مارغوري رولينغز... روائية تاقت إلى الحياة الأصيلة ولم تجدها

سيرة جديدة عنها تضاف إلى عشرات السير

مارغوري رولينغز
مارغوري رولينغز
TT

مارغوري رولينغز... روائية تاقت إلى الحياة الأصيلة ولم تجدها

مارغوري رولينغز
مارغوري رولينغز

بعثت الروائية مارغوري كينان رولينغز، في عام 1932 إلى محرر الكتب الأميركي الراحل ماكسويل بيركينز برسالة تقول له فيها: «إن نال كتابي إعجابك، فسوف أحتسي قدحا من الشراب احتفالا بذلك. وإن لم ينل إعجابك، فلسوف أحتسي قدح الشراب نفسه، وإنما من دون احتفال»، وذلك قبل أن تبعث إليه بنسخة من روايتها الأولى التي تحمل عنوان «ساوث مون أندر».
غير أن الرواية قد نالت إعجاب السيد بيركينز، الذي كان وبحق من أهم محرري الكتب والروايات في عصره، والذي تمكن وبكل سهولة من تقديم السيدة رولينغز إلى مصاف النخبة من الروائيين التي تضمنت إرنست هيمنغواي، وتوماس وولف، وسكوت فيتزجيرالد، من بين آخرين. وكان السيد بيركينز بالنسبة لها معلما، وصديقا مقربا لما يقرب من 17 عاما عبر المكاتبات والمراسلات، أكثر من 700 رسالة، ومذكرة، وبرقية.
وألفت السيدة رولينغز، في عهد السيد بيركينز، أفضل روايتين من إنتاجها الأدبي: رواية «ذا ييرلينغ»، التي نالت عنها جائزة بوليتزر الأدبية في عام 1939 ثم رواية «كروس كريك» التي نُشرت في عام 1942، والتي كانت عبارة عن مزيج غير خاضع للتصنيف الدقيق من المذكرات والملاحظات حول مجريات الحياة في بستان ناء لأشجار الليمون في ريف فلوريدا الداخلي.
ترمي آن ماكوتشان في كتابتها الجديدة والصريحة للغاية لسيرة رولينغز - تحت عنوان «حياة تمنت أن تحياها» - إلى استكشاف مجاهل العلاقة التي جمعت الروائية الكبيرة بمحرر الكتب الشهير. وتتميز ماكوتشان بحساسية بالغة إزاء أعمال الروائية رولينغز، وحياتها غير المتسمة بالطابع التقليدي والروتيني إلى درجة كبيرة.
ويأتي كتابها كأحدث السير التي تتناول حياة الروائية رولينغز، بعد ظهور كتاب بعنوان «مارغوري كينان رولينغز: زائرة كروس كريك العابرة» من تأليف إليزابيث سيلفرثورن في عام 1988. وإنه من دواعي مسرة الجميع الالتقاء مع «رولينغز»: تلك المرأة البوهيمية الرائعة، المعاقرة للخمر، العاشقة للتدمير الذاتي، وتحطيم السيارات، والمفتونة بالمرح، والتدخين بلا توقف، واصطياد التماسيح، والشائعات الفارغة، والمهووسة بالطعام.
كانت رولينغز ممتنة للغاية نظرا لأن بيركنز قد تولى بنفسه النظر في أمورها الأدبية لفترة طويلة من الزمن. فالفن أبلغ في قيمته من المال، ولا بأس من بعض الشهرة، فقط إن كانت شهرة محترمة، ونبيلة، ومُستحقة. ولقد حازت رولينغز، وعن جدارة، بذلك الصنف الرفيع من الشهرة والاستحقاق في السنوات الأولى من أربعينات القرن الماضي، غير أن سمعتها الأدبية قد شابها بعض الأفول بعد ذلك.
ومرجع ذلك في جزء منه إلى أن رواية «ذا ييرلينغ» - التي تتناول حياة صبي يأمره والده بشكل مباشر بقتل رفيق عمره الدائم، وكان عبارة عن غزالة أليفة، وذلك بعد أن تناولت الغزالة كمية كبيرة من محصول الذرة الذي تعتمد عليه الأسرة اعتمادا كبيرا في عيشتها العسيرة - قد أُسيء فهمها بأنها تتناول حياة تافهة لصبي عابث. وفي حقيقة الأمر، كان حُكما ظالما للغاية كمثل شفرة جز الحشائش المنشارية القاسية.
