مارغوري رولينغز... روائية تاقت إلى الحياة الأصيلة ولم تجدها

سيرة جديدة عنها تضاف إلى عشرات السير

مارغوري رولينغز
مارغوري رولينغز
TT

مارغوري رولينغز... روائية تاقت إلى الحياة الأصيلة ولم تجدها

مارغوري رولينغز
مارغوري رولينغز

بعثت الروائية مارغوري كينان رولينغز، في عام 1932 إلى محرر الكتب الأميركي الراحل ماكسويل بيركينز برسالة تقول له فيها: «إن نال كتابي إعجابك، فسوف أحتسي قدحا من الشراب احتفالا بذلك. وإن لم ينل إعجابك، فلسوف أحتسي قدح الشراب نفسه، وإنما من دون احتفال»، وذلك قبل أن تبعث إليه بنسخة من روايتها الأولى التي تحمل عنوان «ساوث مون أندر».
غير أن الرواية قد نالت إعجاب السيد بيركينز، الذي كان وبحق من أهم محرري الكتب والروايات في عصره، والذي تمكن وبكل سهولة من تقديم السيدة رولينغز إلى مصاف النخبة من الروائيين التي تضمنت إرنست هيمنغواي، وتوماس وولف، وسكوت فيتزجيرالد، من بين آخرين. وكان السيد بيركينز بالنسبة لها معلما، وصديقا مقربا لما يقرب من 17 عاما عبر المكاتبات والمراسلات، أكثر من 700 رسالة، ومذكرة، وبرقية.
وألفت السيدة رولينغز، في عهد السيد بيركينز، أفضل روايتين من إنتاجها الأدبي: رواية «ذا ييرلينغ»، التي نالت عنها جائزة بوليتزر الأدبية في عام 1939 ثم رواية «كروس كريك» التي نُشرت في عام 1942، والتي كانت عبارة عن مزيج غير خاضع للتصنيف الدقيق من المذكرات والملاحظات حول مجريات الحياة في بستان ناء لأشجار الليمون في ريف فلوريدا الداخلي.
ترمي آن ماكوتشان في كتابتها الجديدة والصريحة للغاية لسيرة رولينغز - تحت عنوان «حياة تمنت أن تحياها» - إلى استكشاف مجاهل العلاقة التي جمعت الروائية الكبيرة بمحرر الكتب الشهير. وتتميز ماكوتشان بحساسية بالغة إزاء أعمال الروائية رولينغز، وحياتها غير المتسمة بالطابع التقليدي والروتيني إلى درجة كبيرة.
ويأتي كتابها كأحدث السير التي تتناول حياة الروائية رولينغز، بعد ظهور كتاب بعنوان «مارغوري كينان رولينغز: زائرة كروس كريك العابرة» من تأليف إليزابيث سيلفرثورن في عام 1988. وإنه من دواعي مسرة الجميع الالتقاء مع «رولينغز»: تلك المرأة البوهيمية الرائعة، المعاقرة للخمر، العاشقة للتدمير الذاتي، وتحطيم السيارات، والمفتونة بالمرح، والتدخين بلا توقف، واصطياد التماسيح، والشائعات الفارغة، والمهووسة بالطعام.
كانت رولينغز ممتنة للغاية نظرا لأن بيركنز قد تولى بنفسه النظر في أمورها الأدبية لفترة طويلة من الزمن. فالفن أبلغ في قيمته من المال، ولا بأس من بعض الشهرة، فقط إن كانت شهرة محترمة، ونبيلة، ومُستحقة. ولقد حازت رولينغز، وعن جدارة، بذلك الصنف الرفيع من الشهرة والاستحقاق في السنوات الأولى من أربعينات القرن الماضي، غير أن سمعتها الأدبية قد شابها بعض الأفول بعد ذلك.
ومرجع ذلك في جزء منه إلى أن رواية «ذا ييرلينغ» - التي تتناول حياة صبي يأمره والده بشكل مباشر بقتل رفيق عمره الدائم، وكان عبارة عن غزالة أليفة، وذلك بعد أن تناولت الغزالة كمية كبيرة من محصول الذرة الذي تعتمد عليه الأسرة اعتمادا كبيرا في عيشتها العسيرة - قد أُسيء فهمها بأنها تتناول حياة تافهة لصبي عابث. وفي حقيقة الأمر، كان حُكما ظالما للغاية كمثل شفرة جز الحشائش المنشارية القاسية.
