغاز الطبيعي، وتأتي نصف الواردات من إسرائيل»، بحسب ديفيد باتر، الباحث في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «تشاتام هاوس» - وهي مؤسسة فكرية بحثية بريطانية - كما أشار، في تقرير نشر أخيراً.

في تقريره الصادر في الأول من أبريل (نيسان)، أفاد «المجلس الوطني المصري للتنافسية» بأن «الحرب تحوّلت بالفعل إلى صدمة اقتصادية ذات طابع نظامي، تتمحور حول الطاقة، والشحن، والتأمين، والتضخم، وانتقال أثر الثقة، وليس مجرد مواجهة عسكرية إقليمية». وأضاف المجلس أن التقديرات تشير إلى احتياج مصر إلى نحو 3.75 مليار دولار لمشتريات طارئة من الغاز الطبيعي المسال، وأن كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر النفط قد تُفاقم عجز الحساب الجاري بنحو 2.5 مليار دولار.

بدوره، قال الدكتور نبيل زكي، أستاذ الاقتصاد الدولي والتمويل في جامعة نيويورك بالولايات المتحدة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «حالة عدم اليقين بشأن الأوضاع الإقليمية تهدد أي انفراجة اقتصادية»، لافتاً إلى ما وصفه بـ«سوء الحظ»، لكون حرب إيران جاءت بعد شهور من الاستقرار الاقتصادي النسبي في مصر لتعصف بالأوضاع وتوقف التقدم والنمو قبل اكتماله.

وأردف زكي أن «فاتورة استيراد الغاز والمنتجات البترولية في مصر بلغت نحو 20 مليار دولار في موازنة العام الماضي التي قدّرت سعر برميل النفط بـ69 دولاراً، ما يعني زيادة الفاتورة بنسبة كبيرة مع اقتراب سعره من 100 دولار للبرميل».

من جهته، صرّح الدكتور عبد النبي عبد المطلب، الخبير الاقتصادي ووكيل وزارة التجارة المصرية للبحوث الاقتصادية سابقاً، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «أزمة الغاز ومشاكل الطاقة ليست جديدة في مصر، لكنها تبدو أكثر وضوحاً في ظل الأزمات... وثمة ضرورة للتعامل معها عبر خطة طويلة الأمد بعيداً عن سياق معالجة الأزمة». واقترح «التوسع في استخدام الطاقة الشمسية، جنباً إلى جنب مع السير في مسار استكشاف حقول غاز جديدة».

حقل نفطي مصري في الصحراء الغربية (آجنزيا نوفا)

اقتصاد مصر ليس معزولاً عن العالم

من جهة ثانية، وفقاً لتصريحات رئيس البنك الدولي أجاي ‌بانجا، الأسبوع الماضي، فإن «الحرب ستؤدي إلى تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي وارتفاع التضخم بغض النظر عن سرعة انتهائها». والأمر ذاته أكدته مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا في تصريحات لـ«رويترز»، الأسبوع الماضي، موضحة أن «الحرب في الشرق الأوسط ستؤدي إلى ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو العالمي».

صدمات متتالية

الواقع أنه دائماً ما تُرجع مصر أزماتها الاقتصادية إلى ظروف جيوسياسية، وهنا، يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور مصطفى بدرة لـ«الشرق الأوسط»، أن حرب إيران «فاقمت أزمات مصر الاقتصادية... وأن مصر منذ عام 2020 واجهت صدمات متكررة بدأت بجائحة (كوفيد – 19) التي أدت إلى تباطؤ النمو الاقتصادي في العالم، ما أثر على حركة الاستثمار. وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الجائحة جاءت الحرب الروسية - الأوكرانية لتؤثر على السياحة وعلى فاتورة استيراد القمح».

ويضيف بدرة: «لقد تراكمت الأضرار الاقتصادية للأزمات الجيوسياسية حتى جاءت حرب غزة وأثرت على إيرادات قناة السويس، وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الأزمات المتتالية جاءت حرب إيران لتزيد من أزمات اقتصاد مصر».

