جنبلاط: حاولت الوسطية فبقيت فيها وحيدا.. ولا بد من رئيس تسوية للبنان

رئيس «اللقاء الديمقراطي» قال لـ«الشرق الأوسط» إنه لم يعد في سوريا إلا اللون الإيراني

جنبلاط: حاولت الوسطية فبقيت فيها وحيدا.. ولا بد من رئيس تسوية للبنان
TT

جنبلاط: حاولت الوسطية فبقيت فيها وحيدا.. ولا بد من رئيس تسوية للبنان

جنبلاط: حاولت الوسطية فبقيت فيها وحيدا.. ولا بد من رئيس تسوية للبنان

انتقد رئيس «اللقاء الديمقراطي» اللبناني النائب وليد جنبلاط «الخلافات البيزنطية» التي تمنع انتخاب رئيس للبنان حتى اليوم، مستبعدا أن يتمكن الأقطاب المسيحيون من الوصول إلى اتفاق. ولكنه في الوقت نفسه يصر على «مرشح» تسوية يكون من خارج دائرة الأقطاب الأربعة، أي رئيس تكتل التغيير العماد ميشال عون ورئيس «القوات اللبنانية» سمير جعجع ورئيس حزب الكتائب أمين الجميل والنائب سليمان فرنجية. وأن لا ظروف إقليمية تسمح بالوصول إلى تسوية في ظل تمسك إيران بترشيح العماد عون.
وانتقد جنبلاط أيضا في حواره مع «الشرق الأوسط» التهويل بهجوم «داعش» و«النصرة» على لبنان، بينما رأى أنه لولا دعم إيران للنظام السوري، لما بقي هذا النظام، معتبرا أن سوريا لم يعد فيها لون عربي، بل لون إيراني. وفيما يلي نص الحوار:

* ما صحة الشائعات عن أنك ستستقيل وتسلم ابنك تيمور؟
- لن أتحدث عن هذا الموضوع في الوقت الحاضر، كل شيء يُبحث في الوقت المناسب.
* كيف ترى الوضع اللبناني؟
- الخلافات البيزنطية الداخلية تجعلنا عاجزين عن انتخاب رئيس. لكن في نفس الوقت لا ننسى أن هناك صراعا أساسيا، فحزب الله وقوى سياسية كبيرة لن يتخلى عن ترشيحه للعماد عون، وصعب على الأقطاب المسيحيين أن يتفقوا على مرشح تسوية، ونحن في دوامة. وعندما نقول الأقطاب، يعني العماد عون ولا أنكر على أحدهم حيثية تمثيلية معينة، لا على عون ولا على جعجع ولا على فرنجية ولا على أمين الجميل. بعضهم جُرّب أو أحدهم كان رئيسا، وأنا لست هنا لأقيم تجربة رئاسته، ولكن هذا الخلاف يجعلنا في مأزق، وفي الوقت الحاضر لا يبدو أن هناك انتخابا قريبا للرئيس.
* أين تكمن المشكلة في عدم انتخاب الرئيس، هل هي محلية أم إقليمية؟
- هناك شيء محلي، وشيء إقليمي أيضا. الجمهورية الإسلامية الإيرانية عبر «حزب الله» لها حليف أساسي هو العماد ميشال عون وهذا ليس سرّا، ولا أرى ظروفا عربية - إيرانية تستطيع أن تأتي بتسوية كما حدث عندما انتخبنا الرئيس ميشال سليمان وكانت آنذاك قطر العراب الذي توسط مع الإيرانيين ومع السوريين وقوى أخرى، وكانت تسوية انتخاب الرئيس سليمان.
* ما العامل الأقوى المحلي أم الإقليمي؟
كلاهما يلعب دورا، وإذا وافقت الأقطاب الأربعة على تسوية، تحل محليا، بمعنى أن يتم ترشيح أحد بتسوية، ولكن كما أراهم من بعيد لن يوافقوا، وإذا كان هناك تقارب ما في مكان ما عربي - إيراني وبصراحة أكثر سعودي - إيراني قد ينتج هذا الأمر في لبنان تسوية.
* حتى ذلك الحين هل تسير الأمور بالتي هي أحسن؟
- نعم، حتى ذلك الحين تسير الأمور بالتي هي أحسن، لكن علينا أن نعطي الرئيس سلام حقه، لقد قام بعمل سياسي بارع بإدارة سياسية بارعة في أصعب الظروف وتحت الضربات الأمنية وغير الأمنية، ولا بد من تسهيل مهمة الرئيس سلام.
* ما الذي تراه صائبا في مسألة التصويت في مجلس الوزراء؟
- ليس من اختصاصي الفقه الدستوري، لكن سمعت رأيا يقول إنه إذا ما دخلنا في التصويت، طعنا في صلاحيات الرئيس هكذا يُقال. نستطيع إيجاد فتوى للحفاظ على الطائف وهذا أهم شيء، إلى أن يٌنتخب رئيس وتسهل أمور هذه الحكومة برئاسة سلام. هناك رأي يقول إن خلق آلية جديدة لمجلس الوزراء يطعن في جوهر رئاسة الجمهورية، يعني قد يكون لبنان في حالة إعلان دستوري ونحن بالغنى عن إعلان دستوري على الطريقة الحوثية.
* على الصعيد الداخلي هناك الآن حوارات على الضفتين الإسلامية والمسيحية ما رأيك في هذه الحوارات الدائرة اليوم؟
- لست على اطلاع على الحوار المسيحي - المسيحي، لكن بالطبع هذا أمر مفيد وأنا من الدعاة الأوائل للحوار. والحوار الإسلامي أيضا مفيد جدا وقد فهمت أنهم سيناقشون أمورا غير خلافية حادة، وتنقية العلاقات الإسلامية الإسلامية، وإزالة الصور، بخطاب هادئ. وكلٌ في خطاباته، السيد حسن نصر الله والرئيس الحريري، سجل نقاطا معينة، لكن الأهم أن نستطيع أن نخفف من ربط المسارات.
* وماذا عن الوضع الأمني؟
- لست من الذين يشاركون الرأي القائل بأن «داعش» و«النصرة» ستهاجمان لبنان. لا أعلم لماذا خرج فجأة هذا الإعلان أو هذا الشعار ولكن لست من الذين يعتقدون بذلك. علينا أن نقوم بالحفاظ على حدودنا وندافع عنها، لكن لا أرى في الوقت الحاضر هذا الخطر المحدق.
* رغم الهجمات التي حصلت، والتفجيرات؟!
- لكن يروج في بعض الصحف أن هجوما شاملا ستقوم به «داعش» على لبنان، أنا لا أرى أن «داعش» اليوم بإمكانه أن يقوم بهجوم شامل، وهناك جبهات متعددة مفتوحة في مواجهة «داعش»، إلا إذا كانت بالفعل تلك القوى التي القوة الهائلة التي تتحدى الطيران والجيوش و60 دولة، عندها لكل حادث حديث، عندها نكون أمام ظاهرة عجيبة، ظاهرة كونية.
الأجهزة الأمنية منذ سنتين تنسق فيما بينها من أجل مواجهة ما يسمى الإرهاب. نعم كانت هناك أعمال تخريبية وسيارات مفخخة في الضاحية وجانب السفارة الإيرانية وطبعا هذه أعمال إرهابية، لكن لن أعتبر وأسمي «جبهة النصرة» إرهابية طالما أن فيها شخصا سوريا فهي ليست إرهابية ويجب أن نخلص من هذا الجدل.