ويرجع أيضا في جزئه الآخر إلى تورط الروائية رولينغز في قضية أشبه بالتشهير أو انتهاك الخصوصية حين وصفت أحد جيرانها بالاسم في روايتها الأخرى «كروس كريك»، تلك القضية التي تناولتها المحاكم لمدة لا تقل عن خمس سنوات كاملة، الأمر الذي أسفر عن العصف بتركيزها، وتسبب في هزة كبيرة لأعصابها وثقتها بنفسها حتى شعرت بأنها لم تعد كمثل ما كانت من قبل المحاكمة. وتمثل السبب الأخير في أن رواية «ذا ييرلينغ» لم تعد من المختارات الدراسية الموصوفة لمختلف مناهج التعليم نظرا للمفردات العرقية التي اتخمت بها الرواية القديمة من عام 1938، إذ استعانت مؤلفة الرواية بلفظة عنصرية لوصف الزنوج في روايتها، وكانت في المجريات اليومية من الرواية دائما ما تشير إلى العمال السود بلفظة «الزنوج».
وتلك من المعضلات المعقدة في حد ذاتها، إذ كانت رولينغز تعد في ريف فلوريدا، من أبرز الشخصيات الليبرالية في زمانها. وكانت تكافح التمييز العنصري بنشاط واضح، تماما كما كانت تكافح التمييز والتحيز ضدها. حينها، بعثت لصديقتها زورا نيل هدسون حول رواية كروس كريك، جاء فيها: «لقد كتبت عن الزنوج رواية هي أفضل مما كتبه أي روائي أبيض البشرة عرفناه على الإطلاق».
ولدت رولينغز في العاصمة واشنطن في عام 1896، وكان والدها يعمل موظفا في مكتب حكومي لبراءات الاختراع. كان رجلا محبا للحياة، والخروج والتنزه في الهواء الطلق، وكان قد ابتاع لأسرته مزرعة للألبان في ولاية ماريلاند القريبة. في حين كانت والدتها ذات شغف بالتملق والتسلق الاجتماعي، وكانت محل مقت ابنتها ربما منذ يوم ولادتها، إن جاز لنا القول.
كانت رولينغز تتميز بنوع من النضوج المبكر. فلقد دخلت العديد من المسابقات الأدبية وفازت بعدد لا بأس به منها. ثم تخرجت من جامعة ويسكونسن في عام 1918، ثم انتقلت رفقة زوجها الأول إلى مدينة نيويورك كي تمارس عملها ككاتبة ومؤلفة مستقلة. وكانت قد عملت في مجال العلاقات العامة لصالح مجلس العمل الحربي التابع لجمعية الشابات المسيحيات؛ ثم انخرطت في العمل الصحافي الشعبي من أجل اكتساب المال حتى تستطيع مواصلة الحياة. وكان لها عمود ثابت بعنوان «ترانيم ربة منزل» في صحيفة «جانيت» القديمة في نيويورك. اختتمت أحد أعمدتها بكلمات جاء فيها: «أحب صوت التمتمات - عندما تظهر الحلوى - وسيمفونية أمسيات العشاء - عندما تصدح الموسيقى عبر آذاني».
كانت تتحين فرصتها المناسبة دائماً. وكانت تدرك أن أفضل ما لديها لا يزال كامناً بداخلها، كمثل رواسب النفط الزيتي الثرية أسفل حقل الذرة، وكانت على استعداد للانتظار للتنقيب عن ذلك الحقل بصورة صحيحة.
شاهدت ولاية فلوريدا للمرة الأولى أثناء زيارة إلى هناك رفقة زوجها. وابتاعا سويا بستانا للبرتقال بأموال كانت متبقية من إرث صغير. كان البستان بمساحة 72 فدانا مع منزل متهالك قديم. وواتتها فكرة الكتابة في هذه المزرعة يوميا بدوام كامل، وأن تعيش من أرباح ما تنتجه المزرعة من أنواع الحمضيات المختلفة.
كان الأمر يتطلب عين خبير فاحصة تلحظ جماليات تلك المنطقة الخضراء المسطحة ذات المستنقعات والمفعمة بأشعة الشمس من ريف ولاية فلوريدا الخلاب. لم يكن الروائي الأميركي جاك كيرواك يملك تلك العين الخبيرة، إذ كان يقطن مدينة أورلاندو المجاورة، وكتب في خمسينات القرن الماضي إلى زميلته الروائية الأميركية جويس جونسون رسالة جاء فيها: «لا أرى هنا سوى العقارب، والسحالي، والضخم من العناكب، والبعوض، والصراصير العملاقة المرعبة، وأشواك الأعشاب المؤلمة للغاية». كانت عيني رولينغز إذن تستطيع أن ترى ما عجز كيرواك عن رؤيته هناك.