ويرجع أيضا في جزئه الآخر إلى تورط الروائية رولينغز في قضية أشبه بالتشهير أو انتهاك الخصوصية حين وصفت أحد جيرانها بالاسم في روايتها الأخرى «كروس كريك»، تلك القضية التي تناولتها المحاكم لمدة لا تقل عن خمس سنوات كاملة، الأمر الذي أسفر عن العصف بتركيزها، وتسبب في هزة كبيرة لأعصابها وثقتها بنفسها حتى شعرت بأنها لم تعد كمثل ما كانت من قبل المحاكمة. وتمثل السبب الأخير في أن رواية «ذا ييرلينغ» لم تعد من المختارات الدراسية الموصوفة لمختلف مناهج التعليم نظرا للمفردات العرقية التي اتخمت بها الرواية القديمة من عام 1938، إذ استعانت مؤلفة الرواية بلفظة عنصرية لوصف الزنوج في روايتها، وكانت في المجريات اليومية من الرواية دائما ما تشير إلى العمال السود بلفظة «الزنوج».
وتلك من المعضلات المعقدة في حد ذاتها، إذ كانت رولينغز تعد في ريف فلوريدا، من أبرز الشخصيات الليبرالية في زمانها. وكانت تكافح التمييز العنصري بنشاط واضح، تماما كما كانت تكافح التمييز والتحيز ضدها. حينها، بعثت لصديقتها زورا نيل هدسون حول رواية كروس كريك، جاء فيها: «لقد كتبت عن الزنوج رواية هي أفضل مما كتبه أي روائي أبيض البشرة عرفناه على الإطلاق».
ولدت رولينغز في العاصمة واشنطن في عام 1896، وكان والدها يعمل موظفا في مكتب حكومي لبراءات الاختراع. كان رجلا محبا للحياة، والخروج والتنزه في الهواء الطلق، وكان قد ابتاع لأسرته مزرعة للألبان في ولاية ماريلاند القريبة. في حين كانت والدتها ذات شغف بالتملق والتسلق الاجتماعي، وكانت محل مقت ابنتها ربما منذ يوم ولادتها، إن جاز لنا القول.
كانت رولينغز تتميز بنوع من النضوج المبكر. فلقد دخلت العديد من المسابقات الأدبية وفازت بعدد لا بأس به منها. ثم تخرجت من جامعة ويسكونسن في عام 1918، ثم انتقلت رفقة زوجها الأول إلى مدينة نيويورك كي تمارس عملها ككاتبة ومؤلفة مستقلة. وكانت قد عملت في مجال العلاقات العامة لصالح مجلس العمل الحربي التابع لجمعية الشابات المسيحيات؛ ثم انخرطت في العمل الصحافي الشعبي من أجل اكتساب المال حتى تستطيع مواصلة الحياة. وكان لها عمود ثابت بعنوان «ترانيم ربة منزل» في صحيفة «جانيت» القديمة في نيويورك. اختتمت أحد أعمدتها بكلمات جاء فيها: «أحب صوت التمتمات - عندما تظهر الحلوى - وسيمفونية أمسيات العشاء - عندما تصدح الموسيقى عبر آذاني».
كانت تتحين فرصتها المناسبة دائماً. وكانت تدرك أن أفضل ما لديها لا يزال كامناً بداخلها، كمثل رواسب النفط الزيتي الثرية أسفل حقل الذرة، وكانت على استعداد للانتظار للتنقيب عن ذلك الحقل بصورة صحيحة.
شاهدت ولاية فلوريدا للمرة الأولى أثناء زيارة إلى هناك رفقة زوجها. وابتاعا سويا بستانا للبرتقال بأموال كانت متبقية من إرث صغير. كان البستان بمساحة 72 فدانا مع منزل متهالك قديم. وواتتها فكرة الكتابة في هذه المزرعة يوميا بدوام كامل، وأن تعيش من أرباح ما تنتجه المزرعة من أنواع الحمضيات المختلفة.
كان الأمر يتطلب عين خبير فاحصة تلحظ جماليات تلك المنطقة الخضراء المسطحة ذات المستنقعات والمفعمة بأشعة الشمس من ريف ولاية فلوريدا الخلاب. لم يكن الروائي الأميركي جاك كيرواك يملك تلك العين الخبيرة، إذ كان يقطن مدينة أورلاندو المجاورة، وكتب في خمسينات القرن الماضي إلى زميلته الروائية الأميركية جويس جونسون رسالة جاء فيها: «لا أرى هنا سوى العقارب، والسحالي، والضخم من العناكب، والبعوض، والصراصير العملاقة المرعبة، وأشواك الأعشاب المؤلمة للغاية». كانت عيني رولينغز إذن تستطيع أن ترى ما عجز كيرواك عن رؤيته هناك.
