بري لـ«الشرق الأوسط»: الأولوية لتشكيل الحكومة ولا خلاص من دونها

البرلمان اللبناني يستمع اليوم لرسالة عون... وجهود للتقيد بالميثاقية والدستور

رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري (رويترز)
رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري (رويترز)
TT

بري لـ«الشرق الأوسط»: الأولوية لتشكيل الحكومة ولا خلاص من دونها

رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري (رويترز)
رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري (رويترز)

لن يخرج رئيس الجمهورية ميشال عون منتصراً من الجلسة النيابية التي تُعقد اليوم والمخصصة لتلاوة رسالته إلى البرلمان والتي اتهم فيها الرئيس المكلّف بتشكيل الحكومة سعد الحريري بالعجز عن تشكيلها، وكأنه يطلب من النواب وبطريقة غير مباشرة سحب تسميتهم له بتأليفها تحت عنوان استرداد عون لحقوق المسيحيين، وهذا ما يزيد في تأزيم الوضع السياسي بدلاً من البحث عن مخرج يدفع باتجاه معاودة مشاورات التأليف لإخراجها من الحصار الذي يعيق تشكيلها.
فجلسة اليوم والجلسة التي ستليها لن تخدم عون في إصراره على افتعال إشكالية دستورية وميثاقية مع الطائفة السنية باستهدافه المنصب الأول الذي تشغله في تركيبة النظام اللبناني، وبالتالي لن يجد من يتناغم معه بدءاً بحليفه «حزب الله» الذي يفضّل الوقوف في منتصف الطريق بين حق رئيس الجمهورية في توجيه رسالته وبين قطع الطريق على مفاعيلها السياسية لأنه ليس في وارد الدخول في اشتباك سياسي مع السنة خدمة لحليفه، وهو يلتقي في هذه النقطة مع رئيس المجلس النيابي نبيه بري الذي كعادته سيحسن في إدارته للجلستين الأولى والثانية ولن يسمح بتحويل البرلمان إلى ساحة للصدام.
وينطق بري في موقفه باسم العدد الأكبر من الكتل السياسية وهو بادر إلى تشغيل محركاته لقطع الطريق على من يحاول استحضار خطوط التماس السياسية من الشارع إلى البرلمان التي سيكون بالمرصاد لوأد أي مشروع للفتنة بعود لبنان إلى الانقسامات الطائفية التي أُزيلت من الخريطة السياسية مع انتهاء الحرب الأهلية.
وفي هذا السياق، قال الرئيس بري لـ«الشرق الأوسط» إن الخلاص من الأجواء السياسية المحمومة التي تسيطر على لبنان لن يكون إلا بالإسراع بتشكيل الحكومة اليوم قبل الغد، وأكد أن الخلاص ليس هنا، في إشارة إلى الجلسة التي يعقدها البرلمان اليوم و«كنت وما زلت على موقفي بضرورة التلاقي للخروج من الأزمة التي نرزح تحت وطأتها، ولا أظن أن هناك مشكلة، شرط أن نعطي الأولوية لتشكيلها».
ولفت بري إلى ضرورة تضافر كل الجهود لإنقاذ بلدنا من الانهيار الذي ينذر بمزيد من الكوارث ما لم نضع الخلافات جانبا ونعطي الأولوية لتشكيل الحكومة بمعاودة مشاورات التأليف بانفتاح ومرونة، لأننا جميعاً محشورون ومن حق اللبنانيين علينا أن نوفر لهم لقمة العيش شرط أن نؤمن انتقال البلد من مرحلة التأزُّم إلى مرحلة تؤشر إلى الانفراج.
وشدد على أن على الجميع بلا استثناء أن يتعاونوا ليزرعوا الحبوب في الأرض لنحصد ثمارها بدلاً من التفريط فيها ورميها في الهواء، ما يمنعنا من الإنتاج، وقال إن جلسة اليوم ستقتصر على تلاوة رسالة الرئيس عون على أن تليها جلسة أخرى تخصص لمناقشتها، مشدداً على ضرورة تبريد الأجواء التي تسمح بمعاودة التواصل لإنقاذ بلدنا التزاماً منا بالمبادرة الفرنسية.
وعليه فإن بري بموقفه هذا أراد أن يستبق جلسة اليوم في محاولة منه لنزع فتيل التفجير وتفكيك الألغام لأن البلد لا يحتمل المزيد من التأزُّم، وذلك بتركيزه على أن يبقى الإجراء الواجب اتخاذه تحت سقف إعطاء الأولوية لتشكيل الحكومة، وهذا ما يعيد الكرة إلى مرمى عون للوقوف على رد فعله ليكون في مقدور الحريري أن يبني على الشيء مقتضاه.
