عون وحيداً في رسالته إلى البرلمان بمواجهة «الإطفائي» بري

TT

عون وحيداً في رسالته إلى البرلمان بمواجهة «الإطفائي» بري

يدخل لبنان في مرحلة سياسية جديدة غير تلك التي قامت مع تكليف الرئيس سعد الحريري بتشكيل الحكومة، وهذا ما أراده رئيس الجمهورية ميشال عون في توجيهه رسالة إلى المجلس النيابي، يشكو فيها الرئيس المكلف ويحمله مسؤولية التأخير في تشكيلها، ويطلب من النواب اتخاذ ما يرونه مناسباً لأنهم أصحاب القرار النهائي، باعتبار أن الأكثرية في البرلمان هي التي سمت الحريري لتأليف الحكومة.
ولم يأخذ عون بالنصائح التي أُسديت له من جهات محلية وخارجية، على خلفية أن الرسالة ترفع منسوب الاحتقان المذهبي والطائفي، وتحديداً بين الطائفة السنية الداعمة للحريري و«العهد القوي» والتيار السياسي المحسوب عليه، وذهب في رمي المسؤولية على الرئيس المكلف إلى مضامين حملتها الرسالة أقل ما يقال فيها أنها تحريضية تفتح الباب أمام الانقلاب على اتفاق الطائف.
ومع أن عون لم يطلب مباشرة من النواب سحب تكليفهم للحريري بتشكيل الحكومة، فإن الوقائع التي أوردها في رسالته تنم عن تحريضهم على نزع التكليف بطريقة مخالفة للدستور، رغم أنه لا اعتراض على صلاحيته في مخاطبتهم، خصوصاً أن نزع التكليف يتطلب تعديل الدستور، وهذا ما يلقى معارضة نيابية لقطع الطريق على إقحام البرلمان في انقسام طائفي.
كذلك فإن عون -بحسب مصدر نيابي بارز تحدث لـ«الشرق الأوسط»- لم يتردد في توجيه رسالته إلى البرلمان لربطها بالرسالة التي بعث بها إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ونفض يديه من اتهامه بتعطيل تشكيل الحكومة، ورمى بالمسؤولية الكاملة على الرئيس الحريري.
وربما أخطأ عون في الشكل والمضمون عندما اتخذ قراره ذلك -منفرداً أو بمباركة «أهل البيت»- اعتقاداً منه بأن المفاوضات الجارية في المنطقة على أكثر من صعيد، بالتزامن مع فتح قنوات التواصل بين الخصوم، ستصب لمصلحته وتؤمن له «فائض القوة»، ليس لقلب الطاولة في وجه الحريري فحسب، وإنما للانقلاب على الطائف، رغم أنه كان قد نفى عندما التقى وزير الخارجية المصرية سامح شكري اتهامه بإعادة النظر فيه.
كذلك أخطأ في قراءته لموقف حليفه «حزب الله»، من زاوية أنه لا يمانع في تجيير «فائض القوة» الذي يتمتع به لمصلحة عون، ما يمكنه من الإمساك بزمام المبادرة لإعادة تعويم وريثه السياسي، رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل، وسارع إلى إعداد جدول أعمال لمواجهة المرحلة الراهنة، من دون العودة إليه أو التشاور معه.
ويؤكد المصدر النيابي أن مضامين رسالة عون جاءت بمثابة تجميع للبيانات الصادرة عن «التيار الوطني»، ووضعها في خدمة باسيل، وكأنه يقول للبنانيين: «ومن بعده الطوفان»، وإلا فإن قراره توجيه رسالته يخضع للأجندة السياسية التي يتحرك تحت سقفها رئيس الظل؛ أي باسيل.
لذلك فإن عون، برسالته تلك إلى البرلمان، أوقع نفسه في مأزق سياسي، وإن كان يراهن -انطلاقاً من حسابات باسيل- على أن تطييف تشكيل الحكومة سيؤدي إلى إعادة خلط الأوراق في الساحة المسيحية باتجاه إعطاء فرصة لباسيل لإعادة ترتيب وضعه، مع أنه أخذ يوسع دائرة اشتباكاته حتى كادت تشمل الجميع. وإن كان «حزب الله» يحرص على مراعاته بعدم الضغط عليه، فإنه لا يلتزم بأجندته السياسية، لأنه يتعامل مع الأزمة اللبنانية من زاوية إقليمية، وبالتالي لن يصرف فائض قوته إكراماً لهذا الحليف أو ذاك.