عودة إلى الدكتور نبيل زكي، الذي أوضح أن «مصر شهدت أزمات متتالية منذ عام 2016 لتبدأ مسار إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي ركز على أسعار الصرف، وضبط أوضاع المالية العامة، مع محدودية التوسع في القدرة الإنتاجية، ما يفسر استمرار مصر في مواجهة أزمات سيولة متكررة واللجوء المتكرر إلى برامج الدعم المالي الدولي». واستطرد شارحاً أن «هيكل إيرادات مصر يعتمد بشكل كبير على مجموعة محدودة من مصادر الدخل الحساسة للعوامل الخارجية، بما يجعل اقتصادها عرضة للصدمات الخارجية، وحساساً للمخاطر الجيوسياسية، من بينها الأموال الساخنة والسياحة وقناة السويس».

جدير بالذكر هنا أن تقرير باتر تطرّق إلى «سحب استثمارات بقيمة 6 مليارات الدولار من سوق محافظ الاستثمار الأجنبية». وتعد «الأموال الساخنة» من مصادر التمويل التي تعتمد عليها مصر، وكان العملاء الأجانب يمتلكون نحو 45.7 مليار دولار من أذون الخزانة بالجنيه المصري في نهاية سبتمبر (أيلول)، بحسب النشرة الإحصائية الشهرية للبنك المركزي.

وفي نهاية الأسبوع الأول من مارس (آذار)، أعلنت البورصة المصرية بيع مستثمرين عرب وأجانب أذون خزانة محلية بقيمة 2.2 مليار دولار، في إطار اتجاه للمستثمرين الأجانب إلى الخروج من الأسواق الناشئة، ومن بينها مصر، بسبب استمرار حرب إيران.

لترشيد الاستهلاك بدأت الحكومة سلسلة إجراءات منها تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية التاسعة ليلاً

إجراءات حكومية

لترشيد الاستهلاك، بدأت الحكومة المصرية بنهاية الشهر الماضي تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية في الساعة التاسعة مساءً يومياً، باستثناء يومي الخميس والجمعة في الـ10مساءً، ما عدا المخابز ومحال البقالة والصيدليات، إضافة إلى المحال العامة والمنشآت السياحية في بعض المحافظات.

أيضاً، قررت تطبيق نظام العمل عن بُعد، يوم الأحد، بدءاً من أبريل الحالي لمدة شهر مع استثناء المصانع والمصالح الخدمية. وقال الدكتور عبد المطلب إن «هذه الإجراءات، وإن كانت قد وفرت في الاستهلاك اليومي للكهرباء ما نسبته 10 في المائة من واقع التصريحات الرسمية، فإن لها تداعيات سلبية تتمثل في تراجع الدخول والتأثير على القوة الشرائية والطلب الفعال». وتابع أن «حالة عدم اليقين بشأن التوترات الإقليمية تشكل عوامل ضغط على الاقتصاد وعلى إيرادات السياحة وقناة السويس».

وهنا نذكّر بأنه سبق للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن حذّر مراراً من تداعيات التوتر الإقليمي على الملاحة بمنطقة البحر الأحمر. وأعلن، مطلع مارس الماضي، أن مصر «خسرت نحو 10 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس إثر الحرب في غزة». وبالفعل، سجلت إيرادات قناة السويس في عام 2024 تراجعاً حاداً بنسبة 61 في المائة لتحقق 3.9 مليار دولار مقارنة بنحو 10.2 مليار دولار عام 2023. وثمة تخوّفات الآن من تراجع عائدات السياحة التي سجّلت قفزة كبيرة في معدلات الإقبال والإشغال العام الماضي.

سبل التعافي

رغم ذلك، أشار صندوق النقد الدولي إلى أن «مرونة سعر الصرف سمحت للعملة بأداء دور ممتص للصدمات لاحتواء جزء من الضغوط الخارجية، إلى جانب الحفاظ على احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي».

وأعلن البنك المركزي المصري، خلال الأسبوع الماضي، ارتفاع صافي ‌احتياطات البلاد من النقد الأجنبي إلى 52.831 مليار ‌دولار ‌في مارس من ‌52.746 مليار ‌خلال فبراير (شباط) الذي سبقه.

وبحسب «المجلس الوطني المصري للتنافسية»، فإن الاقتصاد المصري من أكثر الاقتصادات تضرراً في المنطقة، بسبب «ضغط عدة قنوات معاً؛ وهي تكلفة الطاقة المستوردة، تضخم الغذاء، هشاشة إيرادات قناة السويس، حساسية السياحة، ضغوط سعر الصرف، وتشدد شروط التمويل السيادي».

وخلص «المجلس» إلى أن «الخطر الأكبر على مصر لا يتمثل في صدمة منفردة، بل في تراكم عدة ضغوط تتحول مجتمعة إلى مشكلة أوسع في الاقتصاد الكلي وبيئة الأعمال والتنافسية».