لقد ازدهرت أعمال مزرعة البرتقال التي أطلقت عليها اسم مزرعة «كروس كريك». وألقت السيدة رولينغز بثقلها وجُل وقتها في إدارة المزرعة، وعلمت نفسها بنفسها أساليب الصيد واصطياد الأسماك. وقال من عاصروها من جيران تلك الفترة إنهم لم يسبق لهم أن سمعوا عن امرأة تطلق هذا الكم من السباب أثناء العمل في المزارع الريفية في فلوريدا. تقول المؤلفة ماكوتشان إنها كانت تحب إقامة مآدب العشاء الكبيرة، وتقدم فيها الطيور التي كانت تصطادها بنفسها أو تربيها في مزرعتها، وكانت تطهوها بأفضل النكهات الممكنة، وتطعم الطيور أفضل الأطعمة، من الحليب منزوع الدسم، والحبوب، والخضراوات.
كانت رولينغز ذات شخصية فوضوية، ومزاجية لأقصى درجة. وكانت تعاني طيلة حياتها من آلام المعدة، وذلك كان ينغص عليها استمتاعها بحياتها كما تريد. ولقد دفعت حالتها الصحية السيئة بمؤلفة سيرتها إلى القول بأن رولينغز كانت تؤلف الفصل الروائي الواحد بين كل إجرائين طبيين شديدي الإيلام.
كانت أيضاً لا تتوقف عن معاقرة الخمر، وكانت تقود سيارتها أثناء القيام بذلك في بعض الأحيان. ويصف كتاب سيرتها تعرضها لما لا يقل عن خمس حوادث خطيرة للسيارات. ولقد اصطدمت ذات مرة ببغل كبير، أسفر عن مصرع الحيوان ودمار سيارتها. وكتب أحد زوار مزرعة كروس كريك في وقت لاحق يقول: «لقد أذهلتني السرعة التي تقود بها سيارتها في الطريق إلى أوكالا، كانت تقود السيارة بيد واحدة بسرعة 80 كيلومترا في الساعة، وتعبث بيدها الأخرى في لوحة القيادة تبحث عن قداحة السجائر!».
عند مطالعة الكم الكبير من الكتب عن سيرتها الشخصية، وسعيها الحثيث لكي تعيش الحياة الأصيلة التي تصبو إليها، نجد رسالة من خط يدها تقول فيها: «هناك أوقات أشعر فيها بالاستياء والحنق الشديد، أكاد أفقد عقلي، فقط لكوني خُلقت امرأة، أريد أن أعيش بمفردي في مكان بعيد للغاية، أود أن أقاتل الحياة بأسرها وحدي، ولا أحب أحدا أبدا، ولا يحبني أحد قط».
كانت تلك صورة المرأة التي كانت كتابتها تعني كل شيء بالنسبة لها. كانت تبحث عن الحقيقة المطلقة التي لا تتجسد في أي شيء حولها، ولا في أي شيء آخر. ولقد حذرت بيركينز ذات مرة قائلة: «سوف أجلب أفعى سامة حية وأضعها على مكتبك إن كتبت أي شيء مهذب بشأن أعمالي». ثم كتبت رسالة أخرى إلى صديقة جاء فيها: «فشل العلاقات، وانعدام السعادة، لا يعنيان عندي شيئا البتة إذا كان بإمكاني أن أقول ما أريد قوله في كل الأوقات».
لقد بذلت كل جهد تستطيعه في صقل وتنقيح أعمالها، وقالت عن ذلك: «لا يعرف أحد عدد العبارات المركبة التي اختزلتها إلى جمل أصغر، ثم أصغر، مثل المحكوم عليه بالأشغال الشاقة، حتى تكون الجمل الصغيرة في مثل ثراء التراكيب الكبيرة المتناثرة على كومات الصخور من حولي». لم تكن الروائية رولينغز تملك نظرة متفائلة أبدا بشأن البشرية من حولها.
وكانت قد كتبت وهي فتاة صغيرة عبارة تقول: «يوما ما، سوف أخط رواية نسوية عظيمة، أحض فيها النساء على الإمساك بأسلحتهن واغتيال كل الرجال، حتى ينعمن ببضع سنوات من السلام، قبل أن تهلك النساء عن آخرهن في النهاية. ثم تبدأ القرود في التطور من جديد، وربما يخرجون للعالم بسلالة أفضل من التي نعيش بين أظهرها في هذه الحياة».
* خدمة «نيويورك تايمز»