لقد ازدهرت أعمال مزرعة البرتقال التي أطلقت عليها اسم مزرعة «كروس كريك». وألقت السيدة رولينغز بثقلها وجُل وقتها في إدارة المزرعة، وعلمت نفسها بنفسها أساليب الصيد واصطياد الأسماك. وقال من عاصروها من جيران تلك الفترة إنهم لم يسبق لهم أن سمعوا عن امرأة تطلق هذا الكم من السباب أثناء العمل في المزارع الريفية في فلوريدا. تقول المؤلفة ماكوتشان إنها كانت تحب إقامة مآدب العشاء الكبيرة، وتقدم فيها الطيور التي كانت تصطادها بنفسها أو تربيها في مزرعتها، وكانت تطهوها بأفضل النكهات الممكنة، وتطعم الطيور أفضل الأطعمة، من الحليب منزوع الدسم، والحبوب، والخضراوات.
كانت رولينغز ذات شخصية فوضوية، ومزاجية لأقصى درجة. وكانت تعاني طيلة حياتها من آلام المعدة، وذلك كان ينغص عليها استمتاعها بحياتها كما تريد. ولقد دفعت حالتها الصحية السيئة بمؤلفة سيرتها إلى القول بأن رولينغز كانت تؤلف الفصل الروائي الواحد بين كل إجرائين طبيين شديدي الإيلام.
كانت أيضاً لا تتوقف عن معاقرة الخمر، وكانت تقود سيارتها أثناء القيام بذلك في بعض الأحيان. ويصف كتاب سيرتها تعرضها لما لا يقل عن خمس حوادث خطيرة للسيارات. ولقد اصطدمت ذات مرة ببغل كبير، أسفر عن مصرع الحيوان ودمار سيارتها. وكتب أحد زوار مزرعة كروس كريك في وقت لاحق يقول: «لقد أذهلتني السرعة التي تقود بها سيارتها في الطريق إلى أوكالا، كانت تقود السيارة بيد واحدة بسرعة 80 كيلومترا في الساعة، وتعبث بيدها الأخرى في لوحة القيادة تبحث عن قداحة السجائر!».
عند مطالعة الكم الكبير من الكتب عن سيرتها الشخصية، وسعيها الحثيث لكي تعيش الحياة الأصيلة التي تصبو إليها، نجد رسالة من خط يدها تقول فيها: «هناك أوقات أشعر فيها بالاستياء والحنق الشديد، أكاد أفقد عقلي، فقط لكوني خُلقت امرأة، أريد أن أعيش بمفردي في مكان بعيد للغاية، أود أن أقاتل الحياة بأسرها وحدي، ولا أحب أحدا أبدا، ولا يحبني أحد قط».
كانت تلك صورة المرأة التي كانت كتابتها تعني كل شيء بالنسبة لها. كانت تبحث عن الحقيقة المطلقة التي لا تتجسد في أي شيء حولها، ولا في أي شيء آخر. ولقد حذرت بيركينز ذات مرة قائلة: «سوف أجلب أفعى سامة حية وأضعها على مكتبك إن كتبت أي شيء مهذب بشأن أعمالي». ثم كتبت رسالة أخرى إلى صديقة جاء فيها: «فشل العلاقات، وانعدام السعادة، لا يعنيان عندي شيئا البتة إذا كان بإمكاني أن أقول ما أريد قوله في كل الأوقات».
لقد بذلت كل جهد تستطيعه في صقل وتنقيح أعمالها، وقالت عن ذلك: «لا يعرف أحد عدد العبارات المركبة التي اختزلتها إلى جمل أصغر، ثم أصغر، مثل المحكوم عليه بالأشغال الشاقة، حتى تكون الجمل الصغيرة في مثل ثراء التراكيب الكبيرة المتناثرة على كومات الصخور من حولي». لم تكن الروائية رولينغز تملك نظرة متفائلة أبدا بشأن البشرية من حولها.
وكانت قد كتبت وهي فتاة صغيرة عبارة تقول: «يوما ما، سوف أخط رواية نسوية عظيمة، أحض فيها النساء على الإمساك بأسلحتهن واغتيال كل الرجال، حتى ينعمن ببضع سنوات من السلام، قبل أن تهلك النساء عن آخرهن في النهاية. ثم تبدأ القرود في التطور من جديد، وربما يخرجون للعالم بسلالة أفضل من التي نعيش بين أظهرها في هذه الحياة».
* خدمة «نيويورك تايمز»