هذا، وقد أكد الدكتور زكي أن «التعافي سيستغرق وقتاً يتجاوز الشهور الأربعة بعد توقف العمليات العسكرية تماماً»، وقال الدكتور بدرة إن «التعافي ليس سهلاً، وله آليات ومؤشرات من بينها تحسن قيمة العملة وعودة السياحة والتصدير والاستثمارات وتقليل التضخم وعجز الموازنة، وهذه أمور يتطلب تحقيقها قدراً من الاستقرار واليقين».

وبالتوازي، بينما تعوّل الحكومة على إجراءاتها الاستثنائية لمواجهة تداعيات الحرب واستكمال الإصلاح، يظل ملف الديون الخارجية أحد عوامل الضغط الرئيسة، حيث من المفترض أن تسدد مصر نحو 50.8 مليار دولار من ديونها الخارجية بنهاية سبتمبر المقبل، بحسب البنك الدولي، الذي أشار إلى ارتفاع الدين الخارجي بنحو 2.48 مليار دولار خلال الربع الثالث من 2025 ليسجل 163.7 مليار دولار.

الأزمات السياسية والجنيه المصري

على صعيد آخر، منذ أحداث يناير (كانون الثاني) عام 2011، نذكر أن مصر تعرّضت لتقلبات سياسية وأزمات داخلية وخارجية، انعكست على حال الاقتصاد والظروف المعيشية للمواطنين، وواكبتها رحلة تراجع للجنيه المصري أمام الدولار بلغت ذروتها مع أزمة «شح الدولار»، بخروج نحو 20 مليار دولار بين يناير وسبتمبر 2022.

واليوم تتزايد أهمية «العملة الصعبة» بوصفها مؤشراً على الاقتصاد، مع اعتماد مصر على الاستيراد، حيث تجاوزت فاتورة الواردات في العام المالي 2024 - 2025 ما قيمته 91 مليار دولار، بارتفاع نسبته 29 في المائة عن العام المالي السابق، بحسب الإحصائيات الرسمية.

وتعرّضت العملة المحلية لصدمات عدة بدأت من حالة اللااستقرار التي أعقبت أحداث 2011، مروراً بالحرب على الإرهاب التي تجاوزت تكلفتها 120 مليار جنيه خلال عشر سنوات، وفق التقديرات الرسمية المصرية، ثم جائحة «كوفيد - 19» والحرب الروسية الأوكرانية و«حرب غزة»... وأخيراً الحرب الإيرانية.

أيضاً، سجلت الفترة اللاحقة لأحداث يناير 2011 بداية تراجع سعر صرف العملة المحلية، ليبلغ سعر الدولار 6.5 جنيه مقابل 5.8 في السنوات الخمس السابقة، لتبدأ رحلة صعود الدولار بنسب محدودة مع محاولات الحكومة تثبيت سعره الرسمي تحت الثمانية جنيهات للدولار الواحد. واستمرّ الحال كذلك حتى نهاية عام 2016 التي شهدت أول قرارات تحرير سعر الصرف. ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، قرر البنك المركزي «تعويم الجنيه»، ضمن برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي. وهكذا، قفز الدولار من 7.8 جنيه إلى 18.7 جنيه، قبل أن يستقر ما بين 15 و16 جنيهاً.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2021، أصدر البنك المركزي قراراً بالانتقال إلى سعر صرف مرن، لتتراجع قيمة الجنيه بشكل متسارع، ويتجاوز الدولار في يناير 2022 نحو 27 جنيهاً، قبل أن يرتفع مرة أخرى في مارس من العام نفسه. ويستقر سعره الرسمي في البنوك عند 30.85 جنيه للدولار الواحد، وإن ظل سعره يرتفع في السوق الموازية مع نقص النقد الأجنبي حتى تجاوز حاجز الـ70 جنيهاً للدولار.

وفي مارس 2024، أعلن البنك المركزي المصري «تحرير» سعر صرف الجنيه، والسماح بتحديده وفقاً لآليات السوق، ليتم تخفيض قيمة الجنيه مرة أخرى وتقترب قيمته من حاجز الـ50 جنيهاً للدولار، وتراجع العام الماضي إلى نحو 47 جنيهاً قبل أن ترتفع قيمة الدولار مرة أخرى جراء الحرب الإيرانية وتبلغ قيمة الدولار الواحد نحو 53.15.