ويقول مصدر نيابي لـ«الشرق الأوسط» إن رئيس الجمهورية لم يكن مضطراً لتسطير رسالته إلى البرلمان لو أن فريقه السياسي بادر إلى التدخل في الوقت المناسب لثنيه عن مخاطبة البرلمان، لأن ما أورده من ذرائع لتبرير إرسالها تتعارض مع النصوص الدستورية الخاصة بآلية تشكيل الحكومة.
ويلفت المصدر النيابي إلى أن الفريق السياسي لعون أوقعه في خطأ كان في غنى عنه لو أنه قرأ النصوص الدستورية، بدلاً من أن يبني مطالعته باعتماده على النصوص الواردة في الدستور المعمول به قبل اتفاق الطائف الذي كان له دور في تعديلها.
ويؤكد أن عون اعتمد في رسالته على النص الوارد في دستور ما قبل الطائف الذي يعطي الحق لرئيس الجمهورية في تعيين الوزراء وفي انتقاء من يراه مناسباً لتولي رئاسة الحكومة، ويقول إنه أوقع نفسه في مشكلة يريد الآن من خلال رسالته أن يرميها على المجلس النيابي لاتخاذ الإجراء المناسب لإخراجه من أزمته.
ويرى المصدر نفسه أنه يحق لعون التوجّه برسالته إلى المجلس النيابي وأن لا اعتراض على صلاحيته في هذا الخصوص، لكن من غير الجائز أن يعطي لنفسه دور الوصي على الرئيس المكلف سواء بإلزامه بمعايير هي أقرب إلى القيود المفروضة عليه ويطلب منه اتباعها وصولاً إلى إلحاق رئاسة الحكومة به والتسليم بشروطه لتشكيل الحكومة.
ويعتبر أن الفريق السياسي لعون أوقعه في مغامرة غير محسوبة وكان الأجدر به أن يلعب دور الناصح له والكابح لجنوحه لدفع الحريري للاعتذار، خصوصاً أن النواب لم يأخذوا قبل دعوتهم للاشتراك في الاستشارات المُلزمة لتسمية من يشكّل الحكومة «بنصيحته» بتحكيم ضمائرهم قبل تسمية من يختارونه لتولي رئاسة الحكومة، مع أنه لم يسبق لأسلافه أن تجاوزوا صلاحياتهم كما فعل عون.
ويضيف المصدر أن عون خسر معركته في وجه الحريري قبل أن يقول المجلس النيابي كلمته في الجلسة الثانية التي تلي الجلسة الأولى المخصصة للاستماع إلى رسالته والتي سيحدد بري موعدها لمناقشة مضامينها بدءاً بالرد الذي أعده الحريري.
ويعزو السبب إلى أن عون لم يفصل بين حقه في توجيه رسالته إلى البرلمان وبين تجاوزه للأصول الدستورية في خرقه للدستور بطلبه من البرلمان «بالواسطة» نزع تكليفه للحريري بتشكيل الحكومة، وإلا كيف سيصرف اتهامه بالعجز عن تشكيلها مع أن طلب «إعفائه» يستدعي الدخول في متاهة تعديل الدستور لأن طلبه يتعدى تفسيره.
ويؤكد أن عون اختار هذا التوقيت لتوجيه رسالته ليأتي متلازماً مع توقيت رسالته إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لعله يعفي نفسه من اتهامه بتعطيل تشكيل الحكومة الذي ينسحب أيضاً على رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل الذي تتعامل معه أطراف محلية ودولية على أنه يحتجز بالنيابة عن عون التوقيع على المراسيم الخاصة بتشكيل الحكومة ولن يفرج عنه إلا بتسليم الحريري بشروطه.
ويقول المصدر إن عون أراد توجيه رسالته إلى البرلمان بالتلازم مع رسالته إلى ماكرون لعله يعفي فريقه السياسي من العقوبات التي أعدتها باريس بالتنسيق مع دول الاتحاد الأوروبي بذريعة أن العرقلة في تشكيل الحكومة تقع على عاتق الحريري مستعيناً برزمة الاتهامات التي أوردها في رسالته.
كما أن عون أراد أن يصرف الأنظار عن الموقف الكارثي الذي تسبب به للبنان وزير الخارجية المستقيل شربل وهبة الذي أعطى الحق للحريري بأن يكون له رأي في اختيار الوزراء المسيحيين لقطع الطريق على توزير من يشبهه من الوزراء في حكومة مهمة وما أكثرهم داخل التيار السياسي الذي ينتمي إليه وهبة ورشحه لخلافة الوزير ناصيف حتى الذي استقال قبل أن تستقيل الحكومة.



ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
TT

ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)

في خطوة أثارت موجة واسعة من الرفض والاستياء، فرضت الجماعة الحوثية إجراءات جديدة على طلاب المدارس الحكومية في محافظتَيْ إب وذمار (جنوب صنعاء)، ربطت بموجبها تسليم نتائج الامتحانات واستكمال إجراءات التسجيل للعام الدراسي المقبل بالمشاركة في معسكراتها الصيفية، في مسار عدّه تربويون وأولياء أمور ضغطاً مباشراً على الأسر والطلاب.

ووفق مصادر تربوية متطابقة، فإن إدارات المدارس تلقت تعليمات واضحة تقضي بعدم تسليم نتائج نهاية العام الماضي أو قبول تسجيل الطلاب للعام الجديد، إلا بعد تقديم ما يثبت مشاركة الطالب في تلك المعسكرات. هذه الإجراءات وضعت آلاف الأسر أمام معادلة صعبة، بين الحفاظ على حق أبنائهم في التعليم، والرضوخ لشروط لا تتصل بالعملية التعليمية.

ويشير عاملون في القطاع التربوي إلى أن هذا التوجه جاء في ظل تراجع إقبال الأسر على تسجيل أبنائهم في الأنشطة الصيفية؛ مما دفع بالجهات القائمة عليها إلى البحث عن وسائل بديلة لفرض المشاركة. ويؤكد هؤلاء أن المدارس باتت في موقف حرج، بين تنفيذ التعليمات المفروضة عليها، ومسؤوليتها تجاه الطلاب ومستقبلهم الدراسي.

أحد أولياء الأمور في محافظة إب قال إن إدارة المدرسة رفضت تسليم نتيجة نجله، وأبلغته بشكل غير مباشر ضرورة الالتحاق بالمركز الصيفي أولاً. وأضاف أن هذا الشرط لا يمكن قبوله؛ «لأنه يحول التعليم إلى أداة ضغط، بدلاً من أن يكون حقاً مكفولاً للجميع».

فتيات في صنعاء يجري تلقينهن أفكار الجماعة الحوثية (إعلام حوثي)

من جانبه، عبّر طالب في المرحلة الأساسية من محافظة ذمار عن قلقه من هذه الإجراءات، موضحاً أن اشتراط الحصول على شهادة مشاركة في المعسكرات الصيفية للتسجيل في العام المقبل يضعه أمام خيارين... «كلاهما صعب». وأكد أنه يخشى فقدان مستقبله الدراسي إذا لم يلتزم، رغم عدم رغبته في الانخراط بتلك الأنشطة.