أطباء يُحدِّدون أفضل العلاجات لتخفيف الهبَّات الساخنة

مفاهيم خاطئة عن العلاج الهرموني تُقلّل رغبة بعض المريضات في استخدامه (آنسبيلاش)
مفاهيم خاطئة عن العلاج الهرموني تُقلّل رغبة بعض المريضات في استخدامه (آنسبيلاش)
TT

أطباء يُحدِّدون أفضل العلاجات لتخفيف الهبَّات الساخنة

مفاهيم خاطئة عن العلاج الهرموني تُقلّل رغبة بعض المريضات في استخدامه (آنسبيلاش)
مفاهيم خاطئة عن العلاج الهرموني تُقلّل رغبة بعض المريضات في استخدامه (آنسبيلاش)

أوصت مجموعة رائدة من الأطباء في الولايات المتحدة بأن يكون العلاج الهرموني الخيار الأول لتخفيف حدة الهبّات الساخنة والتعرق الليلي ومشكلات النوم الناجمة عنهما.

وقد أصدرت «الكلية الأميركية لأطباء النساء والتوليد» (ACOG)، وهي منظمة طبية مهنية رائدة تضم أطباء متخصصين في صحة المرأة في الولايات المتحدة وخارجها، الخميس، مجموعة من التوصيات الجديدة التي تُعد الأكثر تفصيلاً حول مرحلة انقطاع الطمث.

ووفق ما نشره موقع «هيلث داي»، الجمعة، نقلاً عن صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، فقد صنَّفت الكلية التوصية بالعلاج الهرموني ضمن فئة التوصيات «القوية»؛ إذ ترى أن فوائده تفوق مخاطره لدى معظم النساء اللواتي يعانين من هذه الأعراض. غير أن هذا التقييم لا ينطبق على النساء اللواتي لديهن أسباب طبية تمنعهن من استخدام الهرمونات، مثل وجود تاريخ مرضي للإصابة بجلطات دموية أو سكتة دماغية أو أنواع معينة من السرطان.

وتشير بيانات الكلية إلى أن ما بين 50 و92 في المائة من النساء في مرحلة انقطاع الطمث يعانين من الهبَّات الساخنة أو التعرق الليلي، كما تُعد اضطرابات النوم والاكتئاب من المشكلات الشائعة خلال هذه المرحلة العمرية.

وبالنسبة إلى النساء اللواتي يخترن اللجوء إلى العلاج الهرموني، تنصح الكلية ببدء استخدامه قبل سن الستين، أو في غضون 10 سنوات من بداية مرحلة انقطاع الطمث. وينبغي أن يستند هذا القرار إلى تقييم دقيق لأعراض المرأة وعمرها وتاريخها الصحي، وما إذا كان لديها أي عوامل خطر تتعلق بأمراض القلب أو سرطان الثدي أو الجلطات الدموية.

ويُمثّل هذا توجهاً جديداً مقارنة بتوصيات الكلية الصادرة عام 2014، التي كانت تحث الأطباء على وصف أقل جرعة ممكنة، ولأقصر فترة زمنية ممكنة. أما التوجيهات الجديدة فتدعو إلى إجراء متابعات دورية بدلاً من فرض قيود صارمة؛ إذ قد تحتاج بعض النساء إلى الاستمرار في تناول الهرمونات حتى بعد سن الستين إذا استمرت الأعراض، بحسب ما أوردته «نيويورك تايمز».

غالبية النساء يُعانين من الهبَّات الساخنة خلال انقطاع الطمث (أدوب ستوك)

وفي بيان صحافي صادر عن الكلية، الخميس، قال الدكتور بروس بير، أحد المشاركين في إعداد هذه التوجيهات: «للأسف، أدت المفاهيم الخاطئة حول مخاطر العلاج الهرموني إلى التأثير سلباً على استعداد بعض الأطباء لوصفه، وكذلك على رغبة بعض المريضات في استخدامه».

أما بالنسبة إلى النساء اللواتي لا يستطعن تناول الهرمونات أو لا يرغبن في ذلك، فتشير الكلية إلى فئة أحدث من الأدوية غير الهرمونية التي تعمل على حجب إشارات معينة في الدماغ، ومنها عقارا «فيزولينيتانت» (fezolinetant)، و«إلينزانيتانت» (elinzanetant). كما يمكن لبعض مضادات الاكتئاب أن تساعد في تخفيف الهبَّات الساخنة، إلى جانب علاج الاكتئاب.

وتشمل الخيارات غير الدوائية العلاج المعرفي السلوكي، وممارسة تدريبات اليقظة الذهنية، والنشاط البدني، والتنويم المغناطيسي، والوخز بالإبر.

وتشير الكلية إلى أن هذه الوسائل تحقق عادة أفضل النتائج عند استخدامها إلى جانب الأدوية، رغم أن صحيفة «ذا تايمز» أشارت إلى أن الأدلة الداعمة لبعضها لا تزال محدودة. أما الإستروجينات النباتية والمكملات العشبية، فلم تُدرج ضمن التوصيات؛ إذ لا توجد أدلة تثبت سلامتها أو فاعليتها، كما أنها لا تخضع لاختبارات السلامة من قِبل إدارة الغذاء والدواء الأميركية (FDA)، وفقاً لما ذكرته الكلية.