صندوق النقد الدولي أفاد في تقرير صدر أخيراً، بأنه «يجب استكمال مرونة سعر الصرف في مصر بإطار أقوى للتدخل في سوق النقد الأجنبي، وبرنامج قائم على آليات السوق لتراكم الاحتياطيات بما يعزز كفايتها بشكل عام». وحقاً، تنخرط مصر حالياً في تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي تم الاتفاق عليه في نهاية 2022، بقيمة ثلاثة مليارات دولار، قبل أن تزيد قيمته في مارس الماضي إلى ثمانية مليارات دولار، وتلتزم مصر في إطار البرنامج بخفض دعم الوقود والكهرباء.


صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
TT

صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة

لم يصل صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لـ«الاتحاد العام التونسي للشغل» على إيقاع المفاجأة، ولا كأنه نتاج لحظة عابرة فرضتها موازين المؤتمر «السابق لأوانه» الذي عقده مئات النقابيين التونسيين أخيراً في المنطقة السياحية بمدينة المنستير، موطن الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة وعدد كبير من كوادر الدولة التونسية الحديثة. بل جاء صعوده إلى الموقع الأول في واحدة من أكبر النقابات والأطراف السياسية التونسية والعربية وزناً وتأثيراً، ثمرة مسار طويل من التدرج داخل العمل النقابي، وتتويجاً لاحتكاك طويل بروّاد الحراك السياسي والنقابي في أكثر مستوياته التصاقاً بالقاعدة: المدرسة، والجهة، والقطاع، والمستوى المحلي، ثم القيادة الجهوية، وصولاً إلى المكتب التنفيذي الوطني، قبل أن ينتهي به المطاف إلى المقر المركزي، حيث تفاعل مبكراً مع «الجيل الثاني للرموز الثقيلة للاتحاد»، تلاميذ الزعيم النقابي السابق الحبيب عاشور، مثل عبد السلام جراد وعلي بن رمضان ومحمد بن سعد ثم نور الدين الطبوبي وفريقه.

لا يبدو صلاح الدين السالمي طارئاً على «الاتحاد العام التونسي للشغل» على الرغم مما عرف عنه من استقلالية عن الأحزاب العلنية والتنظيمات «السرّيّة» الماركسية والقومية والإسلامية، التي ازداد تأثيرها نقابياً منذ تسعينات القرن الماضي، بل هو ابن صريح من أبنائه التقليديين. إنه من صنف النقابيين الذين لا تصنعهم الأضواء بقدر ما تصنعهم الممرّات الداخلية، وتفاصيل اللوائح، والاشتباك الطويل مع الهياكل، والصبر على التراكم.

وهو ليس رجل اقتحام خاطف، بل هو رجل مسار؛ وليس ابن لحظة إعلامية، بل ابن مدرسة نقابية قديمة لا تزال تؤمن بأن الشرعية تُبنى من الأسفل إلى الأعلى، لا من القمة إلى القاعدة.

من منطقة قبائل أرياف القيروان

ينحدر السالمي من أرياف مدينة القيروان، العاصمة العربية الإسلامية الأولى لكامل شمال أفريقيا (170 كلم جنوب العاصمة تونس)، وتحديداً من منزل المهيري بمعتمدية نصر الله، وهذه خلفية ليست تفصيلاً جغرافياً في سيرته بقدر ما هي مفتاح أول لفهم صورته العامة. فالرجل يأتي من منطقة قبائل «الجلاص» الأمازيغية - العربية في «الداخل» التونسي، أي في المجال حيث ظل «الاتحاد العام التونسي للشغل» لعقود، منذ مرحلة بدء بناء الدولة الحديثة قبل 70 سنة، أكثر من مجرد منظمة نقابية. إذ لعب دور القناة النادرة للتعبير الاجتماعي، وللترقي الرمزي، وللدفاع عن الفئات التي لا تملك دائماً منفذاً مباشراً إلى المركز.

ولد السالمي يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 1959، وحصل على شهادة البكالوريا في شعبة الرياضيات التقنية عام 1980، ثم التحق بالتدريس عام 1981، وفي عام 1982 انخرط في «الاتحاد»، ليبدأ بذلك علاقة لا تنقطع باتت ما يشبه القدر الشخصي.