ويكشف تربويون عن أن «بعض الطلاب تعرضوا لتهديدات غير مباشرة بالرسوب أو إسقاط أسمائهم من قوائم الناجحين، في مقابل تقديم وعود لآخرين متعثرين بالنجاح في حال مشاركتهم». ويرون أن «هذه الممارسات تضعف الثقة بالعملية التعليمية، وتحوّلها وسيلةً لتحقيق أهداف غير تربوية».

في المقابل، عبّر أولياء أمور عن رفضهم هذه السياسات، عادين أنها «تمثل انتهاكاً واضحاً لحقوق الأطفال، وتدفع بهم إلى مسارات لا تخدم تعليمهم أو نموهم الطبيعي». وطالبوا بضرورة «تدخل الجهات المعنية والمنظمات الدولية لحماية حق الطلاب في التعليم بعيداً عن أي ضغوط أو اشتراطات».

آثار عميقة

ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات الحوثية تحمل آثاراً نفسية واجتماعية عميقة على الأطفال؛ «إذ تضعهم تحت ضغط مستمر، وتزرع لديهم الخوف من فقدان مستقبلهم الدراسي. كما أنها تعكس توجهاً أوسع لاستغلال هشاشة قطاع التعليم في ظل الأوضاع الراهنة، واستقطاب النشء ضمن برامج ذات طابع تعبوي».

وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد حملات استهداف طالت تربويين وأولياء أمور في عدد من المناطق، على خلفية رفضهم الانخراط في تلك الأنشطة. وشملت هذه الحملات حالات اعتقال واختطاف، من بينها توقيف مدير مدرسة في ذمار، إضافة إلى احتجاز معلمين وأولياء أمور في مناطق متفرقة من إب.

عامل يجهز مناهج حوثية تمهيداً لتوزيعها (إكس)

يأتي ذلك في وقت يواجه فيه قطاع التعليم باليمن تحديات متراكمة، تشمل تدهور البنية التحتية للمدارس، وانقطاع رواتب المعلمين، وارتفاع معدلات التسرب من التعليم. وتشير تقديرات أممية إلى أن ملايين الأطفال لا يزالون خارج المدارس؛ مما يزيد من تعقيد المشهد التربوي ويهدد مستقبل جيل كامل.

ورغم هذه الظروف، فإن المنظمات الدولية تواصل تنفيذ برامج لدعم التعليم، من خلال إعادة الأطفال إلى المدارس، وتوفير مستلزمات دراسية، وتأهيل المعلمين. غير أن هذه الجهود تواجه تحديات كبيرة على الأرض، في ظل استمرار الممارسات التي تقوض استقرار العملية التعليمية.


تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
TT

تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)

في ظل استمرار الصراع الذي فجَّره الحوثيون في اليمن، اتهمت تقارير حديثة الجماعة المدعومة من إيران بالتورُّط في أنشطة مرتبطة بالمخدرات، سواء عبر التهريب أو الترويج أو استخدام هذه المواد داخل صفوف مقاتليها، وذلك في سياق ما يُعرف بـ«اقتصاد الحرب»، حيث يلجأ الحوثيون إلى مصادر تمويل غير تقليدية لتعزيز نفوذهم واستمرار عملياتهم العسكرية.

وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة صادرة عن «مركز المخا للدراسات الاستراتيجية» عن تصاعد ملحوظ في نشاط تجارة المخدرات داخل مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، في تطوّر وصفته الدراسة بـ«التحول النوعي» الذي يعكس انتقال هذه التجارة من أنشطة تهريب محدودة إلى منظومة متكاملة ذات أبعاد اقتصادية وأمنية واجتماعية معقدة.