* إلى أي مدى يقدر لبنان على تحمل تبعات هذا المحور؟
- كانت الحكمة في الحوار لمقاربة تيار «المستقبل» وسعد الحريري، إنهم سيتركون جانبا المواضيع الخلافية، فالتدخل في سوريا لا أحد يتكلم فيه، تدخل «حزب الله» في سوريا والعكس، وموضوع المحكمة سائر. يجب معالجة المواضيع الخلافية على الأرض ومنها موضوع سرايا المقاومة، وهذا أمر مهم، ونحن نقدر للمقاومة جهوزيتها للدفاع عن لبنان في وجه إسرائيل، لكن سرايا المقاومة هنا أو هناك، كما في البقاع الغربي وإقليم الخروب وغيرها، لا أجد ضرورة لها.
* ما رأيك في عودة الحريري وهل يمكن أن تثمر حلحلة داخلية ما في مسألة الانتخابات؟
- طبعا، الحوار بين حزب الله والمستقبل مفيد جدا، قد ينتج كما سبق وذكرت، محليا إمكانية الوصول إلى رئيس تسوية. أشدد وأكرر أنني من دعاة رئيس تسوية لأن مرشحنا هو رئيس تسوية، أما إذا اختاروا رئيسا لا يكون من الخانة التي سميتها تسوية، فهذا شأنهم ولن يكون اللقاء الديمقراطي المؤلف من 11 نائبا عقبة أمام توافق ما. 11 صوتا لا تقدم ولا تؤخر بالمعادلة.
* ما مواصفات رئيس التسوية؟ هل لا بد أن يكون من غير الأقطاب؟
- هذا هو رأيي نعم، وأشدد على أنني لا أشكك في تمثيل الأقطاب وكل وفق حجمه.
* وهل تشجع الحريري على العودة وترؤس حكومة؟
- طبعا، هذا شأن الحريري الذي يملك حيثية وطنية معروفة، لكن يأتي هذا الأمر بعد انتخاب رئيس، فلا نستطيع أن نغير الوزارة من دون رئيس، آخذين بعين الاعتبار العمل الجبار بالظروف القاهرة التي قام بها تمام سلام.
* تجربتك الوسطية في كل الفترة الماضية، كيف تقيمها؟
- حاولت، وبقيت وحدي، صحيح أنه كان معنا ميشال سليمان وميقاتي لكن ميقاتي يلقي محاضرات بين هارفرد وأكسفورد، فيبدو أن الوسطية تمشي هناك. الرئيس سليمان أنشأ تكتلا جديدا. لا أدري إن كان بالإمكان تسميته «تكتل وسطي» أو «غير وسطي» وأنا باق وحدي في الوسطية، لا بد من وسيط.
* بالشأن السوري، أنت تحدثت سابقا عن جبهة تمتد من بيروت إلى طهران كيف يؤثر هذا التداخل؟
- لولا دعم الجمهورية الإسلامية الإيرانية للنظام السوري، لما بقي هذا النظام، الدعم المالي والبشري والعسكري، وهناك دعم روسيا لكن الدعم الإيراني هو الأساس. برأيي أن البعد العربي يضمحل في سوريا، لأن أساسية مركزية عربية خرجت، وإلى أن تعود لا بد من وقت، إلى أن تعود مصر لا بد من وقت طويل، وسوريا لم يعد فيها لون عربي، بل هناك لون إيراني في سوريا، ولولا إيران وروسيا لما بقي النظام، وأقول هذا كمراقب وأنا لست هنا لانتقد.
* هل التسوية لا تزال ممكنة في سوريا؟
- كان ممكنا الوصول إلى تسوية منذ أمد بعيد على الموضوع السوري، لكن اليوم حتى إيران وصلت إلى أفق مسدود إلا إذا كانت مثل الطريقة العراقية، أي بدلا من أن تتعاطى مع دولة موحدة نريد أن تتعاطى مع دولة مفككة.
ما بقي من سوريا اليوم؟ حتى لو استطاع أن يسيطر بشار الأسد على حلب، وهذه فرضية صعبة، بالنهاية هجر 10 ملايين مواطن من شعبه، خارج سوريا وداخل سوريا، ولن يعيدهم إلا على طريقته ربما بطوق أمني أو طوق عسكري وبتنقيتهم طائفيا. يرسم النظام عندها خارطة جديدة لسوريا ولن يسمح بعودة المهجرين إلا على طريقته بعد خطة عمرانية جديدة تطوق فيها الأكثرية. تركيبة الشام السابقة حتى اليوم مطوقة، حمص كانت مطوقة، وحلب إلى حد ما، وهذه الأكثرية السنية لن تعود كما كانت في سوريا، ولم يكن وضعها مريحا جدا من قبل. هل هذا لصالح إيران؟ لا أدري لكن يبدو ذلك.
ماذا حدث للطائفة العلوية، يبدو وكأن الدعم الهائل النظام جعل من هذه الطائفة أسيرة لهذا النظام إلى أن يقضى الأمر، لكن خسائر تلك الطائفة هائلة، وبالمقابل الائتلاف والمعارضة لم تتوجه بشكل إيجابي إلى العلويين كعلويين، فهم في مأزق لأن النظام يستخدمهم كدروع بشرية في كل مكان، وبنفس الوقت ليس لهم مفر. قيل لي بأن الميسورين منهم يغادرون كباقي الميسورين والمعتدلين من الطبقات المتوسطة من السوريين.
