عون وحيداً في رسالته إلى البرلمان بمواجهة «الإطفائي» بري

TT

عون وحيداً في رسالته إلى البرلمان بمواجهة «الإطفائي» بري

يدخل لبنان في مرحلة سياسية جديدة غير تلك التي قامت مع تكليف الرئيس سعد الحريري بتشكيل الحكومة، وهذا ما أراده رئيس الجمهورية ميشال عون في توجيهه رسالة إلى المجلس النيابي، يشكو فيها الرئيس المكلف ويحمله مسؤولية التأخير في تشكيلها، ويطلب من النواب اتخاذ ما يرونه مناسباً لأنهم أصحاب القرار النهائي، باعتبار أن الأكثرية في البرلمان هي التي سمت الحريري لتأليف الحكومة.
ولم يأخذ عون بالنصائح التي أُسديت له من جهات محلية وخارجية، على خلفية أن الرسالة ترفع منسوب الاحتقان المذهبي والطائفي، وتحديداً بين الطائفة السنية الداعمة للحريري و«العهد القوي» والتيار السياسي المحسوب عليه، وذهب في رمي المسؤولية على الرئيس المكلف إلى مضامين حملتها الرسالة أقل ما يقال فيها أنها تحريضية تفتح الباب أمام الانقلاب على اتفاق الطائف.
ومع أن عون لم يطلب مباشرة من النواب سحب تكليفهم للحريري بتشكيل الحكومة، فإن الوقائع التي أوردها في رسالته تنم عن تحريضهم على نزع التكليف بطريقة مخالفة للدستور، رغم أنه لا اعتراض على صلاحيته في مخاطبتهم، خصوصاً أن نزع التكليف يتطلب تعديل الدستور، وهذا ما يلقى معارضة نيابية لقطع الطريق على إقحام البرلمان في انقسام طائفي.
كذلك فإن عون -بحسب مصدر نيابي بارز تحدث لـ«الشرق الأوسط»- لم يتردد في توجيه رسالته إلى البرلمان لربطها بالرسالة التي بعث بها إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ونفض يديه من اتهامه بتعطيل تشكيل الحكومة، ورمى بالمسؤولية الكاملة على الرئيس الحريري.
وربما أخطأ عون في الشكل والمضمون عندما اتخذ قراره ذلك -منفرداً أو بمباركة «أهل البيت»- اعتقاداً منه بأن المفاوضات الجارية في المنطقة على أكثر من صعيد، بالتزامن مع فتح قنوات التواصل بين الخصوم، ستصب لمصلحته وتؤمن له «فائض القوة»، ليس لقلب الطاولة في وجه الحريري فحسب، وإنما للانقلاب على الطائف، رغم أنه كان قد نفى عندما التقى وزير الخارجية المصرية سامح شكري اتهامه بإعادة النظر فيه.
كذلك أخطأ في قراءته لموقف حليفه «حزب الله»، من زاوية أنه لا يمانع في تجيير «فائض القوة» الذي يتمتع به لمصلحة عون، ما يمكنه من الإمساك بزمام المبادرة لإعادة تعويم وريثه السياسي، رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل، وسارع إلى إعداد جدول أعمال لمواجهة المرحلة الراهنة، من دون العودة إليه أو التشاور معه.
ويؤكد المصدر النيابي أن مضامين رسالة عون جاءت بمثابة تجميع للبيانات الصادرة عن «التيار الوطني»، ووضعها في خدمة باسيل، وكأنه يقول للبنانيين: «ومن بعده الطوفان»، وإلا فإن قراره توجيه رسالته يخضع للأجندة السياسية التي يتحرك تحت سقفها رئيس الظل؛ أي باسيل.
لذلك فإن عون، برسالته تلك إلى البرلمان، أوقع نفسه في مأزق سياسي، وإن كان يراهن -انطلاقاً من حسابات باسيل- على أن تطييف تشكيل الحكومة سيؤدي إلى إعادة خلط الأوراق في الساحة المسيحية باتجاه إعطاء فرصة لباسيل لإعادة ترتيب وضعه، مع أنه أخذ يوسع دائرة اشتباكاته حتى كادت تشمل الجميع. وإن كان «حزب الله» يحرص على مراعاته بعدم الضغط عليه، فإنه لا يلتزم بأجندته السياسية، لأنه يتعامل مع الأزمة اللبنانية من زاوية إقليمية، وبالتالي لن يصرف فائض قوته إكراماً لهذا الحليف أو ذاك.