وتشير التوجيهات أيضاً إلى أن عوامل مثل العِرق والثقافة ومستوى الدخل يمكن أن تؤثر في تجربة النساء خلال مرحلة انقطاع الطمث، وكذلك في طبيعة الرعاية الصحية التي يتلقينها.

وفي تصريح لصحيفة «ذا تايمز»، قالت الدكتورة جوان مانسون، أستاذة الطب في كلية الطب بجامعة هارفارد الأميركية: «هناك توافق متزايد بين الجمعيات المهنية على ضرورة علاج أعراض انقطاع الطمث، وأن العلاج الهرموني يجب أن يكون خط الدفاع الأول».


«تينزينغ»... مَن الأبطال الحقيقيون لإيفرست؟

لقطة من فيلم «تينزينغ» للمخرجة جينيفر بيدوم (أبل تي في)
لقطة من فيلم «تينزينغ» للمخرجة جينيفر بيدوم (أبل تي في)
TT

«تينزينغ»... مَن الأبطال الحقيقيون لإيفرست؟

لقطة من فيلم «تينزينغ» للمخرجة جينيفر بيدوم (أبل تي في)
لقطة من فيلم «تينزينغ» للمخرجة جينيفر بيدوم (أبل تي في)

يتميز فيلم «تينزينغ (Tenzing)» للمخرجة جينيفر بيدوم بطابعٍ مهيبٍ ومؤثرٍ في لحظاتٍ كثيرة، ويحمل في طياته صدقاً كلاسيكياً يبعث على الألفة والارتياح، كما كتبت جانيت كاتسوليس (*). يتناول الفيلم قصة شخصية حقيقية، وهي «تينزينغ نورجاي» (يؤدي دوره جيندن فونتسوك)، المتسلق النيبالي - الهندي الذي أصبح - إلى جانب السير إدموند هيلاري (يؤدي دوره توم هيدلستون) - واحداً من أوائل الأشخاص الذين وصلوا إلى قمة جبل إيفرست عام 1953. لا يندرج الفيلم تحت تصنيف السيرة الذاتية التقليدية، ولا هو مجرد قصة مغامراتٍ مثيرة (إذ يغلب عليه طابعٌ يتسم بالرصانة والأسلوب البريطاني المتحفظ)؛ بل هو تصويرٌ دراميٌ لشغفٍ عميقٍ ومستحوذٍ في حياة رجلٍ واحد.

لقطة من فيلم «تينزينغ» يظهر فيها جيندن فونتسوك في دور «تينزينغ نورجاي» وتوم هيدلستون في دور السير إدموند هيلاري (أبل تي في)

في طفولته عام 1924 على هضبة التبت، يراقب تينزينغ - بكل انبهارٍ وتركيز - «رجالاً قادمين من أماكن بعيدة» وهم يستعدون لتسلق الجبل الذي لا يعرفه سوى باسمه التبتي: «تشومولونغما». ومن بين هؤلاء الرجال المتسلق الإنجليزي جورج مالوري (يؤدي دوره جوني فلين) - الذي لقي حتفه خلال ذلك الصعود-، حيث أدى لقاءٌ عابرٌ بينه وبين تينزينغ إلى إشعال حلمٍ سرعان ما تحوَّل إلى هوسٍ يلازمه. وبعد نحو 3 عقود، قاد هذا الدافع تينزينغ -الذي أصبح حينها متسلقاً متمرساً- ليصبح كبير «الشيربا» في بعثة هيلاري. وضع هذا الدور تينزينغ في حالةٍ من التخبط؛ فهو ليس عضواً في فريق التسلق البريطاني، وفي الوقت ذاته لا ينتمي عرقياً إلى قومية «الشيربا»، مما جعله يبدو غريباً في نظر كلا الطرفين. ومع أن ذكاءه وقدراته الاستثنائية في التسلق منحاه التقدير والترقية، فإن المخرجة جينيفر بيدوم - في أولى تجاربها الروائية الطويلة بعد سلسلة من الأفلام الوثائقية عن تسلق الجبال - تظل مدركةً تماماً للفوارق الطبقية التي اتسمت بها البعثة، ولنبرة العنصرية التي لم تكن خفيةً على الإطلاق.

توم هيدلستون في لقطة من فيلم «تينزينغ» (أبل تي في)

صُوِّر فيلم «تينزينغ (Tenzing)» في نيبال ونيوزيلندا، ويضفي طابعاً مهيباً وبارداً على منحدرات جبل إيفرست الخطرة؛ حيث تؤكد عدسة المصور ستيفان دوشيو، إيمانَ تينزينغ بالقوة الروحية الغامضة للجبل. غير أن السيناريو - الذي كتبه لوك ديفيز - يعتمد بشكل مفرط على استرجاعات زمنية (فلاش باك) مربكة، ويُلحّ كثيراً على إبراز الرابط الروحي بين تينزينغ والجبل، مما يجعل الشخصيات الأخرى تبدو باهتةً وغير ذات أهمية؛ فمثلاً، يظهر «هيلاري» - وهو نيوزيلندي مهذب - بشخصية متحفظة للغاية لدرجة أنني نسيت وجوده في بعض المشاهد. ومما يصعب تجاهله أيضاً هو شخصية «العقيد هانت» التي يؤديها ويليم دافو؛ فهو قائد البعثة الذي يبدو في غاية الجمود والصرامة. وبغض النظر عن رأيك في الوضع الراهن لجبل إيفرست وما آل إليه من تدهور، فلا شك أن تينزينغ الذي كان، إلى جانب «هيلاري»، أول مَن سلك «الحافة الجنوبية الشرقية» الشهيرة للجبل، وهي المسار الذي شهد كارثة مروعة عام 2014 - يستحق هذا الاهتمام. ورغم أن الفيلم يضفي عليه صبغة مثالية قد تبدو مبالغاً فيها، فإن أداء «فونتسوك» يتسم بالتواضع والبهجة، مما يجعل المُشاهد يتقبل هذا التصوير بسهولة. وسواء كان يشق طريقه وسط رياح موسمية عاتية أو ينتشل «هيلاري» من صدع جليدي خطير، يظهر «تينزينغ» كرجل يعيش حياته بأفضل صورها.

جيندن فونتسوك وتوم هيدلستون في «تينزنغ» (أبل تي في)

وعلى أي حال، فإن النزعة التبجيلية في الفيلم تتوازن بفضل جماليته الكلاسيكية، وطريقته التي تتسم بالوقار - وأحياناً بالقدرة على حبس الأنفاس - في تصوير المخاطر. قد يكون «تينزينغ» في رحلة بحث روحية، لكن «الشيربا» (سكان الجبال) لا يخدعون أنفسهم بشأن مكانتهم أو طبيعة علاقتهم بقادتهم الأجانب الذين يفرضون سطوتهم عليهم. فهم يتمتعون بالفطنة واللسان اللاذع، ويدركون تماماً أن مهاراتهم وما يتحملونه من مشاق لا تخدم سوى تضخيم غرور هؤلاء الأجانب، الذين «يحظون بفرصة التظاهر بأنهم أبطال». ومن خلال تعاطفه الهادئ، يحرص فيلم «تينزينغ» على أن يوضح لنا مَن هم الأبطال الحقيقيون.

* خدمة «نيويورك تايمز»


لاعبو المهارات القتالية الغربيون أكملوا المهمة الصينية

بروس لي في «أدخل التنين» (وورنر)
بروس لي في «أدخل التنين» (وورنر)
TT

لاعبو المهارات القتالية الغربيون أكملوا المهمة الصينية

بروس لي في «أدخل التنين» (وورنر)
بروس لي في «أدخل التنين» (وورنر)

سينما السارولا في شارع الحمرا في بيروت، في أول يوم من السنة الجديدة 1972. أجلس في الصالة الممتلئة بكاملها لمشاهدة فيلم عنوانه «بيغ بوس (Big Boss)». لم تكن لدي أي فكرة مسبقة عن هذا الفيلم سوى بعض الصور التي كانت الصالة تنشرها عند مدخلها.

يبدأ العرض. هناك ممثل اسمه بروس لي، صغير القامة. مبتسم الوجه. كان وَعدَ بألا يستخدم مهارته في القتال مطلقاً، لكن ما يتعرَّض إليه ابن عمّه من مشكلات من قبل عصبة الأشرار يدفعه للتخلي عن وعده واستخدام مهارة لم نرَ مثلها سابقاً لضرب الأشرار بعنف وفاعليه.

فنُّ القتال المُمارَس كان جديداً من نوعه. حتى ذلك الحين كان قتال القبضات على الحنك والبطن في الأفلام الغربية هو السائد في المعارك اليدوية. لكن هذا الممثل يستخدم لغة قتال أخرى اسمها كونغ فو. «ماذا؟» سألت مدير الصالة بعد العرض، أجاب: «كونغ فو. ألم تسمع بهذه الرياضة من قبل؟». قلت: «مطلقاً»، ثم رددت في نفسي ساخراً: «قال رياضة، قال!».

كان الجمهور مبهوراً بالفيلم، لكنه مهَّد الطريق لعمل أكثر تأثيراً هو «أدخل التنين (Enter the Dragon)»، الذي أخرجه الأميركي روبرت كلاوز وعُرض بعد عامين. جمع الفيلم بين بروس لي والممثلين الأميركيَّين جيم كيلي وجون ساكسون، وكان الأخير الأقل إتقاناً لفنون القتال بينهم. في سياق الأحداث يُقتل كيلي غدراً، ليبقى في المواجهة النهائية اثنان فقط: بروس لي وزعيم الجزيرة هان (شيه كيين). أما المشهد الختامي، الذي تدور أحداثه داخل متاهة من المرايا، فقد أصبح واحداً من أكثر المشاهد شهرةً في تاريخ أفلام الفنون القتالية ودخل ضمن كلاسيكيات السينما العالمية.

أبطال جدد

فتح فيلما بروس لي الباب واسعاً ولسنوات طويلة أمام صنف جديد من أفلام الأكشن تتجاوز اللامعقول يتم فيها استخدام أقصى الخيال، وكسر نظرية إسحاق نيوتن عن الجاذبية.

عند هذا الحد توقفت عن متابعة الغزو الكبير لهذه الأفلام، لكن هونغ كونغ وهوليوود لم تتوقفا عن إنتاجها. الأولى استمرت بتوفير أسماء جديدة مثل جيمي وانغ يو، ولو لي، وأنجيلا لي، وجاكي تشان، وجت لي. أما هوليوود فسريعاً ما طوَّرت نمطها الخاص من أفلام الأكشن.

لم تنسق بالكامل وراء الخيال المفرط الذي ميَّز بعض الإنتاجات الآسيوية، لكنها استعانت بممثلين يتقنون فنون القتال ويجيدون اللكم والركل وطرح الخصوم أرضاً، من دون الحاجة إلى التحليق في الهواء.

السبعينات والثمانينات كانت السنوات التي ظهر فيها أبطال جدد يستخدمون الكونغ فو والأكيدو والكاراتيه والجودو والكوندو وما تيسّر وبمهارات مختلفة.

في البداية امتهن الممثل ديفيد كارادين فن الكونغ فو في حلقات تلفزيونية (بالعنوان نفسه، «كونغ فو») انطلقت سنة 1972 وحتى 1975. في ذلك المسلسل لعب شخصية البوذي الصيني - الأميركي الأصلع، كواي تشانغ كاين، الذي رسم لنفسه طريقاً مسالماً في الحياة يتخلّى عنه مضطراً في كل مرّة يواجه فيها أشراراً بيضاً من النوع المتغطرس الساخر من وداعته الظاهرة.

في الفترة ذاتها برز جيم كَلَي. الشاب أفرو- أميركي الذي كان شارك بروس لي بطولة «أدخل التنين». كَلي استقل بالبطولة بدءاً من فيلم عنوانه «Black Belt Jones» في 1974. كان بالفعل ماهراً في إتقان حركاته كما في إبراز خصوصيّته كنجم أسود البشرة وسط ممثلين بيض باتوا، في ذلك النصف الثاني من العقد، يتنافسون على تقديم مهاراتهم في فنون القتال الآسيوية.

أحد هؤلاء هو تشاك نوريس الذي أجاد نوعاً من القتال يستخدم فيه الركلات كثيراً. نوريس (الذي توفي هذا العام) استقطب معجبين بدءاً من «الطيبون يرتدون الأسود (Good Guys Wear Black)» سنة 1977 وهو عام كان زاخراً بأفلامه التي أدّى فيها غالباً دور العميل الخاص أو العسكري السابق العائد إلى رحى المعركة كما في «قوة رجل واحدة (Force of One)»، و«العين بالعين (Eye for an Eye)» ما بين 1979 و1981.

الطبّاخ المثالي

أحد أفلام نوريس كان «مفقود في المعركة (Missing in Action)» في 1984 وأحد الذين لعبوا دوراً صغيراً في ذلك الفيلم كان جان - كلود ڤان دام الذي تولّى بعد ذلك البطولة في نحو 50 فيلماً، أولها «لا تراجع ولا استسلام (No Retreat, No Surrender)» عام 1986. وتبعه بأفلام ناجحة مثل «Bloodsport»، و«Cyborg»، و«Kickboxer»، و«Lionheart».

بين كل الممثلين ميّز ڤان - دام نفسه بعضلاته كما بمهارته القتالية. الأولى تسبَّبت في تسميته «العضلات من بروكسل (The Muscles from Brussels)» نسبة لبلد مولده. الثانية لم تكن مفصّلة حسب قانون قتال محدد بقدر ما كانت تطويراً لمجموعة غير محددة منها.

جاكي تشان (مولود في أستراليا من أصل صيني) انتقل من الصين إلى الولايات المتحدة وقدَّم سلسلةً ناجحةً من الأفلام، مزج فيها الدعابة بمشاهد الخطر. في هذا الشأن اعترف حين قابلته قبيل عرض فيلمه «Rush Hour 2» سنة 2001 بأنه استلهم من الكوميدي الصامت بستر كيتون كثيراً من أداءاته. تشان الممثل الوحيد في هذا النوع من السينما الذي أنجز أكثر من 140 فيلماً حتى الآن.