* هل تخشى على وحدة سوريا؟
- نعم أخشى على وحدة سوريا، لم تبق سوريا التي نعرفها شيء على أي حال، دمرها النظام بشكل كامل، مدن وقرى بأسرها دمرت، واليوم هناك تقرير في «الشرق الأوسط» أن عدد البراميل المتفجرة التي ألقاها النظام حتى الآن أكثر من 5 آلاف برميل متفجر، عدا عن الصواريخ التي يجب أن تكون صواريخ باليستية تطال إسرائيل، إلا أن هذه الصواريخ تطلق من حي في دمشق إلى حي آخر. من جبل قاسيون على جوبر، أو على دوما إذا لم نقل إنها تطلق على حلب لأنها طويلة المدى.
* كيف ترى الخروج من النفق السوري؟
- لا أرى أي خروج من النفق السوري طالما أن الإيراني مصر على دعم النظام، وفي أي لحظة يتخلى فيها إيران وروسيا عن دعم النظام سوف تتغير المعادلة، لكن هناك حسابات داخل فيها النووي وغير النووي، وهي حسابات لا أستطيع أن أشخصها لكن أعلم أن الحدود السابقة سوف تتغير والكيان الجديد الظاهر بوضوح بالوقت الحاضر هو كيان كردي التابع لمسعود برزاني الذي كان عاقلا وجريئا وشجاعا، فعندما قاموا بعملية التعريب إن في سوريا أو العراق، ولا يمكن أن تعرّب الكردي، فهويته كردية، مسحوا تلك الهوية بالثقافة والنار والدبابات والطائرات، والآن له الحق في أن تكون له هوية.
* ماذا عن مصير بقية الأقليات في سوريا ألا يوجد خطر عليها؟
- هناك خطر كبير على مسيحيي الشرق بعد الأحداث التي حصلت ليس فقط من أعمال «داعش» لكن علينا أن نذكر أن قبل سقوط صدام كان هناك مليون مسيحي عراقي، وبعد سقوط صدام جرت اعتداءات كبيرة جدا أيام المالكي وحصلت تفجيرات على الكنائس والمعابد المسيحية، ثم أتت كارثة الموصل. مسلسل التهجير المسيحي في العراق مستمر، أما في سوريا، أرمن حلب الفقراء صامدون، والأغنياء أو الطبقة الوسطى هربت عبر تركيا إلى أرمينيا والأغنياء ذهبوا ربما إلى لوس أنجليس، والمسيحيون في مأزق بين نارين، نار النظام الذي يستخدمهم ونار الثوار.
* ماذا عن الدروز؟
الدروز أيضا في مأزق، لأنهم ساندوا النظام، ليس في غالبيتهم لكن فريقا كبيرا تكبد خسائر فادحة. دعوتهم أكثر من مرة وماذا أستطيع أن أفعل أكثر، وأعتقد أن هذه الدعوة ستلقى يوما ما صدى إيجابيا، لأنهم أيضا استخدموا كوقود لمدافع النظام. حاولت أن يكون للدروز موقع متقدم بالثورة لكن فشلت، وعلى الأقل أن يكون طلبي بالحياد كي لا يتم استخدامهم من قبل النظام، كما حصل في الصيف الماضي وتكبدوا خسائر فادحة في غزوة قاموا بها على «جبهة النصرة». وأجدد ندائي إلى العرب الدروز في سوريا بأن محيطهم هو المحيط العربي وبالتحديد العربي السني، وعليهم أن يتعايشوا مع هذا المحيط، هذا هو قدرهم وتاريخهم وهذا هو إرثهم ومصيرهم ومستقبلهم.
* ما تعريفك للتعايش؟
- أن نعود إلى الثورة السورية، خرجت الثورة السورية دون تقسيم سوريا أيام الجنرال غورو، عندما أراد تقسيم سوريا إلى دولة حلب ودولة الشام والدوائر الدرزية ودولة العلويين، وخرج وقتها الدروز.. سلطان باشا الأطرش الدرزي وإبراهيم هنانو الكردي وصالح العلي العلوي والتقوا مع الوطنيين السوريين العروبيين، ضد الذين يتعاملون مع الاستعمار.
* فشلت ولكن هل استسلمت؟
- كلا، لم أستسلم وسأواصل جهدي لأن تراث العرب الدروز هو تاريخ مجيد.
* ماذا حصل بشأن دروز إدلب؟
عولج الأمر من خلال عقلاء في إدلب، لأنه عندما كان النظام بفتك بمنطقة إدلب احتمى الكثير من أهل إدلب في القرى الدرزية وقاموا بواجبهم في الحماية والاستضافة ثم أرسلنا رسلا إلى تركيا وإلى الذين نعرفهم للقيام بالاتصالات مع جبهة النصرة وحتى الآن الأمور إيجابية.
* كأنك تغازل جبهة النصرة..
لا أغازل جبهة النصرة لكن هناك سوري لم يُترك له مجال إلا أن يذهب إلى جبهة النصرة، ووجد في جبهة النصرة، نصرة على إرهاب النظام السوري، فماذا أقول لهذا؟ إنه إرهابي؟ لن أقول إنه إرهابي خلافا لكل التصنيفات العربية والدولية هو ليس بإرهابي.