وعليه، فإن الجميع، ومن خلالهم الجهات الإقليمية والدولية، تراقب الدور الذي سيلعبه رئيس المجلس النيابي نبيه بري، بدعوته البرلمان غداً للانعقاد، في جلسة تخصص لتلاوة الرسالة التي وصلته من عون، ويبقى له القرار النهائي حول ما إذا كانت ستبقى محصورة في تلاوتها، على أن يحدد لاحقاً موعداً لعقد جلسة لمناقشة مضامين الرسالة التي يتعامل معها المصدر النيابي على أنها ملغومة. وتبقى الآمال معقودة على بري في تعطيل مفاعيلها، ومنع شظاياها من أن تتطاير باتجاه إغراق البلد في أزمة حكم تتجاوز تشكيل الحكومة، مع أنه لا مانع من الاكتفاء بعقد جلسة وحيدة تقتصر على تلاوتها لسحب فتيل انجرار النواب إلى صدام سياسي لا مبرر له، فيما البلد يرزح تحت هموم الأزمات المعيشية والاجتماعية التي لا حلول لها إلا بتشكيل حكومة مهمة بمواصفات فرنسية.
فرئيس المجلس، بنظر من يؤيده أو من يقف على الحياد، يبقى صمام الأمان لمنع أزمة تشكيل الحكومة من أن تتحول إلى أزمة مستعصية، وتهدد البرلمان الذي يبقى صمام الأمان لقطع الطريق على اللعب بالدستور، وصولاً إلى تعديله بما يهدد اتفاق الطائف الناظم للعلاقات بين اللبنانيين، لأن البديل في المدى المنظور لن يكون إلا كارثة تدفع باتجاه مزيد من سقوط البلد.
كذلك فإن بري، ومن خلفه «حزب الله»، ليس في وارد الدخول في متاهات غير محسوبة يمكن أن تأخذ البلد إلى المجهول، استرضاءً لفريق كان أول من رفض مبادرته لإنقاذ المبادرة الفرنسية، بذريعة أنه ليس وسيطاً، ما دام أنه يقف إلى جانب الحريري، ويشكل له رافعة سياسية، وإلا لكان بادر للاعتذار عن تشكيل الحكومة.
وبكلام آخر، فإن بري لن يشكل جسراً لمن يضغط على الحريري لإضعافه أو سحب التكليف منه، ويعزو المصدر النيابي السبب إلى أن عون يخطئ إذا كان يراهن على أن الكتلة الشيعية ستضع نفسها بتصرف من يريد تطويق الرئيس المكلف لدفعه للاعتذار.
ويلفت المصدر نفسه إلى أن النواب الشيعة لن يكونوا في عداد من يريد قهر الطائفة السنية، بالتخلص أولاً من الرئيس المكلف الذي يعد الزعيم الأول في طائفته، ويحظى بتأييد رؤساء الحكومات السابقين ومرجعياتها الروحية، وباحتضان شعبي. كما أن بري، بدعم من حليفه «حزب الله»، يعد أن الحفاظ على العلاقة بين الطوائف خط أحمر، ولن يسمح باستهدافها، لقطع الطريق على جر البلد إلى فتن مذهبية، وهو يراهن على دور معظم الكتل النيابية، بدءاً برئيس «الحزب التقدمي الاشتراكي» وليد جنبلاط الذي يتناغم معه باستمرار، بصرف النظر عن البرودة التي تسيطر على علاقته بالرئيس المكلف، وكذلك الحال بالنسبة لرئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع الذي وإن كان على خلاف مع الحريري كاد يصل إلى حد القطيعة، فإنه في المقابل سيقف بالمرصاد لمن يحاول جر البلد إلى المجهول، وإعادة إحياء الانقسامات الطائفية التي أصبحت من الماضي منذ أن انتهت الحرب الأهلية.
لكن يبقى السؤال عن الموقف الذي سيتخذه الحريري، باعتبار أنه المستهدف مباشرة من رسالة عون، خصوصاً أن الأكثرية النيابية تراهن على ما سيقوله، ليس في الدفاع عن موقفه فحسب، وإنما للحفاظ على التواصل بين الطوائف اللبنانية لإسقاط مقولة عون عن أنه يصر على مصادرة التمثيل المسيحي.
فخطاب الحريري -بحسب المصدر- سيبقى تحت سقف الحفاظ على الطائف، والتمسك به، وإن كان لن يخلو من وضع النقاط على الحروف، مبيناً الأسباب التي كانت وراء تعطيل تشكيل الحكومة، محملاً عون وفريقه السياسي مسؤولية مباشرة عن تعطيلها، وبالتالي لن يقع في الفخ المنصوب له من قبل صاحب الرسالة.
وإلى أن تُعقد الجلسة غداً، فإن رسالة عون أدت إلى إعادة خلط الأوراق، وربما سيسبق الحريري انعقادها بقيامه بمروحة واسعة من الاتصالات، تحديداً بينه وبين حلفاء الأمس لمعاودة التواصل، على أن تبقى الأنظار شاخصة إلى الدور الذي سيلعبه «الإطفائي» بري في تعامله مع الرسالة، على خلفية إبطال أي محاولة لتطييف الخلاف داخل البرلمان.



«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.


مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».