وبحسب الدراسة، لم تعد تجارة المخدرات مجرد مصدر تمويل ثانوي، بل تحولت إلى رافد رئيس، ضمن ما يُعرف بـ«الاقتصاد الأسود»، الذي تعتمد عليه الجماعة لتعزيز مواردها المالية خارج الأطر الرسمية، في ظل تراجع الإيرادات التقليدية وتصاعد الضغوط الاقتصادية.

مخدرات ضُبطت خلال تهريبها عبر البحر الأحمر إلى الحوثيين (المقاومة الوطنية)

وشهدت مناطق سيطرة الحوثيين خلال السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً، حيث انتقلت من كونها ممرات عبور لشحنات المخدرات إلى مراكز نشطة لإعادة التصنيع والخلط والتغليف، تمهيداً لإعادة التوزيع محليّاً وإقليمياً. ويُعزى هذا التحول إلى حالة الانفلات الأمني وضعف الرقابة، إضافة إلى استغلال البنية الجغرافية الوعرة التي تسهّل عمليات التهريب.

وكشفت الدراسة عن وجود شبكات منظمة تعمل بتنسيق عالٍ، مستفيدة من تداخل المصالح بين أطراف محلية وإقليمية؛ ما أسهم في توسيع نطاق هذه التجارة وتعقيد مسارات مكافحتها، مؤكدة أن حالة الانفلات الأمني وتراجع مؤسسات الدولة أسهما في خلق بيئة ملائمة لنمو هذا النشاط، خصوصاً في ظل سيطرة الجماعة على عدد من المنافذ الحيوية؛ ما أتاح توسيع نطاق العمليات المرتبطة بالاتجار غير المشروع.

نشاط ممنهج

وأوضحت الدراسة أن إدارة تجارة وتهريب المخدرات في مناطق السيطرة الحوثية تتم بسرية عالية، وتحت إشراف مباشر من قيادات الصف الأول؛ ما يعكس تحولها إلى نشاط منظّم ومركزي مرتبط ببنية القيادة العليا للجماعة ومصالحها الاستراتيجية، مشيرة إلى أن العائدات الناتجة عن تجارة المخدرات تُستخدم في دعم الأنشطة العسكرية، بما في ذلك تمويل العمليات وشراء الأسلحة، في إطار ما وصفه بـ«الاقتصاد الموازي» الذي تعمل من خلاله الجماعة خارج أي رقابة رسمية. ​

عناصر حوثيون في أحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

وترى الدراسة أن هذا النمط من التمويل يساهم في إطالة أمد الصراع، ويزيد من صعوبة التوصل إلى حلول سياسية، نظراً لاعتماد بعض الأطراف على مصادر دخل غير مشروعة يصعب تفكيكها.

وفي جانب آخر، لفتت الدراسة إلى استخدام المخدرات وسيلة للتأثير على المقاتلين في صفوف الحوثيين، خصوصاً من فئة الشباب، من خلال تقليل مستوى الوعي وتعزيز قابلية الانقياد؛ ما يسهم في إحكام السيطرة داخل صفوف الجماعة.

تفكيك المجتمع

وحذرت الدراسة على الصعيد الاجتماعي، من تنامي معدلات تعاطي المخدرات، خصوصاً بين فئة الشباب بمناطق سيطرة الحوثيين، معتبرة أن انتشار هذه الظاهرة يشكل تهديداً مباشراً للنسيج المجتمعي. كما أشارت إلى استخدام المخدرات وسيلةً لتسهيل عمليات التجنيد، بما في ذلك استهداف القُصّر، من خلال تقليل الوعي وزيادة القابلية للانخراط في الأنشطة التعبوية والقتالية.

وأضافت أن هذا التوجه يمثل ما وصفته بـ«التفكيك الناعم» للمجتمع، حيث يتم إضعاف البنية الاجتماعية من الداخل، عبر نشر الإدمان وتآكل القيم؛ ما يفاقم من التحديات التي يواجهها اليمن على المدى الطويل.

وأكدت الدراسة أن نشاط تجارة المخدرات المرتبط بالحوثيين لا يقتصر على الداخل اليمني، بل يرتبط بشبكات تهريب عابرة للحدود؛ ما يضاعف من خطورته، ويجعله تهديداً للأمن الإقليمي.

جانب من عملية إتلاف مواد مخدرة ضُبطت سابقاً على الحدود اليمنية - السعودية (سبأ)

ودعت إلى ضرورة التعامل مع هذه الظاهرة بوصفها ملفاً استراتيجياً يتطلب تعزيز الجهود الأمنية والتعاون الإقليمي، إلى جانب إطلاق برامج توعية للحد من انتشار المخدرات وآثارها على المجتمع.

ويرى مراقبون أن استمرار تنامي تجارة المخدرات في مناطق سيطرة الحوثيين لا يهدد اليمن فحسب، بل يمتد تأثيره إلى الأمن الإقليمي؛ ما يستدعي تحركاً عاجلاً ومنسقاً للحد من هذه الظاهرة التي باتت تمثل أحد أخطر تداعيات الحرب المستمرة في البلاد.

ويشير هؤلاء إلى أن تحول المخدرات إلى أداة تمويل رئيسة يعكس نمطاً متكرراً في مناطق النزاعات، حيث تلجأ الجماعات المسلحة كالحوثيين إلى أنشطة غير مشروعة لتعويض نقص الموارد؛ ما يؤدي إلى ترسيخ اقتصاد الحرب وإطالة أمده.

كما يحذر المراقبون من أن تداعيات هذه الظاهرة لن تظل محصورة داخل اليمن، بل قد تمتد إلى دول الجوار، في ظل وجود شبكات تهريب عابرة للحدود؛ الأمر الذي يشكل تهديداً متزايداً للأمن الإقليمي، خصوصاً مع تزايد كميات المواد المخدرة المتداولة وتطور أساليب نقلها.


بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

TT

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بعد «عقود من التهميش» لا ينظر صبري بن مخاشن، مسؤول الإعلام في «حلف قبائل حضرموت»، إلى المشهد السياسي في حضرموت بوصفه صراع مكونات، بقدر ما يراه امتداداً لمسار تاريخي طويل يسعى فيه الحضارم لاستعادة قرارهم السياسي. ويجزم بأن «القضية الحضرمية» باتت اليوم أكثر وضوحاً ونضجاً من أي وقت مضى.

وبعد انتهاء أحداث حضرموت مطلع عام 2026 وقبل رمضان، تحدث مخاشن مع «الشرق الأوسط بودكاست» في حلقة قدمها الزميل بدر القحطاني؛ مسؤول تحرير الشؤون الخليجية بالصحيفة.

يتكئ بن مخاشن خلالها عند الحديث عن الشجن السياسي بحضرموت إلى ما قبل عام 1967 ومشاريع سياسية متعددة؛ من بينها مشروع الدولة المستقلة أو الشراكة مع المحميات الغربية، أو حتى الانضمام إلى السعودية، قبل أن «تنتصر المشاريع القومية والاشتراكية على المشروع الحضرمي»، ويتم ضمها بالقوة إلى الجنوب اليمني.

ويقول القيادي الحضرمي إن تلك المرحلة شهدت «ممارسات قمعية وعمليات قتل ومجازر» بحق أبناء حضرموت، استمرت حتى السبعينات من القرن الماضي، في سياق طمس الهوية الحضرمية وإضعاف حضورها السياسي، بحسب تعبيره.

إرث التهميش وبداية التحول

يعتقد مسؤول الإعلام في حلف قبائل حضرموت أن التحول الأبرز بدأ مع تأسيس «الحلف» عام 2013، بوصف ذلك رد فعل على ما وصفه بـ«تصاعد الظلم» في عهد نظام الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، مشيراً إلى أن الحلف «كيان قبلي حقوقي اجتماعي» قاد تحركاً مسلحاً أجبر الدولة على الاعتراف بمظلومية حضرموت.

ويضيف أن هذا الحراك أعاد إحياء الشعور بالهوية الحضرمية، ومنح أبناء المنطقة إحساساً بقدرتهم على «انتزاع حقوقهم»، بعد سنوات من التهميش و«اختيار مسؤولين من خارج إرادة أبناء حضرموت».

وفي السياق ذاته، يشير إلى أن الحلف قاد جهوداً لجمع المكونات الحضرمية، حيث تم إشراك أكثر من 40 مكوناً في حوارات استمرت 6 أشهر عام 2014، وأفضت إلى تأسيس «مؤتمر حضرموت الجامع»، الذي وصفه بأنه «أكبر مكون سياسي» في المحافظة.

«لا انفصال أو وحدة بهذا الشكل»

على الرغم من الطروحات المتعددة، يشدد مخاشن على أن حضرموت «لا تمتلك حتى الآن مشروعاً سياسياً نهائياً»، نافياً تبني خيار الانفصال، والهدف يتمثل في «مشروع تشاركي» يقوم على مبدأ السيادة المحلية.

ويقول: «نحن لا نرفض الشراكة؛ لكن نرفض الضم والإلحاق»، والمشكلة من وجهة نظره ليست في شكل الدولة، بقدر ما هي في «الاستحواذ وغياب العدالة».

ويلخص المطالب في أن يكون لأبناء حضرموت القرار في إدارة شؤونهم وثرواتهم. ويعلل ذلك بأن «50 عاماً من الفشل» تعود إلى مركزية القرار وحرمان المحافظة من الاستفادة من مواردها، رغم مساهمتها الكبيرة في الاقتصاد.

أي صيغة مقبلة وفقاً لما يراها، يجب أن تقوم على معايير واضحة؛ مثل السكان والثروة والمساهمة الاقتصادية، بما يضمن «ندية حقيقية» بين الأطراف، وليس تبعية.

ويتحدث بن مخاشن عن تعدد المكونات الحضرمية، مشيراً إلى وجود كيانات مثل «مجلس حضرموت الوطني» و«العصبة الحضرمية»، لكنه يؤكد أن الجهود الحالية تتركز على «توحيد الصف» عبر لجان مشتركة تعمل على إعداد رؤية موحدة.

علاقة خاصة مع السعودية

في حديثه عن العلاقة مع السعودية، يرى بن مخاشن أنها «علاقة تاريخية واستثنائية»، لافتاً إلى أن الحضارم يرون السعودية أكثر من مجرد «وطنهم الثاني»، نظراً للروابط الاجتماعية والتاريخية العميقة.

ويشير إلى أن الحضارم كان لهم حضور لافت في مراحل مختلفة بمؤسسات المملكة وحياتها التجارية، مؤكداً أن هذه العلاقة تعزز ثقة حضرموت في أي دور سعودي في رعاية الحلول السياسية.

ويضيف أن المملكة أكدت، وفق ما نقله عن لقاءات مع مسؤولين، أنها «لن تترك حضرموت وحيدة»، وهو ما يعزز - بحسب قوله - الثقة في مستقبل الشراكة.

تجربة شخصية مكلفة

على المستوى الشخصي، يستعرض مسؤول الإعلام في الحلف جانباً من تجربته، مشيراً إلى تعرضه لمحاولة اغتيال عام 2008، بسبب عمله الصحافي في مكافحة الفساد، حيث أصيب بطلقات نارية، وسكنت رصاصة في جسده، إضافة إلى سجنه لاحقاً على خلفية كتاباته.

ويقول إن تلك التجارب، رغم قسوتها، عززت قناعته بأهمية النضال من أجل «قضايا الناس»، مضيفاً أن «الألم يتحول إلى شعور بالفخر عندما يكون في سبيل الحقيقة».

ويختتم بالتأكيد على أن حضرموت تقف اليوم أمام مرحلة مفصلية، عنوانها الأبرز «استعادة القرار»، عبر مشروع يقوم على الشراكة والعدالة، بعيداً عن أي هيمنة أو إقصاء.