عودة «الطبل الناطق» إلى ساحل العاج بعد أكثر من 100 عام في فرنسا

الطبل التاريخي يعود إلى ساحل العاج (رويترز)
الطبل التاريخي يعود إلى ساحل العاج (رويترز)
TT

عودة «الطبل الناطق» إلى ساحل العاج بعد أكثر من 100 عام في فرنسا

الطبل التاريخي يعود إلى ساحل العاج (رويترز)
الطبل التاريخي يعود إلى ساحل العاج (رويترز)

أعادت فرنسا إلى ساحل العاج طبلاً مقدّساً من نوع «الطبول الناطقة» كان قد نُهب إبّان الحقبة الاستعمارية، وذلك بعد أكثر من قرن على إخراجه من البلاد.

وكانت القوات الاستعمارية الفرنسية قد استولت على الطبل عام 1916، قبل أن يُنقل إلى فرنسا عام 1929، حيث عُرض بدايةً في «متحف تروكاديرو»، ثم انتقل لاحقاً إلى متحف «كيه برانلي» في باريس، ليظلَّ هناك عقوداً بكونه أحد المعروضات المرتبطة بتاريخ الحقبة الاستعمارية.

ويُعرف هذا الطبل باسم «ديدجي أيوكويه» (Panther Lion)، وقد استقبله لدى عودته أفراد من جماعة «إيبرييه» التي تعود ملكيته الأصلية إليها. ويبلغ طول الطبل أكثر من 3 أمتار، ويزن نحو 430 كيلوغراماً، وهو منحوت من خشب شجرة «الإيروكو».

قطعة من ذاكرة أفريقيا تعود إلى أرضها (رويترز)

وتأتي هذه الخطوة في إطار مساعٍ فرنسية أوسع لإعادة القطع الثقافية الأفريقية إلى بلدانها الأصلية، وهي عملية بدأت عام 2017.

ووصل الطبل إلى أبيدجان على طائرة استُؤجرت لنقله، غير أنه بقي داخل صندوق خشبي كبير وُضعت عليه علامة «قابل للكسر». وكانت مجموعة من الراقصين التقليديين وعدد من الزعماء المحلّيين في مطار أبيدجان الدولي لاستقباله.

وقالت وزيرة الثقافة في ساحل العاج، فرنسواز رمارك، لـ«بي بي سي»، إنّ عودة الطبل تمثّل «يوماً تاريخياً مشحوناً بالمشاعر»، مضيفة أنّ البلاد «تعيش لحظة إنصاف واستعادة للذاكرة تعلن أخيراً عودة طبل (ديدجي أيوكويه) إلى موطنه الأصلي».

ومن جانبه، أوضح مدير متحف الحضارات في أبيدجان، فرانسيس تاغرو، أنّ الطبل سيُعرض «في موقع يليق بقيمته في قلب المتحف الوطني». وأضاف: «نشعر بسعادة غامرة وفخر عميق باستعادة هذا الطبل المقدّس؛ لما يمثّله من رمزية كبيرة بالنسبة إلينا، ولما سيتركه من أثر في تعزيز الوعي الثقافي لدى الأجيال الشابة».

ويُعدّ «الطبل الناطق» أحد أبرز رموز التراث لدى جماعة «إيبرييه»؛ إذ كان يُستخدم تقليدياً للتحذير من الأخطار، وحشد الناس في زمن الحرب، وكذلك لدعوة القرى إلى المناسبات والاحتفالات. وتتركز هذه الجماعة في مدينة أبيدجان، كبرى مدن ساحل العاج.

وكانت باريس قد سلَّمت الطبل رسمياً في 20 فبراير (شباط) الماضي، بعد أن أقرّ البرلمان الفرنسي قانوناً خاصاً يجيز إعادته. ويمثّل «الطبل الناطق» أول قطعة ضمن قائمة تضم 148 عملاً فنياً وثقافياً تسعى ساحل العاج إلى استعادتها من فرنسا ودول أخرى.

وسبق لفرنسا أن أعادت بعض كنوز مملكة أبومي الملكية إلى بنين، كما أعادت سيفاً تاريخياً إلى السنغال. ويأتي ذلك في ظل تزايد مطالب الدول التي خضعت للاستعمار باسترداد تراثها الثقافي؛ إذ اعتمد مجلس الشيوخ الفرنسي في 29 يناير (كانون الثاني) الماضي قانوناً إطارياً يهدف إلى تسهيل إعادة القطع العائدة إلى الحقبة الاستعمارية من المجموعات الوطنية الفرنسية، على أن يُطرح مشروع القانون قريباً للنقاش في الجمعية الوطنية الفرنسية.


مختبرات بلا حيوانات... ثورة علمية تلوح في الأفق

العلم يودِّع حيوانات المختبر (شاترستوك)
العلم يودِّع حيوانات المختبر (شاترستوك)
TT

مختبرات بلا حيوانات... ثورة علمية تلوح في الأفق

العلم يودِّع حيوانات المختبر (شاترستوك)
العلم يودِّع حيوانات المختبر (شاترستوك)

أعلنت الحكومة البريطانية عن خطّة جريئة للتوقّف تدريجياً عن استخدام حيوانات التجارب في بعض مجالات البحث العلمي؛ إذ تقرَّر -على سبيل المثال- وقف الاختبارات الخاصة بحساسية الجلد على الحيوان بحلول هذا العام، ووقف بعض البحوث على الكلاب في 2030؛ حيث تنص السياسة الجديدة على أنّ عصر استخدام الحيوان في العلوم قد انقضى باستثناء بعض الحالات الخاصة.

وذكرت «وكالة الأنباء الألمانية» أنّ دولاً أخرى في العالم اتخذت إجراءات مماثلة؛ إذ أزاحت إدارة الغذاء والدواء الأميركية في أبريل (نيسان) الماضي الستار عن خطّة لجعل التجارب على الحيوانات هي «الاستثناء وليست القاعدة» في مجال اختبارات سلامة الأدوية في غضون 3 إلى 5 سنوات. وفي الشهر عينه، طرحت معاهد الصحة الوطنية الأميركية مبادرة لتقليل استخدام حيوانات التجارب في البحوث التي تموّلها. وفي العام الحالي، تعتزم المفوضية الأوروبية نشر خريطة طريق لإنهاء الاختبارات على الحيوانات في مجال تقييم سلامة الكيميائيات.

وقد عزَّزت المخاوف الأخلاقية والشواغل بشأن سلامة الحيوان من الجهود للتصدّي لاستخدام الحيوانات في التجارب العلمية، كما تسارعت في الوقت الحالي وتيرة التوصل إلى تقنيات علمية حديثة تُغني عن حيوانات التجارب.

ومن بين مناهج البحث الجديدة ما يعرف باسم «أعضاء على رقائق»، وهي أنسجة مجسَّمة تُزرع على رقائق إلكترونية وتُخضَع لاختبارات علمية مختلفة.

وكشفت دراسة إحصائية أجرتها منظمة «بحوث خالية من تجارب الحيوان» في بريطانيا أنّ عدد الرسائل العلمية التي نُشرت في مجال علوم الطبّ الحيوي عن طريق هذه التقنية الجديدة فيما يخص 7 أمراض مختلفة ارتفع من نحو 25 ألف رسالة علمية إلى نحو 100 ألف رسالة بين 2006 و2022.

وتضخّ الصين أيضاً استثمارات ضخمة في هذا المجال؛ إذ أطلقت عام 2024 «منظومة مضاهاة الأعضاء البشرية المريضة»، وهي مشروع مخصَّص لتطوير مناهج بحث بديلة تُغني عن استخدام حيوانات التجارب، بقيمة 2640 مليون يوان (382 مليون دولار).

ويقول مؤيّدو هذه الفكرة إنّ مناهج البحث البديلة قد تكون أفضل من الحيوان في محاكاة الطبيعة البيولوجية للإنسان، والتنبُّؤ بشكل أفضل بمدى سلامة الأدوية الجديدة وفاعليتها؛ إذ كثيراً ما تُصنع الرقائق الإلكترونية بواسطة خلايا بشرية حقيقية مع تصميم النماذج الحوسبية الخاصة بها بواسطة بيانات بشرية.

ويقول خبير الهندسة الحيوية في معهد «وايس» للبحوث في مدينة بوسطن بولاية ماساتشوستس الأميركية، دونالد إنغبر، لموقع «ساينتفيك أميركان» المعني بالبحوث العلمية، إنّ التحوّل إلى التقنيات البديلة هو خطوة «مستحقّة منذ مدّة طويلة».

يُذكر أنّ جهود إيجاد بديل للاختبارات على الحيوان، وتنقيحها، والحدّ منها في مجال البحث العلمي تتواصل منذ عقود، وقد تراجع استخدام الحيوانات في مجال التجارب بالفعل في بعض الدول.

وتشير البيانات في بريطانيا إلى أنّ عدد التجارب العلمية التي أجريت على الحيوان تراجع من 14.4 مليون تجربة في 2015 إلى 2.64 مليون تجربة في عام 2024، كما انخفض إجمالي عدد الحيوانات التي استخدمت في التجارب في الاتحاد الأوروبي والنرويج بنسبة 5 في المائة بين 2018 و2022.

وخلال العقد الماضي، طوَّر العلماء نماذج مصغَّرة من الأعضاء البشرية يمكن استخدامها لدراسة بعض الأمراض، مثل السرطان والاضطرابات الوراثية، واستخدموها في ابتكار أدوية جديدة والتأكد من سلامتها.

وعام 2021، ابتكر فريق علمي نموذجاً مصغَّراً من الكبد البشري، واستخدموه لاختبار 238 من الأدوية التي تُستخدم لعلاج أمراض الكبد المختلفة. وتُعدّ النماذج الحوسبية من الخيارات المطروحة بديلاً عن تجارب الحيوان. وعام 2021 أيضًا طوَّر فريق بحثي نموذجاً حوسبياً لاختبار حساسية الجلد تجاه مركبات كيميائية معيّنة.

وتُعدّ هذه النوعية من الاختبارات بمثابة إجراءات قياسية للتيقن من سلامة عدد من المنتجات الصناعية والمنزلية، وكانت عادة ما تتطلَّب استخدام حيوانات التجارب في هذا الغرض.

وبنى الفريق البحثي نموذجاً حوسبياً باستخدام بيانات تخصّ 430 مادة اختُبِرت على البشر وفئران التجارب في وقت سابق، وتبيَّن من هذه التجربة أنّ هذا النموذج يمكنه التعرُّف بدقة على المواد الكيميائية. وقد صادقت منظّمة التعاون الاقتصادي والتنمية العام الماضي على استخدام النماذج الحوسبية لاختبار حساسية الجلد تجاه المركبات الكيميائية.

ويأمل الباحثون أيضاً في إمكان توظيف الذكاء الاصطناعي في مجال البحوث العلمية بدلاً من حيوانات التجارب؛ إذ تعمل جهات رقابية عدّة -مثل هيئة الدواء الأوروبية وإدارة الغذاء والدواء الأميركية- على دمج آليات الذكاء الاصطناعي في مجال دراسة وتقييم سلامة الأدوية والمواد الكيميائية.

ويؤكد الباحثون أنّ بعض الاختبارات التي تُجرى على الحيوان ستظلّ ضرورية في المستقبل المنظور. ويقول الباحث روبن لوفيل بادج، المتخصّص في مجال علوم الأحياء في معهد «فرنسيس كريك» بلندن، إنه «من الصعب دراسة الأنظمة البيولوجية المتكاملة التي تحتوي على شبكة من الأوعية الدموية والأعصاب، أو أنظمة التجارب، أو شيخوخة الأنسجة، بواسطة نماذج مصغرة أو أنسجة على رقائق إلكترونية».

وتضيف سارة بايلي، المتخصّصة في علم الأدوية العصبية بجامعة باث في بريطانيا، أنه من المستحيل أيضاً دراسة السلوكيات البشرية والأنشطة الإدراكية عن طريق نموذج حوسبي. وأضافت لموقع «ساينتفيك أميركان» أنه عندما يتعلَّق الأمر بدراسة تعقيدات علوم الأحياء، فإننا سنظلّ بحاجة لاستخدام الحيوانات في مجال العلوم الأساسية لبعض الوقت في المستقبل».


حادثة غريبة في الصين... الشرطة «تعتقل» روبوتاً بعد ترويعه امرأة

صورة مثبتة من مقطع فيديو للشرطة الصينية وهي «تعتقل» الروبوت
صورة مثبتة من مقطع فيديو للشرطة الصينية وهي «تعتقل» الروبوت
TT

حادثة غريبة في الصين... الشرطة «تعتقل» روبوتاً بعد ترويعه امرأة

صورة مثبتة من مقطع فيديو للشرطة الصينية وهي «تعتقل» الروبوت
صورة مثبتة من مقطع فيديو للشرطة الصينية وهي «تعتقل» الروبوت

أثارت حادثة غير مألوفة في شوارع مدينة ماكاو الصينية تفاعلاً واسعاً بعد أن احتجزت الشرطة روبوتاً بشري الشكل عقب ترويعه امرأة مسنّة أثناء سيرها في الشارع.

وانتشر مقطع فيديو للحادثة على نطاق واسع عبر الإنترنت، ما أعاد النقاش حول استخدام الروبوتات في الأماكن العامة وتأثيرها في سلامة المارة.

وفي تقرير نشرته صحيفة «نيويورك تايمز»، تدخلت الشرطة لاحتجاز روبوت بشري الشكل بعدما أثار الذعر لدى امرأة تبلغ من العمر 70 عاماً في أحد شوارع ماكاو.

ووقعت الحادثة الأسبوع الماضي عندما انتهى الأمر بالمرأة إلى المستشفى بعد مواجهتها مع الروبوت الذي يبلغ طوله نحو 1.3 متر.

كيف بدأت الواقعة؟

أظهرت مقاطع فيديو التقطها شهود عيان المرأة وهي تصرخ في وجه الروبوت، الذي يُعتقد أنه من طراز «Unitree G1»، ويبلغ سعره نحو 13.500 دولار.

وبحسب تقارير إعلامية، كانت المرأة تسير في الشارع وتنظر إلى هاتفها الجوال عندما لاحظت أن «شيئاً ما» يسير خلفها عن قرب. وعندما التفتت، فوجئت بالروبوت.

وقالت المرأة في مقطع الفيديو، وهي تصرخ باللغة الكانتونية: «أنت تجعل قلبي يخفق بسرعة! لديك الكثير لتفعله، فلماذا تعبث بهذا؟ هل فقدت عقلك؟».

تدخّل الشرطة

في الفيديو، يظهر الروبوت وهو يرفع ذراعيه في حين كانت المرأة توبّخه، قبل أن يظهر لاحقاً عنصران من الشرطة وهما يقتادانه بعيداً عن الشارع المزدحم.

وذكرت صحيفة «Macau Post» أنه «لم يحدث أي احتكاك جسدي» بين المرأة والروبوت، إلا أنها نُقلت إلى المستشفى حيث خضعت لفحص طبي قبل أن تُغادر لاحقاً.

روبوت لأغراض ترويجية

وأفادت التقارير بأن الروبوت مملوك لمركز تعليمي في ماكاو، وكان يُستخدم في «أنشطة ترويجية» في المنطقة.

وكان الروبوت يُدار عن بُعد بواسطة رجل يبلغ من العمر 50 عاماً، قال للشرطة إنه كان يختبر الجهاز بهدف تحسين طريقة تشغيله.

وعقب الحادثة، وجهت السلطات تحذيراً له بضرورة توخي الحذر، وعدم تعريض المارة للخطر أو إثارة خوفهم.

تفاعل واسع على الإنترنت

انتشر مقطع الفيديو للحادثة بسرعة على مواقع التواصل الاجتماعي، ما أثار موجة من التعليقات الساخرة. وكتب أحد المستخدمين: «يبدو أن الروبوت يحتاج إلى محامٍ أو إلى بعض الحقوق الأساسية»، في حين علق آخر مازحاً: «ستذهب إلى السجن يا صديقي».