محنة السجن والطرد

لم تكن بداياته سهلة، ولا محايدة. فالسالمي ينتمي إلى جيل من النقابيين الذين عرفوا مبكراً أن العمل النقابي في تونس لم يكن مجرد نشاط مطلبي محدود التكلفة، بل قد يتحول إلى سبب مباشر في السجن والطرد والتضييق. بالذات، في خضم أزمة الاتحاد مع السلطة إبان الصراعات القوية حول خلافة الحبيب بورقيبة منتصف الثمانينات.

وحقاً، سُجن النقابي والمعلم الشاب ستة أشهر بداية من نوفمبر (تشرين الثاني) 1985، كما طُرد من عمله بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يعود إليه عام 1988 بعد إقالة بورقيبة وإعلان الرئيس التونسي الجديد زين العابدين بن علي عفواً عاماً على كل السجناء السياسيين والنقابيين السابقين. وهذا المُعطى، في سيرة الرجل، ليس مجرد تفصيل بطولي يضاف إلى السرد، بل هو عنصر تأسيسي في تكوينه: فقبل أن يصبح مسؤولاً في الهياكل، اختبر بنفسه معنى أن يدفع النقابي ثمن موقعه، وأن تتحول القناعة إلى عبء يومي لا إلى شعار.

التدرج داخل المدرسة النقابية

من هناك بدأ صعود السالمي، ففي يناير (كانون الثاني) 1990 تولّى أول مسؤولية نقابية له عند تأسيس النقابة الأساسية للتعليم الابتدائي في موطنه بمدينة نصر الله الصغيرة التابعة لمحافظة القيروان.

ثم توالت المحطات على نحو يكشف طبيعة تكوينه العميق داخل المدرسة التنظيمية للاتحاد: بعضو في هياكل نقابية جهوية، فكاتب عام نقابة جهوية للتعليم الابتدائي، ثم كاتب عام للاتحاد المحلي للشغل في منطقة نصر الله وبوحجلة والشراردة، قبل أن ينتخب عام 2009 كاتباً عاماً للاتحاد الجهوي للشغل بالقيروان، وهو المنصب الذي شغله قبله أستاذه في الدراسة وداخل «التيار اليساري القومي الوحدوي المعتدل» الناصر العجيلي. وكذلك سبقه إليه زميله السابق في قطاع التربية والتعليم حسين العباسي الذي تولّى ما بين 2011 و2011 منصب أمين عام وطني لاتحاد النقابات.

من «الجهوي» إلى المكتب الوطني

عام 2017 دخل صلاح الدين السالمي القيادة الوطنية لأول مرة خلال مؤتمر عقد في قمرت - قرطاج، بالضواحي الشمالية لتونس العاصمة، حيث انتخب عضواً بالمكتب التنفيذي الوطني مسؤولاً عن قسم الدواوين والمنشآت العمومية، أي المؤسسات الاقتصادية الكبرى التابعة للدولة. ثم جُددت له الثقة في الخطة نفسها خلال مؤتمر صفاقس عام 2022، وهذه المسؤولية أهلته للإشراف على عشرات آلاف العمال والموظفين الذين تمر مؤسّساتهم بصعوبات اقتصادية اجتماعية وأزمات.

هذه التجربة، أيضاً، وضعت السالمي بمواجهة واحدة من أعقد الملفات في الاقتصاد التونسي: المؤسسات العمومية، والمنشآت الوطنية المفلسة، والملفات التي تتقاطع فيها المطالب الاجتماعية مع حسابات الدولة والمالية العمومية والقرار السياسي. وفي هذه المنطقة تحديداً، تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني: ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً، بل بصفته رجل ملفات وتوازنات، وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة ورجال الأعمال ومتابعة القضايا الثقيلة في منطقة التماس بين الاتحاد والدولة.

مناخ فكري سياسي خاص

لكن مسار السالمي لا يمكن فهمه على نحو كامل إذا اقتصرنا على تسلسل المناصب. فالرجل لم يتشكل فقط داخل الهياكل، بل داخل مناخ فكري ونقابي وسياسي خاص بجهة القيروان، وفي قلب هذا المناخ يبرز اسم الناصر العجيلي بوصفه أحد أبرز الوجوه التي تركت أثراً عميقاً في أجيال من النقابيين واليساريين والقوميين العرب في الجهة ثم على الجانب الوطني.

هنا بالذات يكتسب الحديث عن «تتلمذ» السالمي على العجيلي معناه الأعمق: لا بصفته علاقة مدرسية ضيقة، بل بصفته انتماءً إلى مدرسة كاملة في النظر إلى النقابة ودورها ووظيفتها الوطنية.