وعليه، فإن الجميع، ومن خلالهم الجهات الإقليمية والدولية، تراقب الدور الذي سيلعبه رئيس المجلس النيابي نبيه بري، بدعوته البرلمان غداً للانعقاد، في جلسة تخصص لتلاوة الرسالة التي وصلته من عون، ويبقى له القرار النهائي حول ما إذا كانت ستبقى محصورة في تلاوتها، على أن يحدد لاحقاً موعداً لعقد جلسة لمناقشة مضامين الرسالة التي يتعامل معها المصدر النيابي على أنها ملغومة. وتبقى الآمال معقودة على بري في تعطيل مفاعيلها، ومنع شظاياها من أن تتطاير باتجاه إغراق البلد في أزمة حكم تتجاوز تشكيل الحكومة، مع أنه لا مانع من الاكتفاء بعقد جلسة وحيدة تقتصر على تلاوتها لسحب فتيل انجرار النواب إلى صدام سياسي لا مبرر له، فيما البلد يرزح تحت هموم الأزمات المعيشية والاجتماعية التي لا حلول لها إلا بتشكيل حكومة مهمة بمواصفات فرنسية.
فرئيس المجلس، بنظر من يؤيده أو من يقف على الحياد، يبقى صمام الأمان لمنع أزمة تشكيل الحكومة من أن تتحول إلى أزمة مستعصية، وتهدد البرلمان الذي يبقى صمام الأمان لقطع الطريق على اللعب بالدستور، وصولاً إلى تعديله بما يهدد اتفاق الطائف الناظم للعلاقات بين اللبنانيين، لأن البديل في المدى المنظور لن يكون إلا كارثة تدفع باتجاه مزيد من سقوط البلد.
كذلك فإن بري، ومن خلفه «حزب الله»، ليس في وارد الدخول في متاهات غير محسوبة يمكن أن تأخذ البلد إلى المجهول، استرضاءً لفريق كان أول من رفض مبادرته لإنقاذ المبادرة الفرنسية، بذريعة أنه ليس وسيطاً، ما دام أنه يقف إلى جانب الحريري، ويشكل له رافعة سياسية، وإلا لكان بادر للاعتذار عن تشكيل الحكومة.
وبكلام آخر، فإن بري لن يشكل جسراً لمن يضغط على الحريري لإضعافه أو سحب التكليف منه، ويعزو المصدر النيابي السبب إلى أن عون يخطئ إذا كان يراهن على أن الكتلة الشيعية ستضع نفسها بتصرف من يريد تطويق الرئيس المكلف لدفعه للاعتذار.
ويلفت المصدر نفسه إلى أن النواب الشيعة لن يكونوا في عداد من يريد قهر الطائفة السنية، بالتخلص أولاً من الرئيس المكلف الذي يعد الزعيم الأول في طائفته، ويحظى بتأييد رؤساء الحكومات السابقين ومرجعياتها الروحية، وباحتضان شعبي. كما أن بري، بدعم من حليفه «حزب الله»، يعد أن الحفاظ على العلاقة بين الطوائف خط أحمر، ولن يسمح باستهدافها، لقطع الطريق على جر البلد إلى فتن مذهبية، وهو يراهن على دور معظم الكتل النيابية، بدءاً برئيس «الحزب التقدمي الاشتراكي» وليد جنبلاط الذي يتناغم معه باستمرار، بصرف النظر عن البرودة التي تسيطر على علاقته بالرئيس المكلف، وكذلك الحال بالنسبة لرئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع الذي وإن كان على خلاف مع الحريري كاد يصل إلى حد القطيعة، فإنه في المقابل سيقف بالمرصاد لمن يحاول جر البلد إلى المجهول، وإعادة إحياء الانقسامات الطائفية التي أصبحت من الماضي منذ أن انتهت الحرب الأهلية.
لكن يبقى السؤال عن الموقف الذي سيتخذه الحريري، باعتبار أنه المستهدف مباشرة من رسالة عون، خصوصاً أن الأكثرية النيابية تراهن على ما سيقوله، ليس في الدفاع عن موقفه فحسب، وإنما للحفاظ على التواصل بين الطوائف اللبنانية لإسقاط مقولة عون عن أنه يصر على مصادرة التمثيل المسيحي.
فخطاب الحريري -بحسب المصدر- سيبقى تحت سقف الحفاظ على الطائف، والتمسك به، وإن كان لن يخلو من وضع النقاط على الحروف، مبيناً الأسباب التي كانت وراء تعطيل تشكيل الحكومة، محملاً عون وفريقه السياسي مسؤولية مباشرة عن تعطيلها، وبالتالي لن يقع في الفخ المنصوب له من قبل صاحب الرسالة.
وإلى أن تُعقد الجلسة غداً، فإن رسالة عون أدت إلى إعادة خلط الأوراق، وربما سيسبق الحريري انعقادها بقيامه بمروحة واسعة من الاتصالات، تحديداً بينه وبين حلفاء الأمس لمعاودة التواصل، على أن تبقى الأنظار شاخصة إلى الدور الذي سيلعبه «الإطفائي» بري في تعامله مع الرسالة، على خلفية إبطال أي محاولة لتطييف الخلاف داخل البرلمان.



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.