* من أين تنطلق بهذا التصنيف؟
- أنظر إلى المنظر العربي اليوم، دولة قطر تساند الإخوان المسلمين وتركيا تساند الإخوان المسلمين ودخلنا مجددا بعد أن فشلت محاولة التسوية نتيجة وفاة الملك عبد الله بن العزيز، الفارس العربي الكبير، تسوية بين مصر وبين قطر. وآمل أن تنجح في عهد الملك سلمان بن عبد العزيز لأننا لا نستطيع أن نعرض الأمن القومي العربي وبالتحديد مصر للخطر.
ومصر بخطر الفوضى إلى جانبها في ليبيا وخطر الفوضى في سيناء، ودعا الرئيس السيسي بالأمس بتشكيل قوى عربية مشتركة لمحاربة الإرهاب ومعالجة الوضع الليبي، لم تستجب معه الدول المجاورة، كتونس والجزائر برأيي أن هذا خطأ، لا بد من مساعدة مصر، وهل المطلوب تدمير مصر؟ بعد أن دمّرت جيوش كبيرة كالجيش العراقي الجيش السوري، هل أتى أيضا دور الجيش والمجتمع المصري؟
* كيف هو المخرج لمصر؟
- أنا لا أريد أن أتدخل بالشأن المصري الداخلي، ولا بد من وجود طريق أو طرق حوار تخرج مصر من دائرة المحاكمات. ولا بد من التفريق بين عناصر الإخوان المسلمين التي وضعت في الأولوية انتماءها للإخوان قبل انتمائها المصري، ولا بد من أن يكون هناك من جماعة الإخوان من يرى أن مصلحة مصر القومية أهم من العصبية الإخوانجية.
* ما رأيك بما يحدث في ليبيا؟
- فوضى، لكن هنا تكمن أهمية وإمكانية التنسيق المصري السعودي التركي الجزائري بالموضوع الليبي، وإن ظنت هذه الدول المحيطة أن الفوضى الليبية لن تصيبهم، فهي سوف تصيب الجميع، لا يوجد شيء اسمه كيان ليبي، هناك صحراء وشعب يتخبط ومجموعات مسلحة وكميات من السلاح هائلة ومنتشرة، وصلت إلى أفريقيا.
* الحركات التي نشاهدها في المنطقة والتي تؤثر على الإسلام وكأننا رجعنا مباشرة إلى ما بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001.
- نعم رجعنا مباشرة إلى ما بعد أحداث 11 سبتمبر وعلى أسوأ، لأن 11 سبتمبر كان محصورا في أفغانستان، و«القاعدة» في أفغانستان، إنما اليوم هناك ظواهر جديدة لما يسمى «القاعدة»، إنما على مستوى أكبر، «داعش» على مستوى أكبر، على الأرض العربية اليوم.
* تُصر على حفظ خط رفيع بينك وبين هذه التنظيمات؟
- لست مرجعا فقهيا ولا أفهم بهذا الموضوع، لا بد من إعادة قراءة تراث جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، وتراث الإصلاحيين الكبار مثل بورقيبة. وأنا شخصيا من مدرسة تنتمي للقومية العربية وزعيمها الكبير جمال عبد الناصر.
* والحاضر ماذا يقول؟
- الأمر يحتاج مقاربة فكرية. عندما يقال لنا إن عشرات الآلاف من الشباب المسلم العربي وغير العربي يذهبون للقتال في سوريا، إذن لماذا هؤلاء عندهم فراغ فكري ونفسي؟ ظاهرة مخيفة وغريبة. في العالم العربي هناك أمتان إسلاميتان، شيعية وسنية تتقاتلان على أرض عربية وتدمر تراثا وشعبا وحضارة.
* هل ترى أن المنطقة يعاد تقسيمها؟
- بالضبط كما قال مسعود برزاني إن المنطقة يُعاد تقسيمها بالدم، آنذاك بحرب الـ100 عام سنة 1914 صار هناك الحرب العالمية الأولى وأعادوا تشكيلها بالدم. اليوم هناك الدم العربي والكردي ودماء التناحر الطائفي، آنذاك لم يكن هناك تناحر طائفي أما اليوم هناك تناحر طائفي.
* هذا المخاض كيف يمكن أن يكون؟
- لا أملك أي جواب، ولا أعتقد أن أحدا يملك جوابا اليوم، أو لديه مسطرة مثل مسطرة، مستر سايكس أو مستر بيكو، لكن واحدا فقط نجح ويرقص فرحا في قبره وهو لورد بلفور، لأن أرض فلسطين كل يوم تتآكل وتتهوّد، ومشروع الدولتين انتهى، وبالوقت المناسب قد يهدم المسجد الأقصى ويقام المعبد الثالث بهذا الجنون المتصاعد لليمين الإسرائيلي.. كل شيء وارد.
التدمير المنهجي لمدن وقرى وبنى تحتية من سيدفع ثمنه إلا العرب، وحتى القنابل التي يرميها التحالف كلها يدفع ثمنها العرب، وعلى حساب التنمية المستدامة وتوزيع الثورة العربية الحلم العربي الكبير بأن يكون هذا المال النفطي وغير النفطي من أجل البحث العلمي وتطوير الزراعة. وأين ستبقى النخب العلمية؟ يا لها من صحراء قادمة.