الناصر العجيلي كان بالنسبة للسالمي والعباسي وجيل من الحقوقيين والسياسيين والنقابيين أكثر من أستاذ في المعهد الثانوي أو مسؤول نقابي جهوي. بل كان شخصية مركّبة تجمع بين النقابي والسياسي والحقوقي والثقافي الفكري، وتختصر سيرة جيل كامل من المناضلين الذين مرّوا من التعليم إلى الاتحاد، ومن الاتحاد إلى المجال العام الواسع.

وكان العجيلي الذي ولد عام 1939، ودرس بين القيروان وتونس، تابع تعليمه العالي في سوريا مثل مجموعة من مثقفي تونس ونخبها وقتها، وحصل على الإجازة فيها. ولقد تأثر السالمي وزملاؤه بأستاذهم العجيلي، خصوصاً بعد تعرضه لمضايقات ثم سجنه لمدة ثمانية أشهر بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يبرز وطنياً بأنشطته داخل «الاتحاد العام التونسي للشغل» وفي الفضاء السياسي اليساري والعروبي الوحدوي.

مدرسة كاملة لا مجرد اسم

في مدينة القيروان، وفي هذا المناخ السياسي الحقوقي، تشكل النقابي صلاح الدين السالمي وعدد من رموز النخبة المحلية والجهوية التي ستلعب لاحقاً دوراً وطنياً.

من بين الأسماء التي يلتقي عندها هذا الخيط القيرواني بوضوح، يبرز زميل قديم لصلاح الدين السالمي هو حسين العباسي، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل بين 2011 و2017، وأحد أبرز الوجوه النقابية في تونس المعاصرة.

العباسي، هو الآخر، خرج من الفضاء النقابي القيرواني نفسه، وصعد من الجهة إلى المركز، حتى أصبح في مرحلة ما بعد الثورة من أبرز شخصيات النقابية والسياسية في البلاد.

كما يسجل أن وصول صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لم يكن مجرد تتويج لسيرة شخصية، بل جاء أيضاً في سياق صراعات معقدة مع السلطات وأخرى داخلية بين المستقلين و«اليساريين الراديكاليين» الذين نظموا آلاف الإضرابات والاعتصامات والمظاهرات في القطاعين العام والخاص خاصة منذ يناير 2011.

واستفحلت هذه الأزمات خلال السنوات القليلة الماضية وإعلان نوع من «القطيعة» بين السلطات وقيادة النقابات بزعامة نور الدين الطبوبي ونائبيه سامي الطاهري وسمير الشفي.

وتطورت هذه الأزمات إلى خلافات داخلية شلت عمل اتحاد الشغل خلال العامين الماضيين، فبرز اسم صلاح الدين السالمي ضمن ما عرف بـ«مجموعة الخمسة». وهي المجموعة «المعارضة» التي دفعت باتجاه التعجيل بعقد مؤتمر وطني في مارس (آذار) 2026، عوض يوليو (تموز) 2027. ورفع السالمي وأنصاره شعار إصلاح المنظمة وتحديثها، في مواجهة اتجاهات أخرى كانت تميل إلى التأجيل وإدارة الأزمة بالتمديد والتسويف. ومع تصاعد الخلافات، تحول السالمي من شخصية تنظيمية ثقيلة داخل الجهاز إلى أحد وجوه المعركة على مستقبل «الاتحاد» نفسه. لم يعد مجرد أمين عام مساعد يتحرّك في حدود اختصاصه، بل صار فاعلاً مباشراً في الصراع حول هوية المنظمة، وأولوياتها، وطبيعة قيادتها المقبلة.

شرعية تنظيمية بدل «الكاريزما» الصاخبة

وحين انتخب أميناً عاماً، لم يصل السالمي بصفته زعيماً شعبوياً يراهن على البلاغة العالية، بل بصفته رجلاً تراه الهياكل قادراً على الإمساك بالمنظمة من الداخل. وهنا بالتحديد تكمن خصوصيته. فالسالمي لا يبدو في صورته العامة كاريزمياً بالمعنى الذي تستسيغه الشاشات، لكنه يبدو صاحب ما هو أكثر أهمية داخل جهاز مثل الاتحاد: الشرعية التنظيمية، والخبرة الهادئة، والمعرفة الدقيقة بالجهات، والقدرة على التحرك داخل التعقيد دون استعراض.