لكن لا أحد، من بين ممثلي السينما الغربية، أجاد اللعبة القتالية بالدرجة ذاتها التي أداها ستيفن سيغال. تميَّز برياضة أكيدو المختلفة عن سواها بأنها قتالية ودفاعية في الوقت ذاته. كان نال الحزام الأسود فيها مرتين واستخدمها إضافةً على النمط السائد من تلك الرياضات.

فيلمه الأول كان لافتاً. فيلم بوليسي بعنوان «فوق القانون (Above the Law)» في 1988. لعب فيه دور التحري الإيطالي الأصل توسكاني الذي خرج من حرب ڤيتنام رافضاً العنف الأميركي فيها (جسّد ذلك الممثل هنري سيلڤا في مشاهد تعذيب للأسرى). لاحقاً نقل الشرير مجال عمله إلى الولايات المتحدة متخصصاً في التجارة بالكوكايين، هذا إلى أن وضع توسكاني حدّاً له.

لابد أن يعجب المرء بكيف يستدرج توسكاني الأشرار لمنازلته وسرعة حركته التي لا يعتمد فيها على الركل. وبعد 3 أفلام من هذا النوع قاد بطولة أنجح أعماله في تلك الفترة وهو «تحت الحصار (Under Siege)» لاعباً دور طبّاخ سفينة حربية تتعرَّض لمحاولة السيطرة عليها من قِبل مسلّحين. لا أحد توقَّع أن تكون لدى طباخ السباغتي والمعكرونة تلك المهارة الفتّاكة.

عودة ضعيفة

التقيت مخرج «فوق القانون» و«تحت الحصار» أندرو ديڤيز في مهرجان تورنتو قبل نحو 16 سنة وسألته عمّا ميَّز سيغال عن سواه بالنسبة إليه فأجاب: «أظن أنه الوحيد بين الممثلين الذي يستطيع تقريب مهارته القتالية للجمهور وليس الاكتفاء بعرضها. أفلامه لم تبحث عن شخصية مشابهة لتلك التي لعبها آخرون. سيغال كان أقرب للجمهور بوصفه ممثلاً أيضاً».

لا يزال تيار أفلام الفنون القتالية الآسيوية مستمراً حتى اليوم، عبر إنتاجات صينية وهونغ كونغية تتصدرها أسماء مثل دوني ين وسامو هونغ، وإلى جانبهما نجوم من دول آسيوية أخرى مثل التايلاندي توني جا والإندونيسي إيكو أويس. لكن وهج هذه الأسماء لم يعد يعادل، في نظر كثيرين، المكانة التي تمتع بها رواد النوع في عقود سابقة.

في المقابل، وجدت هوليوود وريثها المعاصر في البريطاني جيسون ستاثام، الذي يتصدَّر اليوم أفلام الحركة القائمة على القتال اليدوي. ويمكن مشاهدته حالياً في فيلم «تمرد (Mutiny)». ما يميِّز ستاثام أنه يجسِّد باستمرار شخصية الرجل العادي الذي لا يتوقع منه أحد امتلاك تلك المقدرات القتالية الاستثنائية؛ فهو ميكانيكي في «ميكانيك: القيامة (Mechanic: Resurrection)»، وعامل بناء في «رجل عامل (A Working Man)»، ومربي نحل في «مربي النحل (The Beekeeper)». وقد سبقه ستيفن سيغال إلى هذا الأسلوب عندما أدى دور الطباخ الذي يتحوَّل، عند الضرورة، إلى مقاتل لا يستهان به.

لا يبدو لي، وأنا لست خبيراً في أي من هذه الرياضات، أن ستاثام ملتزم بنوع واحد منها. تعلّم بعضها بالطبع لكي يجيد إبهار مشاهديه، لكنه لا يتميَّز بنوع على آخر، هو وارث شرعي لمَن سبقه.

وأنجح نجوم النوع حالياً (لديه حالياً 5 أفلام جديدة من بينها Beekeeper 2).

من نجوم الجيل القديم رحل تشاك نوريس وجيم كيلي عن هذا العالم، أما ڤان - دام فعاد ضعيفاً مرهقاً، وجاكي تشان كبر سنّاً، وستيفن سيغال يحضِّر لعودة قد لا تقع وهو الذي ختم سلسلة أفلامه ببطولة «خلف القانون (Beyond the Law)» سنة 2019. في بعض أفلامه الأخيرة زاد وزنه وثقلت حركته وبذلك تحوَّلت أفلامه السابقة إلى نوستالجيا لمحبيه.