«الطوارئ اليمنية» تشدد الخناق على شبكات تهريب الوقود

ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
TT

«الطوارئ اليمنية» تشدد الخناق على شبكات تهريب الوقود

ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)

في تحرك يمني لمواجهة الاقتصاد غير الرسمي، كثّفت قوات الطوارئ عملياتها الميدانية ضد شبكات تهريب المشتقات النفطية، التي تنامت بشكل ملحوظ خلال الأشهر الأخيرة، مستفيدة من فوارق الأسعار بين مناطق سيطرة الحكومة الشرعية والمناطق الخاضعة للحوثيين، فضلاً عن تداعيات الاضطرابات الإقليمية وارتفاع أسعار الوقود عالمياً.

وتأتي هذه التحركات بعد أن أظهرت قوات الطوارئ قدرات قتالية وأمنية متقدمة خلال الأحداث التي شهدتها البلاد مطلع العام الحالي، ما دفع السلطات إلى تكليفها بمهام نوعية تتعلق بحماية الاقتصاد الوطني، وفي مقدمتها التصدي لعمليات تهريب الوقود التي تُعد من أبرز مصادر الاستنزاف المالي.

وتشير مصادر عاملة في قطاع النفط إلى أن عمليات تهريب المشتقات النفطية لم تكن وليدة اللحظة، بل تعود إلى سنوات، إلا أن حدّتها ارتفعت مؤخراً مع اتساع الفجوة السعرية بين المحافظات المنتجة، وعلى رأسها مأرب، وبقية المناطق اليمنية.

وتُباع المشتقات النفطية في مأرب بأسعار تقل بنحو الثلث مقارنة ببقية المحافظات، ما يجعلها هدفاً رئيسياً لشبكات التهريب التي تسعى إلى نقل الوقود إلى مناطق أخرى وبيعه بأسعار مضاعفة، سواء داخل البلاد أو عبر التهريب إلى دول القرن الأفريقي.

إغلاق منفذ رئيسي يُستخدم في تهريب الأسلحة للحوثيين (إعلام محلي)

كما أسهمت التطورات الإقليمية، خصوصاً التوترات المرتبطة بالحرب في إيران، في زيادة الضغط على أسواق الطاقة، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتعزيز جاذبية السوق السوداء، وهو ما دفع السلطات اليمنية إلى التحرك بشكل أكثر حزماً.

ولا يقتصر تأثير التهريب على المشتقات النفطية فقط، بل يمتد إلى غاز الطهي المنزلي، حيث تعاني عدة محافظات محررة من نقص حاد في الإمدادات، رغم إنتاجه محلياً، نتيجة تهريبه إلى مناطق الحوثيين التي يُباع فيها بأسعار مضاعفة.

ضبط عشرات الناقلات

في هذا السياق، أعلنت الفرقة الأولى في قوات الطوارئ عن ضبط أكثر من خمسين ناقلة محملة بالمشتقات النفطية، كانت في طريقها إلى السوق السوداء ضمن عمليات تهريب منظمة، في خطوة وصفت بأنها الأكبر من نوعها منذ بدء الحملة.

وجاءت هذه العملية نتيجة جهود ميدانية مكثفة، شملت إنشاء نقاط تفتيش جديدة وتشديد الرقابة على الطرق الحيوية، بعد رصد تحركات مشبوهة لتجار الوقود غير الشرعيين.

وأكدت القوات أن الناقلات المضبوطة كانت تحمل كميات كبيرة جرى تهريبها بطرق غير قانونية، بهدف تحقيق أرباح سريعة على حساب المواطنين، الذين يتحملون تبعات ارتفاع الأسعار واختناقات الإمدادات.

إشادة رسمية بأداء قوات الطوارئ في ضبط المخالفات (إعلام محلي)

وأوضحت أن هذه العمليات تأتي ضمن خطة أمنية مستمرة لمكافحة التهريب، مشيرة إلى أن الحملات لن تتوقف عند هذا الحد، بل ستتواصل لتشمل مختلف المحافظات، في إطار استراتيجية تهدف إلى تجفيف منابع السوق السوداء.

كما دعت قوات الطوارئ المواطنين إلى التعاون مع الأجهزة الأمنية، والإبلاغ عن أي أنشطة مشبوهة، مؤكدة أن نجاح هذه الجهود يعتمد على تكاتف المجتمع إلى جانب الدولة.

تنظيم النقل الثقيل

بالتوازي مع حملات ضبط التهريب، شرعت السلطات في تطبيق إجراءات صارمة لتنظيم حركة النقل الثقيل، خصوصاً ما يتعلق بالأوزان والحمولات، التي تسببت في أضرار كبيرة للبنية التحتية.

ومنحت قوات الطوارئ مهلة محدودة للناقلات المخالفة لتصحيح أوضاعها، قبل البدء في تطبيق صارم للقوانين، بما يشمل منع مرور أي شاحنة لا تلتزم بالمعايير المحددة.

وأكدت قيادة الفرقة الأولى، المتمركزة في مأرب، أن هذه الإجراءات تهدف إلى حماية الطريق الدولي، الذي تعرض لأضرار جسيمة نتيجة الحمولات الزائدة، التي تسببت بدورها في مئات الحوادث المرورية.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل الاعتماد الكبير على الطرق البرية لنقل السلع والمسافرين، بما في ذلك الحجاج والمعتمرون العائدون من المملكة العربية السعودية، ما يجعل سلامة الطرق أولوية قصوى.