ومع ذلك، فإن ما قد يمثل مصدر قوته قد يتحول أيضاً إلى امتحانه الأصعب. فالرجل يتولى القيادة في واحدة من أكثر اللحظات تعقيداً في تاريخ البلاد و«الاتحاد». ووسط أزمة ثقة داخلية، تراجعت صورة العمل النقابي لدى جزء من الرأي العام، واضطربت العلاقة مع السلطة مثقلة بملفات اجتماعية صعبة، وأوضاع اقتصادية شديدة الهشاشة.


قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)
TT

قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)

أسفر مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل» عن فوز كبير لقائمة «الثبات والتحدّي» بقيادة صلاح الدين السالمي، التي حصدت المقاعد الـ15 كاملة داخل المكتب التنفيذي الجديد. وهذه نتيجة عكست في ظاهرها حسماً انتخابياً واضحاً، لكنها في عمقها كشفت عن إعادة تركيب موازين القوى داخل «الاتحاد»، وعن سعي واسع إلى إنتاج تسوية داخلية جديدة، تستوعب جزءاً مهماً من معارضي القيادة السابقة، وتعيد ترتيب العلاقة بين أنصار الأمين العام السابق نور الدين الطبوبي وخصومه، من دون أن تنهي تماماً التناقضات الحادة التي ظلت تتفاعل داخل المنظمة خلال السنوات الأخيرة.

النتيجة هذه لم تكن تفصيلاً عابراً. فهي تعني، أولاً، أن جزءاً مهماً من النقابيين اختار تجاوز منطق الصدام المفتوح داخل البيت النقابي، وفضّل الذهاب نحو تسوية تنظيمية واسعة تضمن الاستمرارية وتمنع الانقسام. وكذلك تعني أن «الاتحاد»، وهو يدخل مرحلة جديدة، قرر أن يعيد بناء مركز قيادته على أسس أكثر مرونة وأقل ارتهاناً للاستقطابات الآيديولوجية الحادة التي حكمت بعض مفاصله في السنوات الماضية.

مع هذا، كشف المؤتمر أيضاً عن عمليات إقصاء وإعادة فرز داخلية، لا سيما مع فشل القائمة المنافسة التي قادها «اليسار الراديكالي» بزعامة فاروق العياري، والتي كانت مدعومة من شخصيات نقابية بارزة قاطعت المؤتمر، مثل سامي الطاهري وسمير الشفي، وهما من أبرز الوجوه التي مثّلت تيارات اليسار الراديكالي والقومية العربية المتشددة في الاتحاد والبلاد خلال العقود الماضية.

نور الدين الطبوبي (رويترز)

لقد بدا واضحاً أن مؤتمر المنستير لم يكن فقط مناسبة لانتخاب قيادة جديدة، بل كان أيضاً مناسبة لإعادة تعريف «الكتلة المهيمنة» داخل «الاتحاد». فالمكتب التنفيذي الجديد يضم غالبية من النقابيين المستقلين عن الأحزاب، إلى جانب شخصيات من اليسار النقابي المعتدل، كما يضم وجوهاً محسوبة على اتجاهات سياسية متباينة، من بينها نقابي قريب من التيار الإسلامي المحافظ ومن حركة النهضة، وآخر عُرف بقربه سابقاً من شبكات الحزب الحاكم في العهد السابق ثم من محيط حزب «نداء تونس» لاحقاً. وهذا التنوع لا يعكس انفتاحاً آيديولوجياً بالمعنى النظري فقط، بل يشير أيضاً إلى أن الاتحاد اتجه، تحت ضغط أزماته الداخلية وأزمات البلاد، نحو منطق «براغماتي» في بناء القيادة يقوم على جمع شبكات النفوذ القطاعية والجهوية والتنظيمية في «سلة واحدة»، أكثر مما يقوم على التجانس الفكري أو السياسي الصارم.

هنا تتجاوز أهمية المؤتمر مسألة الأسماء والأرقام. إذ تكمن المسألة الجوهرية في طبيعة المرحلة التي جاء فيها هذا التحوّل. وتونس اليوم ليست بصدد أزمة عابرة في ملف الأجور أو مفاوضات دورية بين الحكومة والنقابات، بل تعيش أزمة مركبة تمس بنية الاقتصاد، ووظائف الدولة، وتوازنات النظام السياسي، وثقة المجتمع في النخب والمؤسسات.