هل تتوقّف «الحرب الداخلية» في إسرائيل عندما تهدأ الصواريخ؟

نحو 5 آلاف يشعلون المواجهات ويجدون مصلحة فيها لكنهم ينجحون في جرّ الملايين إليها

هل تتوقّف «الحرب الداخلية» في إسرائيل عندما تهدأ الصواريخ؟
TT

هل تتوقّف «الحرب الداخلية» في إسرائيل عندما تهدأ الصواريخ؟

هل تتوقّف «الحرب الداخلية» في إسرائيل عندما تهدأ الصواريخ؟

من مجموع حوالي عشرة ملايين مواطن في إسرائيل، هناك حوالي خمسة آلاف شخص، وربما أقل من ذلك، أشعلوا النيران في النفوس وتمكنوا من جر ملايين المواطنين إلى صدامات دامية وخطابات عداء نارية جعلت رئيس الدولة رؤوبين رفلين يحذر من «وقوع حرب أهلية، أخطر وأبشع من الحرب مع حماس». ويدعو نخبة من رجال الدين والمجتمع من كل الطوائف إلى مقره في القدس داعيا إلى إطفاء اللهيب. وبينما لم تجف فيه بعد الدماء في ساحات المدن التي يعيش فيها يهود وعرب، وما زالت رائحة الحرائق تفوح في أروقة مسجدين إسلاميين ومعبدين يهوديين في اللد ويافا، وفي حين ينشغل الجميع بموعد وقف إطلاق صواريخ غزة وغارات إسرائيل، يحاول كثيرون لملمة الجراح وترتيب الأوراق من جديد ووضع قواعد أخرى للحياة بين اليهود والعرب في إسرائيل.
هؤلاء الخمسة آلاف، هم من اليهود والعرب... منقسمون حسب نسبتهم من السكان، أي خمسهم عرب وأربعة أخماسهم يهود. وهم يتسمون بالعنف والهمجية، من دون علاقة مع الحرب. لكنهم أخذوا على عاتقهم استغلال التدهور في الأوضاع السياسية والأمنية وتحويلها إلى حرب داخلية بين اليهود والعرب. بين هؤلاء ساسة وقادة شرطة وأمن... وأيضاً عصابات إجرام ومتطرفون من مختلف المشارب والتيارات. ولمعرفة كيفية تسللهم إلى صدارة المشهد، لا بد من استعراض تسلسل الأحداث في عجالة.

كانت البداية في أحداث القدس، في الفاتح من شهر رمضان. الشرطة الإسرائيلية، بقيادة الجنرال يعقوب شبتاي، ورئيسه في الحكومة وزير الأمن الداخلي، أمير أوحانا، قررت منع الشباب الفلسطيني من إقامة احتفالات الليالي الرمضانية في مدرج باب العامود في القدس الشرقية.
الحجة التي تذرعوا بها هي أن هؤلاء الشباب يرفعون أعلام فلسطين، التي تمنع الشرطة رفعها منذ تدهورت العلاقات بين حكومة بنيامين نتنياهو والسلطة الفلسطينية. لكن الحقيقة هي أن الشرطة كانت تضع أمامها روزنامة، ظهر فيها أنه في يوم 28 رمضان، تحل مناسبة يهودية هي «يوم أورشليم»، الذي تحتفل فيه إسرائيل بـ«تحرير القدس»، أي احتلالها في عام 1967. وفي هذه المناسبة يشارك عادة عشرات الألوف من اليهود في «مسيرة أورشليم»، التي تسير بالقرب من باب العامود. وتخشى الشرطة من احتكاك وربما صدام بين العرب واليهود.
- الغضب من مشاريع الاستيطان
لماذا الاحتكاك؟ لأن الأجواء في القدس متوترة. فثمة غضب فلسطيني عارم من مشاريع الاستيطان الجديدة، التي تتحدث عن بناء حوالي 10 آلاف وحدة سكنية. والفلسطينيون في القدس يشعرون بتهديد وجودي، إذ إن السلطات الإسرائيلية منذ احتلالها عام 1967 شيدت على أراضيهم 12 حياً استيطانيا يضم كل منها بالمعدل 22 ألف نسمة. وهي لا تكتفي بهذا، بل تحاول دفع المستوطنين اليهود للسكن في قلب الأحياء العربية. ففي سلوان يسكن 640 يهوديا، وفي راس العامود 640 يهوديا وفي الشيخ جراح 180 يهوديا. ويسمى هذا في إسرائيل «استيطاناً آيديولوجياً» لأن المستوطنين يزعمون أنهم يستعيدون عقارات كان يملكها يهود قبل حرب 1948، بينما يرفض الفلسطينيون هذا المنطق: أولا لأن إسرائيل لا تتيح للفلسطينيين أن يستعيدوا البيوت والأراضي والعقارات الأخرى التي كانوا يملكونها قبل النكبة. وثانيا لأن صفقات البيع والشراء مشبوهة، تنطوي على ألاعيب سماسرة وعلى تزييف مستندات.
أيضاً الأجواء في القدس متوترة لأن السلطات الإسرائيلية تمنع بالقوة وصول المسلمين في الضفة الغربية إلى المسجد الأقصى وتقيد وصول حتى المقدسيين إليه. وفي وقت لاحق، اقتحم جنود الاحتلال الأقصى وانتشرت صورهم وهم يدوسون بالبساطير على سجاجيده ويطلقون قنابل الغاز على المصلين فيه. وزاد الطين بلة أن الشرطة، منعاً للاحتكاك، قررت منع احتفالات ليالي رمضان. فبدلاً من تغيير مسار المسيرة اليهودية، ليوم واحد، قررت إلغاء ثلاثين ليلة رمضانية في باب العامود.
هذه الأمور مجتمعة، أثارت موجة احتجاج عارمة لدى الفلسطينيين في كل أماكن وجودهم، وبضمن ذلك المواطنون العرب في إسرائيل. فالمواطنون العرب في إسرائيل شريحة من شرائح الشعب الفلسطيني. سلختهم النكبة عن شعبهم، وبقوا في الوطن رغما عن الحكومة الإسرائيلية، لكنهم لم يتخلوا يوما عن انتمائهم الوطني لهذا الشعب ولم يحيدوا قيد شعرة عن انتمائهم لأمتهم العربية ولم يبتعدوا عن هموم أمتهم. وكي لا يشكل ذلك اصطداما مع واقعهم كمواطنين في إسرائيل، اعتبروا أنفسهم جزءا من حركة السلام فيها، التي تناضل لأجل إنهاء الصراع ووقف الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس إلى جانب إسرائيل. ثم تطورت مطامحهم الوطنية والمدنية وراحوا يطالبون بالشراكة في إدارة شؤون الدولة، بعدما شاركوا بقوة في بنائها وازدهارها وكان لهم قسط في نجاحاتها وصار لهم موقع مؤثر في حياتها الاقتصادية والعلمية والثقافية. ولئن كانت نسبة هؤلاء من السكان اليوم 18.5 في المائة فإن نسبتهم من الأطباء في المستشفيات تزيد على 25 في المائة، ومنهم مديران لمستشفيين حكوميين. كذلك لهم حضور في معاهد الأبحاث العليا وفي رئاسة معهد الهندسة التطبيقية الذي يحتل الرقم 26 بين أهم الجامعات الهندسية في العالم وفي رئاسة أكبر بنوك إسرائيل وفي قطاع التكنولوجيا المتقدمة وفي صفوف رجال ونساء العمال الكبار وفي الثقافة والفنون، وحتى في منتخب إسرائيل لكرة القدم.
ومن وجهة نظر هؤلاء، التي لا يفهمها كثرة من اليهود، أن هذه الشراكة لا تتحقق على حساب الانتماء الوطني والديني. ولذا، فعندما تفاقمت الممارسات الإسرائيلية في القدس عموماً - وفي الأقصى بشكل خاص - راحوا يتقاطرون إلى الحرم القدسي بالألوف في كل ليلة. ونظموا مظاهرات في بلداتهم. وعندما نشبت حرب الصواريخ، وشاهد العرب صور الدمار واستخراج جثث عشرات الأطفال الفلسطينيين من تحت الأنقاض، عبّروا عن الغضب وراحوا يطالبون بوقف الحرب.
وفي كل مكان تركت الشرطة المتظاهرين بحالهم، يعبرون عن احتجاجهم بالطرق السلمية والقانونية، انتهت المظاهرات بسلام، حتى عندما شارك فيها حوالي 20 ألف متظاهر كما حصل في سخنين يوم الثلاثاء الماضي. بينما في الأماكن حيث تدخلت الشرطة وقمعت المتظاهرين وقعت صدامات.

- دور «الـ5 آلاف»
هنا يأتي دور الـ«خمسة آلاف». بعض هؤلاء هم عرب من فلسطينيي 48 وبعضهم من اليهود المحليين، الذين يظهرون على هامش المظاهرات ويحاولون تحويلها إلى «حرب يهودية عربية». ولقد برزت بينهم هذه المرة مجموعتان واحدة عربية وأخرى يهودية.
المجموعة العربية هي ثلة من عملاء الاحتلال الذين هربوا من الضفة الغربية وقطاع غزة بعد الانسحاب الإسرائيلي من غزة، وحاول الاحتلال توطينهم في البلدات العربية لكن فلسطينيي 48 رفضوهم، فأسكنوهم في البلدات المختلطة. وهؤلاء غاضبون على العرب الذين لم يقبلوهم وغاضبون على إسرائيل التي يتهمونها بإهمالهم. وحسب رئيس بلدية اللد، يائير رفيفو، فإنهم «عصابات إجرام مسلحة تجبي الخوّات وتتجبر على السكان العرب واليهود وتمارس العنف منذ سنوات طويلة». كما يقول النائب أيمن عودة، رئيس «القائمة المشتركة»، «لقد حذرنا من نشاط عصابات الإجرام العربية، التي تمارس العنف الدموي في مجتمعنا، وقلنا إنه في حال لم يعالج بشكل جذري فسينتقل سريعاً ليضرب المجتمع اليهودي، لكنهم لم يصدّقونا».
وأما المجموعة اليهودية فهي من المستوطنين الآتين من مستوطنات الضفة الغربية وقطاع غزة، بنت أحياء لها ومعابد في يافا واللد والرملة ومعها مجموعة مشهورة باسم «لا فاميليا»، وهي التي تناصب العرب العداء وتنفّذ اعتداءات حتى على اليسار اليهودي والصحافيين. وعندما اشتعلت الصدامات، جاءت لدعمهم ميليشيا من المستوطنين المسلحين في الضفة الغربية. وهؤلاء أيضا معروفون للسلطة الإسرائيلية جيداً، فهم يمارسون الاعتداءات في الضفة الغربية على الفلسطينيين، تحت حماية الجيش. وعندما «يزيدون عيار الاعتداءات»، ويحاول الجيش تقييد نشاطاتهم، يعتدون على الجيش وضباطه أيضاً.
هؤلاء هم الذين أثاروا الصدامات الدامية في البلدات المختلطة. وفي بعض الأحيان نجحوا في جذب شبان محليين متحمسّين. لكن المصيبة أنهم نجحوا أيضاً في جرّ بعض القيادات السياسية والإعلامية.
عوفر كسيف، النائب اليهودي الوحيد في «القائمة المشتركة»، اتهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مباشرة بالمسؤولية عن التدهور فقال «هذا الرجل، الذي أعتبره مصابا بمرض نفسي خطير هو مرض الهوس بالحرائق، وبمرض إنساني أخطر، الأنانية، يقود إسرائيل وفقا لأهوائه ومصالحه. يسخّر كل شيء لخدمة أهدافه. عندما كان التحريض على العرب يخدم مصلحته الحزبية والشخصية في الانتخابات راح يحرّض على العرب. وعندما تغيّرت الظروف، راح يسعى للتحالف مع العرب بل مع الحركة الإسلامية، التي كان يعتبرها حليفة مع حماس. واليوم ها هو يدير حرباً ذات مصلحة مشتركة مع حماس، التي تخدمها الحرب هي أيضا في معركتها السياسية ضد حركة فتح والسلطة الفلسطينية. وعندما يرى الأرض تحترق بأهلها، يفتّش عن صورة نصر تخدمه في الانتخابات. ووسط ذلك كله، يحاول تفعيل الشرطة وأدواتها القمعية. وهو ليس بريئاً من وصول المستوطنين إلى البلدات المختلطة».

- ماذا بعد الحرب؟
المشكلة أن الصدامات أنشأت وضعاً متوتراً جداً في الشارع الإسرائيلي بين اليهود والعرب. وإذا أخذنا بالاعتبار أن هذه ليست المرة الأولى التي تتدهور فيها العلاقات بين اليهود والعرب، فإن المهمة لن تكون سهلة. وسيحتاج الطرفان إلى سنين عدة لتبديد المخاوف والشكوك والعودة إلى الحديث عن تعايش سلمي.
اليوم يعيش كثير من المواطنين الإسرائيليين اليهود والعرب في حالة خوف، ليس فقط في البلدات المختلطة، ممتنعين عن مغادرة بيوتهم حتى للعلاج الطبي. وبدأ أفراد من الطرفين يقدمون طلبات للحصول على رخص سلاح، ويتبادل الجميع الاتهامات، وسط أوضاع بالغة التوتر. وكشفت وزارة الداخلية الإسرائيلية أن عدد طالبي رخصة السلاح من اليهود تضاعفت سبع مرات خلال الأسبوع الماضي، من 270 طلباً في العادة إلى 1926 طلباً، علماً بأن هناك نحو 145 ألف يهودي يحملون سلاحاً مرخصاً اليوم. ولا يشمل هذا حملة السلاح من الجنود ورجال الشرطة وغيرهم من العاملين في أجهزة الأمن. وعلق مسؤول أمني على الظاهرة بالقول إن «زيادة الطلب على السلاح رهيبة، لكنها تستند إلى منطق مفهوم». وأشار إلى أن وزير الأمن الداخلي، أمير أوحانا، يؤيد منح التراخيص، ويعدها «تدعيماً لقوات الأمن، وخطوة مهمة لحماية المواطنين اليهود من الاعتداءات العربية التي شاهدناها في اللد والرملة ويافا وغيرها. فحيثما يشعر المواطنون الملتزمون بالقانون أن قوات الشرطة غير موجودة، يوفر السلاح عنصر حماية لهم ولعائلاتهم».
من جهته، قال القائد العام للشرطة الإسرائيلية يعقوب شبتاي إن «هناك إرهابيين، يهوداً وعرباً، يسعون لتعكير صفو الحياة المشتركة، والشرطة ستضربهم بيد من حديد». وأردف خلال لقاء له مع مجموعة من القيادات الجماهيرية للمواطنين العرب في مدينة اللد، إنه يسعى لتوفير الأمان لجميع السكان بلا تمييز. وبينما شكك العرب في كلامه، متهمين الشرطة بالتحيز لليهود والمشاركة في قمع العرب والبطش بهم، هاجمه الوزير المسؤول عنه، رافضاً المقارنة بين اليهود والعرب، وقال إن ما يظهر في الشارع هو أن «العرب هم الذين يهاجمون اليهود». وبعدها، راح وزراء ونواب من اليمين يطالبون بإقالة شبتاي من قيادة الشرطة.
أيضاً يتعرض الصحافيون الإسرائيليون لاعتداءات دموية بأيدي اليمين اليهودي المتطرف، وتلقى أربعة منهم تهديدات بالقتل واضطرت مؤسساتهم لوضع حراسة دائمة عليهم، لاتهامهم بأنهم يستضيفون عرباً ويساريين يهودا في برامجهم التلفزيونية والإذاعية.

- مخاوف... ومحاولات إنقاذ
ونتيجة لهذه الأجواء المتوترة، انتشر الخوف والقلق، بشكل واسع لدى الطرفين. فشكا العديد من العمال العرب من تلقي أوامر الفصل من العمل، وامتنع طلاب الجامعات العرب عن التوجه إلى جامعاتهم. وكشفت إدارات عدة مستشفيات عن تغيب أطباء وممرضين عرب عن العمل، قالوا صراحة إنهم يخشون الاعتداءات. وفي المقابل، امتنع يهود عن دخول البلدات العربية. وشكا سكان بلدات يهودية نائية في منطقتي الجليل والنقب من أنهم لا يستطيعون الخروج من البيت خوفاً من الاعتداءات العربية المتوقعة. وشكا طلاب عرب في جامعة بئر السبع من هجوم نشطاء اليمين عليهم لمشاركتهم في مظاهرة. وجرى توثيق إقدام مدير مدرسة يهودي على رمي حجارة على عرب في يافا.
في المقابل، تثير الأوضاع ردود فعل متصاعدة من قوى يهودية وعربية تعمل معاً وبإصرار على إعادة العلاقات بين الطرفين إلى طبيعتها. وحقاً، نظمت حملة إعلامية تم نشرها على شاشات القنوات التلفزيونية والشبكات الاجتماعية، يظهر فيها يهود وعرب متعانقين ويعملون في مكان واحد، تحت شعار «مصرون على مواصلة الطريق معاً». كما خرجوا في مظاهرات مشتركة تحت عنوان «يهود وعرب يرفضون أن يكونوا أعداء». وفي سياق الحملة، تبنّت بلدية حيفا مشروع «الحياة المشتركة» الذي يظهر فيه المواطنون من الطرفين في نشاطات مشتركة. وبادرت عدة مؤسسات كبيرة، مثل البنوك والمستشفيات وصناديق المرضى والشركات الكبرى، إلى حملات شبيهة في الشبكات الاجتماعية ووسائل الإعلام.
وتوجه النائب منصور عباس، رئيس «قائمة الحركة الإسلامية» في الكنيست، بزيارة الكنيس اليهودي الذي يشتبه بأن عرباً أحرقوه، وأبدى الاستعداد لإعادة ترميمه. وعندما هاجمه السياسيون من الأحزاب العربية الأخرى، وكذلك بعض رفاقه في الحركة، وبينهم الأمين العام إبراهيم حجازي، رد قائلاً إن «الإسلام لا يجيز الاعتداء على معابد». وتشكّل الآن عدة معاهد أبحاث إسرائيلية حلقات بحثية حول السبل للخروج من هذه الأزمة وإدارة حوارات يهودية عربية حول طبيعة الصراع وأسبابه وسبل العودة إلى علاقات رتيبة بين الشعبين تعيد الأمل للتعايش المشترك. وحسب الكاتب والباحث مرزوق الحلبي، من دالية الكرمل، فإن «إسرائيل الرسمية تحاول إقناع الإسرائيليين قبل الفلسطينيين أن الحرب هي الطريقة الوحيدة والمُثلى لتصريف الصراع التاريخي مع الفلسطينيين، لأنها الطريقة الوحيدة التي تعرفها هي. سنقع في الفخّ إذا صدّقناها، لكن هناك ألف طريقة أخرى». ويضيف «المعركة على وعي شعبنا لا تقلّ أهمية من المعركة على وعي الشارع اليهودي. احكوا مع شعبنا كي يصمد ويحافظ على عنفوانه. بالنسبة للجمهور اليهودي، ينبغي البحث عن قنوات أخرى للوصول إليه، خاصة أن جزءاً كبيراً منه يُدرك أن نتنياهو أثار الحرب ليخلّص روحه لكنهم (مسقوفون) من ناحية ثانية، بالصواريخ».

- معاناة فلسطينيي 48... الإصابات تقول شيئاً
المواطنون العرب في إسرائيل، يدفعون في كل حرب ثمناً مضاعفاً، يعبر عن حالتهم الفريدة. فهم يتلقون الضربات من الطرفين، باستمرار. في «حرب لبنان الثانية»، على سبيل المثال، قتل 44 مواطنا مدنيا و12 جنديا في إسرائيل. وقسم كبير من صواريخ «حزب الله» سقط داخل البلدات العربية كالناصرة وحيفا ومجد الكروم وشفاعمرو وغيرها. وقد قتل 19 عربيا في هذا القصف، أي 43 في المائة من مجموع القتلى المدنيين. ويضاف إلى ذلك أن أقارب هؤلاء المصابين، سكان الجنوب اللبناني ومخيمات اللاجئين تعرضوا للقصف الإسرائيلي.
وفي الحرب على غزة سنة 2014 التي سُمّيت في إسرائيل «الجرف الصامد»، قتل ستة مدنيين، أحدهم عامل أجنبي من تايلاند والثاني مواطن من فلسطينيي 48 من النقب، عودة الودج (31 سنة) وأصيب ثلاثة من أبناء عائلته بجراح. وتبين لاحقا أن ثلاثة من أقاربه الذين يعيشون في قطاع غزة قتلوا من القصف الإسرائيلي في الحرب نفسها.
وهذه المرة قتل أربعة مواطنين عرب من سكان إسرائيل الفلسطينيين: خليل عوض (52 سنة) وابنته نادين (16 سنة) إثر سقوط صاروخ على سيارتهما في اللد، وموسى حسونة (31 سنة) من سكان اللد أيضا وقد قتله مواطن من المدينة نفسها بإطلاق الرصاص خلال اشتباكات بين الجهتين، والفتى محمد محمود كيوان (17 سنة)، من أم الفحم، الذي قتل برصاص رجال الشرطة خلال مظاهرة نظمها اتحاد الطلاب الثانويين في المدينة تضامنا مع القدس وغزة.
هذه النتيجة تعكس حال فلسطينيي 48، كمواطنين يقعون في ملتقى الضربات ويتلقون الإصابات من الجميع.
في بعض الأحيان، يبدو ذلك كوضع شائك مليء بالتعقيدات. وثمة مَن يقول إن العرب في إسرائيل ممزّقون ما بين مواطنتهم الإسرائيلية، التي تحتّم عليهم قواعد حياة ونصال مختلفة عن بقية شرائح شعبهم، وبين انتمائهم العربي والفلسطيني، الذي يحتّم عليهم اتخاذ موقف مغاير ومعاكس للمواقف والسياسة والممارسات الإسرائيلية. لكن هناك مَن يرى الأمور بطريقة مختلفة ويعتبرون هذه الحالة تحديا يستحق التضحية لأجله. فهم، ومن باب الإخلاص لانتمائهم القومي والوطني والإخلاص لمواطنتهم في الدولة العبرية ينتمون إلى معسكر السلام الإسرائيلي الذي يناضل ضد الاحتلال ومن أجل الاستقلال الفلسطيني في دولة عاصمتها القدس الشرقية والسعي إلى سلام حقيقي بين إسرائيل والعالم العربي والإسلامي. وهم يقولون في هذا الصدد «التعايش السلمي بين اليهود والعرب في إسرائيل المبني على المساواة والاحترام المتبادل، ضرورة حيوية لا تنازل عنها. فإذا لم ينجح اليهود والعرب في إسرائيل بالعيش معا بسلام، وتقديم نموذج للحياة المشتركة، فلن يتحقق سلام حقيقي بين إسرائيل والفلسطينيين وسائر العرب».



العرب في إسرائيل سرٌّ أمني خطير... خصوصاً في الانتخابات

نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)
نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)
TT

العرب في إسرائيل سرٌّ أمني خطير... خصوصاً في الانتخابات

نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)
نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)

«نحن في كتلة اليمين واليمين الوسط نشكل نحو 65 في المائة من جمهور الناخبين؛ لذلك، سنظل قادرين على تشكيل الحكومة في المستقبل أيضاً. واضح لي أنني سأفقد تأييداً، بل ربما سأثير هلع الكثيرين من أصدقائي الطيبين، لكنني أعتقد أن علينا أن نربط مصيرنا مع العرب في إسرائيل». هذه الكلمات نُشرت يوم 16 يونيو (حزيران) 2019، بقلم شخص يدعى نتان إيشل، المعروف كأقرب المستشارين إلى بنيامين نتنياهو. وجاء نشرها في اليوم نفسه، في صحيفتين على طرفي نقيض، «هآرتس» التي تعد اليسار الراديكالي في نظر اليمين، و«مكور ريشون»، صحيفة اليمين الاستيطاني التي يعدها اليسار منبراً للتيار اليميني الفاشي. كل من يعرف أسرار السياسة الإسرائيلية يفهم أن هذا المقال يعبّر عن وجهة نظر نتنياهو نفسه، وأن الرسالة التي تحملها كانت موجّهة من اليمين الحاكم، إلى الجمهور العام في إسرائيل، من أقصى اليمين، إلى أقصى اليسار، عبر الوسط الليبرالي. ومفادها أن اليمين يملك الشجاعة لتغيير السياسة الرسمية تجاه المواطنين العرب، التي اتّسمت طيلة سنوات الدولة العبرية، بالتمييز العنصري وقمع الحريات.

شكّل المقال أعلاه صدمة، يومها. ففي حينه، كانت إسرائيل تعيش أزمة دستورية تاريخية؛ إذ إنها عبرت 5 معارك انتخابية خلال سنتين ونصف السنة. وبدا أن «العرب ليسوا مشكلة، بل هم الحل»، كما كتب إيشل في المقال نفسه. فما الذي جرى خلال 7 سنوات، حتى يتراجع نتنياهو عن هذا الطريق، ويتخذ موقفاً مناقضاً، يملؤه العداء والكراهية؟

وليس نتنياهو وحده، فإسرائيل تقرّر، اليوم، عبر لجنة الانتخابات المركزية فيها، التي يُفترض أنها نموذج في النزاهة، تعمل على حرمان مواطنيها العرب من حقّهم الأوّلي في الترشح للكنيست (البرلمان)، فتصوّت بأكثريتها الساحقة لشطب جميع قوائم المرشحين العربية؟

قراءة معمقة في التطورات، تبين أن غالبية الأحزاب الإسرائيلية غارقة في مستنقع عنصري موحل. وبما أن العرب في إسرائيل أقلية، تتعامل الأحزاب معهم بتعالٍ وفوقية، تماماً كما كان الآريّون في أوروبا يتعاملون مع اليهود، فيشطبونهم ويدوسون حقوقهم، ويعملون كل ما من شأنه أن يقلل من شأنهم.

ونعود إلى السؤال: ما الذي دفع نتنياهو لإنصاف العرب ثم يقرّر التراجع، لدرجة أنه بات يرى في العرب «جبهة ثامنة» في حروب إسرائيل، إلى جانب إيران و«حزب الله» اللبناني و«حزب الله» العراقي و«حماس» في غزة والسلطة الفلسطينية في الضفة والحوثيين في اليمن؟

منصور عباس (أ.ف.ب)

بداية انعطافة

هناك من يرى بداية الانعطاف عام 2016، عندما قرر المستشار القضائي للحكومة، أبيحاي مندلبليت، إعداد لائحة اتهام في 3 قضايا فساد خطيرة. هؤلاء المحلّلون يحسبون أن نتنياهو، عندما قرر التقارب مع المواطنين العرب، يُقدِم على إجراء ديمقراطي طبيعي، ويبغي إنصاف المواطنين العرب بعد عشرات السنين من التمييز العنصري ضدهم، ليثبت أن اليمين تحديداً هو الذي يحقق لهم مساراً للمساواة، خصوصاً أنه صادق على «الخطة 922» التي تخصّص لهم ميزانية تسدّ بعضاً من هوة التمييز بقيمة 5 مليارات دولار. وهي الخطة التي أُعدت بالتعاون مع «القائمة العربية المشتركة» بقيادة النائب أيمن عودة واللجنة القطرية لرؤساء البلديات العربية بقيادة مازن غنايم.

لكن فريق مساعدي نتنياهو كان يتعاطى مع الموضوع بطريقة أخرى، فهو يخطط لتشكيل تحالف من أحزاب اليمين يكون ضمانة لمواجهة جهاز القضاء، الذي يحاكمه بثلاث لوائح اتهام بالفساد. وتلك الأحزاب كانت مشتتة. اليمين المتطرف فيها، يخشى من حكومات نتنياهو التي تضم دائماً حزباً أو أكثر من الوسط، فعرض عليهم صفقة: «حلف دائم معه، في السراء والضراء، ولا يتفسخ في أي ظروف. ويسانده في المحكمة»، لكنه عندما وجد أن قادة اليمين المتطرف يتبجّحون عليه، ويحاولون فرض شروط، لجأ لحيلة التحالف مع إحدى القوائم العربية.

يومها، كانت الأحزاب العربية قد توحّدت جميعاً تحت لواء «القائمة المشتركة». ونتنياهو يعرف أن السبيل لتفسيخها هو ضم أحدها إلى الائتلاف. وبذا يضرب 3 عصافير بحجر: يفتت الوحدة كعادته في التعامل مع كل خصومه، ويضمن أكثرية لتشكيل حكومة، ويكسب احتراماً في الغرب على أنه ينهي سياسة نبذ العرب والتمييز ضدهم.

إلا أن اليمين المتطرف العميق اشترط ألا يعقد تحالفاً مع العرب. وهكذا أجهضت الفرصة، لكن خصوم نتنياهو في اليمين الوسط، بقيادة نفتالي بنيت ويائير لبيد، استغلوا الوضع، وأقاموا ائتلافاً مع «القائمة العربية الموحّدة» بقيادة النائب منصور عباس عام 2021، وتمكّنوا من تشكيل حكومة بفضل هذا التحالف.

صمدت هذه الحكومة سنة ونصف السنة، من دون تحقيق تغيير جوهري في السياسة الإسرائيلية في مدة قصيرة كهذه، لكنها أكسبت الأحزاب العربية شرعية في الساحة السياسية، وحققت للعرب العديد من الإنجازات، في مقدمتها «الخطة 555» التي توفر للعرب ميزانية تقدر بعشرة مليارات دولار.

البداية مع رابين

لم يكن تحالف عباس مع حكومة بنيت – لبيد الأول الذي يضم العرب، فعام 1993، انسحب حزب «شاس» لليهود الشرقيين المتدينين (حريدي) من حكومة إسحاق رابين، لتغدو حكومة أقلية، فلجأ رابين إلى العرب، الذين كانوا ممثلين بحزبين هما «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة» بقيادة النائب توفيق زياد (3 نواب) والحزب الديمقراطي العربي بقيادة النائب عبد الوهاب دراوشة (نائبان)، فشكلوا ما سُمّي «الجسم المانع»، أي الذي يمنع اليمين من إسقاط الحكومة.

وحقاً أظهر رابين نية خالصة في هذا التحالف، ووافق على شرطين: بدء عملية لتحقيق المساواة التامة لمواطني إسرائيل العرب، والاعتراف بـ«منظمة التحرير الفلسطينية». وكان هذا التحالف ناجحاً وناجعاً، في الموضوعين. وجاءت «اتفاقيات أوسلو» ثمرةً له، لكن كما هو معروف، اغتال اليمين الإسرائيلي رابين. وجاء إلى الحكم نتنياهو في حقبته الأولى (1996 - 1999).

هكذا نُسِف المسار. وعاد «استثناء» العرب ومحاولة إبقائهم على هامش الحياة السياسية، ورجعت الأحزاب العربية إلى موقعها الكفاحي من الصفوف الخلفية للمعارضة في الكنيست، والمظاهرات في الشوارع، والضغوط الدولية، عبر مؤسسات الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي... وغيرها. وعاد نتنياهو ليستغلها «غولا» يخيف به اليهود.

التحريض قديم

ليس صحيحاً الانطباع بأن نتنياهو يستغل هجوم «حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، لتأجيج الكراهية للعرب في إسرائيل، فالتحريض عليهم كان قائماً قبل ذلك بكثير وهو نفسه أدّى به دوراً حاسماً.

ومن دلائل نجاح تحريضه على العرب ما جاء في نتائج استطلاع رأي أجراه «المعهد الإسرائيلي للديمقراطية» قبل أسبوع من دعوة نتنياهو ضم العرب إلى الائتلاف في يونيو (حزيران) 2019، أن 81 في المائة من الجمهور اليهودي لا يرغبون في مشاركة الأحزاب العربية فيها، فيما قال 13 في المائة من اليهود إنهم يرغبون بذلك.

لكن هجوم «حماس» المذكور تحوّل إلى معيار للسياسة الإسرائيلية، وعقدة مجتمع كامل، وفي صلبه الكراهية للفلسطينيين، كل الفلسطينيين، بمن في ذلك أطفال غزة وتأييد إعدامهم مع أمهاتهم وبناتهم وشيوخهم. وحتى الفلسطينيون المواطنون في إسرائيل وضعوا في إطار عدائي.

لماذا؟ هل شاركوا في هجوم «حماس» أو وافقوا عليه؟

جميع السياسيين والعسكريين الإسرائيليين يعرفون أن المواطنين العرب هم النقيض التام لحركة «حماس» وموقفهم كان معارضاً كلياً لهجومها، بل إن العديد من هؤلاء العرب قتلوا أو جرحوا خلال الهجوم.

العرب ضد الهجوم

لقد كان العرب في النقب طليعة متلقّي صواريخ «حماس» في ذلك الهجوم، وقتل منهم 6 أشخاص، كذلك قتل المهاجمون امرأة فلسطينية محجّبة؛ لمحاولتها ثنيهم عن قتل مدنيين، وقالت لهم إن فعلهم لا يلائم القيم الإسلامية، فأطلقوا عليها الرصاص. وأطلقوا على مُسعف عربي من بلدة أكسال قرب الناصرة، يعمل في منظمة نجمة داود الحمراء، وهو يسعف أحد المصابين اليهود. وحتى «الحركة الإسلامية»، التي يقودها النائب منصور عباس، أدانت هجوم 7 أكتوبر بوصفه «مجزرة وعملاً غير إنساني وغير مبرّر لا يعكس قيم الشعب الفلسطيني». ومثله فعل تقريباً كل السياسيين العرب في إسرائيل.

لذا، فالقول إنه «بعد 7 أكتوبر لا يجوز تشكيل حكومة تستند إلى الأحزاب العربية»، نوع من التجنّي يقوم على الكذب ونكران الجميل، ويخفي في الحقيقة قيم العنصرية العمياء. ومن شدة خطورة هذه السياسة على مستقبل إسرائيل، يشتعل صراع بين اليهود أنفسهم حول كيفية التعاطي معه.

الغالبية، بما في ذلك قوى الوسط الليبرالي بقيادة غادي آيزنكوت ونفتالي بنيت ويائير لبيد، يتبنّى هذا الموقف العنصري بلا خجل ولا وجل. وهؤلاء رغم خوضهم تجربة جيدة في التحالف مع منصور عباس، خنعوا أمام حملة نتنياهو، وتنصّلوا من هذا التحالف، وتعهدوا برفض أي حكومة تستند إلى أي حزب عربي. وآيزنكوت تحديداً، حاول تخفيف هذه المعارضة وقال، خلال لقاء مع ناخبين في القدس، يوم الجمعة الماضي: «منذ الصباح، ينشغل طاقمي بالوعد الذي قيل إنه أعطي لهم، وهو أن منصور عباس سيكون في الحكومة. كل من يعرفني يعرف أنني لا أقدّم الوعود». ولكن جوابه ما زال يترك له مخرجاً؛ فحسب قوله، يجب على كل شريك أن يوافق على 3 مبادئ أساسية هي: أن دولة إسرائيل دولة يهودية وديمقراطية – ليبرالية، وأن يوافق على قيم وثيقة الاستقلال، وأن يوافق على واجب الخدمة العسكرية أو الوطنية». ويوم الثلاثاء الأخير قال، خلال لقاء إذاعي مع «إف إم 103»، إنه قرر إضافة شرط رابع هو أن من يريد أن ينضم إلى حكومته أن يؤيد تصفية «حماس».

في المقابل، هناك تيار ليبرالي ويساري يرفض هذا التوجه العنصري، ويقول إن الشعب اليهودي الذي تعرض للتمييز العنصري بأبشع أشكاله في الماضي، يمارسه اليوم بوضوح وصراحة وبشكل رسمي وعلني. وبحسب يائير جولان، رئيس حزب الديمقراطيين فإن «دمج الأحزاب والمجتمع العربي في أي ائتلاف حكومي قادم ضرورة استراتيجية لإنقاذ إسرائيل، ولإلحاق هزيمة باليمين، الذي يدمر إسرائيل». لكن جولان هذا انضم إلى أحزاب اليمين العنصري في شطب سامي أبو شحادة، رئيس حزب «التجمع».

يائير لبيد (أ.ف.ب)

اليهود الذين تعرّضوا للتمييز العنصري

في الماضي يمارسونه اليوم بشكل رسمي وعلني

معركة عربية حذرة

في هذه الأثناء، تدير الأحزاب العربية معركتها بحذر، كي لا تعطي اليمين سلاحاً ضدها في أي ساحة. واليمين يضع محاربة هذه الأحزاب هدفاً أساسياً في حملته، خصوصاً وهو يرى كيف يقع خصومه في حبائل مؤامرته. وهو يخوض معركة قضائية لشطب جميع الأحزاب العربية، ومنعها من المشاركة في الانتخابات، بحجة أنها تؤيد الإرهاب، ولا تعترف بإسرائيل كدولة يهودية ديمقراطية.

قادة الأحزاب العربية أدركوا خطورة المعركة الانتخابية على مستقبل مجتمعهم، فسلكوا أسلم الدروب لزيادة وزنهم في الحلبة السياسية. وكانت الخطوة الأولى منع إضاعة أي أصوات عربية، فبنوا تحالفاً يضم الأحزاب العربية الثلاثة: «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة» بقيادة البروفسور يوسف جبارين، و«الحركة العربية للتغيير» بقيادة النائب أحمد الطيبي و«التجمع الوطني» بقيادة سامي أبو شحادة، وارتبطوا مع «القائمة العربية الموحّدة» بقيادة النائب منصور عباس باتفاق فائض أصوات.

والخطوة الثانية، توقيع «ميثاق شرف» يضمن معركة انتخابية نزيهة ونظيفة بين القائمتين العربيتين، واتفاق قادتهما على التعاون أيضاً بعد الانتخابات في الكنيست، كي يحظوا معاً بأفضل مواقع قيادية برلمانية.

والثالثة، ضمّ عباس نائباً يهودياً إلى القائمة، هو اللواء السابق في الشرطة، يوآف سيغالوفتس، ومنحه المكان الثاني في لائحته الانتخابية. وسيغالوفتش ذو رصيد غني في مكافحة الإجرام المنظم، الذي يعد اليوم أخطر آفة تواجه العرب في إسرائيل، ووجوده في قائمة عربية يقطع الطريق على من يعدها غير شرعية.

شطب أبو شحادة

والرابعة، توسيع دائرة المعركة مع اليمين، وإدخال جهات دولية من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وبعض القوى في الولايات المتحدة، لمنع الحملة العنصرية ضدهم. وسامي أبو شحادة، الذي شُطب في لجنة الانتخابات بسبب مقال كتبه يوم 8 أكتوبر 2023، غداة هجوم «حماس» على إسرائيل يمجِّد فيه الهجوم ويعده هجوم مقاومة ناجحاً، ومتوقعاً وفقاً لقوانين الفيزياء، «لكل فعل رد فعل»، تراجع عن مضمون مقاله، وقال أمام اللجنة، الأربعاء، إنه كتب المقال في حينه قبل أن يعرف ما تضمنه هجوم «حماس» من ممارسات بشعة. وأضاف أنه يعد كتابة المقال خطأً، ولو كان سيكتبه اليوم لكتبه بطريقة أخرى، وأكد أنه يرفض العنف ضد أي جهة كانت، دولة أو بشراً، وأن تاريخه السياسي حافل في تأييد السلام العادل؛ ولذلك فإن الاقتراح لشطبه غير عادل.

لكن هذا التراجع لم يسعفه، لا بل تقرر شطب حتى القائمة التي يقودها عباس وتبدي استعداداً لدخول الحكومة، وانضمت المحكمة العليا إلى هذا الموقف، وأبلغته أنها ستشطبه إذا استمر في المحكمة، لكنها تنصحه بأن ينسحب ويُبطِل هو ترشحه. وهكذا كان. وانضم سلوكه هذا إلى الإجراءات السابقة، التي عُدَّت جزءاً من الجهود العاقلة لسحب البساط من تحت أقدام اليمين.

البداية بالأحزاب... وبعدها المواطنة

اليوم، يرى العرب أن معركتهم جذرية ومصيرية، فمن يريد شطب أحزابهم، يمهّد عملياً للتخلص منهم كمواطنين، وهم يقرؤون جيداً كيف تؤثر الآراء الوحشية كآراء وزير المالية بتسلئيل سموتريتش على جهات يهودية كثيرة، بدءاً بالميليشيات المسلحة التي تهدد وجودهم، وحتى البروفسور الإرهابي من جامعة بار إيلان، الذي وضع خطة لإقامة تنظيم إرهابي يهودي يقتل مئات منهم لغرض حملهم على الرحيل من الوطن.


إيليف إيرالب... المحامية التركية الأصل تطمح بمنح اليسار حُكم العاصمة الألمانية

شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع
شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع
TT

إيليف إيرالب... المحامية التركية الأصل تطمح بمنح اليسار حُكم العاصمة الألمانية

شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع
شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع

البعض لقبها بـ«أخطر امرأة في ألمانيا»، وآخرون وصفوها بـ«ممداني الألماني» نسبة إلى عمدة نيويورك زهران ممداني، أما الصحافة التركية فأطلقت عليها تسمية «ممداني التركي»... كل هذه تسميات تلاحق إيليف إيرالب، المحامية الألمانية - التركية التي تأمل بأن تصبح عمدة برلين بعد فوز حزبها «دي لينكا»، حزب أقصى اليسار، بالانتخابات المحلية في العاصمة الألمانية. الذين يتكلّمون عن «خطرها» يشيرون إلى تعهّداتها بتأميم شركات السكن الكبرى في العاصمة ضمن خطط لتخفيض أسعار الإيجارات. والذين يشبّهونها بعمدة نيويورك الشاب، يقصدون خلفيتها المهاجرة و«الكاريزما» التي تتمتّع بها وقربها من «البرلينيين» وحضورها القوي على وسائل التواصل الاجتماعي. هذه الصفات لعبت دوراً أساسياً في تحقيق حزبها فوزاً غير مسبوق في برلين؛ إذ حصل على ما يقارب الـ26 في المائة من نسبة الأصوات، متقدماً بـ6 نقاط على حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الحاكم بزعامة المستشار فريدريش ميرتس، وهو يحكم حتى برلين حالياً.

إذا نجحت إيليف إيرالب البالغة من العمر 45 سنة، بتشكيل حكومة في ولاية - مدينة برلين، فستصبح أول سيدة ومن أصول مهاجرة تحكم العاصمة الألمانية. ويأتي هذا الحدث بينما يتأهب حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف ليبدأ بحكم أول ولاية ألمانية يكسبها هي سكسونيا آنهالت حيث فاز بنسبة 44 في المائة؛ إذ بدأ مرشح الحزب لترؤس الحكومة أولريش زيغموند مشاوراته لتشكيل حكومة الولاية خلال الأسابيع المقبلة.

في الحقيقة، كثيرون ربطوا بين فوز أولريش، أو حزب «البديل من أجل ألمانيا» بشكل عام، وفوز إيرالب وحزبها، واعتبروا ما أنجزته إيرالب رد فعل من الناخبين الرافضين لاتجاه البلاد أكثر نحو أقصى اليمين. وقد يكون جزءاً من ذلك صحيح إضافة إلى عوامل أخرى. ولكن في أي حال، أصبحت إيرالب حديث الصحافة الألمانية اليومي منذ فوزها قبل ثلاثة أسابيع.

«أمثالي لا ينبغي أن يشغلوا منصب العمدة في هذا البلد»!بهذه الجملة أعلاه افتتحت إيليف إيرالب كلمتها المسجلة والتي توجّهت فيها للناخبين مع إطلاق حملتها الانتخابية. ولاحقاً شرحت ما تقصده بذلك.

إذ قالت في مقابلة مع صحيفة «تاغس شبيغل» البرلينية: «على عكس كثرة من الساسة، أنا لا أنتمي إلى حزب سياسي منذ عقود ولست جزءاً من المؤسسة السياسية. أنا ابنة لاجئين جاؤوا إلى ألمانيا من تركيا قبل فترة قصيرة من ولادتي». وحقاً كان هذا أن خلفيتها المهاجرة ستلعب دوراً محورياً في حملتها الانتخابية.

ولدت إيليف إيرالب في يناير (كانون الثاني) 1981 في مدينة ميونيخ الألمانية بعد أشهر قليلة من وصول والديها من تركيا هرباً من الانقلاب العسكري وما تبعه من عنف وقمع.

وبعكس معظم الأتراك الذين جاؤوا إلى ألمانيا عمالاً، فإن والديها كانا متعلمَين، ووصلا طالبين للجوء في ألمانيا الغربية في سبتمبر (أيلول) 1980. وهما يتحدّران من بلدة بانلي قرب مدينة قيصري، وكانا ناشطين سياسيين نقابيين سجناً بعد الانقلاب العسكري. الوالد كان طبيباً والوالدة ناشطة نسوية في الحزب العمالي الاشتراكي، سجنت بعد الانقلاب ولم يطلق سراحها إلا بسبب تقدّم حملها بشكل واضح عندما كانت حاملاً بإيرالب. وبالنتيجة، تمكنا من الهرب إلى ألمانيا حيث قدّما طلب لجوء في ميونخ. ولكن عمل والدها دفع بالعائلة لاحقاً إلى الانتقال إلى مدينة دورتموند، حيث كبرت إيرالب قبل أن تنتقل مرة أخرى إلى مدينة هامبورغ في سن الثامنة حيث أنهت المدرسة.

دراسة القانون في هامبورغ

بعد المدرسة، درست إيرالب القانون في جامعة هامبورغ وتخرّجت محامية، وأسهم في اختيارها تخصصها، وفق تصريح لها، المعاملة المختلفة والعنصرية التي تعرضت لهما عائلتها في ألمانيا.

لقد تطرقت إيرالب مراراً لتجربة عائلتها لدى وصولها إلى ألمانيا، وعملية اللجوء المعقدة والطويلة التي واجهوها، ومما قالته: «لقد عشت تجربة ما الذي يعنيه عندما تتّخذ السلطات قرارات غير مفهومة، وقد شعرت كذلك بالعنصرية والتمييز... لقد عاصرت عائلات عوملت معاملة مختلفة مثل عائلتنا، ولهذا درست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع».

وقبل إكمال تخصّصها في القانون الجزائي في جامعة هامبورغ، أمضت إيرالب فصلاً في مدينة أليكانتي في إسبانيا. وهو ما مكّنها من تعلّم الإسبانية، لتضاف إلى لغاتها الألمانية والتركية والإنجليزية.

وبعد تخرّجها عام 2007، انتقلت عام 2010 إلى برلين لتعمل مستشارة قانونية لكتلة حزب «دي لينكا» البرلمانية من دون أن تنضمّ للحزب اليساري آنذاك؛ إذ إنها لم تصبح عضواً في الحزب إلا عام 2017. بل، برّرت إيرالب قرارها الانضمام إلى الحزب المنتمي لأقصى اليسار بأنه جاء كرد مباشر على دخول حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف إلى البرلمان الفيدرالي (البوندستاغ) للمرة الأولى آنذاك. ومعلوم، أن الحزب اليميني المتطرف استغل من موجة اللاجئين السوريين التي وصلت إلى ألمانيا عام 2015 لتوسيع قاعدته الشعبية، بانياً حملته الانتخابية ضد اللاجئين والمسلمين.

العيش في بيئة مهاجرين

منذ انتقالها إلى برلين، تعيش إيرالب في منطقة كرويتزبيرغ، المعروفة بـ«إسطنبول الصغيرة»، وقال عنها المستشار الألماني فريدريش ميرتس - قبل أن يصبح مستشاراً - إنها «لا تمثل ألمانيا». وهي تعيش حياة بسيطة، في شقة تستأجرها مع زوجها وولديها اللذين يرتادان مدرسة عامة في الحي. وكانت قد حرصت خلال حملتها الانتخابية على عكس هذه الصورة، بأنها واحدة من سكان المدينة وأنها تشبههم، وأن الأمر لا يتعلق فقط بأصولها المهاجرة.

لقد قالت عن ذلك: «الحملة لا تتعلق بأصولي المهاجرة بل بواقع أنني مثل الجميع هنا. أعرف مشاكل المدينة، الإيجارات المرتفعة والمدارس المتهالكة ونظام التنقل المتردي». وتابعت: «أنا لا أعيش في فيلا في غرونافالد، وأولادي لا يرتادون مدارس خاصة بل مدرسة عادية». وبالمناسبة، غرونافالد منطقة راقية في غرب برلين مليئة بالفلل الفخمة ومحاطة بمدارس خاصة.

أزمة السكن

أزمة السكن في برلين شكلت بالفعل محور حملة إيليف إيرالب الانتخابية. وكانت قد ذكرت في إحدى المقابلات أنها هي نفسها تبحث عن شقة منذ 7 سنوات من دون توفيق. وفي الحقيقة، تعاني برلين من أزمة سكن كبيرة وارتفاع إيجارات مستمر رغم وجود قوانين تحد من رفعها. ويعيش معظم سكان برلين (قرابة 85 في المائة منهم) في شقق مستأجرة في بلد ما زالت فيه ثقافة امتلاك المنزل غير شعبية. وخلال السنوات العشر الأخيرة، ارتفعت أسعار الإيجارات بنسبة 70 في المائة مع تزايد عدد القادمين للعيش في المدينة. وعلى الرغم من وجود قانون يحد رفع الأسعار منذ عام 2015، فإن مالكي الشقق وشركات التأجير تستغل ثغرات في القانون لرفع الإيجارات بشكل دوري.

من جانبها، طرحت إيرالب أفكاراً راديكالية للتعامل مع أزمة السكن، منها الاستحواذ على الشقق المملوكة من كبرى الشركات العقارية الخاصة، بشرائها من ميزانية ولاية برلين بسعر محدد (أقل من سعر السوق الحالي) ثم تحويلها لكي تدار من قبل هيئة غير ربحية.

الخطط تشبه تأميم الشركات، ولكن علامات استفهام كثيرة تحيط بها، من قانونيتها إلى المخاطر التي قد تحملها على ميزانية الولاية التي قد لا تكون قادرة على تحملها. ولقد أثارت هذه الخطط مخاوف كبيرة لدى الشركات المالكة للشقق مثل «فينوفيا» التي تهوي أسهمها منذ فوز إيرالب. وحتى المستشار ميرتس الذي يرفض حزبه التحالف مع «دي لينكا»، تعهد بعد فوز إيرالب وحزبها في برلين، بإدخال قوانين سريعاً تمنع الاستحواذ على شركات العقارات وتحبط خطط الاستيلاء عليها.

أصداء كبيرة

مع هذا، فإن تركيز إيرالب على مواجهة أزمة السكن لقيت صدى كبيراً لدى سكان العاصمة الذين ذكروا في استفتاءات سابقة بأن أزمة السكن هي الموضوع الأول الذي يهتمون به في الانتخابات المحلية. وبينما لم تطرح الأحزاب الأخرى الرئيسة أي أفكار جديدة لمواجهة أزمة السكن، بدت أفكار «دي لينكا» جديدة وجذابة للناخبين. وقال كثيرون من الذين صوّتوا للحزب، إنهم لا يوافقونه في كل السياسات ولكن خطط حل أزمة السكن شكلت عاملاً رئيساً في التصويت لهم. وهكذا، نجح الحزب بمضاعفة أصواته عن الانتخابات السابقة. وما يذكر، أن «دي لينكا» استعان كذلك بفريق عمدة نيويورك ممداني، إذ قدم إلى برلين أحد مستشاريه في حملته الانتخابية ليقدم النصح لفريق إيرالب.

من جهة ثانية، رغم أن أزمة السكن كانت محور حملة إيرالب الانتخابية، فإن أصولها المهاجرة ونضالها في مواجهة التمييز العنصري ظَهَرا أيضاً بشكل محوري في لقاءاتها مع الناخبين. وكان لافتاً أنها استخدمت اللغة التركية في جزء كبير من حملتها في منطقة تعد القلب النابض للجالية التركية. والواقع أن إيرالب أمضت عدة سنوات ناشطة حقوقية أكثر منها سياسية. وحتى عندما انضمت إلى «دي لينكا»، أسست داخل الحزب جناحاً ضم من هم من أصول مهاجرة للترويج للألمان بخلفيات مختلفة وتسليط الضوء على قضايا تمييز يتعرض لها لاجئون ومهاجرون.

وبخلاف الأحزاب الألمانية الأخرى، لا يخشى «دي لينكا»، ولا إيرالب، إظهار التضامن مع القضية الفلسطينية، وهو ما جذب عدداً كبيراً من الناخبين من أصول عربية لهم. وإن كان تسبّب أيضاً بجدل أحاط بالحزب، خاصة، بعد ظهور صور لمشاركة ناشطين فلسطينيين في الحفلة التي أقامها الحزب ليلة صدور النتائج؛ إذ اتهمت الصحافة اليمينية إيرالب، وأيضاً اتهمها بعض الساسة منهم وزير الداخلية، بـ«معاداة السامية». ورد مكتب إيرالب بأنها ستتقدم بدعوى تشهير ضد وزير الداخلية.

الحملات المعادية

هذا، وتشن الصحافة الألمانية حملة لا تتوقف على إيرالب منذ فوزها. وفي المقابل، تكرر إيرالب مراراً بأنها تريد لبرلين أن تكون مكاناً لكل السكان من بينهم أتباع الديانة اليهودية، كما أنها تريد للحوار أن يكون أساسياً بين المجتمعات المسلمة واليهودية في برلين. أيضاً، تتهم الصحافة الألمانية «دي لينكا» بعلاقات مع الجريمة المنظمة، بعد انتشار صورة أيضاً لأحد «زعماء» العشائر العربية - كما تسميهم الصحافة الألمانية - موجود في حفل الحزب ليلة الفوز. لكن الحزب برر لاحقاً بأن الحفل كان مفتوحاً للعامة ولم يكن بالدعوات فقط.

ومن القصص السلبية الأخرى التي تنشرها الصحافة الألمانية يومياً عن إيرالب، قصة عن انتمائها لمجموعة يسارية راديكالية تعرف بـ«المساعدة الحمراء»، وهي مراقبة من المخابرات الداخلية. ولكن إيرالب لم تخف يوماً انتماءها للمجموعة، وأعلنت أعلنت أنها تركتها العام الماضي بسبب اختلاف حول قضايا أساسية.


«دي لينكا»... أمام شروط الحلفاء المحتملين

بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)
بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)
TT

«دي لينكا»... أمام شروط الحلفاء المحتملين

بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)
بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)

نشطت المشاورات لتشكيل حكومة ائتلافية محلية في ولاية برلين، بعد أيام على صدور نتائج الانتخابات. ويقود المفاوضات حزب «دي لينكا» الفائز بالانتخابات بنسبة قاربت الـ26 في المائة، مع حزب «الخضر» الذي حصل على 14 في المائة من نسبة الأصوات والحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) الذي حصل على 12 في المائة منها.

الحزبان الأخيران حددا شروطاً أساسية قبل انطلاق المفاوضات؛ إذ طالب حزب «الخضر» حزب «دي لينكا» باتخاذ موقف واضح من «معاداة السامية»، ومن الاتهامات المرتبطة بذلك التي تلاحق أفراداً في الحزب. وقالت كاتارينا دروغه، زعيمة الكتلة البرلمانية لحزب «الخضر» في ولاية برلين، إن على «دي لينكا» اتخاذ «موقف أقوى ضد معاداة السامية في صفوفه، فنحن لا نتكلّم عن حوادث معزولة بل عن مشاكل هيكلية». وأضافت أنه إذا «لم يحدد (دي لينكا) بشكل واضح الخطوات الصارمة التي سيصار إلى اتخاذها للتعامل مع هذه المشكلة، فلن يمكن إجراء مشاورات لتشكيل حكومة معهم».

أما الحزب الديمقراطي الاجتماعي فقال إنه يتوقع «تفسيراً» من إيرالب حول انتمائها لمجموعة «المساعدة الحمراء» المتطرفة والتي تخضع لمراقبة المخابرات الداخلية. وقال شتيفان كراخ، زعيم الكتلة البرلمانية للحزب في برلمان برلين، إن المشاورات لن تبدأ قبل الحصول على تفسير حول عضويتها تلك، وأيضاً بعد مناقشة ارتباط الحزب بمعاداة السامية والجريمة المنظمة.

أما فيما يخص حزب «دي لينكا»، فهو حزب من أقصى اليسار، شكّل عام 2007 من مجموعة أحزاب يسارية وشيوعية من بينها حزب «الوحدة العمالية» الألماني، وهو حزب ماركس لينيني أسس عام 1946 في مناطق شرق ألمانيا التي كانت تحت حكم الاتحاد السوفياتي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.

ولدى الحزب تجربة بحكم محلي في ولاية ثورينجيا (الشرقية سابقاً) التي حكمها طوال 10 سنوات، وكان رئيس حكومة الولاية فيها هو بودو راميلو الذي تمتع بشعبية كبيرة طوال فترة حكمه. ويستعين فرع الحزب في برلين من تجربة «دي لينكا» في تورينجيا في الحكم، لإجراء المشاورات الحكومية ووضع برنامج الحكومة في حال نجحت المشاورات.