كما شدّدت القوات على أنها لن تتهاون مع أي ممارسات غير قانونية، بما في ذلك فرض الجبايات أو الإتاوات خارج الأطر الرسمية، مؤكدة التزامها بتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.

تنسيق حكومي

بالتوازي مع هذه التطورات، دعت المؤسسة اليمنية للنفط والغاز إلى تعزيز التنسيق بين الجهات العسكرية والأمنية، لضمان ضبط عمليات نقل وتوزيع المشتقات النفطية وفق الأطر القانونية.

وأبلغت المؤسسة قيادة الجيش بضرورة عدم السماح بمرور أي ناقلة وقود دون تصريح رسمي يثبت تبعيتها لشركة النفط الحكومية، في خطوة تهدف إلى الحد من التلاعب في السوق.

وأكدت أن الناقلات التجارية غير المرخصة تتسبب في إرباك عمل الشركة، عبر بيع الوقود بأسعار مخالفة، ما يؤدي إلى تشوهات في السوق ويقوّض جهود الاستقرار الاقتصادي.

وثيقة رسمية تطالب الجيش بالتدخل لوقف تهريب المشتقات (إكس)

وفي حادثة سابقة، ضبطت السلطات ناقلة تحمل أكثر من 81 ألف لتر من الوقود المهرب في مدخل مدينة عدن، حيث جرى تحرير محضر بالواقعة وإحالة السائق إلى التحقيق، وسط مطالبات بمصادرة الشحنة والناقلة.

ومع هذه الجهود، تواجه الأجهزة الأمنية تحديات إضافية، في ظل استمرار نشاط شبكات التهريب متعددة الأغراض، التي لا تقتصر على الوقود فقط، بل تشمل أيضاً تهريب الأسلحة.

وفي هذا الإطار، تمكنت قوات الطوارئ من ضبط شحنة أسلحة مخبأة داخل حمولة أثاث منزلي، في عملية نوعية تعكس حجم التداخل بين أنشطة التهريب المختلفة.

كما شهدت محافظة حضرموت حادثة أمنية خطيرة، تمثلت في كمين استهدف دورية عسكرية في منطقة العبر، أسفر عن مقتل ضابط وإصابة عدد من الجنود، في هجوم نفذه مسلحون مجهولون.

وتُعد هذه المنطقة من أبرز الممرات الحيوية التي تنشط فيها شبكات التهريب، ما يضاعف من تعقيد المشهد الأمني، ويستدعي تكثيف الجهود لضبط الأمن والاستقرار.


اليمن يشدد على أولوية استعادة مؤسسات الدولة وحصر السلاح

الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
TT

اليمن يشدد على أولوية استعادة مؤسسات الدولة وحصر السلاح

الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)

أكدت الحكومة اليمنية أمام مجلس الأمن أن أي عملية سياسية مستقبلية يجب أن تقوم على أسس واضحة، في مقدمتها استعادة مؤسسات الدولة، وحصر السلاح بيدها، وإنهاء مظاهر التمرد الحوثي المسلح، إذ شدّد مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، على أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب موقفاً دولياً عملياً يدعم الحكومة في بسط سلطتها على كامل التراب الوطني.

وفي هذا السياق، جدّدت الحكومة تمسكها بمرجعيات الحل السياسي المتفق عليها، وعلى رأسها قرار مجلس الأمن رقم 2216، بصفته الإطار الناظم لأي تسوية عادلة وشاملة. كما أكدت أن بناء نظام سياسي قائم على الشراكة الوطنية واحترام الدستور وسيادة القانون يمثل المدخل الحقيقي لتحقيق الاستقرار.

وأشار السعدي إلى أن استمرار امتلاك الحوثيين للسلاح والتكنولوجيا العسكرية يمثل تحدياً جوهرياً أمام أي عملية سياسية، ويقوض أسس بناء الدولة، ويهدد الأمن والاستقرار في اليمن والمنطقة، ما يستدعي تحركاً دولياً أكثر حزماً.

وفي لهجة حازمة، حذّرت الحكومة اليمنية من استمرار التدخلات الإيرانية في الشأن الداخلي، عبر دعم وتسليح وتمويل الميليشيات الحوثية، عادّةً أن ذلك يدفع اليمن إلى الانخراط في صراعات إقليمية تخدم أجندات خارجية.

المندوب اليمني لدى الأمم المتحدة عبد الله السعدي (أ.ب)

وأدانت الحكومة اليمنية «الاعتداءات الإيرانية السافرة» التي استهدفت دول الخليج والأردن، عادّةً أنها انتهاك صارخ لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي. وأكدت أن هذا السلوك يعكس إصرار طهران على تصدير الأزمات وزعزعة الاستقرار في المنطقة.

وربطت الحكومة اليمنية بشكل مباشر بين الحوثيين والمشروع الإيراني، مشيرة إلى أن انخراط الجماعة في الدفاع عن إيران يوضح طبيعة العلاقة الوثيقة بين الطرفين. كما عدّت أن تحويل اليمن إلى منصة للابتزاز وتهديد الملاحة الدولية يمثل خطراً على السلم والأمن الدوليين.

وخلال إحاطته أمام مجلس الأمن حذر المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ من مخاطر انجرار البلاد إلى مواجهة إقليمية شاملة، خصوصاً بعد الهجمات التي شنتها الجماعة الحوثية ضد إسرائيل، التي أثارت قلقاً دولياً من توسع الصراع. وأكد أن هذه المخاطر لا تزال قائمة رغم تجنب اليمن حتى الآن الانزلاق الكامل إلى تلك المواجهة.

ملف الأسرى

برز ملف الأسرى والمحتجزين في اليمن كونه من أبرز القضايا الإنسانية والسياسية المطروحة في جلسة مجلس الأمن، إذ أكدت الحكومة اليمنية دعمها الكامل للجهود التي تقودها الأمم المتحدة في هذا المسار، مجددةً التزامها بإنجاحه لإنهاء معاناة آلاف الأسر.

ودعت إلى تنفيذ اتفاق تبادل الأسرى وفق مبدأ «الكل مقابل الكل»، دون قيد أو شرط، كما نص عليه اتفاق استوكهولم، عادّةً أن هذا الملف يمثل مدخلاً أساسياً لبناء الثقة بين الأطراف وتهيئة الأرضية لأي عملية سلام شاملة.

في المقابل، أعرب المبعوث الأممي عن أسفه لعدم توصل المفاوضات الأخيرة في عمّان إلى اتفاق نهائي، رغم تحقيق تقدم ملحوظ، مشيراً إلى أن الأطراف مطالبة بتقديم تنازلات إضافية لإتمام عمليات الإفراج.

المبعوث الأممي إلى اليمن قدم إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن (أ.ب)

كما أثار ملف المحتجزين من موظفي الأمم المتحدة والمنظمات الدولية قلقاً بالغاً، حيث لا يزال العشرات محتجزين لدى الحوثيين، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي. وعدّ المبعوث الأممي أن هذه الاحتجازات تمثل انتهاكاً لامتيازات الأمم المتحدة، وتؤثر بشكل مباشر على قدرتها على تقديم المساعدات الإنسانية.

وفي السياق ذاته، حذرت الحكومة اليمنية من لجوء الحوثيين إلى محاكمات غير شرعية بحق مختطفين، بينهم موظفون دوليون، مطالبة بالإفراج الفوري وغير المشروط عنهم.

تحديات اقتصادية ومسار هش

على الصعيد الداخلي، عرضت الحكومة اليمنية ما وصفته بخطوات إصلاحية تهدف إلى تعزيز الاستقرار الاقتصادي، من بينها إقرار الموازنة العامة لعام 2026 لأول مرة منذ سنوات، ودعم استقلالية البنك المركزي، وتحسين كفاءة المؤسسات.

كما أشادت بالدعم السعودي، ورأت أنه يمثل ركيزة أساسية لصمود مؤسسات الدولة، ويسهم في الحفاظ على الاستقرار المالي في ظل ظروف معقدة.

لكن المبعوث الأممي أشار إلى أن هذه المؤشرات الإيجابية لا تلغي هشاشة الوضع الاقتصادي، في ظل تأثر اليمن بالتداعيات الإقليمية، وارتفاع أسعار الغذاء والوقود، وتراجع التحويلات المالية، إضافة إلى استمرار انقسام المؤسسات الاقتصادية.

جانب من جلسة مجلس الأمن بشأن اليمن (أ.ب)

وفي حين أكد المبعوث الأممي أن اليمنيين لا يزالون يعانون من ضعف الخدمات وتأخر الرواتب، وأن الفئات الأكثر هشاشة تتحمل العبء الأكبر من هذه الأزمات، شدّد على أن خفض التصعيد الذي تحقق منذ هدنة 2022 يمثل إنجازاً مهماً، لكنه لا يزال هشاً، في ظل مؤشرات مقلقة على تحركات عسكرية وتصاعد أعمال العنف، بما في ذلك سقوط ضحايا مدنيين.

ومع تأكيد غروندبرغ أن الحل السياسي الشامل يظل الخيار الوحيد القابل للاستمرار، دعا الأطراف اليمنية إلى عدم الرهان على المتغيرات الإقليمية، والعمل بدلاً من ذلك على تسوية تضمن مستقبلاً آمناً ومستقراً لليمن، وتحفظ أمن المنطقة، خصوصاً فيما يتعلق بحرية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن.


الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended